دراسة محمد الهادي زعبوطي - التّنوّع الاجتماعيّ في المنجم من خلال الأدب

"أَوَّاهُ يَا أَرْضَ الْمَنَاجِمِ لاَ أُرِيدُكِ أَنْ تَكُونِي
جَدْبَاءَ قَاحِلَةً كَوَجْهِي
بَلْ أُرِيدُكِ أَنْ تَكُونِي
تِينًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاَ
فَإِذَا رَجَعْتُ لِحُضْنِكِ الْمِضْيَافِ يَفْتَحُ صَدْرَهُ
وَيَقُولُ : أَهْلاَ. "
(سالم الشّعباني، أحزان)



مقدّمة:
تختلف أسباب تأسيس التّجمّعات السّكنيّة من قرى ومدن تاريخيّا، فيرتبط ذلك بعوامل دينيّة حضاريّة، عسكريّة استراتيجيّة، طبيعيّة... وكثيرا ما تحدّث المؤرّخون عن دور منابع الماء في تكوّن المدن بل الحضارات.. فنتحدّث عن مدن بحريّة، جبليّة، واحيّة، دينيّة، صناعيّة.. منجميّة.. لكنّها القرى المنجميّة تأسّست حول مصدر للثّروة والحياة هو المعدن. ولذلك غالبا ما تنطبع تلك المدن بعامل نشأتها من حيث بنيتها الاجتماعيّة بصفة خاصّة (السّكّان، اللّغة، الدّين، العادات والتّقاليد، المعمار، اللّباس، الأكل،...).
ولعلّ أبرز ما يميّز القرى المنجميّة بنيتها الاجتماعيّة الفسيفسائيّة، وهو ما قد يصحّ أن نطلق عليه صفة "التّنوّع الاجتماعيّ"، فليست البنية المجتمعيّة المنجميّة بنية متجانسة من حيث الانتماء الإثنيّ والعرقيّ والدينيّ.. بل هي قائمة على الاختلاف والتّمايز أو التّنوّع. وصفها جلال الرّويسي ابن مدينة أم العرائس المنجميّة وأصيل مدينة دقاش الواحيّة الجريديّة: "بْلاَدْ اِللِّي كَانِتْ مُلْتَقَى الْجِنْسِيَاتْ مُوشْ فَقَطْ الْجِهَاتْ. اِتِّحَادْ الْمَغْرِبْ الْعَرَبِي نِحْنَا نَعْرْفُوهْ وِنْعِيشُوهْ مِلِّلي نْحِلُّو عِينِينَا فِي الدِّنْيَا. فِي كُلْ "مِينَة" تَلْقَى الْمِرَارْكَة وِالدّزِيرِيَّة والطْرَابِلْسِيَّة وْزِيدْ عْلِيهِمْ الطْلاَيِنْ وِالْفْرَانْسِيسْ. وْلِلْيُومْ وِلْغُدْوَة، مَا عَنْدْنَا حَتَّى عُقْدَة. نْزُورُو بَعْضْنَا وِنْعَرّسُو مِنْ بَعْضْنَا وِنْغَنُّو غْنَاء بَعْضْنَا وِنْكَنْتْرُو مْعَ بَعْضْنَا. هكذا هي سوسيولوجيا المناجم منذ القديم. خذ مثلا ما وصفه " إيميل زولا" في روايته "جارمينال" التّي تحوّلت إلى شريط سينمائي رائع. كم يشبه بعضنا بعضا نحن أولاد المناجم في كل أصقاع الدّنيا."(1)
ورغم طرافة هذه البنية الاجتماعيّة للقرى المنجميّة وثرائها، فإنّ حوضنا المنجميّ (المظيلة، المتلوي، الرديف، أم العرائس) لم يحض بالدّراسة السّوسيولوجيّة والتّاريخيّة الكافية، إذ كان بؤرة تهميش وإقصاء وتشويه وتحقير منذ المرحلة الاستعماريّة، ففرض حوله طوق من الصّمت والتّعتيم، فلم تسجّل خصائص تلك البنية ولم توثّق ولم تدرس ولم تقرأ إلا ما ندر. فهي مواضيع بحثيّة بكر تقريبا.
وإذ أتصدّى إلى هذا الموضوع فلا أدّعي أنّي سأسدّ هذا النّقص، فلست مؤرّخا ولا سوسيولوجيّا، بل هي محاولة ضمن النّقد الأدبيّ، إذ أزعم أنّ الوعي الذي فرض عليه الصّمت والتّعتيم من الطّرق الرّسميّة، وجد في الفنّ، والأدب خصوصا، متنفّسا صدّع به جدار الصّمت وإن قليلا، وذلك لما يمتاز به الفنّ من قدرة على التّخفّي والمراوغة، سواء كان ذلك الفنّ مكتوبا أم شفويّا(2). فلئن فشل الدّارسون في اختراق حواجز المنع والحجر المضروبة حول القرى المنجميّة فإنّ الأدباء من
شعراء وقاصّين وروائيين استطاعوا ذلك ، فرصدوا ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في المنجم ووظّفوها توظيفات مختلفة.
وإنّي بهذه المحاولة أروم تحقيق هدفين على الأقلّ : الأوّل أدبيّ يرتبط بالبرهنة على إمكان الحديث عن "أدب المناجم" ردّا على ما شهده من تهميش وإقصاء وسخرية(3). والهدف الثّاني حضاريّ يتعلّق بمحاولة التّعرّف على بنية "المجتمع المنجميّ" وما تتميّز به من تنوّع وثراء، دحضا لتهمة البدائيّة والجهل والتّخلّف والعنف التي طالما أريد لها أن تلتصق بالقرى المنجميّة.
