محمود أمين العالم - النقد النفسي.. فرويديون بدون فرويد

قال لي بعض المثقفين في باريس إن هناك مدرسة جديدة في النقد الأدبي تستند إلى علم النفس التحليلي. وفي البداية لم أهتم بهذه المدرسة، ولم أفكر في البحث عن كتبها. قلت لنفسي: ماذا سوف تضيفه هذه المدرسة؟ لعلها امتداد لبعض محاولات سابقة في التفسير النفسي للأدب، ما أشد تعنتها بل ما أبعدها عن النقد الأدبي نفسه.
ما كنت أشك أبدًا في أن علم النفس التحليلي الذي ينتسب إلى فرويد أساسًا قد أضاء كثيرًا من جوانب الدراسات الأدبية والفنية، وأضاف كثيرًا من التحليلات الذكية إلى حياة النصوص الأدبية والفنية من ناحية وإلى حياة الأدباء والفنانين من ناحية أخرى. ولكن رغم إعجابي ببعض هذه التحليلات، فإني لا أؤمن بها، ولا أعتقد أنها ذات نفع كبير للنقد الأدبي أو الفني على السواء.
إننا نتذكر مثلاً الدراسة الشهيرة التي قام بها فرويد لحياة دافنشي، ونذكر تفسير إرنست جونز لمسرحية هاملت لشكسبير باعتبارها تصويرًا لعقدة أوديب، إلى غير ذلك من التفسيرات الفرويدية للأدب والفن.
إن هذه التفسيرات في أغلبها تنتهي دائمًا إلى حصر الأعمال الأدبية والفنية داخل العُقد والميكانزمات الباطنية التي فسر بها فرويد وتلاميذه الأعمال الخفية لحياة النفس الإنسانية.
ونتائج فرويد العلمية لم تعد على مستوى كاف من السلامة والدقة، فكيف نتخذها أساسًا لتفسير الأدب والفن.
وفضلاً عن هذا، فإن علم النفس التحليلي يجعل من النص الأدبي أو الفني مجرد وثيقة نفسية، يكشف فيها الخفايا والدقائق دون أن يحفل بما تتسم به من قيمة جمالية خالصة.
وليس هذا غضبًا من قيمة الدراسات النفسية للأدب والفن، أيًّا كانت طبيعة النتائج التي تصل إليها، وليس هذا تجاهلاً لتأثير علم النفس في كثير من أشكال الإبداع الأدبي والفني في تراثنا الإنساني والمعاصر، وإنما هو وقوف بهذه الدراسات النفسية عند حدودها الخاصة بها، أي حدود الدراسة النفسية ذاتها دون مطاولة الإبداع الأدبي والفني نفسه. وفي الثقافة الفرنسية عامة، محاولات جادة لدراسة الأدب والفن على ضوء نتائج علم النفس التحليلي. ولعلنا نذكر الكتاب الكلاسيكي الهام الذي أصدره شارل بودوان عن التحليل النفسي للفن عام 1929، ثم نذكر كذلك المدرسة السيريالية في الأدب والفن على السواء التي كانت إحدى التطبيقات الفرويدية هي هذين المجالين. إن البيان السيريالي الذي أصدره أندريه بريتون كان صدى لكل الاكتشافات الرهيبة التي أعلنها فرويد في عالم الأعماق اللاشعورية للإنسان.
ولعلنا نذكر كذلك الدراسات النفسية الفلسفية الجادة التي قام بها المفكر الفرنسي العظيم باشلار، مُطبقًا نتائج علم النفس التحليلي على الأعمال الأدبية والفنية كذلك.
وقد يُذكرنا هذا التراث الفرنسي بتراثنا العربي الحديث كذلك في هذا الشأن.
فهناك تلك الدراسة القديمة التي قام بها الأستاذ محمد خلف الله أحمد باسم "من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده". وهي دراسة رائدة بغير شك.
وهناك دراسات الأستاذ العقاد وخاصة دراسته لأبي نواس وتشخيصه له بأنه كان مصابًا بالنرجسية. وهناك مدرسة الأمناء التي اتخذت من نتائج علم النفس التحليلي كذلك وسيلة لدراسة كثير من النصوص الأدبية وتفسيرها. هناك الدراسة الجادة التي قام بها الأستاذ أمين الخولي لحياة أبي العلاء، وهناك منهج الأداء النفسي الذي طبقه الأستاذ أنور المعداوي على دراسته لشعر علي محمود طه.
