قصة قصيرة جاك لندن - ابن الذئب.. قصة - ت: علي سالم

جاك لندن.jpeg

نادراً مايقدر المرء وجود المرأة في حياته حق قدره، حتى يبدأ الاحساس بالحرمان منها يمسك بتلابيبه ويأخذ بخناقه. وقبل أن يستيقظ فيه هذا الشعور الخانق بالحرمان تجده غير قادر على تصور ذلك الجو الرقيق الناعم الذي يمكن لوجود المرأة كمخلوق رقيق ودافيء أن يبثه في حياته، طالما كان غارقاً في نعماء ذلك الوجود، متنفساً لهوائه الصاف بين جوانحه؛ لكن لنحرمه منها وسنراه يتقلب على جمر العيش في فراغ روحي دائم نتيجة التوق اليها، فراغ ينمو ويتسع باستمرار لينقلب في نهاية المطاف الى جوع غامض لايدرك الرجل كنهه وليس بمقدوره التعبير عنه بالكلمات. وان كان أقرانه أقل خبرة منه، سنراهم يهزون رؤوسهم على نحو غامض ويحاولون التهوين عليه باعطائه جرعة قوية، لكن تعاطف رفاقه ومساندتهم لن يشفع له بشيء ابداً لأن طوفان الجوع والإحساس بالفراغ سوف يواصل النمو والإتساع حتى يغرقه تماما ويفقده كل إهتمام بشؤونه الحياتية، ليوصله اخيراً الى درجة المرض والإعتلال؛ وفي يوم ما عندما يصل به الإحساس بالفراغ الى الحد الذي يفوق الإحتمال تنكشف بصيرته ويهبط عليه نوع من الإلهام.

عند مرور النهر في أراضي يوكون يضع الرجل مؤونته عادة على متن قارب من القوارب التي يدفعها المرء بقضيب من الخشب، وفي فصل الصيف أو الشتاء يلجم كلابه ويتوجه الى ساوثلاند. وبعد بضعة شهور، هب انه قد آمن ايماناً راسخاً بجدوى الحياة في تلك البقعة، يعود بصحبة زوجة لكي تشاركه ذلك الايمان وتقتسم معه المصاعب بالضرورة. قد يدل هذا الأمر على أنانية الرجل المتأصلة، لكنه يدعونا أيضاً الى الغوص عميقاً في تفاصيل قصة "سكراف " مكنزي ، التي جرت وقائعها في الأيام الخوالي، قبل أن تغمرالبلاد جموع التشي- تشا- كوا وعندما كان الشيء الوحيد الذي يمكن للعين رؤيته في كلوندايك هو مصائد أسماك السلمون.

لقد حمل سكراف مكنزي صفات المولودين على الحدود الذين عاشوا جل حياتهم عند تلك النهايات.
كان وجهه يحمل ميسم خمسة وعشرون عاماً من الصراع مع الطبيعة بكل تجليات أمزجتها الوحشية المتقلبة، ... وآخرها كانت تلك السنتين اللتين كانتا من أشد سنين حياته قسوة ووحشية، اللتين قضاهما في البحث عن الذهب اللائذ تحت ظلال الدائرة القطبية. وعندما أمرضته عاصفة الحنين لم يندهش ولم يتخاذل، لأنه كان رجلاً عملياً شاهد في حياته الكثيرين ممن الم بهم هذا المرض من قبل، وبدلاً من الاستسلام تجلد سكراف مكنزي وأخفى لواعج حنينه وإنهمك يداري علته بالعمل الشاق.
لقد ظل يكافح لسعات البعوض طوال الصيف، ويغسل في مياه نهر ستيوارت مايعثر عليه من فصوص ذهبية صغيرة لكي يبيعها ويشتري بثمنها طعاماً لايكاد يسد الرمق. ثم طفى بعوامة محملة بالخشب المستخدم في بناء المنازل على نهر يوكون متجها الى فورتي مايل، وشيد كوخاً كان بوسعه أن يباهي به أفضل المساكن التي يمكن أن يحتويها اي مخيم من المخيمات. في الواقع، كان مسكنه يمثل وعداً بالدعة والدفء جعلت العديد من الرجال يتمنى لو شاركه فيه السكن، لكنه لم يمنح لأحلامهم هذه أدنى فرصة للتحقق عبر اسلوبه الخشن في الكلام المتميز بالقوة والايجاز، وابتاع مؤونة مضاعفة من احد الحوانيت المبثوثة على طول الطريق التجاري.
وكما قيل منذ البداية، كان سكراف مكنزي رجل ذو طابع عملي في الحياة. ان أراد شيئاً فسوف يناله لامحالة، لكنه عندما كان يفعل ذلك لم يكن يتجاوز الحدود الطبيعية الى ماهو غير ضروري. ورغم انه كان ربيباً للصعاب وابناً للكفاح، فانه كان يرغب عن الانخراط في رحلات تمتد لمسافة ستمائة ميل على الجليد، أو مثيلاتها في عرض المحيط لمسافة الفي ميل، أو ثلاثة آلاف ميل تقريباً من السفرالى غايته النهائية، ... وهي البحث عن زوجة. كانت الحياة تبدو له شديدة القصر، لذلك جمع كلابه، وعبأ زلاجته بمؤونة دسمة ويمم وجهه عبر الصدع الذي جففت منحدراته الغربية طلائع ريح تانانا القارسة.
كان رحالة يعرف كيف يعالج وحشة الطريق، وكانت كلابه الشبيهة بالذئاب تنهب السهوب الجليدية على بطون شبه خاوية بحيث لايجاريها في ذلك أي فريق مماثل في اصقاع يوكون. بعد ثلاثة اسابيع حل به المطاف في معسكر للصيد يعود لقبيلة ستيكس القاطنة في جبال تانانا العيا. وتعجب القوم لشجاعته وقوة قلبه التي جعلته يقتحم عليهم عالمهم وهم المشهورين بقتل البيض لأتفه الأسباب من أجل سلبهم ما بحوزتهم حتى لو كان ذلك مجرد بلطة حادة النصل أو بندقية عاطلة.
لكنه تقدم اليهم بمفرده، حاملاً لهم ذاته التي هي عبارة عن مزيج سائغ المذاق من البساطة والالفة وبرودة الدم والغطرسة. كان القدوم اليهم يحتاج الى يد ماهرة ومعرفة عميقة قادرة على التعامل مع عقول اعتادت على وحشة البرية، وكان هو في كل ذلك السيد الذي لايبزه أحد في فن التعامل مع قوم مثل هولاء، اذ كان يعلم متى يتصالح ومتى يطلق العنان، ان مسه الغيظ، لغضب يليق بغضب اله اغريقي مثل جوبيتر.
