قصة قصيرة غي دو موپاسان - قصة أرملة.. ت: نصيرة تختوخ

كان ذلك في موسم القنص، في قصر بانڤيل, ذات خريف ماطر، حزين.
حيث أصبحت الأوراق الحمراء عوض أن تطقطق تحت الأرجل تَفْسَد في الأخاديد تحت الأمطار الغزيرة.
والغابـة، المنسلخة تقريبا،تشابه برطوبتها غرفة حمام.
من يدخل الغابة تحت الأشجار المجلودة بحبات المطر، كان لزاما أن تجتاحه رائحة تعفن وأبخرة ماء ساقط و أوراق مشبعة بالماء وأرض مبللة .
والقناصون المقوسة ظهورهم في هذه الفيضانات المستمرة، وكلابهم الكئيبة بذيولها المنخفضة وفروها الملتصق على ضلوعهم، والقناصات اليافعات في قاماتهن المتماسكة في المطر العابر كانو يعودون كل مساء بأجساد وأرواح نال منها الملل.
في قاعــة الجلوس الكبيرة بعد العشاء والريح تدفع درفات الشبابيك بقوة وصخب وتدير دوارت الريح العتيقة في حركة سريعة متواصلة كان يُشرع في لعب اليانصيب دون أي متعة تذكر .
ظهرت فكرة سرد الحكايات للتسلية لكن لاأحد استطاع الإتيان بشيء ممتع.
القناصون حكوا مغامرات صيدهم وطرائدهم ولم تكن من بين النساء واحدة بخيال شهرزاد.
محاولة التسلية هذه كانت على وشك أن تفقد جدواها لولا انتباه فتاة وهي تلعب بيد امرأة، آنسة عجوز، إلى خاتم صغير في إصبعها يبدو وكأنه خصلة شعر أشقر.
سبق لها أن انتبهت له دون أن تتوقف عند ماهيته و السؤال عن حكايته.
وهي تحركه برفق حول إصبع العجوز سألتها :'' قولي لي ياعمة، ماهذا الخاتم؟ وكأن شعر طفل؟ ''
الآنسة العجوز، احمرت ثم ذبلت وبصوت مرتجف أجابت:'' إن الأمر محزن، محزن جدا، لدرجة أنني لا أتحدث عنه أبدا. كل تعاسة حياتي أصلها هنا.
كنت لاأزال شابة والذكرى بقيت مؤلمة بالنسبة لي لحد البكاء الشديد كل مرة''.
أراد الجميع معرفة القصة ورغم رفض العجوز في البداية إلا أنها رضخت للتوسل والرجاء.
قالت:''لقد سمعتموني كثيرا أتحدث عن عائلة ''سانتيز '' التي لم تعد بيننا.
عرفت من تلك العائلة رجالها الثلاث ولقد ماتوا ثلاثتهم بنفس الطريقة، وهذا شعر آخر واحد منهم .
كان عمره ثلاث عشرة سنة حين أنهى حياته من أجلي.
يبدو هذا غريبا بالنسبة لكم؛ أليس كذلك ؟''.

'' آه! لقد كانوا سلالة مختلفة، مجانين، لكن مجانين آسرين .كانت لهم ميول جارفة خطيرة ، دوافع كبيرة تنبعث من أعماقهم وتجعلهم يندفعون إلى أكثر الأشياء توهجا وأكثر التضحيات تطرفا بل وحتى إلى الجنايات.
كان ذلك في طبعهم مثلما توجد التقوى المتقدة في بعض الأرواح. من يختارون طريق الرهبان ليسوا كالراكضين خلف الشهوات.
''كنا نقول في إطار عائلي:'' عاشق كواحد من آل سانتيز ''.
تخمين شغفهم هذا كان ممكنا بمجرد النظر إليهم فقد تميزوا جميعا بشعر ذي خصلات ينزل على الجبين ولحية مجعدة و عيون واسعة يخترق شعاعها الناظر إليها ويُربكه دون أن يعرف السبب.