وهناك الدراسة القيمة التي قام بها الدكتور عز الدين إسماعيل لبعض الأعمال الأدبية العربية والأوروبية على ضوء المذهب الفرويدي كذلك. وهناك أخيرًا هذا البحث العظيم الذي قام به الدكتور مصطفى سويف لتفسير عملية الإبداع الفني في الشعر خاصة، على أن هذا البحث الأخير ليس محاولة لتفسير النص الأدبي على ضوء نتائج علم النفس التحليلي، وإنما هو محاولة لكشف أسرار الإبداع الفني متذرعًا بالمنهج التجريبي في علم النفس عامة، وبالمنهج التكاملي بصفة خاصة.
ولعل هذا الكتاب أن يكون من أقيم الإضافات الفكرية إلى تراثنا الفكري المعاصر، ولا ينطبق عليه ما سبق أن قلته عن قيمة التفسير النفسي للأدب والفن، فهو دراسة تجريبية موضوعية تحدد معالم الحركة الداخلية لعملية الإبداع الأدبي. أما بقية الدراسات النفسية الأخرى، فمع احترامي الكامل لها، فإنها تخرج بالنقد الأدبي والفني على السواء من حدوده الجمالية وتجعله مجرد تفسير نفسي أو مجرد تشخيص طبي – لو صح التعبير – للأدب والفن. من أجل هذا لم أهتم في البداية عندما سمعت بأن هناك مدرسة في النقد الأدبي تستلهم الدراسات النفسية، على أني ما لبثت أن اطلعت على كتاب جديد لمفكر فرنسي معاصر هو شارل مورون يُعتبر من الدعائم الأساسية لهذه المدرسة، ومنذ البداية أحسست بشارل مورون يرد على كل اعتراضاتي السابقة على تطبيق علم النفس التحليلي للأدب والفن، ولكنه في الوقت نفسه يقدم منهجًا جديدًا "للنقد النفسي" كما يحب أن يسمي مدرسته.
إن هذا الكتاب الأخير ليس إلا ثمرة بحث علمي دؤوب يكاد يرجع إلى عام 1938، ويكاد ينمو وينضج خلال مجموعة كبيرة من الكتب للمؤلف نفسه.
وفي بداية كتابه الأخير، يؤكد شارل مورون أن دراسته هذه تستهدف أن تضاعف من معرفتنا بالأعمال الأدبية، وبأسرار تكوينها الخفي على أساس تجريبي خالص. ونتساءل معه: ماذا تعني التجربة في مجال الأعمال الأدبية والفنية؟ ويقول شارل مورون: إن جوهر الموقف التجريبي هو الحوار بين فكر يسأل ووقائع تجيب. ولهذا فهو يحيل الأعمال الأدبية إلى وقائع محددة، ثم ينهال عليها بأسئلته.
ولكن، كيف تصبح الأعمال الأدبية وقائع محددة؟ هذه هي القضية الكبيرة التي يجيب عنها شارل مورون في وضوح وحسم، ويؤسس بإجابته هذه كل دعائم مدرسته النقدية الجديدة.
ولنبدأ الموضوع من بدايته.
هناك ثلاثة مجالات أساسية يمكن منها دراسة الأعمال الأدبية والفنية. هناك أولاً البيئة الاجتماعية المحيطة بهذه الأعمال، وهناك ثانيًا شخصية الكاتب أو الفنان، وهناك ثالثًا اللغة أو أداة التعبير عامة. وشارل مورون يقتصر على المجال الثاني، مجال الكاتب أو الفنان دون بقية المجالين الآخرين، ولكنه يقتطع من هذا المجال نفسه جزءًا منه يعكف على دراسته، ذلك هو الشخصية اللاشعورية للكاتب أو الفنان.
إنه لا يهتم بالشخصية الشعورية الواعية، وإنما بالشخصية اللاشعورية غير الواعية. ولكن أين يجدها؟ داخل العمل الأدبي أو الفني نفسه. كيف؟ هذه هي القضية.