انحنى في البداية للزعيم ثلينغ – تيناه وقدم له رطلين من الشاي الأسود والتبغ، وتمكن بذلك من الفوز بمودته. ثم اختلط بالرجال والنساء، الذين كانوا يعدون العدة لاحتفال البوتلاتش.
داست الأقدام على الكثبان الرملية وسوتها بالأرض لصنع مستطيلاً مسطحاً أبيض اللون، يمتد لمسافة مئة قدم وبعرض مئة قدم وربع تقريباً. وأوقدت وسط هذا المستطيل الأبيض ناراً، وأنشغل الجميع بفرش حواف المستطيل بأغصان القيقب. لقد أخليت المساكن، وتجمع المئة فرد تقريباً من أفراد القبيلة وأطلقوا العنان لحناجرهم تصدح بترانيمهم القبلية اكراماً للضيف.
قضى سكراف مكنزي سنتان من عمره بين ظهرانيهم لم يتعلم خلالها مئات الكلمات من لغتهم فقط، بل تعلم حتى الأصوات الحلقية العميقة التي يتميز بها لسانهم، وتراكيبه الصعبة والمميزات الأخرى للغتهم المنتمية الى اللغات اللصقية، حتى وجد نفسه أخيراً قادراً على القاء خطبة تتماشى مع تقاليدهم البلاغية، تلامس شغاف قلوبهم الميالة بالفطرة لحب الشعر، مزخرفاً قوله بشطحات بلاغية لم تكن صورها المجازية المرتجلة قد نضجت بعد. وبعد أن قام الزعيم ثلينغ تيناه وشامان القبيلة بالرد عليه بالمثل، وزع على الرجال هداياه التي لاتساوى الشيء الكثير، وشاركهم نشوة الغناء، واثبت لهم جدارته في لعبة القمار المسماة باسم اثنان وخمسون عصا التي يمارسها ابناء القبيلة.
كانوا سعداء بمشاركته التدخين من تبغه الذي كان يوزعه عليهم بسخاء، رغم ذلك كانت صدور الرجال الأصغر سناً تفور بمشاعر التحدي والكبرياء، مشاعر تفهمها بسهولة عقول العجائز اللاتي فقدن أسنانهن حيث كانت تنعكس في تلميحاتهن وفي الضحك الخافت للعذارى. لقد عرفوا حفنة من الرجال البيض قبله، " أبناء الذئب" كما كانوا يسمونهم، لكنهم من هولاء القلة كانوا قد تعلموا بعض الدروس الغريبة.
ومن جانبه كان سكراف مكنزي، رغم تظاهره باللامبالاة، يعي جيداً ما كان يدور من حوله. في الواقع، كان، وهو ملتحف بالأغطية المصنوعة من فراء الحيوانات، قد فكر بكل شيء، فكر على نحو جاد، ودخن الكثير من غلايين التبغ وهو يرسم الخطط لماكان ينوي فعله. لقد كانت فتاة واحدة فقط هي التي اثارت مخيلته، ... وهي زارينسكا، ولا أحد غيرها، ابنة الزعيم. كان جمالها يميل من جميع الوجوه الى جمال الفتيات البيض أكثر منه الى جمال الهنديات، من ملامحها الى قوامها وهيئتها، انها الشذوذ الذي يصاحب القاعدة المتمثلة بأخواتها من بنات القبيلة الأخريات. سينالها، ويجعل منها زوجة له، وسيطلق عليها اسماً آخر، سيسميها جيرترود ! وبعد أن استقر رأيه على ذلك، انقلب على أحد جانبيه وأستسلم للرقاد، كابن شرعي تجري في عروقه دماء أسلافه من الفاتحين والأبطال.
كان العمل بطيئاً والمشروع صعباً؛ لكن سكراف مكنزي كان يناور بطريقة ماكرة، وبلا مبالاة حيرت القبيلة. كان يريد أن يبهر الرجال وينال اعجابهم بقدرته على التصويب وبكونه صياداً ماهراً، وضج المعسكر بصيحات التهليل والمديح عندما أصاب أحد الأيائل من مسافة ستمئة ياردة. وفي احدى الليال توجه الى خيمة الزعيم ثلينغ – تيناه المصنوعة من جلود غزلان الموظ والوعول، وشرع يتبجح بقدراته ويوزع التبغ على الجميع بسخاء. ولم يغب عن باله أن يقوم باكرام الشامان لأنه كان يدرك أن الفوز بصداقته يعني الفوز بحليف كبير الشأن وذلك لمكانته الروحية لدى أبناء القبيلة؛ لكن الفوز برضا الشامان لم يكن سهلاً، لأنه رفض كل محاولات مكنزي في استرضائه، وعلم بذلك مكنزي بأنه كان يقف أمام عدو محتمل.
ورغم عدم توفر فرصة للقاء بزارينسكا، نجح مكنزي في توجيه عدة نظرات متللصة اليها، محملاً تلك النظرات ماكان يكنه لها في قلبه من حب واعجاب. واستلمت هي رسالته وفهمت فحواها، رغم ذلك كانت تحيط نفسها بغنج ودلال بحلقة من النساء كلما غاب الرجال عن الحي وسنحت له فرصة اللقاء بها. لم يفت ذلك في عضده لأنه لم يكن في عجلة من أمره، فضلاً عن ذلك كان يعلم بأنها لم تكن قادرة على منع نفسها من التفكير به، وتفكيرها به على هذا النحو لأيام قلائل سيجعله في وضع أفضل.
أخيراً، وفي أحدى الليالي، عندما أحس بأن فاكهة الانتظار قد نضجت، غادر بغتة خيمة الزعيم المختنقة بالدخان وحث الخطى باتجاه خيمة مجاورة. وكالعادة وجد زارينسكا هناك وسط النساء والفتيات اللواتي كن منشغلات بخياطة أحذية المقسين وصنع القلائد والأساور من الخيوط والخرز. أضحكهن جميعاً دخوله المفاجيء، وارتفعت روح المرح التي تربط بينه وبينها في أذهانهن وملئت المكان، لكنهن شرعن يغادرن الخيمة واحدة تلو الأخرى بشيء من الفوضى وتجمعن في الثلج خارج الخباء ثم توزعن على المعسكر لنقل الخبر الى الجميع.
شرح لها مايعتلج في صدره وأقنعها بصدق مشاعره، بلسانها، لكونها كانت تجهل لغته، وفي النهاية، أي بعد مرور ساعتين، نهض لكي يغادر.
" أذن فقد وافقت زارينسكا على العيش في خيمة الرجل الأبيض؟ أنه أمر جيد، سأذهب الآن لكي أكلم والدك، لأنه قد لايوافق على ذلك. وسأمنحه الكثير من الهدايا؛ لكنه يجب أن لا يكون جشعاً جداً. واذا رفض؟ حسناً، رغم ذلك ستسكن زارينسكا مع الرجل الأبيض."
