قصة قصيرة إدغار ألان بو ـ ترجمة د / طارق علي عيدروس السقاف ـ الرسالة المسروقة

ذات مساء و بينما كنت مع صديقي ( دوبن ) في منزله في باريس ، زارنا السيد ( جورج جودينيت ) رئيس الشرطة الباريسية ، و كثيرا ما تطلب الشرطة الباريسية المساعدة من صديقي ( دوبن ).

أخبر السيد ( جورج ) صديقي ( دوبن ) بأن الأميرة كانت قد استلمت رسالة مهمة مع الأحرف الأولى للمرسل ( س ) مطبوعة في الخلف .

فتحت الأميرة الرسالة و كادت أن تبدأ بقراءتها و لكن دخول الكونتيسة ( دوفال ) إلى الغرفة حال دون ذلك.

و كانت الكونتيسة هذه امرأة ثرثارة جدا، تتحدث لكل شخص و تفشي كل الأسرار حتى أنها اعتبرت ( جريدة متحركة ) ، و لم تكن الأميرة تريد أن ترى الكونتيسة هذه الرسالة ، لذلك و بسرعة قامت الأميرة بوضع الرسالة داخل ظرف و ضعته على الطاولة.

بعدها مباشرة دخل السيد ( ليبرن ) الغرفة و كان من الرجال المهمين في الحكومة و كان رجلا بغيضا. فقال ( دوبن ) لـ ( جورج ) " إنني أعرفه ، إنه رجل ذكي جدا ".

فقال ( جورج ) " حسنا ، رأى ( ليبرن ) الظرف على الطاولة مع الحرف (س) ، و بينما كانوا يتحدثون ، أخذ رسالة من جيبه و فتحها و كان يتظاهر بقراءتها ، و بعدها و ضعها جانبا على الطاولة بالقرب من رسالة الأميرة، تحدث ثلاثتهم لمدة عشر دقائق إضافية ، و في النهاية أثناء مغادرة السيد ( ليبرن) ، أخذ رسالة الأميرة و ترك رسالته على الطاولة، و قد رأت الأميرة كل ذلك ، و لكنها لم تستطع أن تتفوه بأي كلمة لوجود الكونتيسة " .

و إذا افترضنا جدلا بأن الأميرة كانت قد أوقفت السيد ( ليبرن) لكان قد قال لها ( آووه ، أتقصدين هذه الرسالة المرسلة من (س) ، أنا آسف ، عندئذ كانت الكونتيسة سوف تنشر الخبر في كل أرجاء باريس قائلة " هل سمعتم الأخبار؟ إن للأميرة عشيقا ، واسمه (س)" .

قال ( دوبن ) للسيد ( جورج ) " كان ذلك غريبا ، الأميرة تعرف أن( ليبرن ) سرق رسالتها ، و هو يعرف أنها تعرف " ‘ رد عليه السيد ( جورج ) " و قد أعطت الرسالة قوة لـ (ليبرن) سيطر بها على الأميرة ".

(دوبن) : " هل بحثتم عن الرسالة ؟"

( جورج ) : " لقد بحث رجالي في منزل السيد ( ليبرن ) بدقة شديدة. و لم يكن ذلك من السهولة بمكان حيث أننا كنا نبحث عنها في السر ، و لكن – لحسن الحظ – كثيرا ما يكون السيد ( ليبرن ) خارج منزله خصوصا في الليل ، و ينام خدمه في منزل آخر ، لذلك بحثنا في المنزل غرفة غرفة لمدة عشرين ليلة و لكن لم نجد أي أثر لأي رسالة" .

فقلت : " ربما كان يحملها في جيبه " .

( جورج ) : " لا ، لقد تقمص رجالي ، شخصية اللصوص و هاجموه مرتين ، و بحثوا في كل جيوبه و أخذوا نقوده ، و لكنه لم يكن يحمل أي رسالة"

( دوبن ) : " أخبرني عن طريقتكم في البحث عن الرسالة ، أين بحثتم بالتحديد ؟ "

( جورج ) : " بحثنا في كل مكان تقريبا و قضينا ثلاث إلى أربع ليال في كل غرفة ، بحثنا أعلى و أسفل كل كرسي و طاولة ، و على السطح و من داخل كل درج و خزانه الكتب. حتى أننا نزعنا أرجل و غطاء الطاولة ".

