قصة قصيرة هاينريش بُل - الرسالة.. عن الألمانية: حسن الحديدي

HeinrichBoll001.jpg

- هل تعرف تلك الأماكن المنسية المقفرة، حيث يجد المرء نفسه يتساءل عبثاً؛ لماذا أنشأتْ هيئةُ السكك الحديدية محطةً هناك؛ حيث يبدو الأفق اللانهائي مُطْبقاً على بضعة بيوت قذرة ومصنع صغير شبه منهار، تمتد من حوله حقولٌ قد حُكم عليها بالجدب إلى الأبد؛ وحيث يلمس المرء للوهلة الأولى كم هي غارقة في البؤس، فلا تقع عينُك على شجرة ولا تلحظ بُرجاً لكنيسة؟
الرجل ذو القبعة الحمراء الذي أشار أخيراً، أخيراً أشار للقطار بالتحرك كي يستأنف رحلته، يقبع متوارياً تحت لافتة كبيرة تحمل اسماً مزخرفاً، حتى يظن الواحد منا أن هذا الرجل إنما يحصل على راتبه فقط لمجرد أن يقضي هنا اثنتَي عشرة ساعة في اليوم نائماً مُغَطَّى بالملل. فلا شيء غير أفق رمادي معلَّق فوق أراضي مقفرة لا يطرقها أحد.
رغم ذلك لم أكن أنا الشخص الوحيد الذي نزل من القطار؛ كانت امرأةٌ عجوز تحمل لفَّة كبيرة بُنيَّة اللون قد غادرت مكانها في الديوان بجانبي، إلا أنني حينما خرجتُ من هذه المحطة القذرة لم أجدها، كأن الأرض قد ابتلعتها، وللحظة ما وقعتُ في حيرة، إذ أنني لم أعرف حينها مَن الذي يمكنني أن أساله عن الطريق. بضعة البيوت المبنية بالطوب الأحمر، بنوافذها المتهالكة، وتلك الستائر الخضراء التي استحال لونها إلى الصُفرة، كانت توحي بأنه من المستحيل أن تكون مسكونة؛ وبمحاذاة هذا المكان ـ الذي يشبه الشارع نوعاً ما ـ يمتد سور ذو لون أسود يبدو على وشك الانهيار. سرتُ بمحاذاة السُّور الداكن، لأنني خشيتُ أن أطرق أحد الأبواب لتلك البيوت الميتة. ثم انعطفتُ عند الناصية، وقرأتُ مباشرة بجانب لافتة صدئة بالكاد يمكن قراءتها تحمل كلمة ‘قِطاع′، أخرى غيرها واضحة بحروف كبيرة بيضاء على خلفية زرقاء: ‘الشارع الرئيسي’. ثم بيتان آخران يشكلان واجهة مشوَّهة، الطلاء مفتَّت ومتساقط، وفي الجهة المقابلة يمتد سور المصنع القاتم طويلاً بلا فتحات أو نوافذ، كحاجز المنيع في مملكة البؤس. بكل بساطة تبعتُ إحساسي وتوجهتُ يساراً، إلا أنني وجدتُ فجأة أن الموقع قد انتهى عند هذا الحد، وأن السور يمتد لحوالي عشرة أمتار أخرى تبدأ بعدها أرض رمادية سمراء منبسطة بها بصيص من خضرة تكاد تكون غير مرئية، تتلاقى في بقعة ما مع الأفق الرمادي؛ وتملكني إحساس مرعب، كما يقف المرء في نهاية العالم على حافة هاوية سحيقة، كما لو أنني قد حُكم علي بالنفي إلى هذا الخضم الرهيب من اليأس التام الذي يجذبني إليه في صمت.
إلى اليسار كان هناك بناء صغير مفرطح يتخذ شكل البيت، كما لو أن بعض العمال قاموا ببنائه لأنفسهم بعد انتهاء وقت العمل في المساء؛ تحركتُ نحوه متردداً أكاد أترنَّح. وبعدما خطوتُ عبر المدخل المزري والمثير للشفقة، الذي كانت تتناثر حوله مجموعة جرداء من شجيرات الورد، رأيتُ الرقم، وأدركتُ أن هذا هو البيت المقصود.
