إبراهيم محمود - الجسد بوصفه لحماً

هل من تعريف للجسد ؟ :
كيف يمكن التعريف بالجسد من زاوية لحمية، وهل يصح ذلك، أم ثمة مجاز اضطراري فني؟
نعم، اللحم مبتدانا اللافت، وهو القيّم علينا فيما يعرَف عنا في حيّز البحث عن مفارقات جمالية، كما أن اللحم منتهانا حين ينعزل عنا، أو يفارقنا، أو يكون التجريد من منظور الفصل بين اللحم وما يغطيه، وما يترتب على ذلك من خروج الجسد من جسديته، ويلقي به في خانة الهيكَلة.
في سياق متابعة الجسد الذي لما ينتظر المزيد مما يسمّيه ويكشف عنه، يبدو أن اللحم يمتلك من المؤهلات ما يجعله في الصدارة، للعب هذا الدور الاكتشافي، وذلك من خلال نوعية الدراسات أو النصوص المختلفة التي مسرحت الجسد، أو قاربته برؤى نقدية، أو تذوقية، وكان الحصاد في نهاية المطاف، هو التعرف إلى هذا الجسد المغاير، وما يمنح الجمالي المزيد من شرعنة الحضور، بقدر ما يرسم حدود الاتصال بين جسد وآخر، على صعيد النوع، بحِرَفية جنسانية.
إن اللحم هو العتبة الأكثر استشرافاً لحقيقة الجسد الذي وصل إلينا بأخباره وأطواره وغرائبياته الكبرى، لأن فتح ملف اللحم العائد إلى الجسد، يرينا لكم هو موضوع في خانة المغايرة السالبة، كونه يسمّي الدنيوي، حيث التعرض للتحلل، أو التفسخ، وكأن رؤيته بمثابة تجلي الدنيوي، وأن قراءة أحوال الجسد، وما هو عليه زمنياً وتبدل أحوال يتم من خلاله، وما فيه من نسَب أنثوي، وهنا يكون الانعطاف الأكثر خطورة أو جلباً للانتباه، حيث يصرَّف الاسم بإحالته إلى الأنثى، بما أن هذه في الحكاية التوراتية، أو الثقافة الشعبية والدينية إسلامياً، تعرَف بآدم الأول تكويناً، وأن حواء كاسم وكحقيقة وكتحول رهينة اللحمي، وما هو معمَّم من خلاله، ليكون الجمالي في سياق الثقافة التي تعنونه يكتسب حضوراً ذكورياً، أي ما يشدد على وضع تفاوتي بينهما..
إن أي حديث عن اللحم، يكون استناداً إلى لحم معين، لحم خاص، مجرَّب، له خبرة، أو يسمّي أحداً ما، ولا يكون مجرد لحم، وفق تصور ذهني، وإن بدا اللحم في سياقه التخيلي، مشفوعاً بما هو جمالي، يحيله إلى جهة أخرى، بنوع من التأبيد، فلا يكون كلّي الإحالة، إنما يكون موضعه أو موقعه الكائني، الشخصي، أو النوعي، وكذلك الزمكاني هو الذي يعاين فيه قسماته وملامحه.
هذا يحتّم علينا أخذه في هذا الاعتبار الذي يمنحه شرف الأصالة والحضور أيضاً (لم يكن اللحم يوماً ما مأخوذاً باللاتسمية (نكرة)، إنه مسمى دائماً وبتفاوت من مجتمع لآخر. اللحم يدخل في صراع مع الذاكرة، والذاكرة تعاود التأصيل في متن اللحم دون ترك هامش يُذكر.)(1).
يعني هنا، أن الواجب، واجبنا إزاء لحمنا، وما يُعتمل فينا من مشاعر وأحاسيس، من خلاله، يُعد من الأولويات الكبرى، لأن هذا اللحم المتَّهم بالفساد، والمقاوَم من الداخل، وباسم الدين، أو حتى على مستوى زهديات الجسد، يظل في مختلف الحالات هو نفسه، ويعني ذلك أن جملة القيم التي ترفضه من موقع اللاثبات والفنائية، لا تنفصل عن تلك القيم التي تستبقيه، وتضفي عليه أكثر من قيمة جمالية، ليكون هذا اللحم شتاتنا وافتئاتنا، وحدتنا العضوية، وملاذنا الرحمي الجماعي، كما أنه تغريبتنا في الوجود، ومعبرنا إلى الخلود، إنه حاضنتنا المجازية اشتهاء لمرغوب ما.
وأن يكون اللحم، لحمنا الذي نسمّيه، بينما هو الذي يوفر لنا فرصاً لمقاربته، أو محاربته حيناً، والقبول به والتقرب منه واستجداؤه حيناً آخر، أن يكون في مثل هذا التنوع، يعني ذلك أن ليس في الإمكان تجاوزه، أو نسيانه، لأنه في الحالات مجتمعة يظل صاحب فضيلة مائزة.
إن هذه المزايا والألقاب والمشاهد التي تؤول إليه، تتناسب مع مجمل ما هو متصور عنا بشراً أو كائنات في وجود غير موفور السمات التي تضمن لنا معرفة دقيقة عنه، ولكن ذلك لا يشكّل نقصاً أو مثلبة فيه، إنما تاريخه الذي يتماشى مع تكوينه تقلباً وتغيراً، وما وضِع باسمه من قيم أو نصوص ميثولوجية ودينية، ورسم من لوحات أو سواها، إنه لحمنا الذي ننظر فيه وهو الذي يفعّل فينا هذه النظرة المحددة، كما لو أننا كثر، وهذا يترجم بعضاً لافتاً من أثرياته الجمالية، أي ما يجعل الجسد المغاير فينا أكثر حاجة ودعامة من الدراسات التي تروم اكتشافه دائماً، لأن ليس الجمالي إلا معايشتنا له، إيماننا به، توقنا إليه وهو يتلبسنا أو يحوطنا، أبديتنا وهو الزائل بنا.
ثمة إذاً سلسلة من الانحرافات تتمثل في التعريض به خارجاً، وقد جُعل موضوعاً، بينما هو لا يغادرنا تفكيراً وتخيلاً وتذوقاً روحياً للمتعالي، إذ ليس الآخر إلا ما هو متلمَّس أو محسوس، إنه الهندسة الاعتبارية والمتداخلية في تكوينها المعماري والطوابقي والرحالة فينا وبنا، هندسة فذة لا تتجاوب مع أرقام وإحصائيات وإحداثيات إلا ليشكل ممانعة ومكراً بهؤلاء الذين على قناعة تامة، أو نحوها بصواب سلوكاتهم ونتائجهم في مواجهته، بينما العملية لا تخرج عن الافتراضي أو المجازي، وكل ذلك يمثّل تحدياً مضاعفاً، لجعله قاسماً مشتركاً أكبر يتولاه من يعيشه، وهو في مفترق طرق، لئلا يقطع في الكلام، لتكون النسبية معبراً إلى الجمالي، ويكون المأسوي، في طريقة معايشته، نابعاً من هذا الحضور والغياب، تكون المعاناة استشعاراً للفني فيه هنا وهناك.
مداخل: مشاغل جسدية :
ثمة طرق كثيرة تقودنا إلى الجسدي فينا من منظوره اللحمي، وما ينطوي عليه من تنوع أبعاد.
أجدني هنا، مستعيداً «الثعلبي» أو « النيسابوري الثعلبي، ت 427هـ» في لحظة إسلامية لا تخلو من توليف اعتقادي، وحكائي في الوقت نفسه لجسدنا لحمياً، من منطلق التفريق النوعي بين ما هو ذكري وأنثوي، حيث يستوقفه حديث نبوي مشهور بصدد الضلع الأعوج، وضرورة التنبه له، نظراً لخطورته إن تعرَّض للكسر، باعتباره معوجَّاً، وما استرسل فيه إثر ذلك، وفي سياق بعيد عن الاستناد طبعاً، لكنه لا يفارق الذاكرة الذكورية، لا يمنع من مساءلة مرجعه الثقافي أو الفكري نفسه، وكيف قيّض له أن يتحدث بالطريقة هذه، وهي زعمية: حكائية، والمثبت فيها هو ما يغذّيها ويستبقيها رحالة أعصر( وقيل الحكمة في أن الرجال يزيدون على مرور الأيام والأعوام حسناً وجمالاً لأنهم خلقوا من التراب والطين يزداد كل يوم حدة وجمالاً، والنساء يزددن على مرور الأيام قبحاً لأنهن خلقن من اللحم، واللحم يزداد على مرور الأيام فساداً..)(2).
هذا التقطيع لخبر، يؤتى من معينه الثقافي والاعتقادي، لحظة التفريق بين العظمي واللحمي، أو ما يجعل اللحم في واجهة الحدث، كما لو أن الرواية المطلَقة تستهدف المطلَق، بقدر ما تستهدف البقاء إلى الأبد، لأن لا تاريخ محدداً لها، كما لا مكان محدداً لها سوى أنها تقيم في ذاكرة، وهذه تشير إلى تاريخ تقريبي، إلى بيئة مجتمعية ودينية، شكَّلت خميرة الحكاية وراعية لها كذلك.
يستعيد العظم رمزه، أو خاصيته من التراب المتحرّك بأمر إلهي، بلمسة إلهية، بيد من فوق، أي يكون التكوين الآدمي مراعى إلهياً، بينما يكون التكوين الحوائي لاحقاً كما لو أن الوجود اللحمي الذي اُختصَّت به حواء هو الذي أحالها إلى خانة الاتهام مباشرة، وأضفى عليها حضوراً لا يخلو من تراجيديا إثمية مؤبدة، كما لو أن جسد الذكر في منجى من التبدل، أن ليس المتحكم فيه، أو المصوّر له هو لحمه، في هويته وفي النظر إليه، إنما ما هو خفي، عظمه، بمجاز مقلق للفكر.
التعريض بالمرأة من زاوية لحمية، إيقاع في أحبولة نظام ذكوري، هو نفسه مورَّط فيه، طالما أن الجاري هو نفسه قائم وفق متحوَّل لحمي. اللحم هو المشهد وشاهد العيان والصورة ثلاثية الأبعاد، ولا استثناء للرجل، بقدر ما يسائل أحياناً عن مناقبية العظم، وهو يتوسل اللحم، أي ما يجعله في دائرة المواجهة من الداخل، وهو ملحَق بالمرأة، أي داخل في صيرورة اللحم ضمناً.
ليس من حيلة للكشف عما هو خفي أو يعتقَد أنه خفي وعصي على الانكشاف، سوى في هذا التقريب بين الاثنين، كما هما في الأصل، إذ ينتميان إلى خاصية اللحم، ويتعرضان لمؤثرات لا تعدو أن تكون لحمية، وأن الحكمة اقتضت إمكان المقاربة من هذه الزاوية المنفرجة، لرؤية ما هو متجلٍّ أو متضمن في حيثيات اللحم، بالطريقة التي تهدّئ من روع الاثنين، شعوراً فعلياً منهما أو فيهما، ان ثمة مصيراً واحداً يسمّيهما، وبالتالي، فإن جمالية رؤية اللحم، أو ما يضفي على المكاشفة الجماية قيمة اعتبارية، هو هذا التفاعل الاثنيني، والشعور بالآخر، بصفته المغاير والمأهول بحضور نظيره أو مفارقه الذاتي، لكنه المكتمل به، حيث يكون الزمان والمكان، أي ما يبقي اللحم في حيّزه الدنيوي، دون رفض الأخروي، أو الميتافيزيقي، لجعل خاصية المشاركة أكثر إثراء للحم نفسه، اللحم الذي يكفل توجيهاً أفضل لهما في الطريق المعبَّد.