كان قد رفع سجف الخيمة لكي يغادر، لكن صوت خافت ند عن الفتاة داعياً اياه الى التريث قليلاً. ركعت الفتاة على ركبيتها فوق الحصيرة المصنوعة من جلد الدب، وشعت قسماتها بنور أنثوي صادق، وشرعت تفك بحياء حزامه الثقيل. تطلع اليها حائراً، ومفعماً بالشك والريبة، وأسماعه مشدودة الى الأصوات القادمة من الخارج.
لكن حركتها التالية جردته من شكوكه، وابتسم لها بسرور. أخرجت من الحقيبة التي كانت تحتفظ بها بأدوات الخياطة غمد كبير مصنوع من جلد الأيل، مزين بديكورات من الخرز، مصممة تصميماً جمالياً رائعاً. سحبت سكينه الكبيرة التي يستخدمها في الصيد، والقت على نصلها المرهف نظرة اجلال وتقديس، وراودتها رغبة عابرة في تجربة نصلها الحاد على ابهامها، ثم دفعت بالسكين داخل الغمد الجديد ولبّست الغمد داخل الحزام في المكان المعهود للسكين وهو فوق الورك.
أحس مكنزي وكأن المشهد الذي دار أمامه مستل من حكايات الماضي الجميل، ... انه مشهد السيدة وفارسها النبيل. مد مكنزي يديه اليها وأوقفها أمامه ومسح شفتيها الحمراوين بشاربيه، ... لقد كانت لثمة وعناق من رجل بشارب تليقان بذئب. انه لقاء ساخن بين عصرين، العصر الحجري وعصر الحديد؛ لكن أنوثتها، رغم انتماءها لعصر الحجر لم تكن تقل عن انوثة مثيلاتها من بنات عصره، يشهد على ذلك تورد خديها والنعومة المتلألئة التي شعت من عينيها.
رف الهواء برعشة من الاثارة، عندما دخل مكنزي خيمة الزعيم، متأبطاً صرة كبيرة. كان الأطفال يتحركون في الخارج هنا وهناك، ساحبين خلفهم الجذوع اليابسة الى الموقع الذي سيقام عليه احتفال البوتلاتش، وكانت النسوة تثرثر بلا انقطاع ومجاميع من الشبان منغمسون في النقاش بوجوه جهمة، وسط الترانيم الغريبة التي كانت تنبعث من خيمة الشامان.
كان الزعيم يجلس وحيداً بصحبة زوجته العمشاء، لكن نظرة واحدة من مكنزي أخبرته بأن الأخبار كانت قد وصلت اليهما. شجعه ذلك على الدخول في الموضوع دون ابطاء، محركاً الغمد المزخرف من مكانه لكي يراه الزعيم كاعلان للخطوبة.
" أيها الزعيم ثلينغ – تيناه، زعيم قبيلة ستيكس وأرض تانانا العظيم، حاكم السلمون والدببة والأيائل والوعول ! هاهو الرجل الأبيض يقف أمامك وقد جاءك من أجل أمر عظيم. شهور عديدة انقضت وهو يقطن وحيداً في خيمته الخالية، انه يشعر بالوحدة وفي قلبه جوع الى أمرأة تجلس الى جانبه في خيمته، وتستقبله عندما يعود من الصيد بنار دافئة وطعام طيب. انه يسمع أشياء غريبة، دبيب خطى الأطفال وضجيج أصواتهم. وفي أحدى الليالي ظهرت له رؤيا، وأبصر صورة الغراب، صورة أبيك، الغراب الأعظم، رب قبيلة ستيكس. تحدث الغراب مع الرجل الأبيض الذي أثقل كاهله الشعور بالوحدة، قائلاً " ضع حذاء المقسين في قدميك، وشد سيور حذائك الثلجي، وحمل زلاجتك بطعام يكفيك لعدة أيام وهدايا جميلة للزعيم ثلينغ – تيناه، لأنك سوف تيمم وجهك صوب مغرب شمس منتصف الربيع عندما تغرب كعادتها أسفل الأرض وترتحل من هناك الى أراض الصيد العائدة لهذا الزعيم العظيم، انه ابني الذي سيكون بمثابة أب لك. لدى ابني فتاة نفخت في صدرها أنفاس الحياة ووهبتها لك، وقد قررت أن تكون زوجة لك."
" أيها الزعيم، هذا ماقاله الغراب الأعظم؛ وها أنا أضع بين يديك هداياي؛ وها قد جئتُ لأصطحب معي ابنتك !"
لف الزعيم نفسه بأغطية الفراء بهيبة ملكية فجة، لكنه تريث في الاجابة عندما دلف الى الخيمة أحد الشبان، وسلم الزعيم رسالة مستعجلة تدعوه للمثول أمام المجلس، وغادر الخيمة.
" أيها الرجل الأبيض، الذي سميناه بصائد الأيائل، والمعروف أيضاً باسم الذئب، وابن الذئب ! نعلم بأنك تتحدر من صلب أسلاف عظام؛ نفتخر بأنك سوف تحل علينا ضيفاً في احتفال البوتلاتش؛ لكن السلمون الملكي لايتزاوج مع السلمون الكلبي، ولا الغراب مع الذئب."
" الأمر ليس كما تقول ! صاح مكنزي. لقد شاهدت الكثير من بنات الغراب في المخيمات التي يقطنها الذئاب، ... زوجة مورتيمر، زوجة تريغايدو، زوجة بارنابي، التي جاء بها من مسافة بعيدة في الثلج، وثمة الكثير غيرهن، رغم اني لم أشاهدهن بعيني."
" يابني، كلماتك صادقة؛ لكنها زيجة فاشلة، كزيجة الماء والرمل، كزيجة ندف الثلج والشمس. ألم تسمع بميسن وزوجته من قبل؟ لقد جاء الى هنا منذ مدة طويلة، ... وكان أول الذئاب. وجاء برفقته رجل عظيم، منتصب كغصن صفصافة، فارع الطول؛ وقوياً مثل دببة الجليد، وقلب مثل بدر صيفي، ..."
قاطعه مكنزي بعد أن عرف الرجل الشمالي الشهير الذي كان الزعيم يشير اليه" آه لقد عرفته، أليس هو ميلميوت كيد؟"
" نعم هو نفسه، ... رجل عظيم. ولكنك لاتعرف شيئاً عن امرأته؟ انها شقيقة زارينسكا."
