نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دراسة أميرة عكارة - القبح أيضا في عين الرائي

'قراءات في رواية' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,663
    2,574
    لأحمد ناجي، الذي لا أعرفه شخصيا، كل الحق في الحرية، جسدًا وتعبيرًا، لكن قضيته تذهب أبعد منه ومن روايته “استخدام الحياة” بطبيعة الحال إلى قضايا حرية التعبير، وانفتاح النص الأدبي على قراءات وتأويلات بعدد قرائه، وإلى حرية مسلوبة، أو مهددة بالاستلاب، كما كل الحريات.

    “القبح” أيضًا في عين الرائي

    يقال “الجمال” في عين الرائي/ة، لكن أليس “القبح” أيضًا في عينه/ا؟ ولمَ لا تكون “البذاءة” في ذهن القاريء/ة، كما أنّ “الاستحسان” في ذهنه/ا؟ ما يعني أن قيما كهذه هي قيم فردية، نسبية، وليست جمعية، مطلقة، خاصة في مجالي الأدب والفن، إذ أن التلقي حالة خاصة وفريدة وفردية جدا، وصيروة دائمة من التفاعل والتحول، التام أحيانا، من قراءة ما إلى أخرى مغايرة تماما.

    أليس إنتاج الدلالات هنا فعلا مشتركا بين الكاتب/ة والقاريء/ة؟ لمَ تُفرض قراءة واحدة لعمل أدبي ما على الجميع؟ ما قيمة العمل الأدبيّ/الفنيّ إن لم يكن منفتحًا على أكثر من قراءة وتأويل ومقاربة؟ من وأد الأطياف الواسعة المتباينة واختزلها – كالعادة – في طيف واحد وحيد؟ أليس في ذلك قمع للذائقات الأدبية واحتكار للمعنى؟ ثم إنه وإن كان ثمة اتفاق ضمني ما حول “رداءة” أو “إشكاليّة” عمل أدبي ما – شكلا و/أو مضمونًا- ألا تنتهي القصة هاهنا عند هذا الرفض الضمني، الشخصي أو الجماعي، له؟

    أصحاب الكلام في المحاكم، الكلام في الأذهان

    من البديهي أن الكلام لا يذهب إلى المحاكم، لكن هل كل بديهي متفق عليه، وبديهي حقا؟ وهل يذهب الكلام إلى المحاكم حقّا؟ أليس من يذهب للمحاكم هم أصحاب الكلام، وليس الكلام ذاته؟ حين يذهب الكتّاب وأصحاب الرأي للمحاكم والسجون، يبقى الكلام، كلامهم، فعليا في كل ذهنٍ وصل إليه، أو قد يصل إليه. وفي الأغلب، لا تغيّر المحاكم فكرا أو رأيا، الكلام وحده يغيّر الكلام، وإن كان ثمة مجال أو حاجة لمجابهة ومقارعة كلام ما، فليكن من جنسه، بالكلام، فأفضل ما يقابل الفكر فكر آخر، وأفضل ما يقابل الكلام كلام آخر. قالها بلال علاء ساخرا: “ثم ما وكيل النيابة اللي مضايق إن بطل رواية أحمد ناجي بيحشش، يكتب رواية ويحبس بطل رواية ناجي فيها”.

    الكلام وإن ذهب بصاحبه إلى المحاكم يخرج في العادة – على عكس ما يريد قامعوه- أكثر انتشارا ، وتأثيرا ربما، “العند” هنا يولّد الانتشار، وغالبا قوة الصدى. لكن رغم هذه البداهة غير المتحققة، وإن كان – افتراضا- ثمة مجال آخر غير العقول والذائقات الشخصية والنقدية يذهب إليه الكلام الأدبي للحكم، وإن كان الكلام “البذيء” أو”الإشكالي” لابد ذاهبا إلى المحاكم، إلى أين يذهب الكلام “الحسن” إذن؟!

    مجال الحكم على العمل الأدبي/الفني هو أذهان وذائقات القراء على تنوعها وتباينها، وليس منصة القاضي. الحكم الأدبي/الفني هو المقياس الأوحد هاهنا، وليس الحكم القانوني. قد أقرأ رواية ناجي لاحقا ولا أستحسنها، بمقياس أدبي، فردي بحت، وقد يستحسنها غيري، قد يرفضها الكثيرون أو القليلون، بمقياس التلقي الأدبي وحده، وتبقى أيّما قراءة لهذا العمل الأدبي أوغيره نتاج انفعالات وتفاعلات فردية، شخصية، بين القاريء/ة والنص، دون سلطة ما لناجي أو غيره على هذا النتاج.

    المجتمع، الواقع، والنّصّ

    مما تثيره قضية ناجي أيضا هو فداحة المفارقة بين حالة الاستنفار والتحفز والرفض الحازم، الغاضب لنص، ليس ثمة مجال أو معنى لـ”إدانته” قطعا وبشكل أحادي، وبين التراخي والتجاوز وربما القبول الضمني والمُعلن لما هو أبعد من محض نص مكتوب ومشاهد مُتخيّلة.

    التحرشات اليومية بالإناث في الفضاء العام، الاغتصابات الزوجية والعنف الأسري اللذان يرفضانهما الكثيرون تعريفا، الانتهاكات الجسدية والنفسية الممنهجة في السجون، وغيرها مما لا يثير حفيظة قطاع – كبير ربما – ممن انتفضوا/ن ضد خيال استحال كتابةً على ورق بنفس المقدار، أومما لا يثير حفيظتهم/نّ على الإطلاق.

