1- "النبيذة" العنوان ، والفلسطيني النوراني اللامع
أول ما يلفت النظر في رواية إنعام كجه جي الصادرة في ٢٠١٧ - عدا لوحة الغلاف التي هي صورة مفترضة للنبيذة نفسها - هو العنوان " النبيذة " الذي تمحورت الرواية كلها حوله وتعلقت به وشكل تساؤلا تطلب إجابة ؟
يرد ذكر هذا الدال تارة ذكرا عابرا وطورا ذكرا فيه توضيح معناه في صفحات عديدة هي ١٨٠ / ٢٤٩ / ٢٥٨ / ٣٠٢ / ٣٠٨ .
وحين يؤتى على ذكر إحدى للشخصيات الرئيسة في الرواية وهي تاجي عبد المجيد التي تعددت أسماؤها /تاج الملوك / مارتين شامبيون / السيدة شامبيون نقرأ أنها " ظلت العصية والنبيذة وعلامة الاستفهام . لم تجد مستقرا في أي بلد". وحين يبحث منصور في معنى النبيذة يجده ويكتب الآتي :
" أمسك القلم وأتردد . "نبيذ " وأتأمل المفردة .أضيف إليها تاء التأنيث "نبيذة " .أخطف معطفي وأذهب إلى بيت جارنا الخوري.خطواتي تنطبع في الثلج، أطلب معجما وأجلس قرب نار الموقد. أحب هذه المقاعد الواطئة من الخيزران والأرجل الخشب ، بلا ظهر ولا مسندين. أبحث عن الفعل الثلاثي: "نبذ الشيءنبذا ، وأنبذه وانتبذه، طرحه أمامه أو وراءه، فهو منبوذ ونبيذ، والنبيذ: غليان العصير . والعامة تخص النبيذ بالخمر وليس بصحيح، وانتبذ: جلس ناحية. والمنبذة الوسادة والأنباذ الأوباش " .أغلق معجم "أحكام الإعراب في لغة الأعراب ".
وحين تستقر تاجي في باريس مع طفلتها التي أنجبتها في لحظة حب عابرة مع أمير إيراني
" تؤمن بأن المسيحي الحق هو من يفتح بيته للمنبوذين " .
وحين تتم المقارنة بين تاجي ووديان الملاح نعرف أن " جنازة وطنية رمت بالأولى خارج الحدود وحفلة تنكرية طردت الثانية من جنة السماع. لا أدري من منا النبيذة . ولا من القادرة على تحدي زمنها " .
أقامت وديان مع تاجي في باريس في الشقة التي ورثتها الأخيرة من زوجها الضابط الفرنسي وكانت " تعرف أنها لن تتخلى عن العجوز، أمها في الغربة. والدتها التي لم تلدها. لم تكن جاحدة ولا انضمت إلى قائمة النابذين ".
وإذا ما ربطنا بين قصة تاجي في حملها غير الشرعي وخروجها من إيران والعراق واستقرارها في باريس مع طفلتها الأشبه باللقيطة ، بما ورد عن مريم في القرآن الكريم ( فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ) و ( فنفخنا فيه من روحنا بغلام فحملته فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قلنا بقدر من الاطمئنان إن النبيذة في المقام الأول هي تاجي .
وتاجي بإيجاز هي فتاة عاشت مع أمها وزوج أمها الايرانيين ، بعد أن تخلى أبوها عنها وهي طفلة ، ولما تزوجت أمها من عراقي وكبرت خافت الأم على ابنتها من الزوج، فأرسلتها لتعمل خادمة في بيت طبيبة، وهناك استغلها أخو الطبيبة وعلمها وصارت صحفية. كان هذا في العهد الملكي في ٤٠ ق ٢٠ .
وأما وديان الملاح فهي شابة تدرس الموسيقى وتعاني من صمم جزئي وتقع ضحية العهد الجمهوري وابن الحاكم المستبد الذي يعذبها بسادية ، فتفقد سمعها بالكامل، ويحدث أن تسافر إلى باريس لتدرس الموسيقى وتظل هناك ، وهناك تقيم مع تاجي تخدمها وتغدو لها مثل ابنتها.
الفلسطيني :
كتب عن الرواية مقالات كثيرة أتت على الشخصيتين السابقتين، وهناك شخصية ثالثة هي منصور البادي المقدسي الفلسطيني الذي تعرف إلى تاجي حيث عملا معا في كراتشي، في العامين ١٩٤٩و١٩٥٠، في إذاعة تنطق بالعربية .
كانت تاجي تكبر منصور بسنوات وكانت " قنبلة جنسية " أقامت علاقات عديدة مع أشخاص عديدين ولكنها أحبت الفلسطيني وأحبها دون أن يتصارحا ، وكان أن أنهي عملهما مع مصريين آخرين من الإذاعة، فغادرا كراتشي وسار كل في اتجاه. وظلا يحملان لبعضهما مشاعر حب آملين أن يلتقيا ذات نهار .
ولد منصور البادي في القدس في أواخر ٢٠ ق ٢٠ وكان الذكر الوحيد بين خمسة إخوة ، ولما حدثت نكبة ١٩٤٨ هاجرت العائلة إلى لبنان حيث استقرت هناك .
في أثناء عمله مع تاجي يقعان معا في الحب دون أن يتفاتحا في موضوعه .