'' الجد أذكر عنه حكاية وحيدة: بعد مغامرات كثيرة ومبارزات وخطف نساء، وفي الخامسة والستين من عمره عشق ابنة مزارع عنده .
عرفت كِلاَهما هي كانت شقراء، شاحبة، متميزة بكلام بطيء وصوت طري ونظرات ناعمة، ناعمة جدا لدرجة أن نخالها قديسة.
أقامت عند ه لكنه فُتِن بها لدرجة أنه أصبح لايستطيع الاستغناء عنها لدقيقة.
ابنته وزوجة ابنه اللتان كانتا تسكنان القصر اعتبرتا الأمر عاديا فالحب كان عادة من عادات البيت.
حين يتعلق الأمر بالشغف والهوى لاشيء كان يثير استغرابهما وإذا تحدث أحد إليهما عن ولع وعراقيله أو عن عشاق مفترقين أوحتى عن انتقام بعد خيانة كانتا تقولان بأسف :'' آه! كم،سيكون عانى / أو تكون عانت لتصل إلى أمر كهذا !''؛ ولا تزيدان على ذلك. تعاطفتا دوما مع مآسي القلوب ولم تسخطا عليها أبدا حتى ولو تعلق الأمر بوصولها حد الجريمة.
'' لكن في يوم خريفي أتى رجل يدعى م.جارديل دُعِي للقنص وأخذ ابنة المزارع الشابة.
السيد سانتيز بقي هادئا وكأن لا شيئا لم يحدث إلى أن وجد في إحد الصباحات معلقا متدليا وسط الكلاب في مأواهم ''.
''ابنه مات بنفس الطريقة في نزل في باريس أثناء سفره عام 1841بعد أن خانَتْهُ مغنية أوبرا .
ترك هذا الأخير ابنا في الثانية عشر من عمره وأرملة،خالتي.
أتت وابنها للعيش عند والدي، في أرضنا، في برتيون وكان عمري حينها سبعة عشر عاما.
'' لن تستطيعوا تخيل كم كان هذا السانتيز الصغير واعدا ومدهشا. قيل أن كل دفء ونشوة سلالتهم اجتمعت فيه، هو آخرهم.
كان يحلم دوما ويتجول وحيدا لساعات في طريق مشجر بالدردار يذهب من القصر للغابة.
وكنت أراقب من نافذتي هذا الصبي العاطفي الذي يمشي بخطى حثيثة وأيدٍ خلف الظهر وجبين منحنٍ ومن حين لآخر يرفع عيونه وكأنه يرى ويفهم و يحس أشياء أكبر من سنه.
'' كثيرا ماكان يحدث بعد العشاء أن يقول لي تعالي نحلم ياقريبتي ..فنذهب معاً إلى الحديقة. ليتوقف فجأة أمام الفسحة التي يسبح فيها ذلك الدخان الأبيض كشريط قطني يزين به القمر إضاءات الغابة.
كان يقول لي وهو يمسك يدي :'' أنطري إلى هذا، أنطري إلى هذا، لكنك لا تفهمينني أنا أحسه.
لو فهمتني لصرنا سعداء ، يجب أن نحب لنفهم ''.
كنت أضحك وأقبله، أقبل هذا الصبي الذي أحبني حتى الموت حبا.
'' كثيرا ماجلس بعد العشاء على ركبتي أمي. وقال لها :'' هيا ياخالة احك لنا حكايات حب '' وكانت أمي مازحة تروي له أساطير عائلته، كل المغامرات الشغوفة لأجداده، لأنه تم تناقل الآلاف والآلاف منها، الحقيقية منها والكاذبة.
إنها سُمْعَتهم التي أضاعتهم، كانوا يجارون أنفسهم يعندون ويصنعون مجدهم بما لايترك أي شك فيما يتردد عنهم '' .
'' كان ينتشي وهو يسمع الحكايات وأحيانا يضرب بيديه ويردد أناأيضا؛ أنا أيضا أستطيع أن أحب أفضل منهم جميعا ''.
وغازلني، مغازلة خجولة ،عميقة ،حنونة. كانت تضحكنا، بطبيعتها الباعثة على الضحك فعلا.
كل صباح كان يهديني زهوراً قطفها بنفسه وكل مساء قبل أن يصعد لغرفته كان يقبل يدي ويقول لي :''أحبـك '' ''.