    إن كان ثمّة مواجهة ما بصدد هذه القضية فهي أولا مع المجتمع وبنيته الفكرية والنفسية، مع حراس “الأخلاق” و”الفضيلة” والقائمين على شؤون غيرهم المعنوية، والقول هنا ليس من قبيل المقارنة، بل من قبيل تصورالمفارقة في إدراك الأمور، فليس ثمة حرية أهم شأنا من أخرى، لكن أيكون مشهدا في نصّ أكثر قسوة في وقعه على النفس وأكثر خدشا للـ “حياء” ويستدعي الذّود الغاضب عن “الأخلاق” من فعل عنف مادي أو واقعة انتهاك مؤكدة الحدوث؟ ألا يكون لهما نفس القدر من الإدانة حتى، إن كان يصح إدانة النص أصلا؟!

    سلطة حراسة “الفضيلة”

    فرد يقرأ رواية ما، فتخدش “حياءه”، “حياؤه” هو، فيرفع دعوى قضائية على صاحب الرواية وعلى رئيس تحرير الجريدة التي نشرت فصلا من الرواية. لمَ؟ ألا تنتهي القصة عند رفضه للروايه ولأسلوب الكاتب فحسب؟ أهو الانتصار “لحيائه” الشخصي الّذي “خُدِش” دون أن يعلم أحد عن ذلك شيئا؟ أم هو النزوع لممارسة سلطة ضمنية ما على غيره من القراء بادعاء أن “الأخلاق” و”الفضيلة” تبدأ من عنده، وبافتراض تماهي مفهومي “الأخلاق” و”الفضيلة” بالضرورة بينه وبين باقي القراء؟

    أليس ثمّة سلطة خفيّة في الرغبة في المنع والحجب هاهنا نيابة عن الآخرين؟ ألا يكون من قبيل ممارسة السلطة ليس فقط اختصام صاحب الكلام في المحاكم، لكن أيضا سلطة “حماية” الآخرين المفترضة من نصّه، وقمع ذائقاتهم/نّ والتقرير بالنيابة عنهم/نّ؟ ألا يبدو أننا كلنا قامع ومقموع بصورة ما؟ ألا نمارس كلنا، ولو مرة– فيما يبدو – دور السلطة في القمع والحجب والمنع وتقرير مصير الآخرين؟ هذه السلطات الخفية، سلطة التقرير عن الآخرين، سلطة تعميم الشّخصي وجعله مطابقا لا محالة لحالات الآخرين، سلطة الرغبة في المنع ، حتى وإن لم تتحقق أحيانا، تستدعي الدراسة، خاصةً في التقائها وتقاطعها مع سلطات رسمية، كالسلطة القضائية، وتحتاج إجابات من بين الأسئلة التي تطرحها قضية “استخدام الحياة”، كما كل القضايا المماثلة.

    النص الأدبي والمعاني المنتجة سلفا

    ألا تطرح قضية أحمد ناجي سؤالًا مهما آخر عن تعاطينا مع النص الأدبي بصفة عامة؟ ماذا يتعلم الطلاب في مدارسنا في صفوف الأدب؟ معان جاهزة و”جماليات” لنصوص معدة سلفا للحفظ والتلقين؟ أليست هذه هي القيم التي يتلقاها الطلاب في الأغلب عن الأدب والقراءة والتأويل؟ ألا يُختزل الأمر عادة في قراءة واحدة تُفرض على الجميع ويعاد إنتاجها بصورة آلية كمطلب لاجتياز الاختبارات؟ ألا تتحول صفوف الأدب عادة إلى محض محفوظات؟ وبعد؟ ألا ينتهي الأمر بأن يتوهّم أحد هؤلاء الطّلاب – الذين استبطنوا فكرة القراءة الواحدة الجامدة للعمل الأدبي – أن قراءته/ا لا محالة هي قراءة الآخرين لذات العمل الأدبي، وأنه يحق له أو لها أن أن يـ/تقمع ذائقات الآخرين بالحكم المسبق عليها؟ ربما من أهم ما تطرحة قضية ناجي والقضايا المماثلة هو ضرورة إعادة النظر في كيفيّة تأهيل الطلاب لمقاربة النصوص الأدبية والأعمال الفنية وضرورة المراجعة النقدية لمناهج ومداخل تعليم الأدب والتلقي الأدبي في المدارس والجامعات.

    قراءة الرّواية/لا قراءة ردود الفعل

    لم أقرأ رواية “استخدام الحياة” إلى الآن، ولن أقرؤها حاليا في خضم الصخب المثار حولها، وقد لا يـ/تفلت قاريء/ة من تأثير ضجيج القالب الّذي وضعت فيه الرواية، ومن تأثير اجتزائها واختزالها في فصل واحد قيل عنه إنه “خادش للحياء”. من الضروري قراءة الرواية ولا قراءة ردود الفعل المتباينة حولها كما كنّا لنفعل لولا الضّجة التي صاحبت ذهاب صاحب “استخدام الحياة” إلى المحاكم. أما وقد حدث ما حدث، فلنحاول أن نطرح ردود الفعل هذه كأنها لم تكن بالأساس، أن نتجاوزها كليا، وأن تنفصل عملية القراءة عما سبقها من تأويلات وقراءات الآخرين.

    لنقرأ، ونستشعر ما نقرأ، ولندع الفكر حرا، والأجساد حرة، والأنفاس والنصوص حرة، ولندع الكتابة تُسائل بعضها، وتجادل بعضها، وتحاجج بعضها بعضا، فحسب.
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..