تاجي التي أقامت علاقات عديدة مع أشخاص عديدين ترى في منصور البادي شخصا مختلفا:
" تتأمله وهو يقرأ بصوته الرخيم أمام الميكروفون، وسيم دون أن يتوافق وذوقها في عشاقها...نحيل بالغ التهذيب.. يصغرها بحفنة أعوام، لكن شيئا ما يشدها إليه. تطمئن لصحبته. الوحيد الذي لا يغازلها. لا يرمي لها كلمات ترميها، بدورها، في كيس التأوهات الملقى وراء ظهرها .
أما هذا الولد الطري ، زميلها الفلسطيني، فلا أكثر من أن يسمعها تغني. لهجتها العراقية تفعل فيه المفاعيل ...
أدركت أنه مغرم وممسوس ،جاهز للاحتراق مثل عود كبريت .ولم ترق له وتتجاوب،بل أحست بإشفاق. خافت عليه من غوايتها. كان صغير السن ونقيا وابن أوادم. ولم تكن تنوي تلويثه. لن تضيفه إلى ضحاياها. فلتبق البريء على براءته" ويبقى منصور حبها الذي يعيش معها طيلة حياتها التي بلغت التسعين .
الفلسطيني في الرواية يذكرنا بفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا في رواياته العديدة، ولا أدري إن كانت الروائية وهي تكتب عن منصور تمثلت جبرا الذي كان وجها من وجوه بغداد الثقافية. إن منصور يتشابه مع جبرا وإن لم يتطابق معه تطابقا كليا ، ويتشابه أيضا مع أبطال جبرا الذين خلقهم على صورته؛ جميل فران ووديع عساف ووليد مسعود .
منصور مثقف فلسطيني يتبت جدارته في عمله وقد أخذته نكبة ١٩٤٨ بعيدا عن مدينته القدس. سافر إلى بغداد ومنها إلى كراتشي واستقر به المقام في فنزويلا أستاذا جامعيا لامعا وكاتبا متميزا غدا مقربا من الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز. وتظل القدس وجهته الأولى وحين يغدو سفيرا لفنزويلا يفكر في زيارتها ولكنه يرفض أن يختم جواز سفره بالختم الإسرائيلي.
الفلسطيني هنا يبدو مختلفا عن الفلسطيني في بعض الروايات العربية التي رشحت لبوكر جائزة الرواية العربية العالمية، مثل رواية المصري ناصر عراق "العاطل "(انظر مقالي في الأيام الفلسطينية ٢٦شباط ٢٠١٢) .في "العاطل "يبدو الفلسطيني متعصبا ومكروها وغير محتمل ، بخلاف ما يبدو في "النبيذة".إن انعام كجه جي تعيد الاعتبار للفلسطيني وتواصل رسم صورة إيجابية له في زمن يقسو عليه فيه كثيرون .
وعموما فإن الرواية تشدك إليها وهي آسرة مشوقة ممتعة تحفل بأبعادتاريخية تثقفك، رغم بعض الهنات والأخطاء القليلة جدا التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
الجمعة والسبت ٨و٩ / ١١ / ٢٠١٩
***
2- طشاري.. تفرقوا أيدي سبأ: قسوة المنفى
"طشاري" هي رواية الروائية العراقية (إنعام كجه جي) التي قرأنا لها من قبل رواية "الحفيدة الأمريكية" التي كانت، مثل "طشاري"، على القائمة القصيرة أيضاً لجائزة بوكر الإماراتية العربية العالمية للرواية، ومن يدري فقد ترشحها لجنة الرواية للفوز بالمرتبة الأولى، وما علينا إلا الانتظار!!
وتصدر الكاتبة روايتها في سطر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب الذي مات في الكويت وعبر عن قسوة المنفى في 50 و60 ق20، أسطره التي وردت في قصيدته "غريب على الخليج"، الجزء المتمم لقصيدة "أنشودة المطر"، كما ذهب د. إحسان عباس في كتابه "بدر شاكر السياب: حياته وشعره"، والأسطر هي:
"لو جئت في البلد الغريب إليّ
ما كمل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يديّ
هو اللقاء"
وليس هذا التصدير مجرد تزيين، فهو ما يتوصل إليه شخوص الرواية بعضهم، بعد تجربة المنفى، وإذا كانت نهاية الرواية هي خلاصتها وزبدتها في أحايين كثيرة، فإنها هنا كذلك، وما تقوله النهاية هي ما قالته أسطر السياب: اللقاء لا يكتمل إلاّ في العراق. وما بين نهاية 50 ق20، زمن كتابة السياب قصيدته، وبداية العقد الثاني من ق20، جرت مياه كثيرة في نهري دجلة والفرات، وألمّ بأهل العراق ما ألمّ، ولئن كانت غربة السياب غربة فردية، أو تعبر عن غربة بضع مئات من العراقيين في حينه، فإن ما تكتب عنه إنعام كجه جي يتشابه مع ما كتبه السياب ويختلف؛ يتشابه في الخط العام، ويختلف في أنه يعبر عن غربة ملايين العراقيين، الغربة التي بدأت تتكاثر منذ نهاية 70 ق20، وبلغت ذروتها ومأساتها منذ احتلال الأميركان العراق.