وكما أسلفت، فإن الحديث عن لحمية الجسد الأنثوي، يعيدنا إلى البدايات المبتدعة، حيث يكون أصل الانحراف أو الخطيئة بمعنى آخر، مسمّياً لعبة المرأة، أو ضعفها في التكيف مع التاريخ، أو رسوبها، إن جاز التعبير، في الامتحان الإلهي، خلاف الرجل، ويعني ذلك، أن تعزيز المرأة عبر جسدها بما هو لحمي، إنما يضعنا في الدائرة سخونة وافتئاتية، دائرة التنسيب القسرية، أي حيث تكون الدنيا بمقامها المؤلم والصعب، ذات علامة أنثوية، وما كان لها أن تكون، لولا ذلك المزلق التاريخي القاتل، جرَّاء تناول الثمرة المحرَّمة بيد أنثى: حوّاء، والقضم لحمي، والبدء هو لحمي، والحلول في الدنيا تكون بعلامة لحمية، خلاف الرجل الذي يكون ماورائياً غالباً، ومن هنا جاء هذا الربط بين الدنيا، من ناحية التجسيم والتمثيل، والمرأة، على صعيد الغواية، وأن أي اشتهاء دنيوي يسمّى اللحمي، والمثير العجيب ينعطف على جسد المرأة، كمجال لتذوق يفتن، وأن الشهوة ذاتها ارتبطت بهذه الغواية العائدة إلى الدنيوي، وقد تداخلت الدنيا هذه والمرأة، أي يكون اللحم في أصوله الكبرى من عوائد المرأة حصراً، وفي الوقت نفسه، يكون الجمال ذاته، من المظاهر الحركية والغوائية الكبرى، للإيقاع بالجسد، كون الجمال يستقرئ الداخل، أو لأنه يفضي بالمأخوذ به إلى ما يجهله، وهذا يقوده إلى مصيدة أو أحبولة المتعة المهلكة أو الآثمة، ومن هنا أيضاً، كان خيار الجمال في انتقاء المرأة، في سياق الزواج مؤجلاً إلى الدرجة الثالثة ترتيباً، بعد الدين والمال، لأن الجمال يضم الجسد إليه، ويتخلله، بقدر ما يجعله منصَّة إطلاق لكل ما يميّزه أو يقرّبه من وسطه أو يقصيه عن محيطه، حيث الجمال استقطابي،أضف إلى ذلك أنه استئثاري، ويكاد يغطي على ما عداه من المظاهر الأخرى، بنفاذ فعله، والأهم من كل ذلك، هو أنه يرتبط بالدنيا مباشر’ فكأن فعل الإغواء من خلال واقعة الثمرة المحرَّمة، تنم عن وجود اسطرلاب داخلي، شغال ليل نهار، يتم من خلاله رصد هذه الواقعة المركَّبة، وتسجيل المشهد بدقة وبالطريقة التي تؤبّدها ما بقي الذوق الذكوري قائماً ومسيطراً أيضاً، والجمال من هنا، وهو في تجلّيه الدنيوي، يتأصل في الجسد الأنثوي، في لحمها المراعى بلمسة إبليسية بالمقابل، ولهذا كان الربط بين المرأة والدنيا، بينها وبين الجمال، بين اللحم والأنوثة، بين الشيطان واللحم(3).
يتضح إذاً، ومع بقاء طريق التأويل والحوار سالكاً، أن التخوف من مبحث الجمالي، وما يرتد إليه في النسَب والنوع، وإشكاليات الجنوسة المضمرة والخفية، هنا وهناك، ربما كان العائق أمام تنمية مفهوم الجمال بدقة أكثر، وإبقاء الجسد باعتباره لحماً يسمّي الاثنين دون حقيقة تكوينه، وأن هذا التاريخ الذي نقرأه، تاريخ عالم الجمال، يستأنس بالعظم أكثر من اللحم، وإن منح اللحم بعضاً من الزمن، فهو ساد أنفه، ويكون العظم مؤولاً، أي يكون الذكر ذا اعتبار، خلاف المرأة التي تكون مقدَّمة على طبق الذكورة الذوقي، باعتبارها مستمرأة، أي قابلة للهضم، ولو بخوف، كما هو الاشتقاق المنعطف عليها، وهو غريب ومختلق أيضاً، فالهضمية لا تستثني أحداً هنا!
والحديث عن الهضمية يفعّل حديثاً عن البعد اللحمي العميق للجسد، إذ يؤول إلى ما هو دنيوي، وإن كان هناك الحق بالاحتفاظ بما هو سابق على ذلك، بمؤثّر ديني هذه المرة، أي حيث يكون هناك إقبال على الحياة، عبر تمثيل جسدي، ينبض، أو يخفق، أو يستشعر المحيط الخارجي، من خلال الحضور اللحمي فيه، إي حيث إن الحية تسمّي لحمها، أي ما يتناسب وتحولاتها وإلا لكان هناك ما يقلّل من خاصية التمثيل اللحمية للحياة بالذات. إذ نقبل عليها فبلحمنا، وإذ نرغب عنها، فمن خلال سلوك لحمي، وفي الحالتين يكون لدينا ضربان من المشاعر المرافقة، وهذا ينطبق على أي مسلك لنا في الحياة، من خلال الولادة أو التوديع أيضاً، فلحمنا هو ما يعلِمنا، وهو ما يمتعنا أو ما يجعلنا نشعر بانقلاب «الزمن» علينا، أو حين ننتقل من وضع لآخر كما لو أن هناك تواصلاً دائماً بين كل من الحياة، أو الدنيا، واللحم الذي يحدد لنا مواقعنا، وأهواءنا، وهيئاتنا..
ولعل المفيد جمالياً، الحديث عما هو فرويدي الذي كان فيلسوفاً شغوفاً بخاصية التقلبات اللحمية، من خلال انشغاله بما سمّاه «الليبيددو»، أي اقتسام الجسد بين الإيروسي والثاناتوسي، أي بين ما يعيّن اللحم حياتياً بأهلية التكيف والاندفاع، وما ينزع عنه الأهلية تلك، بغيات تلك الأهلية، حيث يحل الموت، ومن ثم اختفاء الجسد بمعناه الحسّي أو الحياتي، وبالتالي، غياب كل أثر للكائن الذي كان يحيا سابقاً، وما كان لفرويد أن يعيش هذه التغيرات إلا عبر معاينة لما وراء جملة من التخطيطات التي تؤصّل حضورها لحمياً، في متتاليات الغرائز أو الـ: هو، والأنا، والأنا الأعلى.
حيث إن الإنسان يكاد يكون حصيلة هضمية، بما أنه يحمل مردودية عالية أو منخفضة، مما هو عليه قيمياً، من خلال تموقعه الجسدي في المجتمع أو البيئة، وفي الوقت الذي تبدو فيه الغرائز التي تمارس دورها، تنفتح على أكثر من اتجاه بمعيَّة لحمية( فالرغبات الغريزية التي تعاني منها الأمرين تعاود الولادة مع كل طفل. وثمة طبقة بكاملها من الكائنات الإنسانية، من المصابين بالأمراض العصبية، ترد على تلك الضروب البدائية من الحرمان بالنفور من الحياة الاجتماعية. هذه الرغبات الغريزية هي رغبات حب المحارم وأكل لحم البشر والقتل..)(4).
ربما يعني ذلك، أن ما يضيق الخناق على الإنسان هو موقعه المحصور بين ما يعيه بلحمه، وهو في الطبيعة، وما يكون عليه وضعه المجتمعي، إذ لا يعود مستقلاً بأي قرار يعنيه شخصياً.
الحديث عن الرغبات ذات صلة بمقتضيات اللحم النابض بالحياة، رغبات تتوزع في الجسد، مثلما أنها، وبناء عليها، تتجاوزه، حيث تكون الثقافة أو القيم المثلى، إنما يبقى الهضم بمعناه العادي: الطبيعي، والمجازي، هو المتقدم على مفهوم الجسد، والمحفّز على ضرورة مراعاته، وأخذه بعين الاعتبار في أي مرافعة أو مساءلة جمالية محض أحياناً أخرى، لأن الهضم هو الذي فتح بوابة الدنيا، عبر تناول الطعام، والانتقال في الأرض، وأن القول بأن فلاناً من الناس بمهضوم، أو حتى قول أحدهم عن نفسه، ومن باب التباهي والتحدي «أنا لحمي مر»، أو ما ورد في سياق أغنية شعبية» أكلك منين يابطّة»..الخ، إحالة للباحث إلى ماض تليد، أو موغل في القدم، وفي الصياغات السالفة، بدا أن الهضم يستدعي اللحم وتنوع أنشطته، ومشاعر تتلى في السياق ذاته، ولعل فرويد كان آثارياً يبحث في طيقات الجسد واللحم وتنضيداته، كما هو شأن العالم الآثاري، وهو يحفر في موقع أثري، وتداخلت فيها الحضارات والثقافات واللغات، وما كان يقلقه هوإمكان تفكيك أصول الجسد، عبر تجاوز الجلد، وتبين ما تحت اللحم، أو من خلاله، وما يصل كلاً من الهو والأنا والأعلى بالآخر عبر متحولات لحمية، يكون التذوق متبدلاً فيها، حيث تتقابل الكوابت مع الصوامت، إن جازت التسمية: الأرضي مع الجسدي، وبالتالي مجدداً، يعود للهضم فضيلة هذا الاكتشاف المستمر والمتشعب للحم ومزاياه المؤثرة في الجسد المغاير.
وفرويد تشريحي ومنقب في الجسد بحياوته، بقدر ما يراعي البعد الثقافي فيه، كما في قوله الذي يضيء ما سبق البحث فيه، وهو المؤكَّد عليه في الحياة وصلة القربى العضوية بها (ليس للمرء أن يدافع عن نفسه الشعور بأن بني الإنسان يخطئون بصورة عامة في تقديراتهم. ففي حين تراهم يبذلون قصارى جهودهم للفوز بالمتعة أو النجاح أو الغنى، أو ينظرون بعين الإعجاب إلى كل ذلك لدى الآخرين، تجدهم يهوّنون بالمقابل من شأن القيم الحقيقية للحياة..)(5).
هذه العبارات في التحليل اللغوي الجمالي، ترفع من نصاب التذوق الجمالي لدى فرويد، بما أن لدينا قائمة منها، كما هو المدوَّن في المقبوس، وهي العبارات التي تترجم سلوكياتها من داخل الجسد الممثَّل في لحم تتفاوت أنشطته، أو يسهل النظر فيه، وضبط حركاته، وفهم سويته، أو ما هو عليه من خلل، ليكون الهضم منطلقاً منه، وعائداً إليه، وربما عبر تحديده النوعي كذلك.
وهنا أشير إلى باشلار، أكثر من حاول التوأمة بين سلفه القريب منه: فرويد نفسياً، وما أثاره هو ثقافياً، وبمحيّا الجمالي، في تفعيل ميكانيزم اللحم جمالياً، أو « أسطورة الهضم»، لحظة استشراف الأعمق والأرحب، بقوله (الهضم وظيفة متميزة تعتبر قصيدة أو دراما، وتعتبر مصدراً للغيبوبة أو للتضحية. بالتالي يغدو الهضم في منظور اللاوعي موضوعاً تفسيرياً يعتبر تقويمه فورياً وثابتاً. لقد تعودنا على التكرار بأن التفاؤل والتشاؤل هما قضيتا معدة..)(6).