أمّا عن المدوّنة التي يمكن الاعتماد عليها فهي موسّعة ومتنوّعة شملت الرّواية والقصّة والشّعر والسّيرة الذّاتيّة.. باللّغة العربيّة أو الفرنسيّة.. وهي ما كتبه أدباء تونسيون – أغلبهم من أصيليّ الحوض المنجميّ- عن المنجم(4)، ويعتبر محمد الصّالح الجابري (بروايته "يوم من أيّام زمرا"،الدار التونسيّة للنشر، 1968) والبشير خريّف (بروايته "الدّقلة في عراجينها"، الدّار التّونسيّة للنّشر، 1969) رائدي الأدب المنجميّ في تونس. لنسجّل في ظهور شعراء المناجم في سبعينات القرن العشرين، ثمّ سجّل الموضوع المنجميّ حضوره في شتّى الأجناس الأدبيّة(5) ولكن دون الإعلان عن نفسه صراحة(6). إذ مثّلت البيئة المنجميّة مجالا خصبا للكتابة الأدبيّة بما فيها من تنوّع وثراء، هي منهل للرّموز والصّور والقصص والأحداث والقيم.
لذلك بنيت محاولتي في هذه الورقة على قسمين:
القسم الأوّل ألتقطت من خلاله علامات رصد المدوّنة الأدبيّة لمكوّنات البنية الاجتماعيّة المنجميّة التّي تتميّز بالتّنوّع.
والقسم الثّاني حاولت من خلاله تحليل طرق توظيف الأدباء لظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في البيئة المنجميّة.
I - رصد المدوّنة الأدبيّة لمكوّنات البنية الاجتماعيّة المنجميّة :
لعلّه من الهيّن أن يلاحظ القارئ اهتمام الأدباء بالتّنوّع الاجتماعيّ في البيئة المنجميّة، فرصدوه، فعدّدوا مكوّناته، وانتبهوا إلى مختلف تفاعلاتها.
1- مكوّنات البنية الاجتماعيّة المنجميّة في الأدب:
لقد سبق أن تحدّثنا عن البنية الاجتماعيّة الفسيفسائيّة في القرية المنجميّة، وهو ما لاحظناه في "الأدب المنجميّ"، من خلال الإتيان على مكوّناتها البشريّة في انتمائها الإثنيّ والقبليّ والجهويّ، وفي عاداتها وتقاليدها، وفي لغاتها ولهجاتها، وفي سكنها ومعمارها.
فهم وافدون أوروبيون ومغاربيون، وهم محلّيون، وهم رعاة وخمّاسة وصعاليك، من خلال قول البشير خريف في رواية "الدّقلة في عراجينها، متحدّثا عن المتلوي: «...وأقيمت للمهندسين الفرنسيين مغان وبساتين، وأقيمت للعملة الإيطاليين واليونان دور... وتناثرت خيام أولاد بويحيى بعيدا في الأفق الأغبر، وطلبت الشّركة اليد العاملة فأهمل كثير من الرّعاة قطعانهم الهزيلة، وألقى كثير من الخمّاسة مسحهم اللّئيمة، وبلغ الخبر صعاليك المغرب والجزائر وطرابلس فهرعوا وقامت حضيرة جبّارة دائمة، ونتأت أحياء متباعدة، سكنوا أوّل الأمر كهوفا في الجبل ثمّ بنوا أكواخا،....»(7)
أو من خلال قول قاسم العكرمي في رواية "عشرة خامسهم بغل" متحدّثا عن المظيلة: " وقد سكنت هذه الجهة أفواج من الجزائريين القادمين من وراء واد سوف خاصّة وقمار والعاتر وغيرها من المناطق الأخرى، وسكنت حيّ الجبل بالمظيلة أفواج من الطّرابلسيّة.."(8)
أو من خلال قول محمد الصالح الجابري في رواية "يوم من أيّام زمرا" متحدّثا عن الرّديف: "وترامت صفوف عمّال السّادسة صباحا، وتوزّعت مسارب خمسة كلّ منها يقود إلى حيّ من الأحياء.السّوافة..الجريديّة..أولاد عبيد..أولاد بويحيى..
الطرابلسيّة.."(9)
أو قوله: ".. فارتحلا واستقرّا بالرّديّف، بلدة الأغراب والطّوائف، والجنسيات المختلفة، البلدة التي جمعت الرّوسيّ والإيطاليّ واليونانيّ واللّيبيّ والجزائريّ.. والتّونسيّ.." (10)
أو من خلال قول جلال الرّويسي سابق الذّكر متحدّثا عن أم العرائس.
أو من خلال قول ابراهيم الدّرغوثي في رواية "وراء السّراب... قليلا": فلا أمان في هذه الأرض التي جمّعت فيها الأجناس والأديان والملل والنّحل، واختلط فيها المؤمن بالكافر والعربيّ بالأعجميّ.."(11)
ومن مظاهر التّنوّع الاجتماعيّ في القرى المنجميّة من خلال الكتابات الأدبيّة تنوّع العادات والتّقاليد، مثل عادات اللّباس والأكل والاحتفالات، حيث توجد بعض إشارات عند البشير خريّف ومحمد الصالح الجابري عن ذوي الأصول البدويّة أو مغاربيّة أو جريديّة. وجاء في كتاب "من دفتر عامل منجميّ" لمحمد العايش القوتي حديثا عن الأولياء والحضرة وما يصاحبها قوله: " سيدي مرزاق العجمي وليّ صالح يوجد ضريحه بمدينة نفطة الجريد، وهو ذو بشرة سمراء من أصول إفريقيّة "مالي، نيجيريا، السّودان" وله مريدوه من نفس البشرة السّمراء، وهم من ذوي الأصول الإفريقيّة، في الجريد والمتلوي، فرقة استنبالي التي تمزج في إيقاعاتها ورقصاتها وترنيماتها بين الطّابع الإفريقيّ والتّراث الإيقاعيّ التّونسيّ.."(12)
كما حفلت رواية "وراء السّراب... قليلا" لابراهيم الدّرغوثي بهذه العادات من احتفالات وزيارات. وكذلك لم يهمل ابراهيم بن سلطان هذه العادات في روايته "وتزهر الجبال الصّلدة" حين يذكر السّارد صباه.
