نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دراسة عبد الباقي قربوعه - أحلام مستغانمي ورحلة البحث عن رجل Original.

'قراءات في رواية' | الروائي عبد الباقي قربوعه.

  1. الروائي عبد الباقي قربوعه

    الروائي عبد الباقي قربوعه عبد الباقي قربوعه روائي وقاص جزائري.

    21
    16
    يبدو في الاجتهاد الضروس لأحلام مستغانمي وهي تؤسس للنظرية الأنثوية لتجابه بقوة النظرية الذكورية التي تعتبرها هي السائدة والمسيطرة، حين تؤكد أنها مجرد نظرية كلاسيكية هزأ منها الدهر وسخر ولم يعد الرجل باستطاعته أن يحميها، وأنها صارت مسرحية هزلية فارغة المحتوى ولم تعد مهابة: (على النساء أن يشفين من خوفهن الأنثوي من المجهول). (فليس الرجال أقل منّا خوفا.)، (ولا أكثر طمأنينة لما ينتظرهم.) فأحلام وحدها التي تعلم موضوع هذا التوعد، فقد تستدرج الرجال ليكونوا عبيدا لديها، وبعد أن تقطع كم رأسا منهم تستنسخ لنا رجلا من روح شهرزاد، فتفاجئنا برواية أخرى كأن تسميها مثلا "رُجولـ"زاد" وتضيف لتاريخ السرد العربي ألف ليلة ولية أخرى بأسلوب ذكري، ولسنا ندري كيف نروض الدجاجة الرقطاء على الصياح لتحل محل الديك لأنه بالضرورة سيكون مهزوما متواريا، (كان يعتقد أنّه يمتلك ثقافة البهجة، بينما تملك هي ثقافة الحزن..). وتصل إلى درجة رجّ إيمان المرأة وقناعتها بالرجل فتشكك في تشكله الطبيعي وتحوله إلى مجرد جهاز ديجيتال، ثم تمنحه شيئا من الاحترام حين تنفي أنه يمكن أن يكون قابلا للتقليد، أي أن الله خلقه هكذا إشارة إلى أنها هي التي صنعته بيديها بحكم معرفتها به أكثر من أية امرأة أخرى مهما كانت جنسيتها، بمعنى أنها مستيقظة جدا وتتميز بعقل غير الذي كان يصفه الرجل عادة بالنقصان وعدم الاكتمال، بحيث أن أحلام واعية إلى حد فحص الرجل فيما إذا كان ذا شخصية طبيعية أم نسخة مغشوشة، وأنه ليس بإمكانه إلاّ تلبية حاجيات تقليدية مبتذلة محدودة: (ما نريده من الرجال لا يباع ولا يمكن للصين ولتايلاند أن تقوم بتقليده وإغراق الأسواق ببضاعة رجالية تفي بحاجة النساء العربيات.). وكأنها تراجعت أن تقول: "ناقص عقل ودين"، وبتشخيصها للعربيات تحديدات تكون أحلام تقصد بكاف الخطاب في "الأسود يليق بك" الرجل العربي، وهو بذلك ماركة تايوانية أو تايلاندية سريعة العطب، وشهرزاد غبية حين اكتفت به وضيعت قصصا طائلة لا يزال هذه الرجل الشبه أصلي يتمتع بها إلى الآن، فأحلام تدعو المرأة جهارا للبحث عن رجل "Original"، باختصار غير عربي، هذا ما حتّمت علينا الفكرةُ فهمَه، ولو أنها قالت: ".. ببضاعة رجالية تفي بحاجة النساء." وسكتت لما استدرجَنا المعنى بهذا الانسياق.

    يبدو أن أحلام ناقمة كثيرا من شهريار العربي الذي لا يتقن إلا إرغام المرأة على الحكي وعلى لعبة التلاحم الجسدي، لكنها نسيت أنه لو كان شهريار غير عربي، كأن يكون – مثلا - أمريكيا أو إيطاليا على أساس الماركات الأصلية الأكثر رواجا لاستنفذ طاقتها الروحية والنفسية والفكرية والجسدية في صمت، ولما كتبت "عابر سرير" و"ذاكرة الجسد" وبحسب أحلام فإن "الأسود.." لا "..يليق.." إلا بالرجل العربي، ويكون في هذه الحالة مجرد سلعة عرضة للحجز على أنه مزيف.