ولا يخالجني الشك، ولو للحظة واحدة، أن باشلار المأخوذ بفذاذة الجمالي، وعراقته المضمرة في التاريخ، يحيلنا على الهضمي بمأثوره الفرويدي، ولكنه يحتفظ بحق التسمية المستترة، عندما تحال الأسطورة هذه إلى المرأة، بدنيويتها،أو عبر مفهوم» الأم الكبرى» بهالتها الميثولوجية، وهو الذي يفترش المكان كما يستدعي الزمان بين طياته، أو بالعكس، رغبة في اكتشاف المزيد، أي من خلال فاعلية أسطورة الأرض وارتباطنا بها، من خلال لحمية المرأة: الأم، وما تنطوي عليه من سر( إن الأرض في بعض العقائد الكونية القبعلمية، تعتبر كجهاز هضمي واسع..)(7).
بين الهضم واللحم، ثمة الأم الكبرى، الأم الميثولوجية، الأولى، إنما الأهم والأولى بالتذكير، ثمة المرأة التي تحيل إليها الدنيا، باعتبارها لحمية النسَب. تُرى من منا يستطيع ادّعاء النقيض هنا؟
إن الربط المفعَّل بين الهضم واللحم، هو تعزيز مقام اللحم، بقدر ما يكون عنونة لحقيقته، داخل الحياة وبها، لأن الحرمان من الهضم يعني الموت التدريجي، ولأن اللحم هو الذي يستقدم معه، جملة من المشاعر والأحاسيس التي تتنوع، على قدر ثقافتنا واكتشافنا لعلمه، حيث إن معارفنا التي تشمل ما هو تلاحمي أو ما يشير إلى مفهوم اللحمة الوجدانية أو الوطنية، أو الالتحام.. ليست أكثر من الاعتراف بمزايا اللحم، واستشرافه الحياتي، والمرأة هي التي تمكّننا من الدخول في هذه المعادلة الحياتية لحمية المنشأ، أي حين يصطبغ اللحم بالنوعي والجمالي في العمق.
الهضم، من ناحية ثانية، يشير بالبنان إلى المرأة، إلى أنها كانت وراء هذه الأسطورة المندغمة في الحياة، لا بل لا تعدو أن تكون الحياة مسرحة لما هو لحمي، إذ الهضم متضمَّن في اللحم، بقدر ما يكون اللحم معتبَرا من خلال استمرار وظيفة الهضم وما ينبني في الجوار من تصورات وتمثلات ذات سوية عالية، أو هواجس، أو ارهاصات نفسية واجتماعية ترتد إلى مخيال لحمي..
لهذا كان صائباً ذلك التحديد الأفهومي الفلسفي والجمالي المفترض بين نشأة الكوني، وما يستلزم النشأة هذه، وموقع الإنسان في عملية النشوء والتحولات المختلفة، ويتحد الزمان والمكان في بنية اللحم( السقوط يتمركز رمزياً في اللحم: سواء اللحم المأكول أو اللحم الجنسي، والتحريم القاطع للدم هو الذي يجمع بين الاثنين…)، ومن ثم ما يضفي على اللحم مشهديات حية، إنما أيضاً في غاية المأسوية، وباسمها يباشر الجمالي مهامه الجليلة حقاً، إذ ينشد الخلود، بجعل اللحم مؤمَّماً عليه فنياً (فاللحم، هذا الحيوان الذي يعيش في داخلنا، يدفعنا دائماً إلى التأمل بالزمن. وعندما يُرفض الموت والزمن أو يجابَهان باسم رغبة ملحة في الخلود، فإن اللحم بكل أشكاله، خصوصاً اللحم الشهري الذي هو الأنوثة، يُخشى ويُرفض لكونه حليفاً خفياً للزمن وللموت..)(8).
متحري اللحم يتبع هواه العلمي والتاريخي، وهو في بنية تشكيله الاعتقادية، يغيّب علامة فارقة في حيّز البحث، أي ما يحفّز فيه فضوله الذاتي والمعرفي، لاحتواء اللحم، كما لو أن اللغة التي تعود إليه تكويناً تتهجى اسمه، بينما الصمت الذي يتخلل مسامات اللحم، نبضه، ثراءه، يعايَن الأنثوي، وهي المفارقة التي ترسم صدوعاً لا تردَم، وتحول دون تهدئة القائم بذلك، لوقوعه بين حدّي المسمَّى والمتجاوز له، وهذا يستوجب استدعاء قوىً نفسية مغايرة، لاستلهام أمثل طبعاً.
وفي مسيرة جماليات اللحم، من الصعب رؤية خطوط مستقيمة، أو واضحة، أو دقيقة، لا بل إن من المستحيل الإبقاء على جملة المعلومات أو النظريات وقواعد الاستقصاء البحثية المرتبطة بما هو جسدي، ومن ثم إضفاء مسحة من اليقين والمصداقية، حيث الجسد بوصفه لحماً مغايراً، يتحدى المسمّي، وينتظر علاقات من نوع مختلف، كما هو مردود القائمين على هذا المبحث في تعدد أصوله ومناخاته، واختلاف أمزجتهم، وحتى تضارب وجهات نظرهم، وكأني بالجمالي، يروم من خلال هذا التنبيه، إلى اعتماد وسائل أخرى، إزاء هذا المتحصَّل كارثياً هنا وهناك.
يعني ذلك في الحال أن لدى اللحم مؤهلات مذهلة في جعل الجمالي حقيقة ذات ترددات عالية، أو في إضفاء مسحة من الأسطرة متعددة الأنواع، ومظاهر تكيف مع رغبات تباغتنا أحياناً بما فيها من استحالة، ولكن اللحم يمرّرها لنا، حيث الشعور بغبطة، أو نشوة التلقي والمعايشة.
لا يعود اللحم في أصل تشكيله وتحويله مجرد الجلد الذي يحيلنا إلى ساعات دقاقة، تنبهنا داخلاً قبل كل شيء، إلى فعل الزمن فينا، وهو فعل العضوية الموقتة طبيعياً، إلى ضرورة التنبه إلى مؤثر الثانية ودونها في النشاط اللحمي، حيث الجلد نوع من التنكر أو القناع الذي يقلقنا بسرعة تعرضه للتلف، أو تغريبة قابليته للتحول والتلون والتأثر بمتغيرات الخارج، وانعكاس مشاعرنا وانفعالاتنا، أو ردات فعلنا تجاه حالات معينة، كما لو أننا مقروؤون على سطحه ومن خلاله، لكن الجلد نفسه هو امتحاننا، هو فكاهتنا الجمالية، طرافة الجمالي، فذلكاته أحياناً، رعونة القيمي في مسارات وعظية، لحظة الإصغاء إلى ما يشبه الصوت يخرج من بين مساماته، وهو يتجعد، أو يتعرض لخربشة خارجية، أو ينكمش بمؤثر داخلي: انفعالي وسواه. وفي مفارقات الجلد الذي يكون اللحم ولا يكونه، يسمّيه ولا يعنيه بدقة، ترتسم حدود علائقنا بالعالم الخارجي، كما أننا لا نكف عن التغير في الموقف مما نعيشه داخلياً، حيث يتعرض الجلد لصنافة هائلة، فولكلورية من التحريات في النظر والمكاشفة والمساءلة والحساسية المفرطة فيه، كما أنه الواجهة اللافتة لجملة أنشطة تشير إلينا من منظور الخير والشر، حيث نكون مكشوفين لآخرين ولنا من الداخل، بقدر ما نتابع مصائرنا في التحول والانقسام، في تحديد مدى الضبط النفسي، وحلاوة الدم، أو خفته، أو سوى ذلك من الأحكام التجويدية ذات الصلة بطريقة تقبل المقابل لنا، هيئاتياً ولونياً وكلاماً، وكأن الجلد هو الذي يتكلم، كأنه هو الذي يعرّفنا بمحيطنا، وهو الذي يقودنا، ويموقعنا، بينما نجد أن اللحم، وهو الأعمق منه، هو الذي يعزز حضورنا، لحمنا الذي نعتمده كثيراً جداً، في ارتسام الحقائق كثيراً بالمقابل، حيث تكون مغامرات واستهداف أفكار وتصورات تتجاوز- كثيراً- ذلك المتغير الجلدي، عبر شعورات بأننا ثابتون في الزمن، مقاومون لمؤثراته، خارج مرئيات الجلد في نحو عضويته، وصرف حيويته، لكأن اللحم هو الجامد والجلد هو المشتق، لكن الوضع أكثر حضوراً وإيقاعات انتظام وتبدلات من علاقات يمكن تسييرها هكذا أحياناً، لأننا نعيش شبوبية أو شيخوخة نفسية، أو طفولة نابضة بالمتعة، وفرفشة لا تُحد، دونما نظر في الجلد، كما هو شأن الذين يعتبرون الحياة مرتبطة بدورها باللحم المتخيل، ومعايشة في عوالم لحمية، حتى لو أننا أعلنا عن بلوغنا حافة النهاية، بينما الممارسة الكتابية أو الإبداعية تشي بسر لحم ممتع، وهو أن ليس من حافة للحم، حيث يكون النبض، كما لو أنه يستجيب لمتعة الجمالي، ما دمنا قادرين على التنفس وإمكان الكتابة، كالمتقدمين في العمر، وهو يستشعرون روعة الحياة إبداعياً.
سلاسل وأقنعة :
إنها سلاسل التمويه والأقنعة والمناخات وتراكم الحالات وتداخلاتها للحم يسمى بمفردة واحدة، لكنه سرعان ما يستحيل تنوعاً، حدوداً دون حدود، مفارق ومنعطفات، طرقاً ومتاهات، معابر خاصة وعامة، ساحات مفتوحة ومرصودة، سكنى أشباح، تداخل أصوات، وأنفاقاً، وإزاحات بكائنات، مقامات موسيقية وما يعصى على التسمية الموسيقية،، ما يُخجل وما يفرح، أكثر من ذات ضرب أكثر من موضوع، بينما يقول اللحم بيقين لافت: لا ذات ولا موضوع إلا اتفاقاً..
دون ذلك كيف يمكننا تفهم هذا اللحم الذي نكونه ونكوّنه، نعيشه ويعيشنا، نتأهل من خلاله محلياً وعالمياً، نفقر باسمه ونغتني، نحدد إخفاقاتنا ونجاحاتنا، سبل عيشنا، مغامراتنا الطائشة واللذيدة، مراهقاتنا العضوية والنفسية، استهواءاتنا وصرامة مواقفنا، تقبل الآخر أو رفضه لنا…الخ؟!
ثمة العجيب المثير للدهشة، وربما العجيب الذي يحدّد مستوانا الثقافي، رباطة جأشنا فيما نعيش ونفكّر، العجيب المرتبط بالرائع والمريع، من ذات اللحم الذي يتموقع بصفة تذوقية معينة. إنه لحمنا الغر أو الساذج أو المترابط، أو السوي، أو المحكَم، أو الملتبس، عبر سلوكيات ترتد إليه.