" كلا ، أيها الزعيم، لكني سمعت بأن شجرة تنوب مثقلة بالسنين قد قصمت ظهره ومات في أقاصي الشمال، لكن حبه كان عظيماً، وكان يمتلك الكثير من الذهب. وقد استولت زوجته على الذهب وارتحلت هي وابنها أيام وليال ليصلا الى المكان الذي تبزغ فيه الشمس وقت الظهيرة في الشتاء، وهي ماتزال تعيش هناك مع ابنها، ... حيث لاصقيع، ولاثلج، ولاشمس منتصف الليل في الصيف، ولا ليال بيضاء في الشتاء."
قاطع الحديث مبعوث آخر جاء ليخبر الى الزعيم بالضرورة الملحة لحضوره أمام المجلس. وعندما قذف مكنزي به الى الخارج، لمح أشكالاً تتمايل أمام موقد القبيلة، وسمع هدير الأصوات الجهورية العميقة للرجال وهم يرتلون احدى الترانيم المقدسة، وأدرك بأن الشامان قد أوغر صدور أبناء القبيلة ضده. أحس بالوقت ينقضي بسرعة والتفت الى الزعيم، مستأنفاً حديثه معه.
" أنا أهوى ابنتك، هبني اياها، وسأمنحك كل مالدي، انظر! كل هذا التبغ لك، ومعه هذه الأقداح الكثيرة من السكر، والبطاطين الدافئة، والمناديل، وكلها كبيرة وحسنة؛ وانظر ماذا جلبت لك، بندقية، بندقية حقيقية، والكثير من الرصاص والبارود."
" كلا،" أجاب الرجل العجوز، وهو يقاوم الاستسلام لغواية الثروة الكبيرة التي نُشرت أمام عينيه. " ان قومي يعقدون مجلساً الآن، ولن يوافقوا على هذه الزيجة."
" لكنك أنت الزعيم."
" رغم ذلك سيغضب شبان قبيلتي لأن الذئاب يأخذون نسائهم ويحرمونهم من فرصة الزواج بهن."
" اسمع ياثلينغ – تيناه ! قبل أن يدخل الليل في النهار، سيوجه الذئب كلابه نحو جبال الشرق ويرحل الى بلاد يوكون. وسيأخذ زارينسكا معه في زلاجته."
" وأنا أقول قبل أن ينتصف الليل، قد يلقي شبان قبيلتي بلحم الذئب الى الكلاب، ويبعثرون عظامه في الثلج حتى يعريها موسم الربيع القادم."
تبادل الرجلان التهديد. وشعت من قسمات مكنزي البرونزية حمرة داكنة. ورفع صوته، وتحركت على وقع أوتاره زوجة الزعيم العجوز التي كانت تكتفي بمراقبة مايجري مراقبة سلبية وتوجهت الى الباب. توقفت التراتيل فجأة وارتفعت في الجو جلبة من الأصوات المختلطة عندما دفع مكنزي العجوز بعنف معيداً اياها الى مجلسها الأول الشبيه بدكة من الجلود.
" أدعوك ثانية ياثلينغ – تيناه بحرارة الى سماع قولي ! لن يموت الذئب بسهولة، وان مات سيموت معه عشرة من أشجع رجالك – رجالك الذين لايمكنك الاستغناء عنهم، لأن موسم الصيد القادم لم يحن بعد، وموسم صيد الاسماك على الأبواب. ودعني أذكّرك بأنك لن تجني شيئاً من موتي، لأني أعرف عادات قومك؛ ولن تكون حصتك من ثروتي شيئاً ذا قيمة. هبني ابنتك وسأمنحك كل ثروتي. وفوق كل هذا وذاك يجب أن أحذرك من قدوم أخوتي، انهم كثيرون، ونهمون جداً؛ وستحمل بنات الغراب في بطونهن ذرية ابناء الذئب. قومي أعظم شأناً من قومك. انه القدر. امنحني ما أريد وكل هذا الذي ترى بين يديك سيكون ملكاً لك."
كانت احذية المقسين تدعك كثبان الثلج في الخارج استعداداً للاحتفال. أعاد مكنزي زناد البندقية الى الخلف، وأرخى سيور قراب المسدسين التوأمين من نوع كولت المربوطين بحزامه.
" أمنحني ابنتك، أيها الزعيم!"
"حتى لو وافقت على طلبك سيرفض قومي."
" امنحني ابنتك، وسأمنحك ثروتي. و سأعالج موضوع عشيرتك بنفسي فيما بعد."
" اذا كانت هذه هي رغبة الذئب، ساقبل هداياه، ... لكني يجب أن أحذرك من ابناء قبيلتي."
سلم مكنزي الهدايا اليه، وأعاد زناد البندقية الى وضعه الطبيعي، متوجاً الصفقة بمنديل حريري ملون. في هذه الأثناء ولج الشامان الى خيمة الزعيم بصحبة نصف دزينة من المحاربين الشبان، لكن مكنزي غادر الخيمة دافعاً اياهم بمنكبيه بكل شجاعة.
" احزمي أمتعتك!"كانت تلك تحيته الموجزة لزارينسكا وهو يجتاز خيمتها ويحث الخطى لكي يلجم الكلاب. وفي الدقائق القليلة التالية، اكتسح المجلس بزلاجته مجلساً زارينسكا الى جانبه. اتخذ مجلسه عند النهاية العليا من المستطيل، الى جانب الزعيم. أجلس زارينسكا الى يساره على بعد خطوة واحدة خلف ظهره ... في المكان المناسب، لأنه اراداها أن تحمي ظهره من غدر الغادرين لأن الجو كان مشحوناً بالخبث والعداء.
قرفص الرجال أمام النار، على الجانبين، وأرتفعت أصواتهم بترنيمة قبلية تتغنى بماضيهم التليد. لم يكن النشيد جميلاً لأنه كان مفعماً بوقفات ترنيمية وتكرارات مملة يمكن وصفها جزافاً ب (المخيفة). في النهاية القصوى للمستطيل، أمام أعين الشامان، شرعت نصف دزينة من النساء بالرقص وقام الشامان بتوجيه توبيخ قاس لمن لم تستسلم كلية لنشوة الترانيم والشعائر. بدأت النساء، اللواتي احتجبن خلف شعورهم الكثيفة الفاحمة التي كانت تلامس الخصر، يتمايلن ببطء من جانب الى آخر، وسرت في أجسادهن اللدنة موجات متتابعة من الأهتزازات التي كانت تواكب ايقاعات التراتيل المتغيرة باستمرار.