ومن مظاهر التّنوّع الاجتماعيّ في المناجم التّعدّد اللغويّ واللّهجيّ الذي ولّد معجما منجميّا مخصوصا، اعتنى به عبد الحميد الطّبّابي في مجموعته "زمن امرأة منجميّة" فاستخدمه في بناء أقاصيصه ممّا اضطرّه إلى إطالة الهوامش لشرح بعض المفردات المنجمية (مثل: الياطاش، الكبّنيّة، الشّانطي، الكنطينة، الكريدي، الشاف، الكادرة، لوزينة، الرّيجي، الفيلاج، يكنّط، الجرناطة..)(13). كما أفرد جلال الرّويسي من مدونته على الشّبكة العنكبوتيّة مقالا جمّع فيه مفردة بعنوان"Le jargon des mineurs" وهو معجم تكوّن تدريجيّا، وأضحى موروثا من ذاكرة المناجم وميزاتها يتواصل به المنجميّ باختلاف أصوله وانتماءاته.
وإضافة إلى ذلك انشغل الأدب المنجميّ بالتّنوّع المعماري في القرية المنجميّة فللأوروبيين معمارهم وللطّرابلسيّة معمارهم وللسّوافة معمارهم ولذوي الأصول القبليّة البدويّة معمارهم. إذ "في قلب البلدة ينتصب الحيّ الأوروبيّ بمساكنه ذات الطّابع الفرنسيّ بحدائقه ومغازاته وكنيسته الوحيدة، أمّا دوائر القرية فهي مغرب عربيّ بكامله (حيّ السّوافة، حي الطرابلسيّة، حيّ المرّوك ...)"(14)
"وبذلك تكون هندسة الدّشرة المعماريّة هي هندسة وضع الخيام التي حملها المتساكنون في أدمغتهم منذ أحقاب عندما كانوا يضربونها في الصّحراء على مناكب الأودية وبسفوح الجبال.."(15) أمّا "القرية التي تبعد حوالي ثلاث كلم عن حيّ البرج وفيها تركّزت معظم إدارات الشّركة ومكاتبها ممّا سهّل الأمر على تركيز الإدارات المستحدثة مثل المعتمديّة والشّرطة والبلديّة وغيرها.. وقد سمّاها الفرنسيون واللّفيف الأجنبيّ زمن الاستعمار (الفيلاج)..."(16)
و"هذا هو الحيّ الأوروبيّ، وهؤلاء هم سكّانه. دائما مطوّقون بحزام الأشواك والإبر. ومحاطون بعسّاسة الشّركة، وبالثّكنات، وبدوريات الجيش، في كلّ وقت، ومن كلّ ناحية. بينما النّاس الآخرون بداية من سفح "الكاف" الغربيّ إلى حدود السّكّة، ومن نزلة السّوافة إلى وادي العاتر لهم تقاليدهم الخاصّة في رفع الطّوابي وإنبات أشجار الهندي، وزرع صفائح
الزّنك والبراميل الفارغة."(17).
وشبيه بهذه اللّوحة نقل محمد الحبيب حامد في روايته الفرنسيّة La mort de l’ombre مشاهد من الحيّ الأوروبيّ بما فيه من حدائق وأزهار وطيور وحيوانات وزينة ونظام وشوارع، في مقابل أحياء العمّال البائسة من خلال متابعته بناء أسرة البطل "كنز" لغرف متواضعة من الطّوب والأعمدة والقشّ.(18) في حين رصد ابراهيم الدّرغوثي في "وراء السّراب... قليلا" لجوء السوافة والطرابلسيّة إلى سفوح الجبال يحفرونها وينحتون فيها بيوتهم ومغاورهم..
وهكذا فالمجتمع المنجميّ، في المدوّنة الأدبيّة، مجتمع متعدّد، سكّانا وعادات ولغة ومعمارا.. لوحة فسيفسائيّة متمايزة المعالم أحيانا، متداخلتها أحيانا أخرى، توجد معا على أرضيّة واحدة تجمعها مصلحة واحدة ومشتركة، فكان لزاما عليها أن تتفاعل بأشكال متعدّدة.
2- تفاعل مكوّنات البنية الاجتماعيّة المنجميّة في الأدب:
لئن كان إعجاب أدباء المناجم بظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في القرى المنجميّة أمر تسهل ملاحظته، غير أنّهم رصدوا بين عناصر هذا المشهد المتنوّع تفاعلات مختلفة تتراوح بين التّعايش والصّراع.
أ- أمّا التّعايش فيحفل به الشّعر خاصّة، فيتحدّث محمد عمّار شعابنيّة عن الإخاء:(19)
وذي مناجمنا عمّ الإخاء بها وكلّنا لرباها السّمر ننتسب
وكلّنا أذرع تمتدّ فاتحة أحضانها في حنان وهي تقترب
ويتحدّث عن "العناق" بعد أن مدح مكتشف الفسفاط في المتلوي البيطري "فيليب طوماس":(20)
هذه الأرض التي قبّلها
أصبحت من بعده مهد عناق
بعدما كانت بساطات من القحط الذي يخلق
في النّاس الشّقاق
والعقول القبليّة
والرّؤوس الخشبيّة.