إن النقد الأدبي التقليدي يكتفي بالدوران حول ما فكر فيه الكاتب وما شعر به وما أراده، رافضًا أو عاجزًا عن أن يغوص في ما وراء ذلك. أما النقد النفسي الجديد فيجعل من اللاشعور منطقة عمله. ولكن، ما الفارق بينه وبين المدرسة النفسية التحليلية السابقة؟ ألا تعكف هي كذلك على البحث عن الأعمال الدفينة في ما وراء الشعور. نعم. إلا أن ما يحكم عملها ليس قواعد النقد الأدبي، ولكن قواعد التشخيص الطبي، إنها على حد تعبير شارل مورون تحليل نفسي طبي للعمل الأدبي. ومن واجبنا أن نكتشف تحليلاً نفسيًّا أدبيًّا للأعمال الأدبية. ولو استطعنا أن نفعل هذا، لأقمنا دعائم نقد جديد.
على أن النقد النفسي الجديد يبدأ بفرض علمي مستمد من علم النفس التحليلي، هو أن كل شخصية تتضمن عالمًا كاملاً غير مشعور به، غير مدرك، هذا العالم هو المصدر الفني للإبداع الأدبي. وهذا العالم هو المسؤول عن تشكيل العمل الأدبي على هذا النحو أو ذاك، ثم يأخذ في التنقيب عنها في النص الأدبي، فإن النقد النفسي الجديد يبدأ من النص الأدبي نفسه ويحاول ألا يخرج منه.
ولهذا فمهمة النقد الأدبي النفسي أن يكتشف هذا العالم الجريء في النص الأدبي نفسه. وهكذا يبدأ النقد النفسي الجديد رحلته لاكتشاف سر الأسرار. إنه يتجاهل تمامًا البيئة الخارجية للنص الأدبي ويبحث في النص نفسه عن كيميائه الداخلية إن صح التعبير، عن العناصر النفسية التي تكون الهيكل الأساسي لبناء العمل الأدبي. بهذا المنهج الجديد لا يفقد الأدب صفته الأدبية ويصبح مجرد مجموعة من الإرشادات الطبية كما كان الشأن في الدراسات النفسية التحليلية السابقة، بل يحتفظ بصفته كأدب خالص.
ولكن ما هي عناصر هذا المنهج؟ نقطة البداية عند مورون أن نجمع مختلف النصوص الأدبية لكاتب معين، وأن نقارن ونضاهي بعضها ببعض، بل نضعها فوق بعض، لنتبين من هذه المقارنة وهذه المضاهاة العناصر الثابتة بينها جميعًا، من صور أو ارتباطات أو استعارات.
إن اكتشافنا للعناصر والصور والاستعارات المتكررة، يضع أيدينا على شبكة من العلاقات الثابتة داخل الأعمال المتغيرة المتنوعة.
ومن هذه الشبكة نستطيع أن نواصل الطريق لتحديد معالم الشخصية اللاشعورية داخل العمل الأدبي. وهنا ننتقل إلى الخطوة الثانية وهي دراسة الأشكال المختلفة التي تتخذها العناصر والصور الثابتة في مختلف أعمال الكاتب، وفي متنوع المواقف الدرامية لهذه الأعمال. إذا كانت الخطوة الأولى قد أسهمت في تحديد تلك العناصر الثابتة في الأعمال الأدبية لكاتب من الكتاب، فإن الخطوة الثانية تسهم في تحديد معالم هذه العناصر في حركتها المتفاعلة النشطة داخل هذه الأعمال.
ومن هذه المعالم المتحركة النشطة نستطيع أن نرسم صورة للشخصية اللاشعورية للكاتب وهي ما يسميها شارل مورون بالأسطورة الشخصية.
وقد نستطيع بعد ذلك أن نختبر هذه الصورة وأن نتحقق منها بدراسة مقارنة أخيرة بينها وبين حياة الكاتب نفسه.
على أن هذه الدراسة الأخيرة ليست جوهر النقد النفسي الجديد، إنما جوهره هو رسم هذه الصورة اللاشعورية لشخصية الكاتب من العناصر الثابتة المتحركة في عمله الأدبي كله.