    أحلام مستغانمي اخترقت المرأة وصارت ضرة ذكية على كل نساء العالم، المسألة التي لم تنتبه إليها المرأة المتلقية هي أنها صارت زوجة من درجة متأخرة جدا مقارنة بجرأة أحلام وتأثير ها على الرجل مهما بلغ من ذروة الفحولة، بمعنى أنها تقود المرأة إلى الفشل في حياتها الزوجية أكثر مما تستنهضها لتقوم على قديمها بعد أن أقنعتها بأنها تحت ركام من الجليد منذ زمن بعيد، وبمعنى أكثر تقنية أقنعتها بأنها مجرد جسد "كونجلي" يخرجها الرجل متى شاء ليعيد لها حويتها بالماء الساخن لأغراض معيشية ثم يعيدها إلى الثلاجة، وأحيانا تقنعها بأنه يعتبرها مجرد فاكهة صيفية وقد يفتحها كالبطيخة بين يديه ولا يهمه من أمرها شيء، حين يكون على يقين من أنها ستعيد خلقها بنفسها ليجدها مستوية الصيف القادم، إنها تدعوها صراحة إلى مراجعة هذا الوضع، وكأن أحلام نموذج معمم يعني امرأة "Standard"، وقد حان الوقت للنماذج الأخرى أن تراجع أوضاعهن وتراجع جميع ارتباطاتهن وعلائقهن وفق التصميم الذي تضمنته كل روايات أحلام تقريبا، تدعوها لتنفر من الرجل وتجرب أن تقفز كالديناصورة فوق رأسه، وأن تجرب لتخرج مما تعتبره ذكاء في تقمص العصفورة والفراشة، وهي تجتهد في انتقاء الألبسة واقتناء أفخر العطور، وتضاعف جهدها لتستقبل الرجل بأجمل رقصة وأبهى أغنية، الحالة التي استغلها الرجل حتى صار غولا يخيفها من حين لآخر، تدعوها أيضا لتجرب كيف تلعب على كتفيه لعبة المحاربة المدججة بالأسلحة، كأني بها تهمس لها بأن موضوع اللّطافة لم يعد ناجعا، وهكذا تظل أحلام تهمس في أنها بما يشبه السحر ،كما يقول المثل المصري الشائع: "الزّن على الوذان سحر"، وتدفعها إلى انتفاضة وكأنها تضمن لها الانتصار بجدلية سردية حينا، وبجدلية شعرية حينا آخر، لكن كل ذلك لا يتعدى حديث النفس كلما يخرج الرجل للشغل ويفرغ البيت للمرأة وحدها، مسألة تتقنها كل نساء العالم بلهجات عامية مختلفة: "هل ثمة أجمل من حبٍّ يولد بشراسة الغيرة واقتناعنا بشرعية امتلاكنا لشخص ليس لنا.."، وهكذا تُتَوّه أحلام مستغانمي المرأة وتتركها في محطة بعيدة خاطئة الاتجاه، وكما يقال جزائريا: "تكسر العصا" وتعودا شوقا إلى الرجل في غيرة غير مسبوقة ولا هي سائدة من قبل، غيرة غير تقليدية تماما ولا تستطيع أية امرأة أن تتقنها بالقدر الذي استوفته أحلام مستغانمي، إنها عملية سطو واضحة حين تدفع المرأة إلى التراجع والحيرة والشك بل تتركها في متاهة، ثم تندفع هي بكل عنفوانها الأنثوي لتركب حافلة الحياة، ثم تسير في اتجاه صحيح لتبحث كما يقال - جزائريا - عن "قلب الحبة":

    "أغار

    من الشجرة المقابلة لبيتك

    لا أحدٌ يسألها

    من منحها حظّ جيرتك

    وحق العيش بمحاذاتك

    من جرس بابك

    لأنه ينبهك إلى أن أحدهم قد أتي.".

    إنه كيد المرأة العارفة بالمرأة المستغفلة المستهلكة للخطاب ولو من طرف أختها التي تدعي بأنها شخصية ثائرة لأجلها، فتستجيب المرأة المتلقية وتعترف لأحلام بالزعامة، فتسلمها المفتاح الذي استطاعت أن تخفيه في جيب صدرها ولكنها لم تستطع أن تفعل به شيئا أمام العابر الذي يكون عادة في حاجة إلى سرير ، لكن أحلام أعطتها خطة خاطئة لدخول قلب الرجل ثم أوهمتها بأنها قد رمت بالمفتاح في البحر، فجعلتها تكتفي برواياتها وقد أقنعتها بأنها تتضمن أنواعا كثيرة من المفاتيح، العارفون بأدغال اللغة يعرفون أن هذه المفاتيح لا تفتح شيئا فهي مجرد لعبة ورقية، في حين لا تزال نسخة المفتاح الأصلية مخبّأة في رواية أخرى ربما لن تفكر أحلام في كتابتها، فهي تمارسها مباشرة فيما صنعته لنفسها من مكانة، في الوقت الذي تعتقد المرأة التائهة في محطة بعيدة أنه لم يتأت لها قراءة الرواية قراءة صحيحة فقط، وهكذا ستظل المرأة تحاول أن تتسول المفتاح الأصلي من أحلام حتى يمكنها العودة إلى محطتها الأولى على الأقل، إنه طغيان أقبح من طغيان الرجل، بل هزيمة عظمى عندما تجد المرأة صديقتها أعلم بدواخل زوجها، فيتحول خوفها من الرجل إلى خوفها من أحلام الزعيمة، فهي لا تدري أنها في أية لحظة تنتبه فتجد نفسها لا تزال غبية، وأن بإمكان أحلام أيضا أن تلعب دور الشجرة:

    "أغار

    من الشجرة المقابلة لبيتك..".