ربما من هذا المنطلق جاءت فذاذة رولان بارت اللحمية، مغامرته المتخيلة لحمياً، مناوشاته في الخارج والداخل، تنوع أصواته وهيئاته بالنسبة للحم واحد: لحمه الشخصي أو المتصور، وهو في موضوع( لذة النص)، حيث اللذة لا تنفصل عن مؤثرات لحمية مهما قيل في ذلك من مجاز.
إن فضيلة الأثر النصّي بجدّته اللحمية، تكمن في أنه حاول توسيع حدود مفهوم اللحم، ارتاد من خلاله وباسمه دائماً ما يشبه كواكب أخرى، عوالم مشبوكه بإحكام، إنما تستثيرنا لحمنا وتثيرنا.
إن لذة النص ليست أكثر من إيقاعات قديمة وجديدة معاً، حيث يتلاقى القديم بمفهومه النسيجي، أي النسيج العضوي، بالجديد والمستحدث، بمفهومه النسيجي الكتابي، أو الافتراضي تشابكياً.
إنه الذهاب باللحم وجمالياته الحيوية المركَّزة إلى أبعد مدى منشود، في استثمار المتحصَّل مما هو علمي وفلسفي وأدبي، وما هو نتاج الفني والإعلاني والتقاني أيضاً( إن حُميّا النص[ أو براعته]( وإجمالاً، بدونها ليس هناك نص) قد تكون هي إرادته في إثارة المتعة: أي هناك حيث النص يتعدى الحاجة ويتجاوز الثغثغة ويحاول أن يطغى على سيطرة الصفات ويقهرها- الصفات التي هي أبواب اللغة والتي من خلالها ينسلُّ الإيديولوجي والمتخيل بزخم كبير..)(9).
كل الدروب تؤدي إلى روما، إنما كل الدروب تؤدي إلى اللحم، حيث يكون الظاهر والمستتر!
جمع بارت في جعبته ذات المقام اللحمي، بين العضوي والمجازي، وباستلهام لحمي مغاير، الأمر الذي سمح للجمالي في أن يتجول بين الكلمات، ويعاين استطالات الخيالي وذبذباته.
المتعة تعني اللحم، إنها تنطلق منه، دون اللحم، كيف للمتعة أن تسمى. إنها تسمية وتسعى إلى نوع من الاستقلالية للمد في عمرها الذاتي، تشب عن الطوق!؟ اعترافاً آخر بقدرة اللحم على هذا الرفد الشيق، على أن لا مانع أن يعيش أحدنا متعته النصية، متعته الروحية، كما لو أنه كائن لالحمي، ولكن حذار من الغفلة، من حالة التجاوز، لأن المآل لحمي، وصاحب الفضل لا يُنسى.
وبين لذة النص ونص اللذة، يتراءى اللحم فعلاً متعدياً لاسمه، أكثر من فعل وأكثر من اسم، لأن المتصرَّف به يمنح لغة المؤهل قابلية تحرك وتصرف تتناسب وموهبته ونوع ذائقته، وبراعته في التبين لحمياً بالتأكيد( لذة النص، نص اللذة: هذان التعبيران ملتبسان إذ لا توجد لفظة فرنسية تدل في آن واحد على اللذة (الرضا) والمتعة ( التلاشي). إذن فـ«اللذة» هنا ( ودون أن يكون لها قدرة على الإشعار بذلك) هي تارة تتسع لتشمل المتعة، وتارة تكون معارضة لها.)(10).
بين الحضور والغياب لشعورات متفاوتة، لحالات لذة ومتعة، حيث يكون التفسير والتأويل، باعتبارهما توأمين متقابلين، ومتداخلين، ويتحركان حدودياً، وأحياناً يتناوشان فيما بينهما، وثمة حالات هدنة وإقرار لكل منهما بحق التسمية والتمايز، إنما يظل الحقل المعتبَر واحداً، وهو اللحم الذي يحيلهما إليه، لأن الشعور بالمتعة أو اللذة،يحمل بصمة لحمية، إيقاعاً صائتاً أو صامتاً به.
ليست المسألة بينية إنما هي تركيبية، حيث يتم الفصل والوصل بين خاصيات اللحم بالذات، إنما في السياق الذي يتراءى فيه اللحم أكثر استجابة لرغبة الباحث أو المتحدث، ويعني ذلك أن ثمة استساغة قائمة في اختيار مشهد مستخلص دون آخر من اللحم، كما هو متصوَّر، وأن العملية لا تعدو أن تكون من طبيعة اللحم بالذات، من جهة سرعة توافقه مع المتردد عنه، حيث يتلبسنا في كل معايشة شعور توافقي، أو علائقي ما، أو استباقي، يطال حديث اللحم الضمني وهو صامت، أو يتشكل في جمل أو كلمات، أو سلوك حركي، له إيماءاته وإيحاءاته، تأكيداً على مرونته هنا.
وأن يكون اللحم متجاوباً مع طريقة دون أخرى، أو مختلفاً في كل استجابة فذلك يعود إلى بنيته العضوية، ومؤثرات الجاري يومياً وسلامة الجسم، كأن اللحم عبر الجسد يسمي استقلاليته.
إن اللافت والمتوقع أيضاً، هو ما يذهب إليه بارت، في جمعه بين النسج واللحم والكتابة، وما يسهم طرداً في إثراء مفهوم اللحم، ويسجّل اعتباراً آخر له( كلمة نصTexte تعني نسيجاً Tessu، ولكن طالما تم حتى الآن اعتبار هذا النسيج على أنه منتوج وحجاب وجاهز يكمن وراءه مختفياً، نوعاً ما، المعنى( الحقيقة)، فإننا سنشدد الآن داخل النسيج على الفكرة التوليدية القائلة إن النص يتكون ويصنع نفسه من خلال تشابك مستمر، والذات الضائعة في هذا النسيج- هذا النسج- يتفكك كأنها عنكب يذوب من تلقاء نفسه داخل الإفرازات المشيدة لشبكته..)(11).
بين اللحم والنسيج تداخل، وتعالق رحْمي وربما تحرك مفتوح في الاتجاهين، إذ كثيراً ما نتحدث عن النسيج العصبي، أو الأنسجة وتلفها، أو قابليتها للتعويض، أو أهلية الترميم فيها، ونحن على يقين من أن الذي يُسمى هنا، إنما يضعنا في مواجهة هذه الكينونة اللطيفة والأثيرة، وموقعنا في الداخل والخارج، وفي الحالات كافة يظل اللحم هو نفسه، والنسيج بأصل مفهومه، يتشابك مع المسرود أو المحبوك كنسج قماشي أو سواه، انطلاقاً من هذه الخاصية اللحمية بالمقابل، وعلى هذه الصورة المرئية أو المدروسة يأتي السرد أو نسج العبارة أو النص أدبياً أو فكرياً، وحتى في نطاق الفني: تمثل اللوحة أو المقطع الموسيقي أو الأغنية من منظور نسجي، لحمي تماماً.
إن مسامات اللحم وعبر الجلد، ليست أكثر من المساحات التي تتخلل ما بين السطور، ليست أكثر من تلك الفراغات التي تسمح للخيوط المضفورة في أن تكوّن مع غيرها قماشاً، والقماش هنا قرطاس أو صفحة، والنسيج يقرّب اللحم للتبين، لحظة اعتبار أن ليس النسيج مرئياً بكامله، إذ إن تلك الالتفافات تضاهي فعل الطيات، أو المنحدرات، والممرات، والأنفاق، حيث ثمة ما هو ظاهري ونصف ظاهري، وثمة ما يُخفي ضمناً، وما يسهل تلمسه، كما هو وضع الكتابة على السطر، وأن السطر ليس المتحكم بالصفحة، إنما ثمة الفراغ المحيط الجزء المعرّف بالعبارة، أو بخاصية المقروء أو المثبَت، وقراءة ما بين السطور تحيلنا على ما هو نسيجي، كما هو أصل دعوى اللحم في أنه ليس الملء الكامل، وإلا لانعدم الحديث عن النبض أو التحرك،فهناك مهام فراغيةن على النقيض تماماً من مفهوم الفراغ المتداول سلباً، إنه الفراغ الذي قد يبز أحياناً في جدواه، أو مزاياه الملء نفسه، ومن هنا كان اعتماد التأويل أو حتى القراءة العادية والمختلفة.
نعم، يمكن القول بأن اللحم يمنحنا شعوراً كهربائياً (كحال الصدمة أو ما يشبه اللسعة)، بمفارقته وهو الفاعل والمفعول به، عبر مطلب الانفصال، كما في حالة المتعة ومعايشتها، إلى درجة أننا لا نعود نستشعر ارتباطاً أو صلة به، أو نتحسسه متعياً، والإحساس يتكلم لحمياً، ويتهجى اللحمي أيضاً، وهو ما يصلنا بالجمال الذي يتحلق خارج الحسي، عبر تأبيد اللحظة الانفعالية كشفاً أو انكشافاً، ولكنه يلاحقنا في عقر جسدنا، كما لو أننا حقاً نعيش إرادة لحمية، ومكراً لحمياً، أو تقية عبره وباسمه الوحيد الأوحد، وهي ازدواجية سيّارة بنا، وفي سياق أننا نباشر تفكيراً كما لو أننا كائنات لالحمية، اعتماداً على لذة التجريد والتجرد من منبتنا العضوي: اللحمي، وحين نعمد إلى ذلك، ويبلغ بنا المطاف هذه النقطة الذرويوية، ننتعش أو ننشي بروح طليقة، وكأننا في الحالة هذه تباعاً، نسلّم بسلطة اللحم ووجوديته، ويبقى الفكر وما يأخذ به بعيداً خارج منظومته(12).
وهذه اللفتة اللحمية بمكوّنها النسيجي وتداخلات الكتابة المحبَكة نسيجياً، تسرّبت، أو وجدت معبراً لها إلى متخيل دريدا وهو يفلسف على طريقته( صيدلية أفلاطون)، حيث» الفارماكون» يكون العقار والسم، الداء والدواء معاً، يكون الحسي والغيابي، في جملة متخيلاته اللماحة، كما جاء ذلك في البداية، وهو يؤكد غواية النسج: اللحم، النص بفاعلية الخفاء، أي ما يكسبه شرعية اكتساب الاسم والاهتمام (يمكن لخفاء النسج بأية حال أن يستغرق في حل نسيجه، قروناً. النسيج منطوياً على النسيج. قرون لحل النسيج. معيداً على هذا النحو بناءه كجسم حي..الخ) (13).