ويتحدّث في قصيدة بعنوان "عقد حول فتاة منجميّة" عن ذوبان الفوارق في سبيل حبّ المنجم:(21)
بويحيي أم جريدي أنا أم تراني من أصول ساحليّة
لا.. أنا أصلي وفصلي منجميّ كادح يهوى فتاة منجميّة.
ويصفه قاسم العكرمي بالنّسيج الرّائع متحدّثا عن راوي قصّته: ".. إنّه يزور منتصف الخمسينات وما بعدها بقليل وقد قوي أوار الحرب على أرض الجزائر.. ونفقت السّوق المركزيّة بجبل المظيلة وهي نسيج رائع التّشكّل من ليبيين وجزائريين وتونسيين.."(22)
وينقل عمار بنبوبكر تعاون القبائل في ما يعرف بمعركة "السيفيل" بجبل العنق بالرديف في مقومة الاحتلال الفرنسيّ، قائلا:
"شاع الخبر في كلّ المداشر والمناجم وجاء الخلّ سريعا. اجتمع شيوخ قبيلة "أولاد بويحيى" بوجهاء "أولاد غبيد" وقرّروا الدّخول في المعركة وشكّلوا حزاما خلفيّا وراء قوافل الجيش الفرنسيّ..."(23)
وكذلك يرصد ابراهيم الدّرغوثي تعاون القبائل والمجموعات السّكّانيّة في القرية المنجميّة لإنجاح الإضراب، بقوله: " وبدأت المؤونة تنفد في بعض المنازل. فشكّل المضربون لجنة لجمع القمح والسّكّر والشّاي والزّيت والدّقيق والشّعير والبطاطا والفول والحمص والقهوة. وتفرّق الرّجال داخل أحياء "الطّرابلسيّة" و"السّوافة" و"الجريديّة" وذهبوا إلى مضارب البدو: "أولاد بويحيى" و"أولاد سيدي عبيد" و"أولاد سلامة". فرجعوا محمّلين بغرائر القمح والشّعير وبزغاريد البدويات وبدعاء الشّيوخ بالفوز والنّجاح."(24)
ب- ولم تقتصر صورة التّنوّع الاجتماعيّ في المناجم على الوجه الإيجابيّ المتمثّل في أشكال التّعايش، بل سجّلت المدوّنة الأدبيّة المنجميّة وجوها عديدة للتّوتّر والصّراع. وأهمّ هذه الوجوه ما كان بين العنصر الأجنبيّة الأوروبّي المستعمر وبين المجموعات المحلّيّة والتّونسيّة وحتّى المغاربيّة.
ويعبّر الشّاعر سالم الشّعباني عن هذا الصّراع في صورة استغلال على لسان عامل منجميّ قائلا:(25)
أنا العجوز الذي شلّت عزيمته كم عاش فوق ذراعي الكهف منتصبا
وكنت أطعم "سانتوري" منافعه وكان يطعمني الأحقاد والغضبا
وتجسّد هذا الصّراع في علاقة أبطال رواية "يوم من أيّام زمرا" لمحمد الصالح الجابري و"الدّقلة في عراجينها" للبشير خريف و"وراء السراب... قليلا" لإبراهيم الدرغوثي وهم بالأساس نقابيون بمختلف انتماءاتهم تونسي أو إيطالي، مع السّلطة الاستعماريّة ممثّلة في شركة الفسفاط.
وبنى قاسم العكرمي روايته على الصّراع الفكريّ بين الرّاوي المحلّي والسّيد "آزبروك" المهندس الإسبانيّ المتكبّر، كأن يردّ عليه حين سخر من الحفاة ناعتا إيّاهم بالحيوان: " من أجل هذا الحذاء يا مسيو آزبروك نجدها شعوبا وأمما تعاني الأمرّين وتتجرّع من العذاب ألوانا. لكن لا بأس ربّما يأتي اليوم الذي يشعر فيه حفدة هذا القاتل بأنّه هو الحيوان بعينه الذي لابدّ من أن يعيش أبد الدّهر حافي القوائم. إنّ الثّمن غال يا مسيو آزبروك. لكن رويدك إنّ تحت الرّماد اللّهيب، واللّيث لا يبتسم إذا كشّر عن أنيابه.."(26)
كما تجسّدت علاقة الصّراع بين سكّان الأحياء البائسة من العمّال وسكّان الحيّ الرّاقي، بعد أن مارس معلّم الفرنسيّة في مدرسة الطّفل "كنز" العنصريّة ضدّ زميلهم الفقير "شتوان" انحيازا ظالما لمنير القادم من الحيّ الرّاقي، في رواية La mort de l’ombre لمحمد الحبيب حامد.
أمّا إبراهيم بن سلطان في روايته "وتزهر الجبال الصّلدة" والضّاوي خوالديّة في سيرته الذّاتيّة "عمر"(27) فقد سجّلا ظاهرة الصّراع بين المجموعات القبليّة خاصّة في علاقة بالعمل النّقابيّ والحزبيّ الذي غالبا ما يفشله ويعرقل تقدّمه.
في حين رصد إبراهيم بن سلطان في نقس الرّواية وابراهيم الدّرغوثي في "وراء السّراب... قليلا" علاقة الصراع بين المجموعات المغاربيّة، الطّرابلسيّة والسوافة والمراركة، التي غالبا ما كان سببها قضايا الشّرف.
ومهما كان شكل تفاعل مكوّنات المجتمع المنجميّ القائم على التّنوّع فإنّ الأدب لم يهمله، بل التقطه ووجد فيه مادّة فنّيّة ثريّة لإنشاء أثر فنّيّ، وتطوير تجربة أدبيّة قد يصحّ القول بها وهو "الأدب المنجميّ". لذلك فإنّ حضور ظاهرة التّنوّع الاجتماعي في هذه الكتابات لا يمكن أنم يخلو من توظيف لخدمة هدف وغاية.