لقد كان مشهداً غريباً؛ مفارقة تاريخية. في الجنوب حيث كان القرن التاسع عشر يودع آخر ماتبقى له من السنوات القليلة المتبقيه من عقده الأخير؛ وهنا حيث كانت تزدهر حياة البرية البدائية مثل ظل من ظلال حياة سكان كهوف ماقبل التاريخ، أو مثل شظية منسية من شظايا العالم الغابر. كانت الكلاب الذئبية ذات الالوان التي تنوس بين الصفرة والسمرة الداكنة تقعي بين اسيادها الملفعين بمعاطف الجلود، أو تتقاتل فيما بينها للفوز بمجال أكبر، وعيونها الحمراء وانيابها التي يقطر منها اللعاب كانت تعكس حمرة النار المنبعثة من الموقد. وبعيداً عن ضجة الترانيم كانت الغابة ترقد، متلفعة برداء شبحي، وغافلة عما يجري قريباً منها، لكن الصمت الأبيض الذي لامس حافاتها، بدا وكأنه كان يتكدس بعمق داخل أحشائها؛ النجوم كانت ترقص واثبة وثبات عريضة من مكان الى آخر، كما هو شأنها دوماً عندما تشتد قسوة الصقيع؛ وأرواح آلهة القطب كانت تتهادى بخيلاء ساحبة خلفها أذيال أردية مجدها عبر السماوات العريضة.
أدرك مكنزي على نحو باهت فخامة المشهد البدائي الذي كانت صوره تتمثل أمامه، وأخذ يجول بنظراته بين أركانه المهدبة بالفراء بحثاً عن وجوه مفقودة. استقرت نظراته للحظة على طفل حديث الولادة، يرضع من ثدي أمه العاري. كانت الحرارة أربعون درجة تحت الصفر، ... انه برد قارص، وفكر في بنات جلدته الرقيقات وعلت وجهه ابتسامه حزينة، لقد جاءت واحدة من تلك النساء، على الرغم من رقتهن، الى العالم برجل ذو أرث ملكي، ... أرث منح له السطوة على الأرض والبحر، على الحيوانات والبشر في جميع الأصقاع. شعر مكنزي الأعزل الذي يواجه مئة من الرجال لوحده، والمزنر بسهوب الشتاء القطبي، والبعيد عن موطنه وأهله، بنداء ذلك الأرث يضج في عروقه، شعر بالرغبة في الامتلاك، وبالخطر الوحشي، شعر بالحب، وبحماسة القتال، شعر بالقوة التي تدفع الفاتحين الى النصر أو الموت.
توقف الغناء والرقص، وانطلق صوت الشامان يصدح ببلاغة وقحة. لقد نجح في اللعب على سذاجة مستمعيه، متملصاً بمكر من المفاصل المعوجة التي تحفل بها الميثولوجيا الدينية العريضة للقبيلة. كان طرحه قوياً ومفحماً. لقد اقام دعواه على أساس المباديء الخلاقة لابناء الزاغ والغراب، ليوصم مكنزي بوصمة الذئب، التي تعادل عندهم مبدأ القتل والتدمير. لم يكن النزاع بين هذه القوى روحياً وحسب، لأن الرجال كانوا يتقاتلون فيما بيينهم، كل حسب معتقده. انهم أبناء جيلكس، الغراب، سارق النار البروميثيوسي، ومكنزي كان ابن الذئب، أو بالأحرى هو الشيطان نفسه، ولن يعقد ابناء الغراب هدنة في حربهم الأبدية مع الذئب، لن يزوجوا بناتهم للعدو الأكبر، لأن ذلك خيانة عظمى وذنب لايُغتفر. لم يترك الشامان أية عبارة قاسية أو أي تشبيه بلاغي بذيء لم يستعمله في وصف مكنزي الذي قال عنه انه كان مندس وضيع ورسول من رسل الشيطان. وعندما بدأت خطبة الشامان تقترب من ذروتها أخذت صدور المستمعين تهدر بزئير وحشي مكتوم.
" نعم، يا أخوتي، جليكس هو الكلي القدرة! الم يجلب لنا النار من السماء حتى نتدفأ؟ ألم يُخرج لنا الشمس والقمر والنجوم من جحورها حتى نتمكن من الرؤية؟ ألم يعلمنا كيف نقاتل أشباح المجاعة والصقيع؟ لكن جيلكس غاضب الآن على أبنائه، الذين أصبحوا مجرد حفنة صغيرة من الرجال، انه متردد بمد يد العون اليهم، لانهم نسوه وانغمسوا في ارتكاب الشرور، وساروا على دروب رديئة، وأدخلوا أعدائه الى بيوتهم وأجلسوهم بالقرب من مواقدهم. أن الغراب يشعر بالحزن بسبب الشرور التي ارتكبها أبنائه، لكنه سيخرج ثانية من الظلمات ويهرع لمساعدتهم عندما ينهضون من جديد ويثبتون بأنهم قد عادوا الى جادة الصواب. أيها الأخوة، لقد همس لي جالب النار برسائل سوف أعيدها على أسماعكم. انه يقول دعوا الشبان يأخذون الشابات الى مساكنهم؛ دعهم ينقضون على عنق الذئب، دعهم لايسمحون لعداوتهم له أن تموت! وعندما يفعلون ذلك،عندها سوف يسكن الخصب أرحام نسائهم وسوف يتكاثرون ويصبحون شعباً عظيماً! وسيقود الغراب قبائل آبائهم وآباء آبائهم العظيمة من قلب الشمال؛ ولسوف يدحرون الذئاب ويردونهم على أعقابهم حتى يكون مثلهم كمثل نيران مواقد العام المنصرم؛ وسيبسطون هيمنتهم من جديد على جميع الأرض! انها رسالة جيلكس، الغراب."
حركت بشارة القدوم الوشيك للرب عاصفة من الهدير في صدور ابناء قبيلة ستيكس الذين هبوا واقفين على أقدامهم. أخرج مكنزي ابهاميه من القفازات وشرع ينتظر. وسرت في المعسكر ضجة تدعو الى عدم منع الثعلب من الكلام حتى برز أحد الشبان طالباً الحديث.
" يا أخوتي! لقد نطق الشامان بقول الحق. لقد استولت الذئاب على نسائنا، وأصبح رجالنا بلا ذرية. وأصبحنا مجرد حفنة صغيرة من الرجال. لقد استولت الذئاب على فرائنا الدافيء ومنحتنا بدلاً عن ذلك مشروباً شيطانياً في زجاجات تسكنها الأرواح الشريرة، لقد منحونا ثيابهم التي لم تُصنع من فراء القندس أو الوشق، ولكنها مصنوعة من العشب. أنها ليست دافئة، ورجالنا تفتك بهم أمراض غريبة. أنا، الثعلب، لم اتخذ لي زوجة لحد الآن، وأتسائل لماذ يحدث هذا؟ الصبايا اللواتي منحني المتعة ذهبن الى مخيمات الذئاب مرتين. لقد فرشت جلود القندس والأيل والوعل أمام ثلينغ – تيناه، من أجل أن يزوجني ابنته، زارينسكا. لكنها في هذه اللحظة بالذات، كما ترون، ترتدي أحذيتها الثلجية استعداداً للرحيل مع الذئب. لست أتحدث عن نفسي فقط، فقد فعل الدب، مافعلت أنا. لقد فشل في مسعاه هو أيضا، في أن يكون والداً لأطفالها، رغم الجلود الكثيرة التي أعدها لذلك. لست أتحدث عن نفسي فقط، بل عن جميع الشبان الذين بلا أزواج. ان الذئاب جائعة على الدوام. انهم يستولون دوماً على افضل مافي الطريدة من لحم، تاركين الفتات والفضلات للغربان.