هكذا لا يمكن قراءة نهاية الرواية دون ربطها بأسطر السياب، إن الساردة، ساردة الرواية التي نعرف عنها معلومات لا بأس بها، تتوصل إلى ما توصل إليه، فتقول: "أما أنا فإن الشوق إلى بغداد يجلدني كل يوم وينفذ فيّ حد الهجر والنكران. فارقتها ولم أشبع منها، أحلى البلاد وموطن الحب الأول، (ص243).
والساردة هي صحافية وشاعرة، قرأت جبران خليل جبران وتأثرت به (193) وقد غادرت العراق، زمن حكم صدام، واستقرت أخيراً في باريس. تزوجت وأنجبت اسكندر الذي حمل اسم أخيها اسكندر الذي توفي طفلاً، وقد أراد والده إحياء اسمه، لكنه رزق بالساردة، فقررت هذه أن تحيي الاسم، وهذا ما كان.
وعندما يحتل الأميركان بغداد، وتسوء أحوال العراق أكثر وأكثر، تهاجر عمتها وردية اسكندر، وهي في الثمانين، طالبة اللجوء إلى باريس.
"طشاري" العنوان يتضح كلما قرأ المرء صفحات من الرواية وتقدم في قراءتها، والصفحات التي تضيء العنوان أكثر وأكثر هي (17، 85، 90، 149، 127، 151، 159، 234، 248)، وتعني طشاري، كما يرد في ص90، تفرقوا أيدي سبأ، والساردة الصحافية، وهي شاعرة، لها ديوان شعر مخطوط عنوانه طشاري، ما يدفعنا إلى القول إن الساردة لا تختلف كثيراً عن الروائية الكاتبة إنعام.
اسكندر ابن الساردة حين يفتح الكمبيوتر "ويدخل على فيس بوك يجد أبناء الأعمام والأخوال مصفوفين مع صورهم وآخر أخبارهم، يطاردونه ويهيلون عليه عواطفهم الحارة. واحد في سياتل، واثنان في اوكلاند، وواحدة في جرمانا، وعشرة في ديترويت، ما الذي طيرهم إلى هناك؟"(ص85).
وكما ذكرت، فإن للساردة ديوان شعر عنوانه طشاري، وهو يعني بالعربي الفصيح "تفرقوا أيدي سبأ" يعني "تطشروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات" (90)، وحين يسأل اسكندر أمه: هل تكتبين أشعاراً عن الأسلحة والرصاص؟ تجيبه: "ـ إنهم أهلي الذين تفرقوا في بلاد العالم مثل الطلق الطشاري". (ص90) وتردد وهي تنوس في جلستها "طشّاري ماله والي" ويتهدج صوتها، لكنها تتماسك وتضحك لكي لا تبكي.
لم يعد العراقيون يدفنون في العراق، واسكندر ابن الساردة، يحاول أن ينشئ، إلكترونياً، مقبرة إلكترونية تضم مقابر العراقيين التي توزعت على منافيهم.
ولقد وجد أهله في مقبرة العراقيين الإلكترونية حلاً سحرياً ولطيفاً لمواجهة الشتات. "هؤلاء مثلي أصغر مني لكنهم يعيشون حسرة طير اليباديد الذي جعل قبور آبائهم وأهاليهم شذر مذر. طلقة طشارية في بلاد الله الواسعة". (ص159).
الأميركان الذين زعموا أنهم يريدون تحرير العراق من الدكتاتور خربوا البلد كله، فلم يعد أحد يأمن على حياته هناك، وتشتد الريح الصفراء، وتبرز المذهبية "قل لي ما هو مذهبك أقل لك من أنت؟" وتجري الأيام وتبدأ الاغتيالات في العيادات وأمام البيوت. يفر الأطباء من البلد ليعملوا في الأردن وليبيا والخليج وكندا وبريطانيا" (ص248) وتحكي الساردة قصة عائلتها، ويغدو العراقي الجيد هو المهاجر الجيد، وليت الأمر يقتصر على هذا." يولد العراقيون فرادى ويموتون جماعات. حتى الزعيم الأوحد وجد من يخلفه ويتناسل مع أسطورته فظهر زعماء متعددون وأوحدون كثرة".(ص249)
وكما ذكرت فإن نهاية الرواية يقول لنا ما تقوله الرواية. إن النهاية هي الخلاصة وزبدة القول". كل شيء بالجملة. الأحزاب والطوائف والتفخيخات وأفراد حراسة المسؤولين. سرقات بالمليارات لا بالملايين. وحتى الدكتاتور صار دكاترة ـ أي دكتاتوريين ـ بالجملة" (ص250) وتنهي الساردة الرواية بالسطرين: "بلد قد ضربته لعنة الفرقة فمسخته وحشاً. تصلي له فلا تستجيب السماء. سماؤها الطيبة الحنون التي لم ترد لها يوماً طلباً. أمَا يشبعون من الدم؟" (ص251).