II - توظيف الأدباء لظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في البيئة المنجميّة:
يمكن القول أنّ الكتّاب "المنجميين" وظّفوا هذه الظّاهرة لخدمة أغراض متعدّدة فكان لها وظائف نجملها في ثلاثة: الوظيفة
الفنّيّة، والوظيفة التّوثيقيّة، والوظيفة الإيديولوجيّة.
1- الوظيفة الفنّيّة لظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ:
هذه الوظيفة هي أهمّ الوظائف في أثر أدبيّ. فالأدب يستقطب ظواهر وتعبيرات من خارجه ليدمجها ويستثمرها لتحقيق "أدبيّته" أو "جماليته" أو "فنّيّته" لذلك نلاحظ أنّ الأدب عثر في ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ على فرصة لإثراء أدبيته والرّقيّ بجماليته ومجالا للتّجريب الفنّيّ.
فالبشير خريّف ومحمد الصّالح الجابري استثمرا هذه الظّاهرة لبناء حبكة روايتيهما، فهي مجال خصب للعلاقات في تنوّعها وتعدّدها من مساعدة وعرقلة وصراع، وخدم من خلاله مشروع الرّواية الواقعيّة التي تكتب في عصرهما، بما فيها من طرافة المكان والشّخصيات، ومن الشّواهد على ذلك شخصيّة "مولاهم" في "يوم من أيّام زمرا" التي وصفها الكاتب بقوله: ".. فلمولاهم أساليبه الخاصّة في المقاومة، فهو الذي انخرط في الخدمة العسكريّة الفرنسيّة عشرات السّنين، مهاجرا من مسقط رأسه مرّاكش إلى جبهات القتال المختلفة بالهند الصّينيّة، وألمانيا، والجزائر، وتونس حيث آل به الحظّ إلى أن يستقرّ نهائيّا بمناجم الجنوب، عسّاسا بالحيّ الأوروبي في أم العرائس والمتلويّ ثمّ أخيرا في الرّديّف.."(28)
أمّا إبراهيم الدّرغوثي فاستغلّ ظاهرة التّنوّع الاجتماعي في المنجم لخدمة مشروعه الرّوائيّ التّجريبيّ بما فيه من عوالم متداخلة ومتشابكة تدعو إلى الانبهار والسّؤال، فرواية "وراء السّراب... قليلا" تقوم بالأساس على التّعدّد والتّنوّع والتّداخل.
ووجد قاسم العكرمي ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في المنجم لبناء عمله على تفنية التّداول بين قصّة الدّشرة وقصّة آزبروك، ففي إطار واحد تتعدّد القصص وتتعايش وتتصارع، كما تتعايش المجموعات الاجتماعيّة وتتصارع في مجتمع منجميّ يقوم على التّنوّع.
واستفاد عمار بنبوبكر من نفس الظّاهرة في رواية "النّادل والقطار" لإثراء شخصيّة البطل "بوصلاحي"، فهو المتعدّد "الجمع في صيغة المفرد" الخليط بين أولاد سيدي عبيد والسوافة الجزائريين، وهذا ما يسّر نزوع السّرد إلى الرّحلة والسّفر وأعطاها بعدا فنّيّا طريفا.
كما استثمر بعض الكتّاب هذا المخزون من التّنوّع لإنتاج جماليّة تقوم على الغرائبيّة والفنطاستيكيّة التي تتيحها تعدّد الموروث الثّقافي لتلك المجموعات السّكانيّة من عادات وحكايا وخرافات وأساطير.
أمّا الشّعراء فقد كان التّنوّع الاجتماعيّ عنصرا في بناء الصّورة الشّعريّة. فهذا أحمد المختار الهادي يستثمر التراث القبليّ وشخصيّة فيليب طوماس لتشكيل صورة تقوم على السّرديّة من جهة والتّقابل من جهة ثانية مع نفس أسطوريّ ملحميّ في قصيدة بعنوان "خمسة مقاطع للتّراب الأخضر" جاء فيها:(29)
(1)
هذا التّراب
كنّا نمرّ عليه بالقطعان من أغنامنا
ونظلّ نستجدي السّحاب
ونعيش جدب الأرض في أيّامنا
أيّامنا كانت سراب...
ويخطّ عمّك مصطفى خطّا على هذا التّراب الأخضر
ويظلّ يرفع راحة معروقة نحو السّماء
وعيونه ترنو إلى الخطّ القصير الأبتر
- (لا شيء في أيّامنا غير الفناء...
عام جديب يا رجال
داء عضال
لا شيء غير القحط في هذي الجبال
أغنامنا شكت الهزال
وجمالنا وحميرنا...
ربّاه ماذا قد يكون مصيرنا...)
ويقوم يحثو في الفضاء ذاك التّراب
ونقوم نلعن حظّنا الكابي بدون تورّع وبلا حساب
لو أنّ هذا الاخضرار
ربّاه يزرع أرضنا
بالعشب بعد الاصفرار
(2)
ركض السّنين
لم يبق غير شقائنا غير الأنين
والتّربة الخضراء تذروها الرّياح
أيّامنا كانت جراح
(3)
شيخ فرنسيّ رصين
يأتي تهارا ذلك الشّيخ الفرنسيّ الرّصين
لا شيء في يده سوى ورق صغير
يطويه ينشره ويرنو للجبال
ويعود ينظر في أديم الأرض في جدّ كبير
ويخطّ خطّا فوق ذيّاك التّراب
ويعةد ينظر للوريقة في اقتضاب
ويصيح في من جاء معه من الرّجال
- (هيّا احفروا هذا المكان
فالتّربة الخضراء الفسفاط كنز لا يهان
في هذه الأصقاع خلّفه الزّمان
كنز ثمين
هيّا احفروا فلسوف ترمي اليوم أسمال الهوان
عن هذه الهضبات نرمي أسمال الهوان)...
