نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دراسة عبد الباقي قربوعه - أحلام مستغانمي المرأة الريفية والمتمدنة.

'قراءات في رواية' | الروائي عبد الباقي قربوعه.

  1. الروائي عبد الباقي قربوعه

    الروائي عبد الباقي قربوعه عبد الباقي قربوعه روائي وقاص جزائري.

    21
    16
    ولأن فكرة المزج بين ذهنية امرأة الريف الأمية البسيطة، وامرأة المدينة العارفة الفيلسوفة فكرة أتعبتها كثيرا، فوجدت نفسها مضطرة للخروج من ذلك المخبر الضيق حينما استخلصت أن تلك المستحضرات الكيماوية غير ناجعة، فصارت أحلام مستغانمي على الملأ روائية بالضرورة، فجعلتنا نكتشف في رواياتها بأنها تلك المرأة الأولى حينا، بدليل أنها تبدو لنا لا تتقن التعبير على المباشر، لأنها أحيانا تتقمص دون أن تدري شخصية تلك المرأة الريفية القديمة التي لا نرى فيها إلا الخجل والحياء والخوف. وحينا آخر يختلط عليها الحال بين واقع المرأة العارفة وواقع المرأة التي تود أن تكتفي بعفويتها الجميلة فقط، لكن نجاحها في السرد يدل أنها نجحت في تقمص الذهنيتين معا، ولو بشكل من الارتجاج في واقعها وفي نصوصها، ومع ذلك يظل هذا التمازج رهيبا لا تطيقه أية امرأة في العالم، في حين لا يزال المنظرون يقسمون الجنس اللطيف إلى امرأة أمية وامرأة قارئة، لأن ما نجحت فيه أحلام مستغانمي يتطلب أيضا أمية فائقة كما هول حال الرُّسل، كما يتطلب أيضا معرفة زاخرة، فالمرأة لا تستطيع أن تحكي إلاّ إذا كانت أمية بامتياز، ونقصد عدم تجربتها وندرة انفتاحها على العلاقات المختلفة بالرجل.. واللغة التي تدير مختلف العواطف التي يحتاج إليها الطرفان لتأسيس علاقات إنسانية شرعية أو ربما غير شرعية، في ذلك يتجلّى تعالي أحلام ووقوفها متهمة الرجل بالخيانة وقصوره دون تفهم المرأة من حيث هي غور من الأسرار، أعمق من تلك اللحظة التي تشبه السفر إلى مدينة لم يرها من قبل، أو ما استوحيته أنا من رواية "عابر سرير: "هو ذا النصف الخالي.. كيف وصلنا إليه؟ بل كيف اخترقنا الرمل وتسرَّب إلى كل شيء؟ لم نعد على مشارف الصحراء، بل أصبحت الصحراء فينا. إنه التصحر العاطفي." هكذا تطرح نفسها وكأنها أنثى ما أتى بها الزمان، كأن تكون - مثلا- أشبه بحورية من حوريات الجنة، لذلك يلزمها رجل صالح من درجة عالية جدا، الظاهرة التي يشير إليها الله عز وجل في القرآن الكريم: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56))، فكأن أحلام منبثقة من هذا المعنى وهذا ما قصدته بالأمية والأصل الذي يجب أن تكون عليه المرأة في الحياة الدنيا بشكل نسبي، لأنه قد تأمن المرأة على نفسها من الإنس ولكن لا تستطيع أن تأمن عليها من الجن، أحلام تريد أن تقول أنها نجت من الإنس والجن، لأنها تحكي لهم جميعا بهذه القدرة من السرد، فلا تترك أحدهم ينتبه إلى ما تختزنه من أنوثة إلاّ لمن أرادت، ومن أرادته تشده بحبال حكيها فلا يغادر مجلسها أبدا.. هكذا يتجلّى الغرور في أحلام مستغانمي الغرور الخلاق المبدع، ولأنها غير مباحة للرجال جميعا ها هي تشبه الكتاب بالمرأة الجميلة، وتفتي صراحة بجواز الاختلاء برواياتها والتمتع بها طالما ندر الكون من الجاريات الحسان، ومن جهة أخرى تستفز الرجل ليكتب بمثل كتاباتها حتى تتوسم في كتابه الرغبة في الاختلاء به، ولعل هذه الحالة عادة سرية تفوقت أحلام في بذلها حتى صارت روائية بهذا المعيار: "إن الكتب الجميلة كالنساء الجميلات ﻻ يمكن مجالستهن في الصالون وﻻ بد أن تراودك الرغبة في الاختلاء بهن في مخدع.."، ومن خجلها الذكي الذي أشرنا إليه آنفا لجأت إلى جمع كلمة الكتب لتؤنث الجملة حتى تستطيع أن تلعب عليها دور الذكر، وأعني استعمال الجهاز المسئول عن القراءة والوعي، حين تبرهن لنا أن العقل مذكر مطلقا سيان كان في جمجمة رجل أو في جمجمة امرأة، ولكن في ملكوتها الروائي أرادات أن تؤنث الجملة وتشبه الكتب بالنساء الجميلات، كأنها تريد أن تقنعنا بأن ما يحدث بين المعرفة والعقل حالة أشبه بالعملية الجنسية لذلك من الضروري أن تكون في مخدع، حتى تتسم بالاكتمال والثراء، وقد ينجم عنها حمل ثم ولادة، هكذا هي أحلام تريد أن تشير إلى مواليدها بعد زواج معرفي ناجح.