والرواية تقع في 251 صفحة، والساردة تروي قصة عمتها وعائلتها وما آلت إليه. وردية اسكندر هي شابة عراقية مسيحية من الموصل تدرس الطب في بغداد ثم تعمل في الديوانية في مشفى النساء. تعمل وتظل تعمل، وتولّد المسيحيات والمسلمات، السنة والشيعة، وتغدو معروفة للجميع، فقد ولدت آلاف النساء، وكانت مسيحية متدينة تؤمن بالله، وهذا لم يجعل منها عراقية متعصبة، فهي أقامت علاقات اجتماعية مع شيعة وسنة، وحضرت احتفالاتهم الدينية ورددت مع المحتفلين أغانيهم وكلماتهم، ولقد كان هؤلاء عراقيين، حتى بعض اليهود آثروا البقاء في العراق في 50 ق20، على الرغم من إسقاط الجنسية عنهم. كيف يمكن أن يهاجروا من وطن الآباء والأجداد، ولم يشعر هؤلاء في الديوانية أنهم غير عراقيين، حتى وإن غدوا بلا جنسية عراقية، ولم يكن العراقيون الآخرون، مسلمين ومسيحيين، لينبذوهم، وعلى العكس فقد تعاطفوا معهم، ولم يخرب العراق إلاّ منذ خمسين عاماً، تريد وردية اسكندر أن تشطبها من حياتها، فلقد بلغت الثمانين عاماً، وفي الثمانين وجدت نفسها تهاجر لتغدو لاجئة عراقية في باريس.
مكان الرواية هو قصيدة دائرية الشكل. تبدأ بقصة هجرة د. وردية اسكندر وتنتهي أيضاً بهجرتها. يريد الرئيس الفرنسي أن يجتمع باللاجئين العراقيين، وتكون هي واحدة منهم.
قبل أن تهاجر د. وردية أرادت أن تصفع الجهلة والقساة في العراق الذين أخذوا يتلوثون، فما هكذا نزلوا من الأرحام.. ما هكذا! ولكنها تتعب من آهات التمني ويتراخى عنادها وتذعن لنداء أولادها وتقر بأن لا شيء بات يغريها بمواصلة العيش في مكان لم يعد منها ولم تعد منه (250). هي التي كانت طبيبة متحررة وارتدت ملابس افرنجية في شبابها، يطلب منها وهي في الثمانينيات أن تستر شعرها. وهكذا يبدأ الحنين إلى ماضي العراق قبل خمسين سنة من العام 2007. في ص170/171 أمام قسوة الحاضر والطائفية يبرز الماضي الجميل "إن الأمور لم تكن كذلك في السابق، تعيد عليه معزوفة أنهم كانوا جميعاً، إخوة وأحباباً وأبناء وطن واحد".
يحاول أن يقتنع بما تقول وهي تروي له كيف كانت، وهي المؤمنة بيسوع، وبشفاعة مريم، تحضر القرايات على الحسين في عاشوراء".
و"طشاري" مثل روايات كثيرة في هذا الجانب، مثل رواية جبور الدويهي "شريد المنازل" ـ رواية لبنانية ـ أو مثل رواية العراقي سنان انطون "يا مريم"، ومثل رواية السوري خالد خليفة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"، كلها روايات تحفل ببسمة الحنين إلى الماضي، أو مرض الحنين إلى الماضي، حيث كان النسيج الاجتماعي في بلدان الروائيين أكثر تماسكاً وتلاحماً، ثم جاء الدكتاتور وجاءت الطائفية وجاءت أميركا فصرنا طشاري.
أ. د. عادل الأسطة
2014-03-16
***
3- الحفيدة الأمريكية: هل جنى الاحتلال على اللغة؟
السؤال الذي يثيره "قارئ رواية" الحفيدة الأمريكية" (2009) لأنعام كجه جي، وهو من ضمن أسئلة بالتأكيد، هو: هل جنى الاحتلال الأمريكي للعراق على اللغة العربية؟
كنت في الأسبوع الماضي توقفت أمام الروايات الفلسطينية ولغتها، وأتيت على رواية عزمي بشارة "حب في منطقة الظل" (2005) باعتبارها نموذجاً مختلفاً عن روايات فلسطينية صدرت قبلها، روايات لم يبرز فيها تعدد لغوي، إلا ما ندر، علماً أن الواقع في فلسطين، منذ 1882 بدأ يشهد تعدداً لغوياً انعكس أبرز ما انعكس في رواية بشارة المذكورة. هل كان حال الرواية العراقية حال الرواية الفلسطينية ثم اختلف كما اختلف حال الرواية الفلسطينية؟
لا أدري كم عدد الروايات العراقية التي صدرت منذ صعود فن الرواية حتى 2003، عام احتلال العراق. وربما تكون قراءاتي لها قليلة. وربما تكون ذاكرتي، هنا، أقل توقداً منها وأنا أكتب عن الرواية الفلسطينية، فقد أنجزت عن الأخيرة دراسات ومقالات، وقد درّستها أيضاً، خلافاً للرواية العراقية التي لم أدرّسها ولم أكتب عنها إلا ما ندر.