وهكذا مثّل التّنوّع الاجتماعيّ في المناجم أديما خصبا لإنتاج آثار أدبيّة وتطوير التّجارب وإثرائها فنّيّا. ومع ذلك تبقى الوظيفة الفنّيّة غير كافية فلا مجال هنا لمقولة "الفنّ للفنّ".
2- الوظيفة التّوثيقيّة لظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ:
كما أنّه لا مجال لمقولة "الأدب انعكاس للواقع"، فإنّنا نستطيع المجازفة بالحديث عن وظيفة توثيقيّة مرجعيّة قامت بها ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في الكتابات الأدبيّة. إذ نلمس من خلال أغلب تلك الكتابات رغبة في تسجيل ذاكرة مآلها النّسيان والضّياع. وذلك ظاهر من خلال تسجيل عبد الحميد الطّبّابي في قصص "زمن امرأة منجميّة" لشخصيات منجميّة نمطيّة بانتماءاتها القبليّة وأبعادها الثّقافيّة يعزّزها حرص على كتابة أدب يحفظ لغة منجميّة محكيّة فريدة من نوعها هي نتاج ذلك التّنوّع كما أسلفنا.
ولا شكّ أنّ الغاية التّوثيقيّة الأريخيّة شديدة الوضوح عند قاسم العكرمي، فكأنّنا به يسارع بإدلاء شهادته قبل فوات الأوان، وكأنّ ذاك التّنوّع أصبح عامل إهمال وتواكل يؤدّي إلى النّسيان.
كما يسجّل كلّ من محمد الصالح الجابري والبشير خريف مرحلة من مراحل النّضال النّقابيّ في الحوض المنجميّ في بداياته ودور التّنوّع الاجتماعي في إنجاحه وتطويره ودعمه.
ويسعى العايش القوتي في كتابه "من دفتر عامل منجميّ" إلى تسجيل موروث تلك المجموعات طرائفها و موروثها وتعبيراتها، لذلك كان العنوان الفرعيّ لهذا الكتاب "ارتسامات وخواطر ولوحات وقصص قصيرة".
في حين يسعى ابراهيم الدرغوثي كتابة جزء من "تاريخ" تلك المجموعات ونضالاتها، سواء في شكل إضرابات أو معارك قبليّة وترحال.
ليتّضح أنّ التطرّق إلى ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ قد تقصد لذاتها كي تسجّل وتوثّق مقاومة للتّميش المسلّط عليها من قبل كتبة التّاريخ الرّسميّ. وذلك لا يمنع أن يتجاوز حضورها الوظيفة التّوثيقيّة إلى وظيفة إلديولوجيّة.
3- الوظيفة الإيديولوجيّة لظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ:
يتراوح الحكم على ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ في المناجم، بين التّمجيد والانتقاد.
إنّ الحضور الإيجابيّ لظاهرة التنوّع الاجتماعيّ يخفي تمجيدا للقرى المنجميّة، وإعلاء من شأنها. فالمنجم مصدر ثروة ماديّا ومعنويّا:(30)
تشابكت هــهنا الأيدي فكلّ يــد تطاول اليوم فــي عليائها الشهبــا
تفتـّت الصخر مــا لانت عزيمتهــا وما اشتكت ملــلا يوما ولا تعبـــا
في كلّ كهف هنا نبعـــا نفجّــره نبعـا من الخير فاض اليوم وانسكبـــا
جسرا إلى غـــدنا المينون طالعـــه مـن عزمنا نحن أعليناه فانــتصبــا
جبــالنا الشمّ ينبوع يفيض منـــى ومورد يغــدق الخيرات مانضبـــا
لذلك يحلو لمحمد الحبيب حامد أن يتغنّى بقريته المنجميّة أم العرائس بتلك المقاطع الوصفيّة والتّأمّليّة الشّاعريّة التي تتخلّله روايته La mort de l’ombre. كما أنّ عادات سكّان المنجم وتنوّعهم وتعايشهم هي مصدر فخر واعتزاز:
هنا قريتي واخضرار التّراب
يغشّي رواسينا العالية
ويغزل من فوقها ألف برد
فيزهو بقريتنا ألف طود
وتغمرها نغمة حانية (31)
فهذا التّنوّع الذي تعيشه القرى المنجميّة نموذح حيّ للوطنيّة والتّعايش السّلميّ والنّضال المشترك:(32)
تحيّاتي
إلى تلك الجبال السّمر..
تزخر بالبطولات
إلى العرق الغزير
يخطّ خارطة المدينة من صبابات..
إلى الأطفال
يترقّبون في شغف
إلى الآباء..
والدّاموس يعرف أنّهم
صلد العزائم ذلّلوا كلّ الصّعوبات
إلى عطر التّراب
تذوع روعته على كلّ الثّنيّات..
غير أنّ إلحاح الكتّاب على هذه الظّاهرة يمثّل نوعا من الانتقاد والاحتجاج ضدّ مظاهر التّهميش والإقصاء وضدّ عوامل النّسيان. وهذا واضح من خلال المقارنة التي يبنيها محمد الصالح الجابري: " ..وبينما تعشّش الأرض في الجانب المحظوظ خصبها الأبديّ: تزهو، وتنوّر وتحتفل بعساليج الياسمين، وتبني الطّيور أعشاشها حول المداخن، وفي القرميد الأجمر، وتلتوي أعناق عبّاد الشّمس مستجدّة وراء الأشعّة المتكسّرة على هدب سياجات الحدائق... وبينما تنوّر الدّفلى وتعبق الشّوارع بروائح شجر الطّرفاء عند الغروب، وتتناغم أصوات رؤوس شجر القصب مع هبّة نسيم، يظلّ الخريف قائما في الجانب الكابي... وتاه إبراهيم متأمّلا الحياة هنا!.. والياة هناك! الأكواخ، والبراريك التي شاهدها بالأمس، وما يشاهده اليوم! إنّهم يفعلون هذا أينما حلّوا"(33).