الدرفات المائلة للخضرة، وقد بهت لونها منذ زمن بعيد، كانت موصدة بإحكام كأنها مُلصَقة، والسقف الواطئ الذي استطعتُ أن أضع يدي على إفريزه، كان مرقَّعاً بقطع من الصفيح الصدئ. كان السكون يفوق الوصف، في تلك الساعة، حيث لا يزال الغسق ينعم بقسط من الراحة ويلتقط أنفاسه قبل أن يزحف متدفقاً على صفحة الأفق. توقفتُ متردداً للحظة أمام باب البيت، وتمنيتُ لو أنني متُّ فيما مضى … بدلاً من وقوفي هنا الآن أتلمَّس دخول هذا البيت. ولما هممتُ برفع يدي لأدق الباب، سمعتُ في الداخل ضحكة أنثوية رنانة: تلك الضحكة الملغزة التي لا يُدرك المرءُ كُنهها، فيتلقاها كلٌ منا حسب مزاجه، فإما تشرح الصدرَ، أو ينقبض لها القلب. على كل حال فإن المرأة إن أمكنها أن تضحك هكذا فهي حتماً ليست بمفردها، وترددتُ من جديد، وبدأت بداخلي رغبة متوهجة تتنازعني لكي أُسلم نفسي وألقي بها في هذا الغسق الغارق في اللانهائية، والذي قد صار في هذه اللحظة مُعلَّقاً فوق الحقول الواسعة، ويستهويني، نعم يستهويني … وبكل ما تبقَّى لدي من طاقة طرقتُ الباب بحدة.
البداية كانت صمت، ثم همس وخطوات، وَقْعٌ خفيف لخطوات شبشب صغير، ثم انفتح الباب، ورأيتُ امرأة شقراء متورِّدة، كانت طلَّتها علي كواحد من تلك الأضواء السحرية التي تضئ لوحات ‘رامبرانت’ المفعمة بالظلال وتبرز كل تفاصيلها. أشرقتْ علي بلونها الذهبي الضارب للحمرة، كضوء يغمرني في هذا الأبد الرمادي الممزوج بالسواد. تراجعتْ مع صيحة خافتة، وبيديها المرتعشتين كانت تقبض على الباب، ولكن لما رفعتُ قبعة الجندية وقلتُ بصوت مبحوح: ‘..ساء الخير’، انفك تشَنُّج الخوف عن ذلك الوجه الذي غابت عنه ملامحه بشكل غريب، وابتسمتْ في ضِيق وقالت: ‘ نعم’. في الخلفية لاحت بشكل غير واضح في غسق الصالة الصغيرة قامة رجل مفتول العضلات. ‘أود مقابلة السيدة برينك’. قلتها بصوت خافت. ‘نعم’، كرَّرَها نفسُ الصوت الخالي من أي نبرة، ودفعتْ المرأة أحد الأبواب بعصبية. غابت قامة الرجل في الظلام. دخلتُ حجرة ضيقة، تتكدَّس فيها قِطعٌ من الأثاث في غاية البؤس، وتعبق برائحة طعام رديء وسجائر من نوع جيد جداً. سارعتْ يداها البيضاوان إلى الشباك، ولما وقع الضوء عليها ههنا بدت ممتقعة وباهتة، شاحبة كشحوب الموت، لم يكن غير ذلك الشعر الأحمر الفاتح يبدو حيوياً ويوحي بالدفء. بذات اليدين المرتعشتين كانت تمسك بالفستان الأحمر الداكن وتضمه بإحكام على صدرها الكبير، على الرغم من أزراره كانت مُحكَمة ـ تقريباً كما لو أنها تخشى أن أطعنها بخنجر. نظرة عينيها الزرقاوين الدامعتين كانت تبدو خائفة مرتعبة، كما لو كانت تَمْثُل أمام محكمة وهي تدرك يقيناً أن الحكم سيكون مفزعاً. حتى المطبوعات الرخيصة الملصقة على الحوائط، تلك الصور الجميلة، كانت تبدو كأنها دعاوى جنائية معلَّقة.
‘لا تخافي’، قلتها مرغماً، وأدركتُ في نفس اللحظة أنها كانت أسوأ بداية يمكن أن أختارها، ولكن قبل أن أتمادى قالت هي بهدوء غريب: ‘أنا أعرف كل شيء، لقد مات … مات.’ لم أستطع إلا أن أومئ برأسي. ثم مددتُ يدي في حقيبتي لكي أُسَلِّمها آخر متعلقاته، إلا أن صوتاً انبعث في الصالة ينادي بوحشية: ‘جيتَّا!’ نظرتْ إلي في يأس، ثم فتحتْ الباب وصاحت: ‘انتظِرْ خمسَ دقائق ـ أيها الملعون ـ’، وبحدة صفقتْ الباب ثانية محدثاً قرقعة، واعتقدتُ أنني قادر على تَخَيُّل هذا الرجل وهو يتسلل في جُبن مختبئاً خلف الموقد، بينما رفعتْ هي عينيها إلي في تحدٍّ شبه ظافر.
بهدوء وضعتُ الدِّبْلة، والساعة، ودفتر الجندية بما يضم داخله من صور مهترئة، على مفرش المنضدة المصنوع من القطيفة الخضراء. وهنا انفجرتْ منتحبة، كحيوان يعوي بوحشية وبشكل مرعب. ضاعت ملامح وجهها تماماً، وصار وجهها رخواً كقوقع عديم الشكل، وتسللتْ من بين أصابعها القصيرة المكتنزة دمعاتٌ براقة. انهارت على الكنبة، واتكأت بيدها اليمني على المنضدة بينما كانت اليسرى تعبث بتلك الأشياء البائسة. وبدتْ كما لو أن الذكرى تُقَطِّعُها بألْف سَيْف. وهنا أدركتُ أن الحرب لا يمكن لها أن تنتهي أبداً، طالما ظل ينزف في مكان ما جُرحٌ سبَّبَتْه الحرب.