أتذكر عبد الرحمن منيف وغائب طعمة فرمان، ومؤخراً علي بدر "مصابيح أورشليم" و"بابا سارتر" وبتول الخضري "كم بدت السماء قريبة"، والروايات الأخيرة صدرت بعد الاحتلال، فلاحظنا في بعضها تعدداً لغوياً لم نلحظه في بعضها الآخر. إن عددنا منيفاً ضمن الرواية العراقية، فيمكن القول إنه، باستثناء "مدن الملح" و"أرض السواد"، فقد كان يدخل لغة شخوصه في مياه نهر (ليثي). ولم أقرأ لغائب طعمة فرمان إلا رواية "آلام السيد معروف" التي ذكرتني برواية إميل حبيبي "المتشائل"، فبطلها، مثل بطل "المتشائل" يتلاعب باللغة ويميل إلى التغابي. وسأقول إن روايتي علي بدر المذكورتين تعودان بنا إلى زمان مختلف: بغداد في 60 ق 20، والقدس كما بدت في روايات روائيين عبريين، بخاصة في قسمها الثاني المغاير لقسميها الأول والثالث، فقسمها الأول يذكرنا بروايات جبرا إبراهيم جبرا الفلسطيني المقيم، في أثناء حياته، في العراق؟ جبرا الذي، مثله مثل منيف، كان يدخل لغة شخوصه كلهم، فيما أذكر، في مياه نهر (ليثي)، فيغلب على لغته مستوى واحد هو العربية الفصيحة الرصينة. أما رواية بتول الخضري فهي نموذج ربما يمكن دراسته تحت عنوان "الاحتكاك الحضاري وانعكاسه على اللغة: العيش في بيئتين مختلفتين لغوياً، ذلك أن بطليها عراقي وإنجليزية، وقد أنجبا طفلة أخذت تتعلم اللغتين معاً.
"الحفيدة الأمريكية" هي الرواية الوحيدة بين روايات الروائيين المذكورة أسماؤهم التي يجري زمنها الروائي في العراق- وفي أمريكا من خلال الذكريات - إبان الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003.
كان بعض العراقيين، إبان حكم صدام، هاجروا من العراق هرباً من البطش، ووالد زينة "الحفيدة الأمريكية" كان واحداً من هؤلاء، فقد نجا من سجن محقق، إن لم يكن من قتل محقق. احتج، هو المذيع الذي يجيد اللغة العربية ويعشقها، احتج على نشرة الأخبار في التلفاز العراقي، احتج على طولها وإعادتها مراراً، فوشى به أحد زملائه، وهكذا اعتقل وعذب وكادوا يقطعون له لسانه، وهكذا دبر له أحد أصدقائه وسيلة للهروب، لينفد بجلده، وسافر إلى أمريكا وسافرت معه ابنته زينة، زينة التي عشقت اللغة العربية وأحبتها، فقد كان والدها يعلمها اللغة العربية من خلال نصوص الأدباء العرب القدامى، وكانا غالباً ما يتباريان في الشعر. يقول أحدهما شطراً من بيت فيتمه الثاني، أو يقول أحدهما بيتاً فيأتي الآخر ببيت يبدأ بالحرف الذي انتهى فيه البيت الثاني السابق.
لماذا إذن لم تقرأ لغة عربية ذات مستوى واحد في الرواية؟ لماذا تبدو اللغة في الرؤية مطابقةً لما هي عليه في الواقع؟ لماذا تبدو الفصيحة إلى جانب العامية إلى جانب الإنجليزية، وربما قرأنا مفردات تركية؟
تحفل الرواية بشخوص مختلفين ثقافةً وتعلماً ولغةً، فهناك الذي / التي يعشق العربية، لأنه تعلمها في الجامعة أو من خلال النصوص، وهناك الجدة التي تتعلم العامية، العامية التي تجري على لسانها في البيت والشارع، وهناك الأمريكي الذي غالباً ما تدخل زينة / والمؤلفة الضمنية، لغته في مياه نهر (ليثي)، فتأتي عباراته عربية فصيحة، وهناك العربي/ة الذي يتكلم العربية الفصيحة، والعامية العراقية، والإنجليزية أيضاً. خليط من البشر وخليط من الألسنة، مهاجرون عراقيون في أمريكا يتكلمون باللغتين، في المنزل العربية الراقية مع بعض مفردات من اللهجة العراقية، وفي الجامعة ومع الصديق الأمريكي (كالفن) الإنجليزية. وأمريكان في العراق منهم من لا يعرف العربية إلا عبارات قليلة، ومنهم من هو عربي أصلاً أتقن لغته في بلاده ثم هاجر إلى أمريكا، وعاد إلى بلاده مع الجيش الأمريكي، ليعمل، وقد أغرته الدولارات راتباً، ليعمل مترجماً. وهكذا تحفل الرواية بمستويات لغوية عديدة، باللغتين العربية والإنجليزية.
ما إن انتهيت من قراءة الرواية، للمرة الثانية، حتى فكّرت بأمر لغتها، علماً أنني التفت إلى هذا الجانب في أثناء قراءتي الأولى. إن اللغة في الرواية أثر من آثار العولمة والاحتلال والهجرات أيضاً. وسأثير أسئلة عديدة أبرزها:
كم مفردة أجنبية في الرواية؟
كم عبارة إنجليزية بحروف إنجليزية؟
كم عبارة إنجليزية بحروف عربية؟
كم عبارة باللهجة العراقية؟
كم عبارة شرحت على لسان قائلها / ساردها؟
كم مفردة قرأتها غير مرة ولم أعرف معناها؟
كم نسبة هذه المفردات إلى مفردات الرواية؟
ما تأثير منشأ السارد / الشخصية على لغته؟ وما مدى إتقانه / ا لها.