وليس تركيز عبد الحميد الطّبّابي في قصص "زمن امرأة منجميّة" على رصد حياة الفئة المهمّشة إلاّ احتجاج على صمت التّاريخ الرّسميّ عن دور الحوض المنجميّ في الحركة الوطنيّة.
كما نلمس لدى بعض الكتّاب انتقادا لهذه البنية الاجتماعيّة في حدّ ذاتها التي اعتبرت بيئة منتجة للتوتّر والخرافة، وابراهيم بن سلطان يدين ممارسة بعض المجموعات القبليّة للغطرسة والجشع الذي أعاق تقدّم الحركة النّقابيّة والثّوريّة. كما مثّل الحسد الاجتماعي الذي يترعرع في مثل هذه البيئة أهمّ معرقل للفتى بطل "عمر" السيرة الذاتيّة للضاوي خوالديّة، وكذلك لأمل بطلة رواية لسهام حسني(34). وكذلك احتجّت ريم العيساوي على وضع الطّفولة ضحيّة صراعات الشّرف والخيانة، من خلال مأساويّة نهاية قصّة "لماذا تموت العصافير" التي انتحر فيها المكّي صحبة ابنه اختناقا في أحد الدّواميس المهملة بسبب اكتشافه خيانة زوجته له حين يكون في ورديّة العمل اللّيليّ(35).
كما مثّل واقع التّنوّع الاجتماعيّ في القرية المنجميّة تعلّة للأديب إبراهيم الدّرغوثي لانتقاد العولمة التي تسعى إلى صهر الخصوصيات والمحلّيات والهويات في بوتقة النّموذج الغربيّ الأمريكيّ، وهي جريمة تاريخيّة فضيعة وعبوديّة في شكل جديد.وكأنّما النّموذج المنجميّ القائم على التّنوّع والتّعدّد مثّل فرصة لقراءة حضاريّة، في العلاقة بين الخصوصيّة والكونيّة، وعبثيّة العولمة.
فليس حضور ظاهرة التّنوّع الاجتماعيّ قي المنجم أمر اعتباطيّ في الأدب بل هو موظّف لخدمة قضايا محلّيّة ووطنيّة وحضاريّة وكونيّة.
الخاتمة:
هكذا أمكن الحديث عن "البنية الاجتماعيّة المنجميّة" وثبت أنّ ظاهرة التّنوّع الاجتماعي هي من أهمّ ملامح هذه البنية ومميّزاتها، فالمجتمع المنجميّ كما قلنا فسيفسائيّ البنية، وذلك لعمري هو مصدر ثراء. وهي خاصّيّة لم تحضى بالدّراسة الكافية، ومن هنا استطاع الأدب أن يسجّل بعض عناصرها. وأمكن الحديث عن "أدب منجميّ" هو بحاجة إلى إنضاج وتطوير في المستوى النّظريّ ومستوى الممارسة. لنثبت أنّ الأدب والفنّ عموما هو من أنجع السّبل لفكّ عزلة الحوض المنجميّ ومقاومة تهميشه ونسيانه، حتّى يأتي اليوم الذي يعاد فيه كتابة التّاريخ. فكما أنّ الحوض المنجميّ موضوع بحثيّ بكر فهو مجال إبداع، فهو منجم بحثيّ وفنّيّ مازال يخفي أسراره، فهل نحتاج إلى فيليب توماس كي ينبش عنّا عبار النّسيان والإهمال كي تطفو على السّطح خيرات المنجم وتخرج من دواميس الإقصاء وكهوف؟


===================
الهوامش والإحالات:
(1) ورد هذا القول في مدوّنة "المنجميّ" على شبكة الانترنيت للأستاذ جلال الرّويسي http://mineurmajeur.blogspot.com
(2) كأن تردّد النّساء في إحدى أغاني الملالية :
يَا لاَلاَ يَا قُولُو لِلَّزْهِرْ لَوِّحْ الْمْرَا شُوفْ الْمِينَة
رَاهُو الطَّلْيَانْ يَحْكِمْ فِينَا
يَا لاَلاَ يَا قُولُو لِلَّزْهِرْ يِقْفِلْ صَبَّاطُو بِالزَّرْبَة
رَاهُو لَزْهِرْ قَايِمْ بِالْحَرْبَة
في إشارة واضحة إلى الزّعيم المجاهد لزهر الشّريطي الذي تحوّل إلى رمز للمخلّص، وهو من عمّال منجم المظيلة.
(أغاني النّساء في برّ الهمامّة ،نعيمة الغانمي و أحمد الخصخوصي، دار الأطلسيّة للنّشر، تونس، جانفي 2010. ص 81)
(3) عبّر عن هذا الموقف الشّاعر محمد عمار شعابنية وهو أحد رموز الشّعر المنجميّ في حوار أجراه معه نور الدين بالطّيب بجريدة الشّروق بتاريخ 12/09/2012، تحت عنوان " الشاعر محمد عمّار شعابنية ل«الشروق»:صراصير الانتهازية تعمل على اختطاف الثورة"، بقوله: "وقد آلمنا كثيرا أن اتجاهنا الشعري، الذي أعتبره أنا أصدق تجربة شعرية تونسية مع الواقع في مرحلته قد تلقّى طعنات حادة من طرف العديد من معارضيه باتّهامه بالمحلية الضيقة وكأنهم غير مدركين أنّ الشمولية تنطلق من المحلية، كما تم التهَكّم على التسمية إلى درجة أنّ البعض قد اقترح تسمية الشعر البترولي أو الشعر الفلاحي دون علم بأن الشعر المنجمي كان يتصل بالمنجميين (اسم فاعل) ليمارس فعل الكدح إلى جانبهم بالفكر والإبداع."