" انظروا الى غوكلا،" صاح مشيراً الى احدى النساء الكسيحات. "ان سيقانها معوجة مثل أضلاع قارب شجر البتولا. انها غير قادرة على جمع الحطب ولا على حمل اللحم الذي يأتي به الصيادون. هل وقع اختيار الذئب عليها؟ "
" كلا! كلا!" صاح الحشد مؤيداً.
" خذوا مويري، التي اصابت الأرواح الشريرة عينيها بالحول. حتى الأطفال الصغار يشعرون بالخوف من نظراتها عندما تحدق بهم، حتى الدب الكبير يخاف منها. اسألكم هل أختارها زوجة له؟"
وضج الحاضرون ثانية بصيحات التأييد والاستحسان.
" وهاهي بيسشت الجالسة هناك. انها غير قادرة على سماع ما أقول الآن، ولم تطرق أسماعها يوماً ثرثرات المتحدثين، ولم تسمع يوماً صوت زوجها أو صراخ ابنها. انها تقيم في الصمت الأبيض. هل خطرت ببال الذئب؟ كلا! انه خيار من تسري في عروقه شهوة القتل، وليس لنا نحن سوى الفضلات.
" ايها الأخوة، لن يحدث هذا الأمر! لن نسمح بعد اليوم للذئب بالتسلل الى نيران مواقدنا. لقد حان الوقت الآن."
انطلق عبر سمت السماء خيط ناري كبير، انها نار الشفق القطبي، الارجوانية الخضراء الصفراء، التي تقوست مثل جسر هائل ربط الأفق بالأفق. رفع المتحدث راسه بشموخ، وفرد ذراعيه على طولهما وصعد مترنحاً الى ذروة حديثه.
" انظروا الى أرواح آبائنا التي صعدت الآن لتعلن لنا عن المآثر التي ستتم هذه الليلة!"
عندما الثعلب انهى حديثه الحماسي تراجع الى الوراء، وبرز شاب آخر مختلف بعض الشيء، كان متردداً لكنه برز الى الساحة بتشجيع من رفاقه. كان يفوقهم طولاً، وقد كشف عن صدره العريض تحدياً للصقيع. كان يتحرك بتردد وقد تجمدت الكلمات على شفتيه، ولم يكن يبدو عليه الارتياح. كان النظر الى وجهه شيئاً فظيعاً، لأن ضربة هائلة كانت قد أطارت بنصفه في أحد الأيام. في النهاية ضرب صدره العاري بقبضته المضمومة، وخرج من الصدر صوت كصوت الطبل، وهدر صوته مثل هدير الموج في كهف على ساحل المحيط.
" أسمي الدب، ... الدب ذو العرف الفضي وابي اسمه العرف الفضي! عندما كان صوتي لايزال يشبه صوت فتاة صغيرة، قتلت الوشق، والايل، وصرعت الوعل؛ وعندما كانت الريح تعوي مثل الذئاب في عرينها، عبرت جبال الجنوب وتغلبت على أمواج ثلاثة من الأنهار البيضاء؛ وعندما أضحى هدير مياهها مثل هدير نهر وادي كينوك قابلت الدب الأمعط، لكني لم اول الأدبار."
توقف قليلاً عن الكلام، ومرر يده فوق آثار الندوب الرهيبة الت يتغطي وجهه بحركة ذات مغزى.
" لست خطيباً مفوهاً مثل الثعلب، لأني لساني متجمد مثل النهر. لست قادراً على القاء خطبة عظيمة. كلماتي شحيحة. لقد قال الثعلب بأن أموراً عظيمة ستحدث الليلة. حسناًّ ! ان الكلمات تتدفق من فمه تدفق جداول الربيع، انه سخي بالكلمات، بخيل بالأفعال. ساقاتل الذئب هذه الليلة، ولسوف اصرعه، ولسوف تجلس زارينسكا عند موقدي. لقد تكلم الدب وأنهى كلامه."
تعالت الأصوات في المعسكر، وثبت مكنزي على موقفه. كان يعلم جيداً بأنه لافائدة من استخدام البندقية في الصراع مع خصمه من مسافة قريبة؛ وضع قرابي المسدسين على الأرض، واستعد للمعركة، وسحب قفازيه حتى لم يعد لقفازي كوعيه امكانية حماية يديه الا بالكاد. كان يعلم بأنه لم يكن ثمة أمل في شن الهجوم عليهم جميعاً، لكنه ظل محتفظاً لنفسه بوعده لنفسه في القتال حتى الموت. منع الدب رفاقه من التقدم للنزال، دافعاً الى الوراء أكثرهم اندفاعاً وطيشاً بقبضتيه الرهيبتين. وعندما خفتت الضجة، صوب مكنزي نظرة تجاه زارينسكا. كانت تقف في مكانها مثل صورة باهرة، بجسدها المائل قليلاً الى الأمام، وشفتيها المنفرجيتين وارنبتي انفها الراعشتين مثل منخري لبوة على وشك الانقضاض. كانت عيناها السوداوان الكبيرتان مثبتتان على رجال قبيلتها، خوفاً منهم وتحدياً لهم. كان التوتر عالياً جداً انساها التنفس، وبدت، وهي تضع احدها يديها بشكل متقطع على ثدييها وتمسك بالأخرى بقوة على سوط الكلاب، بدت وكأنها قد استحالت الى تمثال من الحجر. عندما أحست بنظراته شعرت بالارتياح وسرت في عروقها موجة من الاسترخاء وانبسطت عضلاتها وندت عنها تنهيدة ثقيلة اعادتها الى وضعها الطبيعي، وبادلته نظرة لاتنم عن الشعور بالحب فقط بل تتعداه الى ذروة العبادة.
حاول ثلينغ – تيناه يحاول أن يتكلم، لكن الجلبة الصادرة عن القوم أغرقت صوته. ثم تقدم مكنزي الى الأمام. حاول الثعلب فمه ليطلق صيحة تصم الآذان، لكن مكنزي التف حوله بوحشية جعلته يتراجع الى الوراء، خانقاً تلك الصرخة التي تحولت الى غرغرة مكتومة داخل حنجرته. وتتوجت هزيمته بعاصفة من الضحك خففت التوتر لدى الحاضرين وهيأت الأسماع لمقولة مكنزي.
