محيي الدين اللاذقاني - حكايات الحب العذري منحولة والحقيقي منها لا يخلو من الاشارات الشهوانية

حين يأتي الحب يكون دوما مصحوبا برفيقتيه الشهوة والغيرة، وهذا الثلاثي العاطفي المتلازم إذا فرقته ضاعت معانيه جميعا بحيث يصبح الحب شيئا آخر مختلفا غير الذي نعرف وكذلك الامر مع رفيقتيه اللتين تلازمانه ملازمة الاوكسجين للماء.

واعرف سلفا انه من الصعب الحديث عن الحب العذري في عصر مشكوك في عذريته لكن ماذا افعل، وللقلم ـ أو للكومبيوتر ـ ورطات، فما ان نشرت بضعة سطور عن عدم ثقتي بوجود حب عذري بالطريقة التي يتناقلها رواتنا في العصور الاولى حتى حمل البريد والانترنت عشرات الاحتجاجات. ولدهشتي وجدت ان لبني عذرة حزبا قويا معاصرا كنت اظنه انقرض واندثر قبل روميو وجولييت.

رقية من عمان تقول: انتم الرجال تفسدون كل شيء وتشككون في كل شيء لأنكم حسيون لكن الحب العذري موجود والنساء تعرفنه اكثر من الرجال.

وأوشك ان أوافق على هذا التوجه ثم اتذكر ان الرجل ـ الشاعر طرف اساسي في هذه المعادلة وما دمنا نعترف بحسية طرف واحد ما المانع ان نمد التفسير المنطقي على الطريقة السقراطية: «كل إنسان حسي بالجينات جميل وبثينة انسانان إذاً هما حسيان».

وقد ذكرت هذين الاثنين لأنهما الاشهر في تراث الحب العذري، ولأن الدكتور محسن مصطفى الوهيبي اتعب نفسه وارسل مع احتجاجه على نفي ظاهرة العذرية في العشق العربي قصة جميلة عن عفة بثينة وجميل سأذكرها كاملة بعد ان أوضح ان نفي عذرية العشق لا يعني نفي ظاهرة العفاف فهناك عفيفات وعفيفون لكن ليس هناك من يحبون ولا يشتهون واذا وجدوا يصبح لعلاقاتهم اسماء أخرى فهناك حب الصداقة وحب الاخوة وحب الامومة وحب الجيران، لكننا نتحدث تحديدا عن عشق الذكر للأنثى والمرأة للرجل ففي هذه بالذات يصعب نفي الشهوة والحسية.

وحسب قصة الدكتور الوهيبي وكنت قد قرأتها ايضا في اغاني ابي الفرج ان امة لبثينة وشت بها الى ابيها واخيها وقالت لهما ان جميل عندها الليلة فأتياها مشتملين سيفين فرأياه جالسا يحدثها ويشكو لها الى ان قال يا بثينة: أرأيت ودي اياك وشغفي بك الا تجزينه؟ قالت بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين، فقالت: يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا عنه ولئن عاودت تعريضا ـ رجاء لا تنسوا نقطة الضاد ـ بريبة لا رأيت وجهي ابداً.

وتمضي الرواية فتؤكد ان جميل ضحك وقال: والله ما قلت لك هذا الا لاعلم ما عندك فيه ولو علمت انك تحبينني اليه لعلمت انك تحبين غيري ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي ولو اطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد أو ما سمعت قولي:

واني لأرضى من بثينة بالذي = لو ابصره الواشي لقرت بلابله
وبلا وبان ولا استطيع وبالمنى = وبالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي = أواخره لا نلتقي وأوائله

وعند هذا الحد قال أبو بثينة لأخيها: قم بنا فما ينبغي لنا بعد اليوم ان نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما.

وبلا زعل يا دكتور وهيبي هذه قصة اطفال وليست حكاية عشاق كبار وكل ما فيها يشي بالوضع والانتحال فكأن الابيات فصلت لأهل عشيقة ينتظران الاثبات على براءة الشرف الرفيع اما كيف صبروا كل ذلك الوقت وهم يستمعون فالأمر أغرب.

وفي سيرة جميل عشرات القصص عن اماء لا يشين بل يرتبن لقاء الحبيبين وبثينة ـ ما شاء الله عليها ـ كان عندها قبيلة كاملة من المساعدات على ترتيب مواعيد الغرام فغير الاماء والجواري هناك بنات خالتها ليلى ونجيا وأم الحسين وقد ابصرنه كما اسلفنا ذات قصة في خبائها وقد احتضنها ـ عذريا ـ ونام وطلع عليهما الفجر فلما احضر لها عبدها الحليب ورآها على تلك الحالة ذهب ليخبر زوجها لكن بنات الخالة ـ جزاهن الله كل خير ـ سارعن الى التصرف ولفلفة الفضيحة فأيقظن شاعر الحب العذري من النوم في العسل والبسنه ثياب نساء ليخرج من المضارب ونامت احداهن ـ لعلها أم الحسين ـ الى جانب بثينة وغطت وجهها، فلما جاء الزوج وكشف اللحاف وجد بثينة وابنة خالتها، فوبخ العبد، وطرده شر طردة. وهذه القصة وغيرها قد تكون من القليل الحقيقي الذي تجد فيه دوما الغازا ورموزا سرية وبعضه مفرط في شهوانيته، اما المنحول فمنحول مصفى من الشوائب الحسية.