    هكذا تحصن لذاتها وتسمك حولها صورا عات، وتحاول أن تبرز اللّطافة بالقوة التي يطرحها المعنى، وليس كما تطرحها الثقافة السائدة لدى المرأة على أنها ضعفٌ وجبن فتنزلنها منزلة الرخاوة، أحلام تبدو امرأة بكل ما ينتشر له معنى كلمة اللّطافة في بعدها الفلسفي، الخليقة التي يجب على المرأة أن تتصف بها لتدفع الرجل إلى الشعور بالكبرياء على أنه هو حاميها وصائنها، هكذا تثير فيه روح القتال والمغامرة وسائر المبادرات التي تمتحن بها المرأة عزيمة الرجل كبداهة منذ قديم الزمن، هكذا أيضا تبدو أحلام مستغانمي تحب هذه الحالة في بناء علاقتها مع الرجل، لتصبح دون أن تدري روائية حتى بحركاتها المزدحمة المضطربة الخائفة اللطيفة، نقصد القلق الإيجابي الذي يحدّ من قوة التهور وحدة المجازفة، ولأن أحلام تكره الفشل والخيبة ترسم خطة مبهرة، ليس للوصول إلى الرجل كمبادرة تقليدية، ثم تصل منهكة متعبة دون الصورة التي يبتغيها الرجل، ولا لوصول الطرف الآخر إليها كأنانية مفرطة عادة ما تنتهجها المرأة التي تتمتع بقوة جاذبيتها على حساب الرجل الطيب، ولكن للوصول إلى نقطة في الوسط تكون بمثابة حالة محترمة من التعاون في قطع المسافة المفترضة بينهما لصول كل منهما إلى الآخر، على الأقل لتفادي الكثير من الخسائر النفسية فيما إذا فشلت التجربة: "الحب هو ذكاء المسافة ألاّ تقترب كثيرا فتلغي اللهفة، ولا تبتعد طويلا فتُنسى".

    إذن أحلام مستغانمي كادت أن تكون أخطر منافسة لشهرزاد لو لا أن ميلادها تأخر إلى هذا الوقت، لتجد شهريار انقرض أو أنه التبس بموضوع آخر كأن يكون صاحب ثروة وافرة، ولا يهمه في هذا الزمن أن يكون حاكما أم من عامة الناس، المهم لا يزال على بلاهته لا يتقن إلا التفنن في التمتع والتعذيب والقتل، المختلف عن شهريار أن هذا النموذج لا يهمه في المرأة إن كانت مغنية بارعة أو شاعرة مقتدرة، أو ساردة وحاكية من طراز عال: "ما حاجة الأثرياء للوسامة إنهم يبدون دائما أجمل مما هم، إنهم جميلون بقدر ما يملكون."


    [​IMG]
    عبد الباقي قربوعه
     

    الملفات المرفقة:

    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏17/12/17
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..