" يا أخوتي ! ان الرجل الأبيض، الذي أخترتم أن تسموه بالذئب، جاء اليكم بكلمات صادقة. ليست ككلمات الأنويت ( رجل بلغة الأسكيمو )؛ انه لايكذب. جاء اليكم كصديق، وكرجل يطمع في أن يكون اخاً لكم. لكن رجالكم قد فرغوا الآن من مقالتهم، ولم يعد ثمة متسع للكلام المعسول. أولاً، يجب أن تعلموا بأن الشامان يملك لساناً شريراً وبأنه نبي زائف، وبأن الرسالة التي تلاها عليكم ليست رسالة جالب النار. أن أسماعه مقفلة ولايمكن لصوت الغراب اختراقها، وكل ماقاله ليس سوى أراجيف من صنع خياله الماكر الذي يخدعكم به. انه لايمتلك اي سلطة روحية. تذكروا عندما كنتم تقتلون الكلاب وتأكلونها، تذكروا عندما كانت بطونكم تنتفخ من أكل الجلود غير المدبوغة وشرائط أحذية المقسين؛ تذكروا عندما كان العجائز من الرجال والنساء يموتون، تذكروا كيف كان الأطفال يموتون على اثداء أمهاتهم الذابلة والخالية من الحليب، تذكروا عندما كانت الأرض سوداء وكنتم تموتون كما يموت السلمون في الخريف؛ نعم، عندما ضربتكم المجاعة هل كافأ الشامان صياديكم؟ هل أطعم الشامان بطونكم الجائعة؟ مرة أخرى اقول لكم بأن الشامان رجل لاحول له ولاقوة، ولهذا السبب سأبصق على وجهه!"
نزل عليهم هذا التدنيس نزول الصاعقة وعقد الصمت ألسنتهم وشعرت بعض النساء بالخوف، لكن روحاً من التوقع سرت بين الرجال وكأن معجزة كانت في طريقها الى الحدوث قريباً. طافت جميع العيون بشخوص المشهد الرئيسيين، وادرك الكاهن حراجة الموقف، وشعر بكرامته الروحية تتأرجح على حافة هاوية، وفتح فمه ليعبر عن استنكاره لما قيل بحقه، لكنه تراجع أمام هجوم مكنزي الشرس، وقبضته المضمومة وعيناه القادحتان بالشرر. واصل مكنزي هجومه الساخر على الشامان.
" هل ترونني قد مت؟ هل نزلت من السماء صاعقة أحرقتني؟ هل سقطت النجوم من كبد السماء وسحقتني؟ ابداً، لم يحدث شيء من ذلك. لقد انتهيت من هذا الكلب. والآن اسمحوا لي أن أخبركم شيئاً عن قومي، الذين يتحكمون في جميع ارجاء هذه الأرض. في البدء كنا نصيد فرادا، كما انا. ثم أخذنا نصيد كمجموعة؛ وفي النهاية اكتسحنا البلاد، مثل أكتساح الوعول عندما تعدو. من يسكن معنا ينجو، ومن يظل في العراء يموت. ان زارينسكا فتاة جميلة، ممتلئة وقوية؛ أنها تصلح أن تكون أماً للذئاب. وحتى أن مت، فستكون أماً للذئاب، لأن أخوتي كثيرون، وسيتبعون رائحة كلابي. استمعوا الى قانون الذئب : كل من يستلب ذئباً حياته يدفع مقابلها عشرة من حياة أبنائه. انها دية الذئب التي دفعت له في اماكن عديدة؛ ولسوف تُدفع في اراض اخرى كثيرة.
" والآن ساعالج أمر الثعلب والدب. يبدو أنهما ينظران الى الفتاة بعين الطمع. اليس كذلك؟ ليعلم الجميع بأني قد اشتريتها! هاهو ثلينغ – تيناه يتكيء على بندقيتي؛ وحول نار موقده تتناثر البضائع التي دفعتها ثمناً له. رغم ذلك دعوني أكون عادلاً مع الشبان. الى الثعلب الذي جف لسانه من كثرة الكلام، سأمنحه خمسة قبسات طويلة من التبغ، حتى لايجف لسانه ويستطيع أن يصم أسماع المجلس بثرثرته. لكن بالنسبة للدب، الذي افتخر به كثيراً، ساعطيه من الأغطية اثنين، ومن الطحين عشرون كوباً، ومن التبغ ضعف ماساعطيه للثعلب؛ وان شاء المجيء معي الى الجبال الشرقية، سأمنحه بندقية، تشبه بندقية ثلينغ تماماً. وان رفضا هذا العرض؟ حسناً ! أعلم أن الثعلب قد أنهكه الكلام، لكني أطلب منه أن يتلو علي قانون الذئب : من يسلب حياة ذئب واحد، فعليه أن يدفع دية تساوي عشرة أمثال حياة ذلك الذئب.
ابتسم مكنزي وهو يخطو عائداً الى موقعه السابق، رغم قلقه واضطراب قلبه. كان الظلام مايزال مخيماً على المعسكر. تحركت الفتاة لتقف الى جانبه، وراح يستمع بامعان لما كانت تخبره به من حيل الدب في القتال بالسكين.
وجاء القرار لصالح الحرب. وخلال لحظات تحركت عشرات الاقدام بعيداً عن الموقد لتمنح مساحة الثلج المدعوك فضاءاً أوسع. كان ثمة لغط كبير حول هزيمة الشامان، وجزم البعض بأنه لم ينهزم وانما امتنع عن استخدام قوته، خلافاً للبعض الآخر الذين بدأوا يسردون لمعارضيهم احداث من الماضي تأييداً لرأي الذئب. برز الدب الى ساحة القتال، حاملاً سكيناً للصيد روسية الصنع. ونبه الثعلب المتحلقين حول حلبة النزاع الى مسدسي مكنزي الذي قام بفك حزامه قريباً من زارينسكا و سلمها بندقيته أيضاً. هزت راسها قائلة بأن لاتعرف كيف تطلق النار؛ ... لأنها لم تسنح لها الفرصة كأمرأة باستخدام مثل هذه الأمور الثمينة.
" اذاً لو احاق بي الخطر من الخلف، اصرخي بصوت عال وقولي " يازوجي"؛ " لا، بهذه الطريقة، يازوجي!"