وبتعبير آخر أن منهج مدرسة النقد النفسي الجديد هو كشف الهياكل النفسية الأساسية للعمل الأدبي بكشف العلاقات والصور الثابتة، خلال حركتها المتنوعة في داخل العمل الأدبي نفسه.
ولعلي تعمدت أن استعين بكلمة "هياكل" في الفقرة السابقة. فلقد رأينا في مكان سابق تلك المدرسة الهيكلية التي تسعى لإقامة اتجاه نقدي جديد على أساس كشف الهياكل الداخلية في بناء العمل الأدبي. وهي هياكل شكلية – كما أشرنا من قبل – يغلب عليها الطابع اللغوي.
أما بالنسبة لمدرسة النقد النفسي الجديد، فنحن في الحقيقة لا نكاد نخرج من إطار تلك النزعة الهيكلية، اللهم إلا من حيث مادة هيكلها. إن المادة ليست العلاقات والصور اللغوية، بل العلاقات والصور النفسية. ولكن الهدف هو هو لم يتغير. إنه كشف المعمار الداخلي – اللغوي والنفسي – للعمل الأدبي.
وأذكر أنني قارنت في المقال السابق بين تلك المدرسة الهيكلية الشكلية المنطق والصورة. وفي اعتقادي أن المقارنة لا تزال صالحة بالنسبة لمدرسة النقد النفسي كذلك. وهي تقولها صراحة على لسان شارل مورون. إنه يؤكد أن النقد النفسي إنما يحدد الهياكل القائمة في النصوص الأدبية تمامًا كما يفعل المنطق والنحو وكما تفعل البلاغة في تحديدها للهياكل أو الأشكال المنطقية أو النحوية أو البلاغية. الخلاف كما ذكرت هو خلاف في مادة بالهياكل. أما المنهج والهدف فمتشابهان.
ولقد استطاع شارل مورون أن يصل إلى نتائج بالغة الذكاء والجدية بتطبيقه هذا المنهج على الأعمال الأدبية لمالارميه ونيرفال وراسين وكورني وموليير وبودليير وفاليري، وقد لا يسمح المقام هنا بعرض هذه النتائج، بل قد يكون من الأفضل أن أعرض لهذا المنهج مطبقًا على بعض أدبائنا العرب.
ولكن حسبي هذه المرة أن أقوم بهذا التعريف العام بمدرسة النقد النفسي الجديد في فرنسا.
والحقيقة أنه برغم ما تتسم به هذه المدرسة من موضوعية وذكاء في دراسة النصوص الأدبية، وبرغم احترامها للنصوص نفسها وحرصها على ذلك، فإنها لم تستطع أن تتخلى عن نتائج مدرسة التحليل النفسي الفرويدي. وتكاد هذه النتائج المشكوك في صحتها العلمية تكون أساسًا ثابتًا أو فروضًا عملية لمنهجها في البحث والدراسة.
ولهذا ينطبق عليها كذلك ما ينطبق على مدرسة التحليل النفسي من قصور.
على أنها من ناحية أخرى تكاد تعزل العمل الأدبي عزلة قاطعة عن بيئته الاجتماعية. ومن حقها بغير شك أن تبحث في العمل الأدبي عن ثوابته النفسية، ولكن من حق العمل الأدبي كذلك أن يسألها عن مصير الثوابت الاجتماعية في بنائه الداخلي.
إن العمل الأدبي إبداع فردي لا شك في ذلك أبدًا، ولكنه إلى جانب هذا نبتة في عصر، ومجتمع. أليس من حقنا أن نتبين أثر هذا العصر، وهذا المجتمع، في العمل الأدبي كذلك، حريصين كل الحرص على أن نحتفظ للعمل الأدبي بأدبيته في الوقت نفسه؟
هذه هي النقيصة التي لا تُغتفر لمدرسة النقد النفسي، رغم ما تغنى به النقد الأدبي المعاصر من نتائج قيمة ولكنها قاصرة.
على أن هذه النقيصة هي ما تسعى إلى تداركها مدرسة ثالثة للنقد الأدبي في فرنسا، هي مدرسة النقد الاجتماعي التي ستكون موضوع البحث التالي.
أعلى