الياس توفيق حميصي - طقـسُ امـرأةٍ مبلَّلـةٍ.!.

عفواً أيَّتُها المرأةُ المبلَّلةُ
لم أكنْ أعرفُ أنَّ الطَّقسَ باردٌ
وأنَّ الثِّيابَ الَّتي تمتصُّ جسدَكِ
قد تبخَّرَتْ.
لم أكنْ أعرفُ أنَّ المطرَ
قد مرَّ مِنْ صوبِ نهدَيْكِ
وطبعَ بضعَ قُبُلاتٍ على شعرِكِ.
عفواً أيَّتُها الأُنثى الخريفيَّةُ
أيقظتِ فيَّ تفاحاً
ورُمَّاناً ورُعوداً
وبُروقاً
وأنا على حافَّةِ النَّهرِ المُسرعِ
نحوَ وادٍ سحيق.
ماذا أستطيعُ أنْ أقطفَ منْ ثِمارِكِ
وقدْ ذابَتْ في سُكَّرِ الرُّخام.؟.
فمي يعزفُ ارتعاشاتِهِ المُضنيةَ
أنا الآخرُ بردانٌ
فاعذُريني.
اِسحبي منِّي
ما ادَّخرْتُ منْ حَطَبِ الشَّيبِ
ودعيني أجثُو على رُكبتَيَّ
لأرويَ رُوحيَ
منْ هذا الكوثرِ العذبِ.
قبليني :
ربَّما يُفيقُ في أدغالِ ذاكرتِي
طفلٌ شقيٌّ
أو يعتريني اليَباسُ
فأُحطِّمُ أغصانيَ الأخيرةَ
بينَ شفتَيْكِ .....!
...................
أعرفُ أنَّها الفرصةُ الأخيرةُ
كي نلتقيَ على أنفاسِ وقتٍ يَحْتَضِر.
أعرفُ أنَّ الزَّمانَ المريرَ يضُمُّنا.
وأشمُّ رائحةَ البنفسجِ في الهواءِ.
مَنْ أطلقَ كلَّ هذا الأريجِ
في رئةِ الفضاءِ ...؟
ليتني أملِكُ جَبَلَيْنِ في صدرِي
لأشُمَّ هذا العبيرَ
وأختنقَ ...!
أموتُ دفعةً واحدةً
على سريرِ سَرابٍ ...!
.................
أيَّتُها المرأةُ الَّتي لا تُشبهُ
ذاتَها.
لا تُحيطُ بها المَرايا
لا يُعانقُها زَهْرُ الحقولِ
ولا يُبَلِّلُها ماءُ البحارِ.
أيَّتُها المرأةُ المسنونةُ كالسَّيفِ
الرَّائعةُ
كَخَمْرَةِ النُّجومِ
الجميلةُ
كابتِهالِ الصَّوتِ في حُزْنِ مَوَّالٍ
البَهيَّةُ
كَحبَّةِ قمحٍ
النَّدِيَّةُ
كَبَشَرةِ رضيعٍ.
عانِقينِي ...!
واذهبي حيثُ يُريدُ الياسمينُ
هي مرَّةٌ أُخرى
ثمَّ أعودُ إلى فَراشتِي
أحضُنُها
أُغَطِّيها بِحُلُمٍ
وأنامُ ........!
...............
هذا صوتُ عندليبٍ
يفِرُّ مِنْ بينِ أصابعِي
وهذا نحيبُ خيالٍ
يمُرُّ قُربَ صمتِي
فَرَشَ الشِّتاءُ على الدُّنيا سريرَهُ
أبيضَ
رماديّاً
وأزرقَ باهِتاً
يَحْشُرُ رأسَهُ بينَ الغيومِ
ماذا تَرى يا برقُ
في الأُفقِ البعيدِ
حتَّى تُهرولَ خائفاً
مِنْ عَبْرَةٍ نبعاً تُفَتِّحُ في العُيونِ.؟.
مِنْ رَوْعِ طفلٍ
يشتهي ثدياً
وحلمةً تذوبُ في شفتَيْهِ
كيلا يَجوعَ ..!
أطفالُنا لنا...!
فَلْنشترِ لهمْ بِضْعَ حكاياتٍ
تلفُّ عناءَهُمْ
وشتاءَهُمْ
تُلغي ما بينَهُمْ
/ من حدودِ أسماءٍ/
/ وألقابٍ /
تُخّرِّبُ عالَماً
وتُدخِلُهُمْ في متاهاتِ الخرابِ
لِينهلُوا مِنْ دِفْءِ الحياةِ ثمارَهُ
ويَرحلُ طقسٌ
لا يخبزُ لهُمْ أرغفةً
أو يتركُ لهُمْ مَرْجاً لِيلعبُوا
أطفالُنــا لَنــا...!
نحنُ الَّذينَ نُعّذِّبُهُمْ
نُكوِّمُهُمْ في الزَّوايا كَالنِّعاجِ.
