قصة قصيرة مجهول ـ ترجمة عبد اللطيف الخطيب ـ الطالبة و الأستاذ

قال الأستاذ « إنني أحس يا « هارونة » بأن التعب قد أخذ مني مأخذه »
قالت الطالبة بصوت فيه رقة وحنان « إنك قد أجهدت نفسك حقا »
قال الأستاذ وهو ينظر إلى الفتاة « إن آثار العياء بادية عليك أيضا »
قالت الفتاة وهي تبتسم بغية تطمين الأستاذ « أن تعبي عديم الأهمية ».
نشأت « هارونة » في بيت غني فجعلت تدرس الرسم والرقص والموسيقى. وقد ذاع اسمها في هذا الفن الأخير وسنها لا يتجاوز العشرين. أما الأستاذ « كومود » الذي كان يريد كلية الموسيقى فقد أخذ يحس بعطف كبير على طالبته الفتاة التي شرعت تشعر بالسعادة لتقدير الأستاذ الكبير لمزاياها.
وكان الجمهور يعجب بالفنانين ويخصهما بالتصفيق الحار. فقد كانت الفتاة تغني وتضرب على الأوتار بمهارة كبرى فكان الأستاذ يعجب بسحر صوتها وبرقة حركاتها الرشيقة. ورقص الأستاذ نفسه رقصة آلهة الرقص فأحبته « هارونة » وقدرته غاية التقدير.
وعادت الطالبة فأخبرت الأستاذ بأنها قد أعدت الطعام، غير أن الأستاذ أخبرها بأنه لن يجلس أبدا إلى المائدة إلا بعد الصلاة لآلهة الرقص، وعاب عليها نسيانها لهذا الواجب المقدس. واستسمحت الطالبة أستاذها على ذلك النسيان ثم انصرفت لإعداد مراسيم الصلاة.
أوقدت « هارونة » الشمعة الصغيرة وقربت الصحن الفضي المملوء بالبخور والزهور وشرع الأستاذ يتلو صلواته بصوت يرتعش من فرط الخشوع. وكان في إحساسه الغريب هذا يريد أن يواري وجهه بين نهدي الفتاة ليبكي كما يبكي الطفل. كانت الطالبة غارقة في عبادتها لا تنظر إلى الأستاذ الذي كان ينظر إليها أحيانا في شرود. وما كان في مستطاع الطالبة أن تشك في أن الأستاذ ينتابه الخشوع المسيطر وفي أن موقفه كموقف الأب بالقياس إليها وإلى جميع الطالبات وأخذ كل منهما يصيب من الطعام بعد الانتهاء من الصلاة. ولم يكن كلاهما يأكل إلا ما يقيم به الأود. وعندما انصرف الطلبة توجه الأستاذ إلى حجرته ليستسلم للتدبر جالسا وقد وضع يديه على ركبتيه.
ولم يكن في مستطاع أحد من الطلبة أن يدخل حرمه هذا إذا كان الليل. غير أن الطالبة لم تكن تستطيع أن تتركه وحيدا في تلك الحالة الروحانية، وحدث ذات يوم أن استفاق « كومود » فسأل الطالبة عن سبب وقوفها بجانبه فاعتذرت له قائلة أنها ظنته مريضا فجاءت لتكون على مقربة منه إذا احتاج إليها في شيء.
قال الأستاذ أنه كان مريضا حقا دون أن يستطيع إتمام كلامه، فلما استفهمته الطالبة عن عدم اطمئنانه إليها أجابها بأنها غير قادرة على إدراك نوع مرضه ومؤكدا أنه يشعر بالجنون من فرط اليأس.
وسألت الطالبة أستاذها عن سبب يأسه وألمه فلما أجابها بكلام فيه شيء من القسوة انصرفت إلى حجرتها وهي تمشي مشيا وئيدا.
وعكف الأستاذ على الفن خلال عشرين عاما لم يشعر فيها بأي أحساس من هذه الأحاسيس التي تضطرب لها نفوس البشر. غير أنه أحس بتغير غريب في اليوم الذي أقبلت فيه الطالبة « هارونة » على المدرسة ثم شرع يتيه في التفكير فيها. ولم يعد يستطيع بعد ذلك أن يصرف نظره عنها كلما اقتربت منه أو يعجز عن الاحتفاظ بوجهها في مخيلته كلما انصرفت عنه. وقد وصل به الأمر أن أخذت أحلامه تضطرب برؤيتها.
ولم تكن الفتاة تعلم من ذلك شيئا. فهي لم تكن تعلم أنها مسؤولة عن اضطراب أستاذها الوقور المبجل وقد اندهشت واستبد بها الارتباك عندما حاولت مساعدته على استعادة طمأنينته وهدوء نفسه.
ولم تعد الطالبة الفتاة تنعم براحة النوم لأنها كانت تبحث في سلوكها عن الأسباب المحتملة لاضطراب نفس الأستاذ.
ولا يكاد الصبح يتنفس وتشرع الطيور في تغريدها حتى تسارع إلى حجرة الأستاذ فنجده قد أخذ يتهيأ للصلاة. غير أنها لاحظت ذات يوم على الأستاذ أنه لم يعد بئيسا وأن وصول الطلبة والأساتذة إلى المدرسة قد عاد يلهيه ويسليه.
وكانت الطالبة تفرغ بعد العشاء للعزف فلا تعود إلى حجرتها للنوم إلا بعد أن ينتصف الليل فتمر بنافذة الأستاذ الذي كان يعجب بسهادها ويستغرب له فلا تجيبه إلا وجلة عند ما يلاحظ عليها قرب الصباح.
واقترب منها الأستاذ ذات ليلة فلما رفعت إليه عينيها هالها أمره من فرط غلبة الشهوة عليه ففرت منه فما رآها ترتعش من الخوف وتنادي أباها بصوت مرتجف أدرك سوء عمله وأحس بالعار والمهانة قبل أن يستسمحها ويبتعد عنها مسرعا دون أن ينتظر منها جوابا.
ولما جاءت الفتاة إلى حجرة الأستاذ في صباح الغد وجدته جالسا وقد وضع يديه على ركبتيه فذهبت إلى المعبد للصلاة. فلما عادت وجدته على نفس الحالة فاقتربت منه مستغربة ووضعت يدها عليه فإذا الأستاذ جثة هامدة باردة. ولم تتمالك الفتاة أمام تلك المفاجأة من الصراخ فأغمي عليها وخرت عند قدمي الأستاذ.
 
أعلى