''لقد أذنبت، أنا مذنبة ولازلت أبكي بلا توقف بسبب ذلك.
دفعت عمري كله كفارة ذلك وبقيت آنسة عجوزا أو من الأرجح أن أقول بقيت خطيبة أرملة، أرملته ''.
كنت أتسلى بهذا الحنان الطفولي وأحفزه فأهتم بأناقتي و جاذبيتي .
كأنني أمام رجل أُبْدي نعومتي وغنجي.
جعلت هذا الطفل يضطرب.
كان الأمر لعباً وتسلية مرحة بالنسبة لي وحتى لوالدته.
كان عمره اثنا عشر عاما ولم يكن أحدنا ليفكر بشكل جدي في عشق ذري !
كنت أقبله بقدر ما يريد وأكتب له رسائل ناعمة تقرأها أمهاتنا وكان يجيبني برسائل نارية احتفظت بها.
ظن أن حميمية حبنا سرية، معتبرا نفسه رجلا ونحن نسينا أنه من آل سانتيز.''
و استمر هذا رابة العام.
في مساء أحد الأيام ارتمى أمام ركبي وقَبَّلَ طرف فستاني باندفاع غاضب وردد :'' أحبك،أحبك،أحبك حد الموت إن خنتني أو تركتني من أجل آخر، أتعلمين سأقوم بما قام به والدي ''.
وأضاف بصوت عميق يبعث على الارتعاش :'' أتعرفين ماقام به؟ ''. لكن لكوني بقيت معقودة اللسان، قام ووقف على أطراف أصابعه للوصول إلى أذني، لأنني كنت أطول منه،
وهمس اسمي في أذني :'' جنيفياف! ''
قالها بإيقاع ناعم، جميل، حنون لدرجة أنني ارتعشت حتى أخمص قدمي.
وتمتمت:'' لندخل، لندخل !''
لم يرد بشيء وتبعني وحين وصلنا لدرجات الممر توقف وقال:'' أتعرفين إن تخيلت عني، سأقتل نفسي ''.
'' فهمت حينها أنني ذهبت بعيدا وقررت التحفظ أكثر.
ولأنه لامني ذات يوم قلت له :'' أنت أكبر بكثير من المزاح الآن وصغير جدا على حب جاد، أنا أنتظر ''.
قلتها وظننت أنني بهذا متعادلة.
'' وُضِع في ملجأ في الخريف وحين عاد في الصيف كان عندي خطيب.
فَهِمَ مباشرة ماحدث بعد عودته. وبقي لمدة ثمانية أيام متأملا لدرجة أقلقتني.
'' في صباح اليوم التاسع انتبهت لورقة صغيرة منسلة من تحت باب غرفتي. فتحتها وقرأت :'' لقد تخليت عني وأنت تعلمين ماذا قلتُ لك.
إنه الموت الذي حكمت علي به ولأنني لاأريد أن يجدني أحد غيرك. تعالي إلى الحديقة، إلى المكان الذي قلت لك فيه، في العام الماضي، أنني أحبك وانظري إلى الأعلى ''.
''كمجنونة لبست ملابسي بسرعة وبسرعة ركضت، ركضت لدرجة السقوط من التعب حتى وصولي المكان المقصود.
قبعته الصغيرة التي جاء بها من الملجأ كانت على الأرض، في الوحل.
لقد أمطرت طوال الليل، رفعت عيناي وانتبهت لشيء يتأرجح بين الأوراق فالريح كانت تهب بقوة.
'' لاأعرف تماما مافعلته بعدها. قد أكون صرخت بقوة في البداية وأغمي علي وسقطت ثم استفقت وذهبت للقصر.
عاد إلي رشدي في سريري وأمي بجانبه . ظننت أنني عشت كابوسا مرعبا وتمتمت :'' وهو غونتران؟...'' لكنهم أخبروني أن الأمر حدث فعلا.
'' لم أجرؤ على رؤيته مرة أخرى لكنني طلبت خصلة من شعره الأشقر وهاهي ...هاهي ''.
مدت المرأة العجوز يدها المرتجفة في حركة يائسة.
مسحت أنفها عدة مرات وعيونها وأضافت :'' وألغيت زواجي دون أن أذكر السبب ..و ..و بقيت أرملة ذلك الطفل الذي كان عمره ثلاثة عشرة عاما ''.
ثم أحنت رأسها على صدرها وبكيت بدموع متفكرة.
وهم يغادرون إلى غرفهم همس قناص بَدِين ،أَرْبَكَت القصة هدوءه ،في أذن جاره :'' أليس تعيسا أن نكون عاطفيين لهذا الحد ! ''.



* ترجمة نــصيرة تختوخ
- منتدى مطر
 
أعلى