نحنُ الَّذين نُرضِعُهُمْ آثامَنا
خَطايانا
وذُنوبَنا
نحنُ الَّذينَ نقتُلُهُمْ
منذُ أَنْ تحضُنَ النُّطفةُ حَلْواها
في رَحِمٍ ذابلٍ
كشرنقةِ الموتِ البطيءِ...!
................
آهِ ..... ما كانَ أجملَ وجهَكِ يا أُمِّي .!
وأنتِ تبتسمينَ لِي
وكأنَّني هبطْتُ لِلتَّوِّ
مِنْ حُضْنِ " مريمَ "
في أيقونةٍ عَلَّقْتِها على الجِدارِ
مُقابلَ عُريِكِ.
أراكِ تلتهمينَ عيونِي
تُقّشِّرينَ أظافِري
تُعّمِّرينَ قامَتِي
بِطِينِ عينَيْكِ مُختنقاً فيهما
نَسْرُ الخلاصِ ...!
أَمَا كنْتِ تستحِقِّينَ
بعدَ هذا النُّواحِ
أَنْ تُقَبِّلي جبينَ طفلِكِ الوحيدِ
دونَ اشتعالِ المِلْحِ
في تُوتِ الوَداعِ ...؟
أَمَا كنْتِ تشتهينَ
أَنْ تُرتِّبي شَعْرَكَ
في يومِ عيدٍ كاذبٍ
مَرَّ كالبرقِ على طَبَقِ الغَداءِ
ثُمَّ استقرَّ في أَسِرَّتِنا
شَوْكاً وَحِرَاباً تُدَغدغُنا
تنهبُ في أحشائِنا
قَشَّ العَشاءِ ...؟!
كيفَ يُقْبِلُ الطِّفلُ على خرائِبِهِ
وهوَ يلعبُ بالوقتِ المسافرِ
بينَ الأصابعِ والمَدَى .؟!
وحدَها أمِّي
كانَتْ تُهَدِّئُ ياسميناتي
بجَرعةٍ مِنْ نَعناعِها
وكَرْمةٍ مِنْ شَعْرِها.
تعبَتْ ...
فاستراحَتْ
على غُصُونِ أَخَواتِي
أَخَواتِي الَّلواتي لا زِلْنَ يَغُصْنَ
في غَوْرِ كابوسٍ
ورجاءِ اقتلاعِ الشَّوكِ
مِنْ زَهْرِ العُيونِ ...!
...................
أبناؤُنــا لَنَــا...!
نعمْ .!
هُــمْ لَكُــمْ ...!
فاستفيقوا على قَفْرِ السُّكونِ
واستعدُّوا لِلغثيانِ
لِلمشهدِ القاتلِ
لأمواجٍ مِنَ الْعُهْرِ
تدفعُ قهرَها فيكُمْ ...!
هُــمْ وحدَهُــمْ ...
أبناؤُكُمْ يأتونَ في أوحالِكُمْ
يبتكرُونَ للكلامِ مَعانِيَ
لم تُدرِكُوها
ويلبَسُونَ الوقتَ أسمالاً
يُفَصِّلونَ الغضبَ نُعوشاً ...
أولادُكُم أعداؤُكُمْ ...
يا يسوعُ تَرَجَّلْ ...!
ما كتبْتَ بِالحِبرِ القديمِ
يغتسِلُ بهِ الحُكَماءُ
والأغنياءُ
والأباطرةُ الَّذينَ يُحدِّدُونَ لِلشَّمسِ
زاويةَ الشُّروقِ
وناحيةَ الغُروبِ ...!
أمَّا نحنُ الَّذينَ نُحِبُّ فيكَ السَّلامَ
فمَا عادَ لَنا
في هذهَ الدُّنيا نهارُ الحِنطةِ
أو ليلُ فُستُقِ العَبيدِ
أو فجرُ العصافيرِ التي هجرَتْ
وحملَتْ معها أحلامَنا
إلى وادي الرَّمادِ ...!
................
أيَّتُها المرأةُ المُبَلَّلَةُ
أعتذرُ :
لأَنِّي لمْ أعدْ قادراً
على تجفيفِ أنهارِكِ المُطَيَّبَةِ
ولم أعدْ قادراً على تحريرِ لسانِي
مِنْ مِسْكِ الكلامِ عنكِ.
بإمكانِكِ الآنَ أَنْ تقتليني
أنا عصيرُ حَبَّةٍ مِنَ العِنَبِ
أسبحُ في لُعابِكِ.
سامِحينِي ....!
.........................



اللاذقية في 14/12/2009


* عن موقع ألف


bee1.jpg
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
أعلى