    إذن أحلام ليست نكدية فصيحة فحسب بل عبقرية في الكيد بطريقة إبداعية مشرعة في خطف الرجال، وعلى قدر ما تبالغ أحلام في دعوة المرأة لتخرجها من خجلها وتحنطها المميت، فهي تضحك عليها بعد أن توهتها ووضعتها في محطة تتجه إلى صحراء خالية من أشجار الرجال: "أيتها الحمقاء الحياة تنتظرك.. وأنت تنتظرينه.." تقول لها هذا لتتراجع وتعود هي لتتفنن في الخجل رغبة في لقاء الرجل، وتأخذ راحتها في تعقيم عطر يخرب نخاعه، فتصل بخجلها إلى درجة الأرنبة فتقول: "حين تخجل المرأة تفوح عطرا جميلا لا يخطئه أنف رجل"، في الوقت الذي تكتشف فيه المرأة أن رواية "الأسود يليق بك" مجرد لغم انفجر عليها في صحراء قاحلة، وأن السواد اللائق بالرجل ليس ما تصورته بأنه حزن أو ظلام يعكس غطرسة الرجل وإنما هو ظلام الليل الذي يرجوه السيد مكاوي في أغنيته التي يقول فيها "يا ليل طول شويّه.."، أحلام مستغانمي تملك إذن مهارة بارعة في الصيد ليلا ونهارا ولا يخيفها السواد وإن كانت تعلم أن هذا الرجل يتربص في زواياه المظلمة وقد اعترفت بأنها هي البادية بالظلم حين أطلقت عنان عطرها الجميل، أحلام فعلت بـ "الأسود يليق بك" بالضبط ما يفعله الصياد حين يموه بأي شيء في الجهة الأخرى حتى تأتي الصائدة ناحيته طواعية، وفعلت أكثر من هذا أيضا برفيقات رحلة الصيد فوزعتهن عبر جهات قاحلة مختلفة لتبقى هي في المكان المعشوشب الوافر الماء المكتنز بالخيرات، هكذا صممت أحلام مستغانمي المرأة العربية، وربما ستمتد إلى غيرها لتبقى هي وحدها المهابة أمام الرجل حين يعلم أنها هي وقود حراك المرأة وفعلها، وهذا ما يبدو الآن في مساحة قرائها، يظهر ذلك جليا في رواج الاقتباسات المتحاملة على الرجل من طرف المراهقات والنساء المصدومات في حربهن مع الرجل، يعني جمهور خليط بالمراهقات اللاّئي غرزت فيهن أحلام الريبة في المستقبل، ومن النساء المصدومات في الماضي، ومن الشباب الذين اعتمدوا رواياتها وصفة عاطفية ليتجنبوا ما يدعو الفتيات إلى هذه الريبة، وبين الرجال الذين اكتشفوا أن زوجاتهم غير مقنعات بهم على أساس أن لديهم رغبة كامنة في الإطاحة بالمرأة الحديدية التي ترفض أن يتسيد الرجل عليها، ولعل أحلام مستغانمي تريد أن تؤكد ذلك أمام رغبة ذكورية تاريخية في العظمة، كأنها لا تكتفي بأن يَعْظُم أمامها رجلٌ واحد، بل تريد أن يَعْظُم أمامها كل الرجال، وهذه هو السحر الذي لم ينتبه إليه جمهورها الذي سفّهته في معظم رواياتها وطقطوقاتها الشعرية، هكذا سار الركب تحت إمرتها السردية الفصيحة النكد، وانصاعوا لشعريتها المشاكسة وهي تمارس ببراعة فنون الصيد في فروسية لغوية مفتوحة، وبمفردات لا تخرج عن مصطلحات الصراع الحواري بين الرجل والمرأة حينما تربط الحالة بالحب والانتصار والهزيمة، وحينا آخر بين الذكر والأنثى كلما تعلق الأمر بالسرير والعطر والخيانة والغيرة، فرواياتها لم تخرج مما يقال عادة في حديقة عمومية مختلطة، ومما يقال غالبا في غرفة النوم بين زوجين لا يشتركان إلا في الجسد، وبهذا الاستهداف صارت روايات أحلام منتجعا لفئة عمرية معينة عادة ما ينتابها الجزع والقلق حول ما يدار من مؤامرات في هذين الحقلين على وجه خاص.

    ../..


    [​IMG]
    عبد الباقي قربوعه
     

    الملفات المرفقة:

    آخر تعديل: ‏13/12/17
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..