وما هي مبررات هذا التعدد اللغوي؟ هل هو أصلاً مبرر فنياً أم غير مبرر؟
هل يعرف (كالفن) الأمريكي، صاحب زينة العراقية، العربية؟ ولماذا ترد عباراته بالفصيحة؟ لماذا لم ترد بالإنجليزية، فتترجمها الحفيدة الأمريكية المترجمة مهنةً؟
وسأتساءل أيضاً: أين إذن ما يقال عن الصدق الفني الذي روّج له الكتاب الذين كانت لغة شخوصهم في رواياتهم وقصصهم مطابقة للغتهم في الواقع؟ ينطقون الأمريكي الذي لا يعرف العربية بعربية فصيحة، في حين ينطقون شخوص وطنهم من العامة بعامية عراقية؟ يراعون الصدق الفني في جانب، ولا يراعونه من جانب آخر؟
تبدو لغة زينة، كما ذكرت، مبررة، حين تتكلم العربية الفصيحة الجزلة وحين تتكلم اللهجة، وحين يرد على لسانها بعض عبارات إنجليزية، أو بعض مفردات إنجليزية، ويراعى هنا الصدق الفني، لكن ماذا عن لغة الضباط الأمريكان ولغة (كالفن).
هل أفسد الاحتلال الأمريكي اللغة العربية؟ سؤال يثيره قارئ هذه الرواية إذا كان لا يستسيغ اللهجات أو اختلاط اللغات في نص أدبي، خلافاً للقارئ الذي يميل إلى تنظيرات (ميخائيل باختين) حول لغة الشعر ولغة النثر، وحول التعدد اللساني في اللغة الثانية: النثر. لنلحظ العبارات التالية على سبيل المثال:
يعني ممن تأخذين راتبك يا بنتي؟ من بوش لو من كوفي عنان؟ (ص71)
شلون عين؟... فقرة وتكتب! (ص87).
بعد (الثانكس كيفنج) بفترة قصيرة حل عيد الميلاد العام 2003. (ص 86)
والله وقمنا نضغط من جـجـح كبيغي. (ص73)
كان عشاؤنا في المعسكر shit بمعنى الكلمة، طعاماً ناشفاً معبأ في أكياس. (ص 98). يا ما أحلى أكياس "الشيت" (99)
أما زعاطيط هذه الأيام فهم لا يزعجونني لأن مهيمن أوصى جماعته بي. (ص 118)
اعتبروها "فانتاستيك" "أميزينغ" حكاية للتسلية قبل النوم. (ص121)
مولدة. ماكو كهرباء. ماكو ماي. ازدحام. مفخخة، حرامي. 20 لتر. ثلاثة دفاتر. حصة. عركة. مات انخطف. فلت. اغتيال. إيراني. دستور. واوي. بنزين. علاس. صولاع. مخموط... هاون. بريمر. أمريكان. تحشيش. ماكو شبكة. كلاوات. فدرالية..." (ص 124).
ترى هل أفسد الاحتلال الأمريكي العربية، كما أفسد أشياء كثيرة؟.
عادل الأسطة
2011-12-11
***
أول ما يلفت النظر في رواية إنعام كجه جي الصادرة في ٢٠١٧ - عدا لوحة الغلاف التي هي صورة مفترضة للنبيذة نفسها - هو العنوان " النبيذة " الذي تمحورت الرواية كلها حوله وتعلقت به وشكل تساؤلا تطلب إجابة ؟
يرد ذكر هذا الدال تارة ذكرا عابرا وطورا ذكرا فيه توضيح معناه في صفحات عديدة هي ١٨٠ / ٢٤٩ / ٢٥٨ / ٣٠٢ / ٣٠٨ .
وحين يؤتى على ذكر إحدى للشخصيات الرئيسة في الرواية وهي تاجي عبد المجيد التي تعددت أسماؤها /تاج الملوك / مارتين شامبيون / السيدة شامبيون نقرأ أنها " ظلت العصية والنبيذة وعلامة الاستفهام . لم تجد مستقرا في أي بلد". وحين يبحث منصور في معنى النبيذة يجده ويكتب الآتي :
" أمسك القلم وأتردد . "نبيذ " وأتأمل المفردة .أضيف إليها تاء التأنيث "نبيذة " .أخطف معطفي وأذهب إلى بيت جارنا الخوري.خطواتي تنطبع في الثلج، أطلب معجما وأجلس قرب نار الموقد. أحب هذه المقاعد الواطئة من الخيزران والأرجل الخشب ، بلا ظهر ولا مسندين. أبحث عن الفعل الثلاثي: "نبذ الشيءنبذا ، وأنبذه وانتبذه، طرحه أمامه أو وراءه، فهو منبوذ ونبيذ، والنبيذ: غليان العصير . والعامة تخص النبيذ بالخمر وليس بصحيح، وانتبذ: جلس ناحية. والمنبذة الوسادة والأنباذ الأوباش " .أغلق معجم "أحكام الإعراب في لغة الأعراب ".
وحين تستقر تاجي في باريس مع طفلتها التي أنجبتها في لحظة حب عابرة مع أمير إيراني
" تؤمن بأن المسيحي الحق هو من يفتح بيته للمنبوذين " .
