دراسة عبد الباقي قربوعه - الروائي المصري صنع الله إبراهيم نموذجا.

الروائي عبد الباقي قربوعه

عبد الباقي قربوعه روائي وقاص جزائري.
هكذا يتضح المفترق الفلسفي في تناول الجائزة أو الاعتذار عنها، بين كاتب يتخذ الكتابة مطية للتكسب والإشهار، فيرى بذلك المواقف فيما دون ذلك سلوكا ثانويا غير مهم، وربما يراه مضيعة للوقت وإسرافا لجهوده ومكاسبه، فيجيب على الحالة إجابة حسابية عمومية بما يتوازى مع مصالحه النفعية العامة، موقف تعتبره الجهة المانحة مشاركة وإثراء لخطها وثقافتها وآلة نظامها ومنهجية إدارتها، ثم تتخذ هذا النموذج المستجيب بهذه النمطية المادية لتعتبر الآخر نموذجا مشاغبا ومتمردا، فتنتعش هذه الحالة على حسابه حين تمضي مستميتة دفاعا عن أفكارها وأطروحاتها، ويبدو مقارنة بالحالة الأولى يقظا وثائرا وغير قابل للذوبان، ويصرّ على ذلك ولو ارتفعت الجائزة إلى ثمن خيالي قياسا إلى وضعه المادي، أو أخذت فضاءات شاسعة من الإشعاع الإعلامي قياسا أيضا بسمعته المتواضعة، وأمثلةً على ذلك يحتفظ التاريخ بنماذج كثيرة في هذا الشأن.
"ففي سنة 2003م أعلن الروائي المصري صنع الله إبراهيم في موقف فاجأ به الحضور، وقال: "أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد، وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب.*" الموقف النقيض أن يأخذها آخر بنفس الأريحية، المتسرعون إلى بذل الكراهية، والطرف الآخر الشره لتغذية أيديولوجيته، كلاهما بعيدان عن الفكرة التي أراد أن يطرحها الروائي صنع الله إبراهيم ، فهو بهذا الخيار جعل من الكتابة خندقا للتصدي ومعسكرا للمقاومة، فهي إذن في فلسفة هذا الكاتب محاربة ومناضلة، فأبعدها عن شبهة التواطؤ ونزع عنها صفة التجارة وامتصاص المناسبات الثقافية دون أن يكون لها ر أي، كما أنه لم يكن يريد بهذا الموقف الانحياز إلى طرف لغرض البيع والشراء، أو مقايضة موقف بموقف مماثل، فهو يطرح للكتابة حدّها النبيل ويحفظ وجهها الناصح، لأنه يعرف بأنها ملاذ المظلومين والمقهورين، لذلك فإن الكاتب الذي يكتب انطلاقا من هدفه لإسعاد البشرية، هذا النوع من الكتاب عادة ما يتميزون بفلسفة بعيدة عن عموم الفهم حين يضحون بما يخطط الآخرون للوصول إليه.
إن أصحاب هذه المواقف من الكتاب يكونون عادة أكثر قهرا وحرمانا من طرف الأنظمة والمنظمات والجمعيات والوسائل الإعلامية المدنسة والمأجورة، المؤسسات التي تتلقى دعما غامضا أو مشبوها من طرف منظمات سياسية أو ثقافية سلبية في الحياة، منظمات يقوم فكرها على القمع والظلم، هذه الشائبة التي لا ينتبه إليها بعض الكتاب، أو أنهم يغضون أبصارهم عنها تواطئا أو تراجعا عن أفكارهم اعتبارا لسمعة الجائزة وثقلها، أو لكونهم ماديين ولا تهمهم المواقف الأخلاقية، كأن يكون لجوءهم إلى الكتابة من البدء طلبا للثروة والبريق الإعلامي، أو تسلقا إلى منصب سياسي أو مكانة معينة في المجتمع.