في النسيج ثمة دائماً ما يأخذنا إلى الخلف، إلى تصور ومن ثم تخيل البنية العميق للخفي فيه، إذ إن السماكو، أو الرقة، تتحدد من خلال أدائية النسيج أو وظيفته، وتبعاً للمهمة المنتظَرة، وهذا ما يثري النظرة إلى المكوّن النسيجي للمادة، ما يجعل النسيج يمتد ليغطي كامل المجتمع، وما هو أبعد منه: النسيج الطبيعي، الكوني، الفلكي ربما، إنما أيضاً، ما يبقي العلاقة مفتوحة على مدار الساعة، بين كل من النسيج بمعناه المتداول والاصطلاحي، وما هو عائد إلى اللحم، حيث نتذكر النسيج اللحمي، أو اللُّحمة المميّزة للجسد، ولعل دريدا استأثر بعبارة النسج وما فيها من سرد، أو حبك، أو عقدة، أو فتق ورتق، ومناظرة قائمة بين المستجد والمضاف، والمرمَّم والمغيَّر لوناً أو شكلاً، وهو الاستئثار الذي يبقي رؤيتنا إلى النسج كما لو أنه أكبر من اسمه وما ينتسب إليه في الواقع، مثلما أننا في مرجعنا اللحمي، نظل على مسافة ضامنة لرؤية المختلف دائماً فيه، وهو ما يُتلمَّس في إمكان تغيير المواقع، والتحول كما لو أننا نتحرك دون معين لحمي، على قدر الممتلَك معنوياً ومعرفياً لدينا، وهو في حقيقة أمره يفعّل الحيوي في اللحم، ويرقى بنا، إن أفصحنا عن أنفسنا أكثر، عما نحن عليه دنيوياً، وبمعية الجمالي، لأن لا شيء يضاهي الدنيوي وعبر هذه الرقاقة اللحمية، أو الكينونة اللحمية المشبعة بالدماء والأعصاب ومغذيات الجسم، ودعاماته تلك العظمية، مثل إيلائنا اللحم قيمة وأهمية وخاصية تقرّبه من المبتغى منه باطراد، لأننا شئنا أم أبينا ذوو نسابة كوكبية، إنما أرضية، وإخلاصنا للحمي فينا بدقة يهبنا شعوراً بالمتعة أكثر.
أليس هذا ما يمكن النظر فيه بالعودة إلى تاريخ طويل، وعبر أمثلة أخرى، تبرز اللحم سريعاً في الإجابة والإستجابة إلى الذين يتمنون فيه ما يسعدهم، وحتى ما يميّزهم، كما في لائحة الوشوم، أو الحفر في اللحم بأدوات خاصة، لجعل اللحم ذاته قرطاساً، أو كتاباً مفتوحاً بعلاماته؟ ألسنا إزاء جانب غرائبي آخر في بنية اللحم الذي ننفر منه هنا وهناك، وهو يؤهلنا مكانياً وزمانياً(14).
إن اللحم الذي يضعنا في واجهة التاريخ، هو الذي يمنح التاريخ حضوره وتحولاته، من خلال العلاقة مع اللحم، لحمنا العام، حيث تتواجد من حولنا كائنات أخرى، ولحمنا الخاص، بصفتنا بشراً، وأن المستجدات في الطبيعة وجدت طريقها حسياً ومعرفياً إلى اللحم ومتذوقاته، فنحن في بعدنا الخفي ما نكوُنه لحمياً، أي من خلال طريقة تفهمنا لحقيقتنا المتجذرة لحمياً، وهذا ما يقودنا إلى ديالتيكية اللحم: الأعرق في التاريخ غير المدوَّن، والأخصب من خلال النظريات وقواعد النظر الموضوعة عما هو جسدي، وما أجيز له لحمياً، حيث القرب والبعد، التقبل والرفض، أو التباهي باسمه، والتجاهل له، والحوار لا ينقطع معه في السر والعلن، حتى في عالم الأحلام، كما هو مغزى المعنيين بعالم الأحلام، الذي يحتل مكانة لافتة في المعتقَد الثقافي كمعلَم لحمي.
وهذا ما يبقي العلاقة قوية بين كل من الذات والموضوع، حيث حضورنا في العالم، وحضور العالم فينا شديد الالتباس وحتى التعقيد، لحظة تبين مكونات هذا المفهوم المأخوذ به هضمياً، وهو لا يفتقد مزية الانفتاح على العصي على الهضم، في نطاق التحريم أو الحظر الأخلاقي.
وحيث يكون الجسد في حيّز المرئي والملموس، بتعبير ميرلوبونتي (ولأن كلاً من الكيانين هو للآخر نموذجه الأصلي، ولأن الجسد ينتمي إلى مجال الأشياء مثلما أن العالم هو لحم كلّي.)(15).
هذا الاتحاد بنوع من الحلولية في العالم يتأتى من نظرة وجودية خاصة، وهي ظواهرية أيضاً في منحى اقتصاد الجسد، وكيفية تدبيره من الداخل والخارج ومردود العلاقة القيمي عندما يكون العالم عالماً من خلال تجلي الشعور الجسدي، أي اللحمي، أي عبر معروض معين من هذا العالم، وليس كل العالم، وبالمقابل، عندما يكون انفتاح معين، وبوضعية معينة من جهة اللحم في مواجهة تفاعلية، لأن الاتصال بالعالم ينم عن وعي شعوري مستهدِف وموجَّه وهو نابع من سوية لحمية كما أن الاتصال بعالم محدد، ينطلق من معايير تتمركز في بنيان لحمي لا يعدو أن يكون ذا نسَب عالمي، سوى أن هذا العالم وبصفته عالماً يجد صداه، صورته في مرآة اللحم.
تلك فلسفة كينونة تشدّد على معنى الشيء من خلال التمكن منه، وحيازته، ومباشرة التكيف معه وفق تذوقات تتناسب وأهليته المعرفية أو الجمالية لعالمه، حيث إن التحاور قائم باطراد، لأن ثمة ترك مجال للاستمرارية في التحول ( إن العالم المرئي ليس في جسدي وجسدي ليس في العالم المرئي بصفة نهائية: إن جسدي لحم منطبق على لحم لا يحيط به العالم ولا العالم محاط به. إنه مشاركة في المرئي وانتماء إليه، لا تطوّقه الرؤية ولا هي مطوقة به نهائياً..)(16).
إن حرف جر» في» تحديد موقع، أو مكان، وتعيين إحداثية ذات صبغة جغرافية، وما في ذلك من ارتكاز طرف على آخر، ويعني ذلك أن ما بين الجسد ومن زاوية لحمية محض، والعالم، هو أكثر من اقتسام مكان، أو مواربة لجهة لصالح أخرى، إن الفضاء ممتد في اللحم ومرئي، كما أن اللحم ممتد في الفضاء، والامتداد متحول، انعطافي، متعدد السرعات، تجاوباً مع طبيعة المستجدات أو الحراك الطبيعي، وما يكونه رد فعل اللحم بالجسد، أو وضع كل منهما للآخر.
وفي مقاربة أخرى لحرف الجرذاك، ربما يتضح لنا أن إقامة العلاقة الأكثر التحاماً بالعالم، لهي في مكاشفة الجسد باعتباره اللحم الذي يمكّننا أكثر من سواه من فهم العالم، لأنه في بنيته لا ينفصل عن العالم، أو عن الوجود على الصعيد المعنوي والرمزي، إنما يكتنز العالم، أو يشكل الوجه الحي والنابض منه، فهو منه وإليه، ولكنه في الوقت نفسه يحيل العالم إلى دائرته تلك التي تتضمن الأدوات والسبل الكافية لجعل العالم أكثر مفهومية، وهذا ما يقلق فيلسوف الوجود، بصفته فيلسوف اللحم بامتياز، ما يحثه على معايشة القلق الوجودي، قلقه اللحمي، وربما هجاسه أو عصابه المستند أصلاً إلى انتمائه للعالم المعقَّد، وهو العصي على الوصف، لأن كل مقاربة تؤدي إلى أخرى، كما هي الدوائر المائية، وإلا لما تلمّسنا هذا التلوين في البنى اللغوية، أو في خاصيات القول الاسمية والفعلية والتشكيل البلاغي، يقيناً بأن ثمة دائماً ما يفيض على القول.
لحمنا هو وسواسنا، هذياننا، ترددنا، عنواننا الوحيد، خلافه، طمأنينتنا، سورتنا في العالم، تمكنُّنا من أنفسنا، إنه ما نحن عليه، وما يظل في حاجة مستمرة إلى التعبئة وحشد القوى والمهادنة(17).
ذلك ما يوقظ في فيلسوف الوجود، ليبقى كائن الوجود الكفء، متعدي الصمت، معتمد الكلام الدال على أنه اللحم واللالحم، أنه الوصي على لحمه، والمتصرف به، وهو محمول به أيضاً ولا يستطيع مغادرته البتة، وهذا هو البعد الأكثر إقلاقاً وإيلاماً له فعلاً( إن اللحم ليس مادة وليس فكراً وليس جوهراً. ومن أجل تسميته، قد يتوجب علينا استعمال اللفظ العريق، لفظ» الأسطقس» بالمعنى الذي نستخدمه فيه للحديث عن الماء والهواء والتراب والنار، أي بمعنى شيء عام، في منتصف الطريق بين الفرد المكاني- الزماني والفكرة، إنه ضرب من مبدأ مجسَّد يجلب معه أسلوب كيان في كل مكان يوجد فيه جزء صغير منه، فاللحم بهذا المعنى هو « أسطقس» كينونة. إنه ليس واقعة أو مجموعة من وقائع ومع ذلك هو ملتحم بالـ مكان وبالآن.)(18).
لا أظن أن معنياً ومنهماً بواقعة اللحم كقضية فلسفية، لا يلتفت إلى طريقة صياغة هذه الكلمات التي تشد صاحبها إلى الأرض- الفضاء، الفضاء، اللامنظور، إنها لعبته المختارة، أو لا بد أن تكون مختارة اطراراً، ليوحي لنفسه قبل سواه بالتأكيد، على أن تعددية قوى رابضة في اللحم وتتقاسمه، ثمة اشتباكات وكر وفر، ثمة خنادق دفاعية متسلسلة، وأماكن تمويه، ونقاط تفتيش، ثمة تحليق من فوق، وتوغل عبر ممر مموه، ومباغتات، ومناورات، واحتفالات نصر تفصح عن طرق التعامل اللحمية، مضمرة أو نصفها، واستسلامات، وسيطرات رمزية تطال اللحم، بما أن هذه الكلمات تسمّى مجتمعاً، تسمّى كينونة هي ذاتها كينونات، لتفسح في المجال لقول المزيد، استجابة لقلق وجودي، لا يكونه الوجود الحسّي، إنما اللامادي، وهو المعبّر الأكثر عن هذا الدوران حول اللحم، بتعبيرات متنوعة، هذا التشبث به، والابتعاد عنه، ليعزّز دفاعاته تلك الكثر رمزية وتجريدية في مغايرة الجسد، ومن أجله، لأن ثمة دائماً عودة المحارب إلى بيته، أو منزله، إلى وجاره، ربما، ثمة استراحة المحارب، استعداداً لدورة أخرى من الحوار المغاير، عبر تكثيف مختلف للقوى الذاتية، كما في الحديث عن الأسطقس، وتحديده، لبيان فعله، حيث إن المكوّن القيمي والجمالي فيه، هو الذي يقودنا إلى ما يشبه الكلمة الضائعة مبدئياً، كون مكونات اللحم النارية والمائية والهوائية والترابية، هي مجتمعه المرتَّب من أجلنا في شروط بيولوجية أو حيوية ومناخية خاصة، هي ذاتها التي تدلنا في كل مقاربة على المستجد نفسه، وكأن اللحم يلبس قبَّعة إخفاء، يظهر ويختفي، في لعبة تقود إلى أخرى، مشوقة ومتعبة، ومنذرة بالخطرة، لكنها لعبة لا مفر من الدخول فيها، حتى لو أثعلِن عن الاستسلام المطبق، كما في حالة ذلك الزاهد عن الدنيا، المنغلق على نفسه، مقاطع العالم، وهو بذلك يترجم سلوكاً أكثر التصاقاً بلحمه، لكنه اللحم الذي يعده بمطلوبه، وهو خياره فيأن يموت بطريقة محبَّذة لديه، دون ضجيج، أو كتابة تأريخ، لأنه التزم الصمت، أما الجاري في الداخل، فزهده كاف ٍلفضحه، في أنه أكثر ثرثرة من سواه، أكثر المحكومين بالأشغال الشاقة في إقامته علاقة الزهدية مع لحمه، وهو يتبصر فيه مأساة وجوده الفردية، إنه طقسه الوحيد، لأنه وحده المستغرق في حراكه اللحمي مغيّب ذات، حيث لا زمان أو ساعة تنبّه، سوى ساعة حيوية، تشير إلى أنه يحيا، بينما يراقب لحمه بلحمه، منتظراً نهاية معينة، ليودع بصورة ما ذاته، بلحمه، لينطفىء لحمه، أو يتوقف عن بث حضوره الكلي في العالم، ليقول اللحم كلمته النهائية لمن يشيعونه، أو دونما صاحب.. وهكذا دواليك..