وحين تتم المقارنة بين تاجي ووديان الملاح نعرف أن " جنازة وطنية رمت بالأولى خارج الحدود وحفلة تنكرية طردت الثانية من جنة السماع. لا أدري من منا النبيذة . ولا من القادرة على تحدي زمنها " .
أقامت وديان مع تاجي في باريس في الشقة التي ورثتها الأخيرة من زوجها الضابط الفرنسي وكانت " تعرف أنها لن تتخلى عن العجوز، أمها في الغربة. والدتها التي لم تلدها. لم تكن جاحدة ولا انضمت إلى قائمة النابذين ".
وإذا ما ربطنا بين قصة تاجي في حملها غير الشرعي وخروجها من إيران والعراق واستقرارها في باريس مع طفلتها الأشبه باللقيطة ، بما ورد عن مريم في القرآن الكريم ( فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ) و ( فنفخنا فيه من روحنا بغلام فحملته فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) قلنا بقدر من الاطمئنان إن النبيذة في المقام الأول هي تاجي .
وتاجي بإيجاز هي فتاة عاشت مع أمها وزوج أمها الايرانيين ، بعد أن تخلى أبوها عنها وهي طفلة ، ولما تزوجت أمها من عراقي وكبرت خافت الأم على ابنتها من الزوج، فأرسلتها لتعمل خادمة في بيت طبيبة، وهناك استغلها أخو الطبيبة وعلمها وصارت صحفية. كان هذا في العهد الملكي في ٤٠ ق ٢٠ .
وأما وديان الملاح فهي شابة تدرس الموسيقى وتعاني من صمم جزئي وتقع ضحية العهد الجمهوري وابن الحاكم المستبد الذي يعذبها بسادية ، فتفقد سمعها بالكامل، ويحدث أن تسافر إلى باريس لتدرس الموسيقى وتظل هناك ، وهناك تقيم مع تاجي تخدمها وتغدو لها مثل ابنتها.
الفلسطيني :
كتب عن الرواية مقالات كثيرة أتت على الشخصيتين السابقتين، وهناك شخصية ثالثة هي منصور البادي المقدسي الفلسطيني الذي تعرف إلى تاجي حيث عملا معا في كراتشي، في العامين ١٩٤٩و١٩٥٠، في إذاعة تنطق بالعربية .
كانت تاجي تكبر منصور بسنوات وكانت " قنبلة جنسية " أقامت علاقات عديدة مع أشخاص عديدين ولكنها أحبت الفلسطيني وأحبها دون أن يتصارحا ، وكان أن أنهي عملهما مع مصريين آخرين من الإذاعة، فغادرا كراتشي وسار كل في اتجاه. وظلا يحملان لبعضهما مشاعر حب آملين أن يلتقيا ذات نهار .
ولد منصور البادي في القدس في أواخر ٢٠ ق ٢٠ وكان الذكر الوحيد بين خمسة إخوة ، ولما حدثت نكبة ١٩٤٨ هاجرت العائلة إلى لبنان حيث استقرت هناك .
في أثناء عمله مع تاجي يقعان معا في الحب دون أن يتفاتحا في موضوعه .
تاجي التي أقامت علاقات عديدة مع أشخاص عديدين ترى في منصور البادي شخصا مختلفا:
" تتأمله وهو يقرأ بصوته الرخيم أمام الميكروفون، وسيم دون أن يتوافق وذوقها في عشاقها...نحيل بالغ التهذيب.. يصغرها بحفنة أعوام، لكن شيئا ما يشدها إليه. تطمئن لصحبته. الوحيد الذي لا يغازلها. لا يرمي لها كلمات ترميها، بدورها، في كيس التأوهات الملقى وراء ظهرها .
أما هذا الولد الطري ، زميلها الفلسطيني، فلا أكثر من أن يسمعها تغني. لهجتها العراقية تفعل فيه المفاعيل ...
أدركت أنه مغرم وممسوس ،جاهز للاحتراق مثل عود كبريت .ولم ترق له وتتجاوب،بل أحست بإشفاق. خافت عليه من غوايتها. كان صغير السن ونقيا وابن أوادم. ولم تكن تنوي تلويثه. لن تضيفه إلى ضحاياها. فلتبق البريء على براءته" ويبقى منصور حبها الذي يعيش معها طيلة حياتها التي بلغت التسعين .
الفلسطيني في الرواية يذكرنا بفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا في رواياته العديدة، ولا أدري إن كانت الروائية وهي تكتب عن منصور تمثلت جبرا الذي كان وجها من وجوه بغداد الثقافية. إن منصور يتشابه مع جبرا وإن لم يتطابق معه تطابقا كليا ، ويتشابه أيضا مع أبطال جبرا الذين خلقهم على صورته؛ جميل فران ووديع عساف ووليد مسعود .
منصور مثقف فلسطيني يتبت جدارته في عمله وقد أخذته نكبة ١٩٤٨ بعيدا عن مدينته القدس. سافر إلى بغداد ومنها إلى كراتشي واستقر به المقام في فنزويلا أستاذا جامعيا لامعا وكاتبا متميزا غدا مقربا من الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز. وتظل القدس وجهته الأولى وحين يغدو سفيرا لفنزويلا يفكر في زيارتها ولكنه يرفض أن يختم جواز سفره بالختم الإسرائيلي.