قلّما تتجانس الجائزة مع قناعة الكاتب وما يؤمن به فيما يطرحه من أفكار في رسالته، كأن ينجح في مناهضة فكرة رجعية أو نظام ظالم أو عادة سيئة أو عرف فاسد، فيما يعتبر الصنفُ الآخر أصحاب هذه المبادئ أغبياء، خصوصا إذا كانوا فقراء ويتواجدون على هامش الحياة، وربما مقهورون ومضطهدون، وأحيانا بدون مأوى وبدون وظيفة، وقد يصل بهم الأمر إلى حد السجن والمنفى والموت، لكن التاريخ له رأي آخر عندما تنتهي حقبة حوار المواقف المفترضة، ويهدأ نتاج صدامها وتناقضها، عندما يبلى الآني من الامتيازات، ويصبح المطروح والمقترح من أفكار خارج الصلاحية، فيحضر متلق آخر فيخوض في مسائل الماضي ويراجع المواقف، ويعيد النظر إلى الأسئلة السابقة، أو يطرح أسئلة جديدة أخرى في تجريب مختلف كبدائل للرؤى والأفكار والنظريات القديمة، حينئذ يرتب التاريخ جوائزه بمعايير وقيم أخرى غير التي كانت سائدة، لأن السائد قد يكون مفروضا بالقوة والإغراء والمغالطة، كأن يقبل كاتب جائزة تخص حرية المرأة مثلا، لكنها ممولها ومروجها يريد من هذه الحرية الانحلال وفساد الأخلاق، ولا يريد منها ازدهار المرأة وتشجيعها ودفعها للمساهمة في بناء حضارة بلدها، وأغرب جائزة صدمت المرأة العربية، خصوصا المرأة المصرية هي المكافأة التي نالتها إحدى الراقصات في مصر على أنها الأم الفاضلة من سائر الأمهات، بمعنى أن الأم المفكرة فاشلة في موضوع الأمومة، وكذلك الطبيبة والمهندسة والشاعرة والروائية، الأقبح أن الأم الماكثة في البيت التي أنجبت كل هؤلاء ليست أمها مثالية على ما يبدو.
من منظور كل ما تعرضنا له قد ترفع جائزة الكتابة صاحبها إلى العلياء فيكون نموذجا رائدا، ثم يرصده التاريخ حفظا وإشادة، وقد تحط من مقام الكاتب وتنحدر به إلى هاوية سحيقة في المجتمع، ثم يلفظه التاريخ ويطرحه مثلا سيئا ونموذجا قبيحا.
ما أصعب أن يكون المرء حرّا وواضحا وبسيطا بجميع انفعالاته، سيان كانت كتابة أو مسرحا أو غناء، ما أروع أيضا أن يكون عفويا في امتداده للشعوب بدون مقابل غير تلك السعادة التي يراها على وجوههم وتلك المحبة التي يغمرونه بها، بالضبط كما يبدو لنا الأطفال حين ينتابهم الضحك أو البكاء فيفعلون دون خطة مسبقة، أو حين تتبادر لهم لعبة مهما كانت بساطتها وبدائيتها فيلعبون ويَسعَدون ويُسعِدون و لا يأبهون كيف يراهم الآخرون.. فلنحرق كل الخطط ونستيقظ كما يستيقظ الأطفال والعصافير والفراشات، كم هي جميلة الكتابة فنفسدها كلما نتصنع ونتزين غرورا بما هو فينا، وربما بما هو ليس فينا حين ندعي ونتوهم، ثم نكتشف أن الكتابة نفسها تضحك علينا عندما نقول أننا كتبنا، وفي الحقيقة قد أرضينا طرفا على حساب طرف آخر، وحفزنا بها هذا على قتل ذاك، وشجعنا هؤلاء على قهر أولئك، وربما جرّينا بها البشرية كلها وحرضناها على التناحر، فنكون بذلك مارسنا فعلا سلبيا بخلاف ما تحمله الكتابة من تنوير ونبل ورحمة وسعادة للآخرين، فالكتابة في مطلقها حكمة، والحكمة سعة وانفراج وبهاء ومحبة، وليست مُصفِّقة ومُبْتهِجة للظلم والبطش والتنكيل بالآخرين، ولا هي تشبه الشاة لتظل مطأطئة الرأس تقتات عشب الجوائز دون أن ترفع رأسها لتتطلع إلى الأفق فنتنبه إلى ما يراد منها وبها.

* موقع ضفة ثالثة.
 

المرفقات

التعديل الأخير:
أعلى