ذلك ما يعزّز ثقتنا بلحمنا، ما يفرض علينا حق الاعتراف به، وتوقيره، في لعبة تبقينا معاً، عبر ثنائيات مفترضة، عبر مسمّى الفيلسوف بـ»التلاحم»( ذلك أن التلاحم بما هو ضم وانفلاق وهوية وفرق إنما يولّد شعاعاً من النور الطبيعي الذي يضيء كل لحم وليس لحمي فحسب..)، وهو ذاته ما يدفع بنا إلى قراءة متبصرة تخترق اللحم وتعترف بجميله، وتطلب موافقته، لجعل مسيرة الاختراق والاستطلاع وثنائية العلاقة أكثر إيفاء بالمعنى، بقدر ما يكون ذلك مبعثاً على دوام المتابعة، ومن ثم الوصول إلى فهم جديد ووعي آخر( ولا وجود هنا لمشكلة الأنا الآخر لأنني لست أنا الذي أرى وليس هو الذي يرى، ولأن مرئية مجهولة تسكننا نحن الاثنين، تسكننا رؤية بشكل عام بمقتضى هذه الخاصية الأساسية التي تنتمي إلى اللحم، كونه هنا والآن، خاصيته أن يشع في كل مكان ودائماً، وبصفته فرداً، أن يكون كذلك بعداً متحدداً وأن يكون كلياً.)(19).
يبدو لي مجدداً، أن ثمة صفة بارزة في طريقة تناول الفيلسوف للحم، للحمه أساساً، هي: فضوله الذي لا يكف عن التراسل بين قواه، عن الاسترسال في القول وتنويع العبارات، وكذلك المواقف ليلهم نفسه أن ثمة جديداً، أن الزمن الذي يعنيه غير الزمن الذي يخص لحمه وهو دائم التغير والتأثر بالعالم، أن هذا الحضور المشخَّص فيه يمارس فيه لزوم ارتباطه باللحم عن قرب، كما لو أنه الهارب من لحمه، إنها عودته إلى بيت الطاعة، لكنه بيته الوحيد الأوحد، أمانه، وهو يسعى إلى تبين أمثل لكينونته ولمحيطه، كما لو أن الأخير ممهور بما هو لحمي، أن ليس من شيء كائن، إلا ويحمل علامة لحمية، أنه مقيم في اللحم وينفلت عقاله ليُري العكس، وهذا ما يضفي على اللعبة متعة وتشويقاً وحتى رغبة في الضحك والإضحاك الذاتيين، ودون ذلك، ربما من المستحيل بمكان معاينة اللحمي، وتوافد الجمالي داخله أو باسمه، لأن الحوارية المفعَّلة لا تفارق أصالة اللحم، عراقته، ديمومته، وأن الغياب نوع من الاتفاق الضمني، وثيقة عهد بينية، تعبُر خطوط الجسم داخلاً وخارجاً، وتنسكن بخيالات وحتى أوهام، بتشوقات أخرى صوب أي مزيد تعمّق مفهوم اللحم، وهو في كمال هيئته، أو تجاذبه بين الحضور والغياب، بين حقيقية ومن ثم مجازية، أو ماديه ومعنويه، سعياً إلى الاعتقاد بأن ثمة وجوداً لائتلاف قوى الجسد داخل لحمه، وهو متموضع في العالم، والعالم الذي يتكفل بمأثور لحمي بصيغ شتى.
كأن اللحم يعيش سلسلة ولادات في اللحظة الواحدة، عبر تنوع المؤثرات والمشاعر، ومن ثم الحالات النفسية بطبيعتها النهرية، سلسلة ميتات وانبعاثات وتكوينات متضافرة، فيحضر مفهوم النسج مجدداً، بقدر ما يعبّر عن دقة التصويب في التعبير لحمياً على الدوام إن اللحم (لحم العالم أو لحمي) ليس عرضية وشَواشاً، بل هو حياكة تعود إلى ذاتها وتتلاءم وذاتها..)(20).
هذا الطباق اللحمي، عبر إيجاد الآخر، أو ابتكاره، أو ابتداعه، ومن معاينة النظير والمختلف، في ديناميكية الظاهر والباطن، الداخل والخارج، المنخفض والمرتفع، يمأسس بمعنى ما، واقعاً، لسيرورة حياة، لصيرورة معادل حياتي مرتقب أو مرتجى أحياناً أخرى، من خلال نوع من آلية الإسقاط أو الاستعارة البليغة بوقعها الجمالي، أو ذائقة المتجلّي من داخل اللحم، كما لو أن لحمنة العالم، ليست أكثر من تعبيد طريق آمن وسالك بالمودة، أو الاشتهاء المتبادل، أو جعل العالم في حقيقته المتشكلة بنظير لحمي، وإلا لما كان لهذا التوليف الوجودي لحمياً من معنى فني فلسفي.
إنه العبور عبر الدوامة المدوّخة، ولعله توقع الإصابة بشلل ما، أو بعطب مباغت، أو التعريض بكامل الجسد لنوبة عميقة تبقيه في حالة موات زمنياً، أو تصعد به لاحقاً، أو تعيد إليه دم حياة، بعد توقف الدورة الدموية لسبب عارض، لكنه مؤثر، بالنسبة لعموم الجسد، واللحم الآيل إلى هذا النوع من التحولات والتبدلات أو الهيئات، لتكون لدينا تجربة لحمية تغطي حياة كاملة، هي أنها تجربة» السقوط» في غواية الدنيوي والتحرك في رحابة الدنيوي، لجعل الفكرة المنهم بها أبعد عن أن تكون مجرد فكرة، إنما تضم إليها عالماً يُحتذى، يتأصل الحسي فيها ويتلاشى بعد إتمام دورتها، ومنح الجمالي أهلية تفعيل أثره النفيس لمتذوق اللحم مجازياً، حيث يتنوع اللحم طبقات أو إضاءة أو خلافها،كما هو سر الجمالي، في مبدأ الخفْية: معيار تجلي الجمالي وتناميه وتنوعه( فلحمي ولحم العالم يضمان إذاً مناطق واضحة وأنواراً حولها تدور مناطقهما المظلمة، والمرئية الأولى، مرئية الآيات والأشياء لا تكون دون مرئية ثانية هي مرئية خطوط القوة والأبعاد، واللحم الغليظ لا يكون دون لحم لطيف، والجسد المؤقت لا يكون دون جسد مجيد…الخ)(21).
هذا الإسراء اللحمي بالجسد إلى ما هو داخلي، هو الذي يحفّر في اللحم هويته المغايرة لكل ما عداه، أي ما يحيل إليه الأشياء، كما هو المستقرَأ مما هو مدوَّن عنه، وهو إسراء يروم جهات الجسد، أو يتوخى الحذر والوقع في الخطأ، إن جانب مقام اللحم ودوره المحوري في إدارة شؤون الجسد، حيث كل شيء يرومه، وما يترتب على تصور عميق المعنى، من شعور بنوع من التجديف أو الإلحاد، أعني وثنية المعبود، وهو لحمي، طوطمه وتابوه معاً، والإغلاق على الجسد عنوان عريض معزَّز باللحم المقوَّم حياتياً، ولكن ذلك ممتع في تعميق كينونته، وليس له صلة بما هو مفارق له، على صعيد المعاداة، حيث الإلهي نفسه مركَّب بمقومات لحمية، أي في الشعور والإحساس وإدراك العالم سوى أن تجريداً أكثر شفافية يحوَّل باسم الإلهي، بالتالي، فإن وجود العالم لحمي المقام، تنويه إلى حقيقة مغفلة من الاسم، هي أن اللحم يبث فينا قوى، لسنا بعد على مستوى تحدياتها، أو تبين مغذياتها الحيوية، لنكون أكثر استقراراً وغبطة بكينونته.
أن يكون اللحم هو الهدف، وهو مدار اللحم، فتلك حيلة مغايرة لحيل أخرى، لم تدَّخر مناهج لنا سالفة في التشكيل، قديمة، ولا أقلام معتبرة، في اعتمادها، لحمية وهي مقنعة، لكن اللحم يكون هنا أكثر تعرية لذاته، أكثر مضاء لما ينبني فيه وخارجه، ليكون مردوده القيمي أكثر فصاحة!
ربما من هذا المنظور الأكثر دقة وكثافة مكونات، وما هو أعمق مما تقدم، هو هذه اللحظة الانفجارية من داخل الجسد وما يستحق التسمية، حديثه عن فرويد ومجسَّمه اللاشعوري تحديداً، وهو المؤول والمفعَّل لحمياً( إذاً، فلسفة فرويد ليست فلسفة الجسد وإنما هي فلسفة اللحم..)(22).

ثم نجد أنفسنا في مواجهة سلسلة من التداعيات أو ما يشبه ذلك، في التذكير بمقام اللحم، وما هو ممكن اعتماده، على صعيد سياسة التخطيط الاستراتيجي لليومي، راهناً وتالياً، من خلال هذه المركزة اللحمية، وما ينبثق عنها في العالم أو المجتمع أو الثقافة أو ما هو أبعد من النفسي:
( اللحم= واقعة أن جسدي منفعل- فاعل( مرئي- راء ٍ)، كتلة في ذاتها وحركة-
لحم العالم= أفق حيازته( الأفق الداخلي والخارجي) محيطاً بالغشاء الرقيق للمرئي المنحصر بين هذين الأفقين-
اللحم= حقيقة أن المرئي الذي هو أنا، هو راء ٍ( النظرة) أو، وهو ما يعني نفس الشيء، له داخل+ حقيقة أن المرئي الخارجي هو كذلك تتم رؤيته بمعنى أن له امتداداً في نطاق جسدي الذي يشكّل جزءاً من كيانه…الخ)(23).
هذا المتَّكأ الحسابي في التعامل مع مفهوم اللحم يعني منح اللحم أبعاداً متعددة الأبعاد، وهو يجمع في ذاته كل هاتيك التفاوتات أو الإرهاصات أو الافتراضات، إذ تراءى لنا في أفق المرئي وما يترتب عليه بحثياً وذوقياً، ما هو عضوي فيزيائي، وكيميائي وفلكي وجيولوجي وآثاري، وكذلك ما هو سيكولوجي» فرويد في المتن»، وما يتعدى حدود اللغة» هامش المثبَت لغوياً»، ونذيره، أو مهدّده في مدهول اسمه، وما يقيم علاقات تناظر ووتعارض ومهادنات، أي ما يقرّبنا من ذات الفيلسوف باعتبارها لحمية، في نابضية التكوين، والفراغات المستحدثة، والمساءلات المرافقة.