ضحك منها عندما أعادت عليه العبارة التي لقنها اياها، وقرص خدها، وعاد الى المعترك. لم يكن الدب متفوقاً عليه بطول القامة وضخامة الجسد وحسب، بل حتى في سكينه التي كانت أطول من سكين مكنزي ببوصتين. لقد واجه سكراف مكنزي رجالاً كثيرين من قبل، ويعرف جيداً أن خصمه كان رجلاً حقيقياً، رغم ذلك حفز التماع النور على نصل السكين روحه القتالية، ونبض بين جوانحه عرق اسلافه المجبول على الهيمنة.
أجبره خصمه عدة مرات على التراجع الى حافة النار أو الى كثبان الثلج خارج حلبة الصراع، لكنه كان يتمكن من العودة الى مركز الدائرة مستخدماً مهارات الأقدام الحركية لدى الملاكمين. لم يطرق أسماعه صوت تشجيع واحد موجه اليه، في الوقت الذي كانت فيه عزيمة خصمه تشتد بتصفيق المشجعين ونصائحهم وتحذيراتهم. لكنه كان يصر على أسنانه عندما النصل يقع على النصل، وكان يزوغ بمهارة وليدة لاحساس واع بالقوة. في البداية شعر بالعطف على عدوه؛ لكن هذا الشعور لم يصمد طويلاً أمام الأحساس الغريزي بالحياة، الذي زوده بالتالي بشهوة القتل. لقد أسقط عن كاهله حمل عشرة آلاف سنة من التحضر، وعاد واحداً من سكان الكهوف، يقاتل من أجل حليلته.
غرز السكين مرتين في جسد الدب، وتملص منه دون أن يصيبه أي خدش؛ لكن الدب تمكن منه في المرة الثالثة ولكي يخلص نفسه انطبقت الأيادي التي لاتحمل السلاح على تلك التي كانت تقاتل، وسقط الاثنان على الأرض. في هذه اللحظة فقط شعر بقوة خصمه الهائلة، وتقلصت عضلاته في كتل معزولة مشتعلة بالألم، وتوترت اربطة واوتار جسده حتى كادت تنقطع من شدة الضغط والشد؛ كل هذا والنصل الروسي كان يقترب منه رويداً رويدا. حاول التملص، لكن محاولته سببت له المزيد من الضعف. تقلص محيط الدائرة الملفعة بالفراء حول بؤرة الصراع، وكل فرد فيها كان متأكداً من نزول الضربة القاصمة ومتلهف لها. لكن مكنزي تمكن من توجيه ضربة بالرأس لخصمه، مستخدماً حيلة من حيل المصارعة، مكنته من الانحراف على أحد الجوانب قليلاً وتسديد ضربته. مال الدب الى الخلف لا ارادياً، فاقداً توازنه المركزي. وتزامناً مع ذلك، تحرك مكنزي بشكل مناسب والقى بثقل جسده الى الأمام، دافعاً بخصمه عبر سياج الدائرة الى داخل أحد الكثبان الثلجية. خرج الدب من الثلج بتخبط واستأنف هجومه.
رن صوت زارينسكا مدوياً بجرس الخطر" انتبه يازوجيّ"
هبط مكنزي الى الأرض لسماعه رنين القوس وعبر رأسه سهم مزود بشوكة عظمية مدببة استقرت في صدر الدب، الذي قذفته شدة اندفاعه فوق خصمه المقرفص على الأرض. نهض مكنزي ودار حول الدب الذي رقد بلا حراك، لكن خلف النار كان الشامان يعد سهمه الثاني.
طارت سكين مكنزي في الهواء مسافة يسيرة، وامسك هو بالسكين الثقيلة من حافتها المدببة، ثم شع وميض من النور عندما عبرت السكين محيط النار. ترنح الشامان، الذي لم يظهر من السكين التي غابت كلها في عنقه سوى مقبضها، وسقط على وجهه فوق الجمر المشتعل.
فرقع الهواء بصوت معدني، كليك، كليك! انبعث ذلك الصوت من الجهة التي كان يقف فيها الثعلب الذي كان يحاول عبثاً أن يلقم بندقية ثلينغ – تيناه باحدى الطلقات. لكنها طرح البندقية من يديه لسماعه صوت ضحكة مكنزي.
" يبدو أن الثعلب لم يتعلم بعد كيف يستخدم هذه اللعبة؟ انه لايزال امرأة. تعال! اجلبها معك، حتى أريك كيف تعمل!"
تردد الثعلب.
" طلبت منك أن تأتي"
وقف الثعلب في مكانه بتراخ مثل كلب مهزوم.
" هكذا، ثم هكذا؛ تمت العملية." واندست خرطوشة داخل الماسورة وسُحب الزناد ووضع مكنزي البندقية على كتفه.
" لقد قال الثعلب بأن أموراً عظيمة ستحدث الليلة، وماقاله كان صحيحاً. لقد حدثت مآثر عظيمة، لكن أقلها كانت مآثر الثعلب. هل مايزال الثعلب مصر على اصطحاب زارينسكا الى خيمته؟ هل هو مستعد للسير على الدرب الذي سلكه الدب والشامان؟ كلا؟ طيب!"
استدار مكنزي وسحب سكينه من عنق الكاهن.
" وهل لأي من الشبان الآخرين رغبة في القتال؟ ان كان ثمة من يريد ذلك سينازلكم الذئب اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة حتى لايبقى منكم أحد. لايوجد أحد؟ جيد! والآن يا ثلينغ – تيناه،سأمنحك مجدداً هذه البندقية. ولو رغبت في السفر في الأيام القادمة الى بلاد يوكون، فاعلم بانه سيكون لك دائماً مسكن وطعام وموقد في منزل الذئب. لقد طلع الفجر. وساذهب الآن، لكني قد اعود ثانية. وللمرة الأخيرة تذكر قانون الذئب!"
لقد بدى لهم وهو ينضم الى زارينسكا مثل كائن خارق للطبيعة. اتخذت زارينسكا مكانها في موقع القيادة وشرعت الكلاب تنهب الطريق. وبعد لحظات قليلة غابت الزلاجة عن الأنظار داخل غلالة الغابة الشبحية. ظل مكنزي ينتظر حتى تلك اللحظة، ثم شرع يرتدي حذائه الجليدي ليتبع أمرأته.
" هل نسي الذئب قطع التبغ الخمسة؟"
التفت مكنزي بغضب الى الثعلب؛ ثم أكتشف مغزى النكتة.
" سأعطيك أربعة."
" ان كان ذلك يناسب الذئب،" أجاب الثعلب بتذلل، وهو يمد يده.




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
THE SON OF THE WOLF
(First published in Overland Monthly, Vol 33, April, 1899)
(نشرت للمرة الاولى في مجلة اوفرلاند منثلي الشهرية، العدد 33، ابريل، 1899)
 
أعلى