ألقيتُ عني كل شيء، القرف، والخوف، واليأس، كما أُلقى بحمل سخيف، ووضعتُ يدي على كتفها البض المرتجف، ولما حوَّلتْ نحوي وجهَهَا الذاهل رأيتُ للمرة الأولى في ملامحها شبهاً بتلك الصورة للفتاة الجميلة الرقيقة، تلك الصورة التي قُدِّر لي أن أراها مئات المرات، في تلك الفترة …
‘أين كان ذلك ـ تفضل بالجلوس ـ، في الشرق؟’ في كل لحظة كنت أرى أنها توشك أن تنفجر بالدموع من جديد.
‘لا … في الغرب، في الأَسر … كنا أكثر من مائة ألف …’
‘ومتى؟’ كانت نظرتها متلهفة ويقظة، ومتَّقدة بشكل رهيب، وكان وجهها غضًّا ومشدوداً بأكمله ـ كما لو كانت حياتها معلقة بإجابتي.
‘في يونيو 1945′، قلتُها بصوت خافت.
بدتْ للحظة كأنها تفكر، ثم ابتسمت بصفاء وبمنتهى البراءة، فتحيَّرتُ، لماذا تبتسم.
ولكن فجأة أحسستُ كما لو كان البيت يتوعدني ليتهدَّم فوقي، فنهضتُ واقفاً. وفتحتْ لي الباب دون أن تنبس بكلمة، أرادت أن تستبقيني، إلا أنني ظللتُ واقفاً بإلحاح، حتى خرجتْ أمامي؛ ولما مدَّت لي يدها الصغيرة البضة إلى حد ما، قالت بصوت ذي نشيج جاف: ‘كنتُ أعرف ذلك، عرفتُ ذلك يومها ـ قبل ثلاث سنوات تقريباً ـ حين كنتُ أرافقه إلى محطة القطار’، ثم استطردتْ بصوت خافت تماماً: ‘لا تحتقرني، أرجوك’.
ارتجفتُ من هذه الكلمات حتى وصلت الرجفة إلى قلبي ـ ياإلهي، وهل كنتُ أبدو بمظهر القاضي؟ وقبل أن يتسنى لها مَنْعِى، قمتُ بتقبيل يدها الصغيرة الناعمة، وكانت هذه أول مرة في حياتي أُقبِّل يدَ امرأة.
في الخارج كان الظلام قد هبط، وكما لو كنتُ مشدوهاً من الخوف انتظرتُ لحظةً أمام الباب المغلق. وهنا سمعتُها تنتحب في الداخل، بصوت عال وبوحشية، كانت مستندة إلى باب البيت، لا يفصلها عني سوى مقدار سُمك الخشب، وفي تلك اللحظة تمنيتُ حقاً أن ينهار هذا البيت فوقها ويدفنها تحته.
بعد ذلك تلمَّستُ طريقي ببطء وحذر رهيب، فقد كنت أخشى في كل لحظة أن أسقط في هوة، حتى عدتُ إلى محطة القطار. كانت الأضواء الصغيرة مضاءة في تلك البيوت الميتة، والشبكة كانت تبدو ممتدة لمسافات بعيدة. حتى خلف السور الأسود رأيتُ مصابيح صغيرة تبدو مُسَلِّطة أضواءها على تلك الساحات الممتدة بلا نهاية. كان الظلام قد صار كثيفاً وتراكمتْ طبقاته ضبابية معتمة غير قابلة للاختراق.
في مكان الانتظار الصغير الذي يلفحه الهواء البارد كان يقف عداىَ زوجان أكبر سناً، مرتعديْن ومنـزويَيْن في أحد الأركان. انتظرتُ طويلاً، يداي في جَيْبَي والقبعة مشدودة على الأذنين، حيث كان البرد يتصاعد من القضبان الحديدية، وباطّراد كان الليل يُرخِي سُدوله كثقل هائل.
‘لو كان معنا فقط بعض الزاد وشيء من التبغ’، هَمْهَمَ بها الرجلُ من خلفي. بينما ظللتُ أنحني للأمام وأتطلَّع إلى هذا التوازي الذي تمثله القضبان ويضيق على البُعد وسط الأضواء الخافتة. لكن بعد ذلك تم دفع الباب بعنف مفاجئ، وصاح الرجل ذو القبعة الحمراء بحماس وظيفي، كما يجدر به أن يصيح في صالة انتظار بإحدى المحطات الكبيرة: ‘قطار الركاب المتجه إلى كولونيا يتأخر خمساً وتسعين دقيقة!’
وهنا أحسستُ كما لو أنني وقعتُ في الأَسر طيلة حياتي.


ـ 1947
 
أعلى