كأن الجمالي الذي يباشر مهامه، يتلمس في هذه الانقسامات والاستقراءات فرصته الذهبية، في تعيين الجسد المغاير، على أساس أن اللحم محبطنا ومغبطنا، أنه تلاقي الكوميدي والتراجيدي.
يكون اللحم هنا في مقام كشف الحساب الزماني والمكاني لنا ككينونات يعرَّف بها لحمياً، حيث إنه يكون العابر بنا إلى الزمن العلمي، كماأنه يكون المعرّف بنا نفسياً، أو خارج الزمن، وحينها لا يكون لنا من معنى، لأننا لحظتذاك سنكون في عِداد الموتى، لأن اللحم المسمَّى هو الحي.
إننا في كل ما نشهد له من تغيرات، إنما نظل متعلقين به، أو متوجسين منه خيفة، حيث إن الذي يحبّب إلينا الزمكان، ومحيطنا المجتمعي، يتمثل في نوعية اللحم المأهول بالرغبات الخاصة، حيث إن رغباتنا تطل بنا على لحمنا، مثلما أنها تحدد فينا أذواقاً، ومجالاً لسرد حكايات عما نحن عليه وما نتحرك صوبه، عبر متخيلات ممتزجة باللحمي، وارتحالات تتوسل لحماً معيناً أيضاً.
إنه من ناحية أخرى الحد الأقصى مما يصعب تصوره، أو ما يحدث كواقعة مباغتة، كصدمة في المحيط، أشبه برجّة، أو زلزلة، وكصدام مع الوسط العائلي أو المجتمعي أو الثقافي، لينتقل بنا من خاصية الأهلي أو المقبول به، أو العشيري والجماعي والطقوسي، إلى خاصية الفردي، أو بدقة أكثر فأكثر: خاصية غير متاحة لأي كان، ولا كانت منشودة من جهة أي كان بيسر، ولا هدفاً بهذه الدرجة من السهولة، حيث يكتسي اللحم إهاباً مغايراً لحقيقته، توضع له زمرة أخرى، كما يبادَر من خلال ردود أفعال محيطية، وبحسب درجة المغايرة الصادمة، إلى اتخاذ إجراءات ردعية، أو عزلية، أو تنفيرية، كما لو أن اللحم يستحيل بؤرة توتر مدمّرة، أو جائحة مرَضية، أو رعباً لا يقاوَم لدى البعض الآخر، وأعني بذلك، لحظة الجنون، أو الانقلاب المفاجىء على السائد، وخصوصاً حين يعني السائد تلك الذهنية الجمعية المتراصة أو التقليدية مرهوبة الجانب، كما لو أن اللحم الموسوم يظهِر مكنونه البركاني، لحظة النظر في مفهوم الانتقام، أو السخط على المتداول، لأن شعوراً بأن الوضع لم يعد يطاق، يدق جرس الإنذار هنا، كما في قول أحدهم عن الفنان المعروف جويا Goya (لقد كان غويا وهو ينجز لوحته «ساحة المجانين» يحس، دون شك، أمام قرقرة اللحم في الفراغ، وأمام ذلك العراء على امتداد الحيطان العارية، بشيء شبيه بالإثارة المعاصرة: تلك البهرجات الرمزية التي ترفرف فوق الملوك المجانين وتترك الأجساد المتوسلة مكشوفة، أجساد عرضة للقيود والسياط التي تناقض هذيان الوجوه، لا من خلال بؤس الحرمان، بل من خلال الحقيقة الإنسانية التي تشع في كل ذلك اللحم السليم.)(24).
بين التقيد بالجملة الفلسفية الصارمة، وما فيها من تجريد ذهني لافت، والجملة الأدبية ذات الوقع الأدبي: الشعري وصفاً، وما فيها من مرونة وشعور بالدفئية والائتناس اليومي، يحاول فوكو، كما تقدم، الحفاظ على مسحة من التوازن في الكتابة، وهو المنهم بصحة الجسد، ومقام الجسد في مجتمع التكنوقراط، وسلطة تسعى جاهدة إلى مسح دوري، لأنشطة جسدية، وحساب قائمة المتغيرات الجسدية، من نبض وسرعة تدفق الدم في الجسم، ومستوى الفعل، ونعومة اللحم، أو صلابته، انبساطه، أو خلافه، تحت وطأة الشعور بذنب إزاء حقوق اللحم المهدورة، خلف حجب كثيرة، أو معتمة في مجتمع يتباهى بقوانينه، وحتى نوعية ديمقراطيته، لكنه لا يكف عن إصدار أوامر غاية في الدقة لمعاينة اللحم بكل تنويعاته، لحم أفرد نخبويين، أو مبدعيون، أو متخصصين بما هو فكري أو علمي، أو شغوفين باستهواءات جسدية، وانتشاءات داخلية، لحم الانفصامي وهو ليس أكثر من معبّر عن نشاط مضاعف لقوى لحمية، تترد على تلك الضوابط الجسدية، كما لو أن جملة الوقائع اليومية، والمنجزات وصنوف الإبداع، يمكن مشاهدتها، أو مقاضاتها، من خلال أنظمة معتبَرة سياسياً وتربوياً، تنطلق من اللحم بالذات، لحم بشر وما عداهم، كما هو في الترويض كنوع من التقويض لإرادات طليقة بمحفّزاتها اللحمية، وتخترق المحرّمات..
إنه العلم الذي لم يسجَّل في لائحة العلوم المتوسطة بين الإنساني والرياضي: علم اللحم، وما فيه من تشابكات دلالات، وانتقالات مفاهيمية، أو رهانات القوة وصِلاتها بالواقع وأولي أمره..
كأن ثمة منطقة عازلة، متروكة، أو مهجورة، إنما مسمّاة، لا تسمح بالدخول إليها، لكنها في الآن عينه تمثّل فضاء مرئياً، أو خاضعاً لمراقبة معلومة وسرّية، لمعرفة أي مستجد طارىء، وهي المسماة بـ» الفراغ»، وطريقة التسلل إليها، وكيف يجري الربط بينها وبين أهداف تكتيكية أو استراتيجية، حيث التعرض لنظام اجتماعي كامل أو جزئي، أي ما ينم عن تهديد للجوار، وهذا له صلة مباشرة بطبيعة الإحساس: الحاس المقاوِم، والحاس المتنبه، ومعقل اللحم وبث مؤثراته كذلك، كما لو أن اتفاقاً ما يفصح عن خطوط الاتصال المفتوحة بين الطرفين في المجتمع الواحد عميقاً( إنه لحم العالم ولحم الجسد كمتضايفين يتبادلان بعضهما، فذاك توافق مثالي.)(25).
نحن هنا، في رحاب معادلة صعبة التبلور أو ترجمتها بيسر، تنطلق من اللحم، وتعاود ذلك الاتصال المتناوب باللحمي، أي ما يعزّز المواقع لحمياً، وكأن الكساء وما يغطيه، ومن يقوم بعملية الكساء والقياس معطى لحمي، ذلك يضفي غواية مغايرة لمفهوم الغواية المتنقلة بين النصوص، أو كما هي حالة في الأذهان، حيث يتداخل اللحم مع منتوجه الرمزي: اللغوي والفني، يبقى اللحم إنما في كل استدعاء بتصور مختلف( فاللحم ليس الإحساس، حتى وإن كان يساهم في كشفه. كنا نتكلم بسرعة عندما قلنا إن الإحساس يجسّد. فالرسم يصنع اللحم تارة باللون الرمزي( وهو تنضيد الأحمر والأبيض تباعاً)، وتارة بنبرات مقطوعة( تراكم من متكاملات بنسب متفاوتة). ولكن الذي يكوّن الإحساس، هو الصيرورة- الحيوانية، النباتية، الخ.) حيث يتلبس اللحم ما يخرجه عن الضبط في القياس والذائقة المحددة، إنما أيضاً ما يجعلنا في أمسّ الحاجة إلى اللحم حقيقة ومجازاً( ليس اللحم إلا ميزان حرارة للصيرورة…الخ)(26).
ولحظة التهجئة بالصيرورة، تحضر التراجيديا، يحضرالعنصر المباغت في الكينونة وهو أصل ولادة اللحم، تسميته، تنوع مراتبه، آنيته، وأبديته، أي الجمالي، ومقاربته تخيلياً، وما يعزى إلى أهل الفن أو الإبداع، بصفتهم صيروريين بامتياز، باعتبارهم يقيمون بحميمية عالية، في ذلك المسكن الهائل شفافية أو سمو أبعاد: اللحم المترع بالموعود والمغايرة، وإن كان يحال إلى الخارج، حيث تُنزَع عنه صفته كضامن حياة، وكملاذ آمن لنا، ربما لأن ذلك سياسة لحمية بدورها، ربما لأن المعزّز باللحم يشهد زوال معناه في المقارب منه، لكنه مضمر في عبارة من يحاول استبعاده، وأعني بذلك الفنان، أو ما يهِب الفن جلال اسمه، ونظير الجسدي خارجاً( الفن يبدأ، ليس مع اللحم[ الجسم]، وإنما مع البيت، ولذلك فالعمارة هي أول الفنون..)(27).
فتّش عن البيت، تجد اللحم، تجد الدفء، خلايا تتنشط، تغيّر في البيت، تواجَه باللحمي، وهو في ترسانته الفعالة، إذ لحمنا لا يستر عورتنا من الداخل، كلباس آخر، مضياف دون مقابل، إنما هو في حقيقة تجلّيه يعلِمنا ما لم يُعلَم، وهو أن نعيش في البيت، الدائرة كأننا مأخوذون بنشوة لحمية، أو بالعكس، لا نطيق دفق الدم في عروقنا، كما هو مرئيُّ المكان، فالمنصوب والمضروب لحم!
ثمة البيت اللحمي، كما أن هناك الخيمة اللحمية، أو النقالة اللحمية، وكذلك الطوافة اللحمية، أو البساط اللحمي..الخ، وكلها استقدامات لأشكال وأحجام، لا يبدو أن اللحم بعيد عنها، بالعكس، ثمة تراحم وتبادلات مواقع، حيث إن الإسهاب أحياناً في هذا المفهوم» اللحم» يفيد من خلال تبين ما ليس مأخوذاً به، لحظة إجراء المقارنة بين وظائف اللحم ورموزه وتجلياته المختلفة، وما يكون عليه العالم، وتوزع الكائنات فيه، بما أننا نتقابل أو نتفاعل، أو نغيّر أماكننا، أو نسعى إلى تبديل استراتيجيات دفاعية، أو تحسينها، من موقع التعرف أكثر على لحمنا، وما يعتمل فيه من مشاعر وأحاسيس، وكيف أن اعتماد هذه السياسة المفتوحة والمنفتحة، يترجم الجمالي وهو في انشغالاته الكبرى بالجسد وما يُرينا عبر ملامح وجهية، ودلالات العمر، أو انطباعات، أو ما يتخلل المشية أو الحركة الجسمية من إيحاءات، تقودنا إلى مكاشفة فاعلية اللحم ضمناً، كما لو أن الفن في ذروته، هو هذا الانغماس بروائع المتسرّي لحمياً، أو المدَّخر باسم اللحم، وحتى على صعيد التمايزات الكبرى، يبدو أن اللحم يفوز بقصب السبق، في الفصل والوصل بين كائن وآخر، بين الذكر والأنثى، أو الرجل والمرأة، وبحسب البيئات والمجتمعات والثقافات والعقائد.