مساكين هؤلاء العبيد ـ والله ـ فهم يشاهدون كل شيء في القصص الواقعي ويسكتون ولو نطقوا لتغيرت كل قصص الحب العذري بحليبها ومضاربها وقصائدها، لكنهم تعلموا الصمت من الذي جرى لأخيهم في العبودية سحيم عبد بني الحسحاس الذي نطق فأحرقه السادة اصحاب الشرف الرفيع وضربوا استه بعيدان العرفج، لكنه قبل ان يموت ترك قصيدة تشي بما يعرفه أولئك العبيد الذين لا يصدقون مثلنا بخرافة الحب العذري، ومن تلك القصيدة التي اوقدت نار نهايته:

فيا ليتني من غير بلوى تصيبني = أكون لأجمال ابن ايمن راعيا
وفي الشرط اني لا اباع وانهم = يقولون غبق يا عسيف العذاريا
فأسند كسلى بزها النوم ثوبها = الى الصدر والمملوك يلقى الملاقيا
توسدني كفا وتثني بمعصم = عليَّ وتحوي رجلها من ورائيا

وتقول السيدة هيفاء الناصري في رسالة على الانترنت: ما رأينا قبلك من ينكر هذه الظاهرة النبيلة في حياة العرب ولا من يعتبر العذرية ضعفا.

لا يا سيدتي قبلي كثر وأولهن سكينة بنت الحسين وهي من الناقدات البارعات ففي الأخبار انها اخرجت جرير من مجلسها وعابت عليه قوله:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا = حين الزيارة فارجعي بسلام

وقالت له: أفلا أخذت بيدها ورحبت بها وقلت لها ما يقال لمثلها انت عفيف وفيك ضعف.

هل تستطيعين يا سيدتي ان تخبرينا ماذا تريد صائدة القلوب من طرقها للشاعر آخر الليل؟ أللمسامرة...؟ أم المفاكهة..؟ أم الحديث عن أسعار بورصة نيويورك؟ أم لاستيفاء إيجار الخيمة أو الشقة قبل ان يهرب الشاعر في الصباح الباكر.

* معركة غير غرامية

* المفروض ان نستخدم عقولنا حين نقرأ، فما كل قصة وثيقة والمنحول في حكايات العشق العذري اضعاف الحقيقي الذي يحمل دوما سمات الحسية والشهوانية الواضحة. وجميل الذي فتحت قصته أبواب الانتقادات لم نره في مخدع بثينة فحسب وهو نائم وأهلها مستيقظون على باب الخباء، فنحن نراه في حكاية أخرى يضبط متلبسا بالجرم المشهود وهو مقابلة الحبيبة الممنوع من لقائها بأوامر سلطانية فلا يهرب ولا يختفي انما يطارد والد بثينة وشقيقها بالسيف. ففي واحدة من روايات الهيثم بن عدي نرى هذا الموقف الذي يصعب فهمه ايضا:

«طال مقام جميل بالشام ثم قدم وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها اليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه وواعدته في موضع يلتقيان فيه فسار اليها وحدثها طويلا واخبرها خبره بعدها وقد كان اهلها رصدوها فلما فقدوها تبعها اخوها وابوها حتى هجما عليهما فوثب جميل وانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب وهربا من المعركة غير الغرامية وناشدته بثينة الله الا انصرف وقالت له ان اقمت فضحتني ولعل الحي ان يلحقوك فأبى وقال انا مقيم وامضي انت، وليصنعوا ما احبوا فلم تزل تناشده حتى انصرف وهو ينشد:

وقفت بها حتى تجلت عمايتي = ومل الوقوف الأرحبي المنوق
تعز وان كانت عليك كريمة = لعلك من رق لبثينة تعتق

والقصيدة طويلة وادق ما فيها ربط الحب بالعبودية الاختيارية فالمحب عبد من أحب على حد تعبير شيخ المحبين ابن حزم الاندلسي والذي يزيد في عبوديته ليس العفة بل الشهوة المتجددة مثل ماء نهر يستحيل ان تسبح داخل مجراه في ذات الماء مرتين مع ان النهر يظل نفسه، وأجمل ما في الحكاية السابقة ان الحبيبة هي التي تبادر الى طلب اللقاء وهذا قليل في التراث العربي فالحبيبات سلبيات ينتظرن ويكن ردة الفعل وليس الفعل، لكن ها نحن نراها ونرى حبيبات اخريات غيرها كعزة وليلى الاخيلية يبادرن، وجميعهن من عاشقات عذرة الحقيقيات. وبالمناسبة فإن الحب العذري نسبة الى قبيلة عذرة ولا علاقة له بالعذرية والعفة حسب الاصطلاح اللغوي. اما حمولة المصطلح العفيفة فقد جاءت بعد دهر من تلك القصص الشيقة والشهوانية التي يقبل العقل بعضها ويشك في معظمها، خصوصا في القصة التي قدمها الدكتور الوهيبي عن شقيق وأب ينتظران ببرود وبلهنية خارج مخدع بثينة وهي داخله مع شخص غريب غير زوجها. هذه قصة قد تحصل في السويد أو الدنمارك في القرن العشرين وليس في القرن التاسع في قلب الجزيرة العربية.


William-Adolphe_Bouguereau_(1825-1905)_-_Souvenir_(1895).jpg
 
أعلى