(4) ويمكن توسيع هذه المدوّنة لتشمل كتابات مغاربيّة مثل تجربة الرّواية المنجميّة في المغرب (مثل البرزخ، لعمر والقاضي. وسيرة للعته والجنون، لجلّول قاسمي. وأهل العتمات، لعبد الرحمان مسحت. وبولنوار، لعثمان أشقرا. والجبال لاتسقط، لسعديّة سلاليلي.)، وعربيّة عموما مثل رواية "فساد الأمكنة" للمصريّ صبري موسى، وعالميّة مثل رواية "جرمنال" لزولا..
(5) هذه القائمة غير محصورة ولم نجد من حاول تجميعها. لكنّنا ننبّه إلى المحاولة التي قمنا بها، كاتب هذه السّطور والأستاذ الحسين عمارة، ضمن البرنامج الإذاعي "من أدب المناجم" في إذاعة قفصة من جويلية 2011 إلى جوان 2012. بلغ عدد حلقاته 38، وفاق عدد الكتب الخمسين.
(6) لعلّ ذلك راجع لأسباب سياسيّة حيث ارتبط الاهتمام بهذا الموضوع بالنّضال العمّالي وما صاحبه من خلفيات سياسيّة ونقابيّة، ولا ينفكّ عن ذلك السّبب النّقديّ الأدبيّ الذي تمثّل في الهجوم الذي شنّ على جماعة شعراء المناجم، فلا نستبعد أنّ الإقصاء السّياسيّ غلّف بلبوس نقديّ أدبيّ أو وظّفه.
(7) البشير خريف، الدقلة في عراجينها، دار الجنوب للنّشر، تونس 2004، ص143.
(8) قاسم العكرمي في رواية، عشرة خامسهم بغل، دار الرؤى للطباعة والنشر والإشهار، تونس، ص8.
(9) محمد الصالح الجابري في رواية ، يوم من أيّام زمرا، الدار التّنسيّة للنّشر، 1986، ص40.
(10) محمد الصالح الجابري في رواية ، يوم من أيّام زمرا، الدار التّنسيّة للنّشر، 1986، ص152.
(11) ابراهيم الدرغوثي، وراء السراب قليلا، دار الاتحاف للنّشر، 2002، ص110.
(12) محمد العايش القوتي، من دفتر عامل منجميّ، مؤسّسة هديل للنّشر، تونس، 2010.
(13) عبد الحميد الطّبّابي، زمن امرأة منجميّة، قفصة، 2004.
(14) عمار بنبوبكر، النّادل والقطار، قفصة، 2008، ص41.
(15) قاسم العكرمي في رواية، عشرة خامسهم بغل، دار الرؤى للطباعة والنشر والإشهار، تونس، ص8.
(16) قاسم العكرمي في رواية، عشرة خامسهم بغل، دار الرؤى للطباعة والنشر والإشهار، تونس، ص18.
(17) محمد الصالح الجابري، يوم من أيام زمرا، الدار التّنسيّة للنّشر، 1986، ص94.
(18) La mort de l’ombre, I’or du temps, tunis, 1993.. Hamed Mohamed Hbib,
(19) محمد عمّار شعابنيّة، ألغام في مدينة بريئة، الدار التونسية للنشر 1976، ص66.
(20) محمد عمّار شعابنيّة، ألغام في مدينة بريئة، الدار التونسية للنشر 1976، ص25.
(21) محمد عمّار شعابنيّة، ألغام في مدينة بريئة، الدار التونسية للنشر 1976، ص69.
(22) قاسم العكرمي في رواية، عشرة خامسهم بغل، دار الرؤى للطباعة والنشر والإشهار، تونس، ص12.
(23) عمار بنبوبكر، النّادل والقطار، قفصة، 2008، ص17.
(24) ابراهيم الدرغوثي، وراء السراب قليلا، دار الاتحاف للنّشر، 2002، ص201.
(25) سالم الشعباني، أحزان، الدار التونسية للنشر-1976.
(26) قاسم العكرمي في رواية، عشرة خامسهم بغل، دار الرؤى للطباعة والنشر والإشهار، تونس، ص53.
(27) الضّاوي خوالديّة، عمر: سيرة ذاتية في جزئين، تونس، ماي 2009.
(28) محمد الصالح الجابري، يوم من أيام زمرا، الدار التّنسيّة للنّشر، 1986، ص86.
(29) أحمد المختار الهادي، عيناك والتّراب الأخضر، تونس 2006، ص19،20،21.
(30) سالم الشعباني، أحزان، الدار التونسية للنشر-1976.
(31) أحمد المختار الهادي، عيناك والتّراب الأخضر، تونس 2006، ص8.
(32) عامر بوترعة، فقرة من رسالة لن تنتهي، قفصة، 2003، ص14.
(33) محمد الصالح الجابري، يوم من أيام زمرا، الدار التّنسيّة للنّشر، 1986، ص95.
(34) Métamorphose d’Amal رواية باللّغة الفرنسيّة، من منشورات المعهد الأعلى للإنسانيات التطبيقية بقفصة، سنة 2012.
(35) ريم العيساوي، لماذا تموت العصافير، مجموعة قصصيّة، منشورات قصص (9)، تونس 1988.
 
أعلى