ليس لدينا ما هو أقرب من الأزياء وعروضها، فهي تنوع علاقاتها مع اللحم، وإظهار نقاط منه للتهوية، أو للغواية، أو كشيفرة تستقطب الآخرين، كما أن الداخل في سياق الروائح، كمثال أكثر ثراء بالدلالات ومقاومات للذهنية المحافظة، هو العطر بأجناسه وأنواعه وسريان فعله اللحمي.
لا أقرب هنا، من اعتبار العطر، لدى المأخوذين بغواية الذكورة، أو الشبق المعزز بلحم معين، دالة فتنة، ومبعث إطراء، أو ترغيباً في الخطيئة بصورة ما، حيث العطر لا يعدو أن يكون هنا وهناك» بهارات» بهارات الجسد الأنثوي، حيث يستحيل الجسد هذا لحماً، والمقبل عليه فماً على سوية معينة من التذوق، كما هو الاستمراء، أي في الإقبال على تذوق الجسد، كمائدة عامرة.
أن نكون حقيقة جسدية، فهو اعتراف بالمتحصل يومياً فينا، كما أن هذا الاعتراف يكون لصالح اللحم وتجليات العارض والفني المتحول والمغيب فيه( فالجسد ليس شيئاً آخر غير الجسد.)(28).
وما يدعم هذه المقولة، هي المقولة عينها، حيث نكون انشغالنا بجسدنا منطلقاً مما نتلمسه أو مما نعاينه لحمياً، وفي وضعيات مختلفة: الفنان الانطباعي، غير الواقعي، وهذا غير السريالي، يكون غيره الواقعي التعبيري، غير هذا يكون التجريدي، أو الرمزي، أو بالنسبة للكاريكاتيري، غير كل هؤلاء يكون النحات الذي يضفي على حجرته، أو مادته لصلبة شعوراً بالحركة اللحمية أيضاً، إنما من خلال زاوية الرؤية، أي ثمة ما يحيلنا إلى لحميات متجمهرة في كينونة واحدة، وأن المتفاعل معها، يكون ذلك المعزَّز بخاصية تذوق، ونفاذ فعل يهِب اللحم أبدية رحّالة، حيث إن الحياة لحمها، كما أننا لا نكف نقبل على الحياة باعتبارها مجالاً حياً للتذوق، وهذا يتراوح بين أقصى الهامشي وأقصى الجوهري، ولكن ما لا يخفى في العملية هو امتداد اللحمي وعمقه.
وإذ ننطلق من خاصية الوزن، أو خاصية الثوب، أو الشم والضم، أو تقابل العظمي باللحمي، أو التراحمي، أو المصافحة، والشعور المتفاوت بحرارة اليد أو أسلوب المصافحة، فكل ذلك يتأتى من هذا اللحم الذي يبث فينا قواه، ويعلِمنا بحيويته، أو انخفاض منسوب الحياة فيه، كما هي حالة المرض أو الشيخوخة، فنكون بذلك قد أُحطنا علماً أكثر بلحمنا، ومناقب لحمنا في جنوننا كما في تعقلنا، في كثافة أنشطتنا كما في انحسارها، وأعتقد أن الجمالي عالم بكل هذه الخاصيات اللحمية، مثلما أن دوام الانهمام بها، يمنحه مدداً أكثر، ويشد من أزره، كما يغبطه، ويلفت فيه الانتباه مركَّزاً على هذا الدنيوي المنبوذ، إنما المنشود، وصراع المقدس والمدنس عليه، وهل الجمالي غير هذا الطراد متعدد المستويات لهذا اللحم، لحمنا، وروعته وخفَّة دمه، ورهبته؟!

إشارات
1-محمود، إبراهيم: النص- الجسد- الهاوية» قراءات في ظلال المعاني»، دار تموز، دمشق،ط1/2011، ص242.
2- النيسابوري الثعلبي، أبو اسحق أحمد بن محمد بن إبراهيم: قصص الأنبياء المسمّى عرائس المجالس، المصدر المذكور، ص25.
3- يمكن تتبعُ الكثير من الأحاديث والنصوص الدائرة في فلك النظرة الذكورية، وهي تفلح في برّية الجسد الأنثوية، وتلقمها بذرتها، وتمارس رقابة على الجسد هذا، محتاطة لجرائر اللحم، من خلال كتاب( تحفة العروس ومتعة النفوس)، لـ: محمد بن أحمد التجاني، تحقيق: جليل العطية، منشورات رياض الريس، ليماسول، قبرص، ط1/1992، صص29-37..
4- فرويد، سيغموند: مستقبل وهم، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2/1979، ص 15.
5- فرويد، سيغموند: قلق في الحضارة، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2/ 1979، ص 5.
6- غاستون، باشلار: تكوين العقل العلمي» مساهمة في التحليل النفساني للمعرفة الموضوعية»، المؤسسة الجامعية، بيروت، ط2/ 1982،ص 135.
7- المصدر نفسه، ص 140.
8- دوران، جيلبير: الانتروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها، ترجمة: دز مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية،ط2/1993، ص 92-95.
9- بارت، رولان: لدة النص، مجلة( العرب والفكر العالمي)، بيروت، ع10/1990، ص11.
10- المصدر نفسه، ص13.
11- المصدر نفسه، ص35.
12- لعلّي أعتمد هنا، بصورة ما، عبارة المحلّل النفسي جاك لاكان، والمشهورة( عندما أفكر لا أوجَد، وعندما أوجد لا أفكّر..)، على الضد من المقولة الديكارتية» الكوجيتو»، رامياً، أي لاكان هذا، إلى ما هو لاشعوري أو لاواعي، حيث اللحم أكثر من المادي فيه، أو الحسي المباشر، ومن ثم نجد أنفسنا بين أقصى المقارب وأقصى المباعد، وليلتقي هنا النسيج اللحمي طبعاً في جينالوجيته ذات الطبعة الإلهية من منظور ديني، مع النسيج المادي: القماشي، أو الكتابي طبعاً، من جهته، في طبعته الإنسية، وليس تضافر النسيجين إلا رغبة في البقاء ومقاومة الآني، وليس الحديث عن رمامة الجسد، كما هو الترميم العمراني، وبالمقابل، تسوية الأثر، أو استحداثه، إلا دخولاً في ثالوث يكتسب صفة رحمية، ليكون اللحم وما ليس هو: الناسج والمنسوج معاً، المنعقد عليه حضوراً، والمذكّر به في حالة غياب، وترك المسافة مأهولة بالخيالات التي تعمّق أصله!
13- دريدا، جاك: صيدلية أفلاطون، دار الجنوب، تونس، ط1/1998، ص 13.
14- أشير هنا، إلى كتاب بيار كلاستر( مجتمع اللادولة)، تعريب وتقديم: د. محمد حسين دكروب، المؤسسة الجامعية، بيروت، ط2/1982، حيث يتوقف الباحث الانتروبولوجي عند الذين يعتمدون على الذاكرة في ثقافتهم الشفاهية في أميركا وغيرها، ويسمحون لنقوش أو وشوم تحفر في أجسامهم، أي في أماكن محددة، لأن ترسم علامات أو عناوين تحدّد مجتمع الموشوم، أو تعيّن من يكون مقاماً وعلاقة، في طقوس التلقين: اللحم يكون الملقَّن، والمتلقي وحامل الأثر، أي حيث يكون الجسد، وباسمه اللحم، يكون المجتمع المعلوم بحدوده، ولا داعي هنا لحراسة ما، لأن الأثر المدوَّن هو الذي يتولى هذه المهمة، بقدر ما يمنح اللحم طابعاً قداسياً، جرّاء مهمة إبراز الهوية لحمياً( إن القانون المدوَّن على الجسد هو ذكرى غير قابلة للنسيان..ص184).
15- مرلو- بونتي، موريس: المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: د. عبدالعزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،ط1/2008، ص223.
16- المصدر نفسه، ص 224.
17- أجدني هنا في مكاشفة مثالين مفصحين عن هذا التفاوت والتناغم والتكامل معاً، وما يعزّز من حيوية علم الجمال في تتبع كشوفاته المسماة كواقعة لحمية:
المثال الأول ملحوظ في سارد أحلام مستغانمي، في رواية لها، حيث الجسد مستشرف كما جاء في وصفه تضاريسياً( كيف لي أن أعرف قياس امرأة ما سبرتُ جسدها يوماً إلا بشفاه اللهفة؟ امرأة أقيس اهتزازاتها بمعيار ريختر الشبقي. أعرف الطبقات السفلية لشهواتها. أعرف في أي عصر تراكمت حفريات رغباتها،وفي أي زمن جيولوجي استدار حزام زلازلها، وعلى أي عمق تكمن مياه أنوثتها الجوفية. أعرف كل هذا.. ولم أعد، منذ سنتين، أعرف قياس ثوبها!..).
مستغانمي، أحلام: عابر سرير، منشورات أحلام مستغانمي، بيروت،ط3/2004،14.
المثال الثاني، ما أفصحتْ عنه سمريزبك، في رواية لها، بلسان السارد عن شخصية حنان، وما انتهت إليه من مصير مرعب( تكبر قطعة اللحم وتتحول إلى أفعى، تركب عليا فوق الأفعى. ينبت للأفعى جناحان، تطير وتدوّم وتخبط الأجنحة بوجهها..)
يزبك، سمر: رائحة القرنفل، دار الآداب، بيروت،ط1/ 2008، ص 11.
في الحالتين ثمة مكاشفة لمصير شخصي لا يقتصر عليه، من منظور لحمي، حيث اللحم قادر على إيصال الأثر إلى القارىء أو المعني، لتبيُّن متغيرات اللحم، وفعل الزمن فيه دلالياً وفنياً.
إنما في الحالتين ثمة الاستئثار بما هو متوارث تاريخياً، من ناحية التمثل الطبيعي القارّي للمرأة، إذ تقابل المرأة بجسدها ذات الطبيعة، في حالة مستغانمي، مثلما أن الأفعى ذات الصيت تعيدنا إلى ما هو متداول عنها، في تعدد ألقابها وأسمائها، وتحولاتها، إنما ما يجعلها قريبة من المرأة، انطلاقاً من الزمن الفردوسي وتاريخ الانقلاب على المرأة بلعبة أفقِدت كينونتها الطبيعية، في حالة يزبك، وفي الحالتين تتداخل الطبيعة مع الحية، لتشكلا بانوراما كارثة المتحوَّل أنثوياً.
18- المصدر نفسه، ص 225، والكلمات المشدَّد عليه من قبل الفيلسوف.
19- المصدر نفسه، ص 229، والكلمات المشدَّد عليها، هي أيضاً من قبل الفيلسوف.
120- المصدر نفسه، ص234.
21- المصدر نفسه، ص237، والكلمة المشدَّد عليها من قبَل الفيلسوف.
22- المصدر نفسه، ص400.
23- المصدر نفسه، ص401.
24- فوكو، ميشيل: تاريخ الجنون….، المصدر المذكور، ص532.
25- دولوز- غتّاري: ما هي الفلسفة، المصدر المذكور، ص 186.
26- المصدر نفسه، ص187.
27- المصدر نفسه، ص 194.
28- لوبروتون، دافيد: انتربولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة: محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية، بيروت، ط2/ 1997، ص 54.
========

ابراهيم محمود

(نزوى)
 
أعلى