( دوبن ) : " لماذا قمت بذلك ؟"

( جورج ) : " لنرى إذا ما كانت الرسالة مخفية بالداخل "

( دوبن ) : " أين بحثتم أيضا ؟ "

( جورج ) : " كانت لدينا إبر طويلة ، و قد أدخلناها إلى الأسرة و الوسائد و أشياء لينة أخرى. و إذا كان هناك شئ مخفي لكنا قد وجدناه ، و قد بحثنا أيضا في الحيطان و الأرضيات و لكن دون جدوى ".

سألت " و هل بحثتم في كل ملابس السيد (ليبرن) ؟"

أضاف ( دوبن ) : " و كل كتبه و أوراقه ؟؟ "

( جورج ) : " نعم لقد فعلنا ك ذلك " .

و بعد نقاش مستفيض لم يقل ( دوبن ) أي شئ لعدة دقائق . بعدها جلس ثلاثتنا في صمت و في نهاية اللقاء ، و قف السيد ( جورج ) متأهبا للمغادرة قائلا : " حسنا يا ( دوبن ) بماذا تنصحني؟ "

( دوبن ) : " بأن تفتش المنزل بعناية للمرة الثانية ".

ذات مساء ، و بعد ثلاثة أسابيع ، أتى السيد ( جورج ) إلى منزل السيد ( دوبن ) ، و بعد ذلك بوقت قصير سألت السيد ( جورج ) " ماذا عن الرسالة المسروقة ؟ هل وجدتموها ؟ " .

( جورج ) : " لا ، لقد بحثنا في المنزل للمرة الثانية كما نصحنا السيد ( دوبن ) ، و لكن كل ذلك كان مضيعة للوقت. إن الأمر يزداد تعقيدا و خطورة كل يوم "

( دوبن ) : " حسنا يا سيد ( جورج ) سأعطيك الرسالة " .

اندهش السيد ( جورج ) كثيرا و كذلك أنا ، و لم يستطع أحدنا أن يتفوه بكلمة. و قد تسمرنا متطلعين إلى ( دوبن ) الذي ذهب إلى أحد الأدراج و أخذ رسالة منه و أعطاها للسيد ( جورج ) قائلا " هاك رسالة الأميرة " .

و عندما خرج السيد ( جورج ) ، قال صديقي ( دوبن ) " إن رجال الشرطة الباريسية أذكياء و لكن في الأمور الاعتيادية. إنهم حريصون و مجتهدون و لذلك هم عادة ما يحصلون على نتائج جيدة ، و لكن عيبهم الوحيد أنه ليس لديهم ملكة الخيال. إنهم لا يحاولون أبدا تخيل أفكار الآخرين ، فهم يتعاملون مع مختلف القضايا بنفس النمط ، فإذا سرق لص غبي شيئا ما و أخفاه فإن الشرطة عادة ما تجد المسروقات ، و لكن إذا ما كان اللص شخصا ذكيا فإن الشرطة الباريسية تكون في مأزق" .

قلت " تقصد انهم يبحثون دائما بنفس الطريقة و نفس النمط و في نفس الأماكن "

( دوبن ) : " بالضبط ، إنهم يبحثون في أرجل الطاولات و داخل الوسائد . إن اللص الذكي لن يخبئ شيئا كهذا في مثل هذه الأماكن. بل سيضعه في مكان بحيث لا تنظر إليه الشرطة " .

قلت : " و لكن هل ( ليبرن ) لص ذكي بهذه الصورة ؟ أنا متأكد بأنه ليس لصا. "

( دوبن ) : " بالطبع ليس لصا ، و لكنني أعرفه جيدا إنه رجل ذو خيال "

فسألته : " استمر ، أخبرني كيف و جدت الرسالة ؟ "

( دوبن ) : " أولا فكرت في شخصية ليبرن نفسه ، إنه من رجال الحكومة كما أنه من رجال القضاء ، مثل هذا الرجل يعرف كل شئ تقريبا عن الشرطة ، و يعرف أنه في حالة سرقة الرسالة فإن الشرطة سوف تبحث في منزله ، و لا يستبعد انه ابتعد عن منزله متعمدا لذلك الغرض " .

فقلت : " لماذا يقوم بذلك إذن ؟ "

( دوبن ) : " حتى تبحث الشرطة في منزلة بإمعان . و قد خمن ( ليبرن ) أن الشرطة لن تبحث في الأماكن الظاهرة " .

سألته بلهفة " ماذا عملت إذن ؟ "

( دوبن ) : " ذات صباح ذهبت إلى منزل ( ليبرن ) ، و قد ارتديت نظارة شمسية داكنة ، واشتكيت من ضعف أصاب عيني ، و سألته إذا ما كان يعلم عن طبيب عيون جيد. و بينما كنا نتحدث كنت ألاحظ الغرفة حولي بعناية"

فواصلت كلامه قائلا " و لم يلحظ هو ذلك بسبب النظارات الشمسية الداكنة التي كنت تضعها حول عينيك "

( دوبن ) : " تماما ، و كان هو يبحث في بعض العناوين ليجد طبيب عيون مناسبا لي. كانت هناك طاولة كبيرة بالقرب من النافذة عليها الكثير من الأوراق و الرسائل و بعض الكتب. و كانت هناك طاولتان صغيرتان لم يوضع عليهما شئ و كذلك خزانة كتب كبيرة ، و نصف دزينة من الكراسي و بعض الصور ، و لم يثر أي من هذه الأشياء انتباهي كثيرا. و أخيرا وقعت عيناي و على حاملة رسائل عادية الشكل بالقرب من الموقد ، و كانت معلقة من خلال سلك مربوط بمسمار مثبت على الحائط " .

سألته : " هل هناك شئ في حاملة الرسائل ؟ "

( دوبن ) : " كان هناك اثنتان أو ثلاث من البطائق و رسالة ، و كان الظرف متسخا و ممزقا ، و بالكاد استطعت أن أرى كتابة العنوان على الظرف . بالطبع بدت الرسالة مختلفة تماما عن تلك التي وصفها لي السيد ( جورج ) ، و كان حجم الظرف مختلفا أيضا ، ولكنني قلت لنفسي مباشرة " تلك هي رسالة الأميرة ".

سألته : " هل تقصد أن ( ليبرن ) كان قد ظرّف الرسالة "

( دوبن ) : " لم لا؟ أن من السهولة بمكان تغيير ظرف رسالة ، و من المحتمل أن مكان الرسالة قد خدع رجال الشرطة الباريسية ، تذكر أن رسالة الأميرة كانت مهمة و سرية . و كانت حاملة الرسائل هذه أسهل و أتفه مكان توضع به الرسالة المسروقة" .

فقلت " إذن لم يخف السيد ( ليبرن ) الرسالة المسروقة أصلا "

( دوبن ) : " كان قد أخفاها من رجال الشرطة بدهاء شديد فكأنهم لم يلحظوا شيئا كان أمام أنوفهم مباشرة "

سألته : " و كيف استطعت استرجاع الرسالة بعد أن وجدتها ؟ "

( دوبن ) : " ليس في نفس ذلك اليوم ، و لكن عندما تركت( ليبرن ) ، تركت علبة السجائر الذهبية على الطاولة متظاهرا بأنني نسيتها ، و في ذلك المساء بدأت أخطط لاستعادة الرسالة ، ففي صباح اليوم التالي ، عدت لمنزل السيد ( ليبرن) لاستعيد علبة السجائر و تحدثت معه لبضعة دقائق ، بعدها ببرهة سمعنا صوت إطلاق نار في الشارع ، و كانت هناك صرخات عالية و صوت جري أقدام . جرى ( ليبرن ) إلى النافذة و فتحها و أطل من خلالها ، بينما ذهبت أنا مسرعا إلى حاملة الرسائل و أخرجت الرسالة منها ووضعتها في جيبي ، و لكنني أيضا و ضعت رسالة أخرى في حاملة الرسائل تشبه كثيرا رسالة الأميرة بحيث كان الظرف من نفس النوع متسخا و ممزقا و كان الخط المكتوب عليه من نفس النوع . بعدها ذهبت إلى ( ليبرن ) لأطل من النافذة . فسألته " ما المشكلة في الشارع ؟ " فرد ( ليبرن ) قائلا " إنه رجل كان قد أطلق النار ، و قد أفزع المارة في الشارع ، و لم تكن بندقيته حقيقية ، و لهذا فقد اكتفت الشرطة بتحذيره ، و بعدها تركته يذهب " .

بعدها تركت منزل السيد ( ليبرن ) ، و بعدها بنصف ساعة التقيت الرجل الذي كان قد أطلق النار و دفعت له مائة فرنك كما و عدته " .

سألته " و لكن ما هو محتوى الرسالة الثانية التي و ضعتها بدلا من رسالة الأميرة " .

( دوبن ) : " فقط سطر واحد قلت له فيه " من لا يحترم امرأة ، يجب الا يتوقع أن يحترمه رجل "

ـــــ
المصدر:
صحيفة عدن الغد
 
أعلى