الفلسطيني هنا يبدو مختلفا عن الفلسطيني في بعض الروايات العربية التي رشحت لبوكر جائزة الرواية العربية العالمية، مثل رواية المصري ناصر عراق "العاطل "(انظر مقالي في الأيام الفلسطينية ٢٦شباط ٢٠١٢) .في "العاطل "يبدو الفلسطيني متعصبا ومكروها وغير محتمل ، بخلاف ما يبدو في "النبيذة".إن انعام كجه جي تعيد الاعتبار للفلسطيني وتواصل رسم صورة إيجابية له في زمن يقسو عليه فيه كثيرون .
وعموما فإن الرواية تشدك إليها وهي آسرة مشوقة ممتعة تحفل بأبعادتاريخية تثقفك، رغم بعض الهنات والأخطاء القليلة جدا التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
الجمعة والسبت ٨و٩ / ١١ / ٢٠١٩
***
2- طشاري.. تفرقوا أيدي سبأ: قسوة المنفى
"طشاري" هي رواية الروائية العراقية (إنعام كجه جي) التي قرأنا لها من قبل رواية "الحفيدة الأمريكية" التي كانت، مثل "طشاري"، على القائمة القصيرة أيضاً لجائزة بوكر الإماراتية العربية العالمية للرواية، ومن يدري فقد ترشحها لجنة الرواية للفوز بالمرتبة الأولى، وما علينا إلا الانتظار!!
وتصدر الكاتبة روايتها في سطر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب الذي مات في الكويت وعبر عن قسوة المنفى في 50 و60 ق20، أسطره التي وردت في قصيدته "غريب على الخليج"، الجزء المتمم لقصيدة "أنشودة المطر"، كما ذهب د. إحسان عباس في كتابه "بدر شاكر السياب: حياته وشعره"، والأسطر هي:
"لو جئت في البلد الغريب إليّ
ما كمل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يديّ
هو اللقاء"
وليس هذا التصدير مجرد تزيين، فهو ما يتوصل إليه شخوص الرواية بعضهم، بعد تجربة المنفى، وإذا كانت نهاية الرواية هي خلاصتها وزبدتها في أحايين كثيرة، فإنها هنا كذلك، وما تقوله النهاية هي ما قالته أسطر السياب: اللقاء لا يكتمل إلاّ في العراق. وما بين نهاية 50 ق20، زمن كتابة السياب قصيدته، وبداية العقد الثاني من ق20، جرت مياه كثيرة في نهري دجلة والفرات، وألمّ بأهل العراق ما ألمّ، ولئن كانت غربة السياب غربة فردية، أو تعبر عن غربة بضع مئات من العراقيين في حينه، فإن ما تكتب عنه إنعام كجه جي يتشابه مع ما كتبه السياب ويختلف؛ يتشابه في الخط العام، ويختلف في أنه يعبر عن غربة ملايين العراقيين، الغربة التي بدأت تتكاثر منذ نهاية 70 ق20، وبلغت ذروتها ومأساتها منذ احتلال الأميركان العراق.
هكذا لا يمكن قراءة نهاية الرواية دون ربطها بأسطر السياب، إن الساردة، ساردة الرواية التي نعرف عنها معلومات لا بأس بها، تتوصل إلى ما توصل إليه، فتقول: "أما أنا فإن الشوق إلى بغداد يجلدني كل يوم وينفذ فيّ حد الهجر والنكران. فارقتها ولم أشبع منها، أحلى البلاد وموطن الحب الأول، (ص243).
والساردة هي صحافية وشاعرة، قرأت جبران خليل جبران وتأثرت به (193) وقد غادرت العراق، زمن حكم صدام، واستقرت أخيراً في باريس. تزوجت وأنجبت اسكندر الذي حمل اسم أخيها اسكندر الذي توفي طفلاً، وقد أراد والده إحياء اسمه، لكنه رزق بالساردة، فقررت هذه أن تحيي الاسم، وهذا ما كان.
وعندما يحتل الأميركان بغداد، وتسوء أحوال العراق أكثر وأكثر، تهاجر عمتها وردية اسكندر، وهي في الثمانين، طالبة اللجوء إلى باريس.
"طشاري" العنوان يتضح كلما قرأ المرء صفحات من الرواية وتقدم في قراءتها، والصفحات التي تضيء العنوان أكثر وأكثر هي (17، 85، 90، 149، 127، 151، 159، 234، 248)، وتعني طشاري، كما يرد في ص90، تفرقوا أيدي سبأ، والساردة الصحافية، وهي شاعرة، لها ديوان شعر مخطوط عنوانه طشاري، ما يدفعنا إلى القول إن الساردة لا تختلف كثيراً عن الروائية الكاتبة إنعام.
اسكندر ابن الساردة حين يفتح الكمبيوتر "ويدخل على فيس بوك يجد أبناء الأعمام والأخوال مصفوفين مع صورهم وآخر أخبارهم، يطاردونه ويهيلون عليه عواطفهم الحارة. واحد في سياتل، واثنان في اوكلاند، وواحدة في جرمانا، وعشرة في ديترويت، ما الذي طيرهم إلى هناك؟"(ص85).
وكما ذكرت، فإن للساردة ديوان شعر عنوانه طشاري، وهو يعني بالعربي الفصيح "تفرقوا أيدي سبأ" يعني "تطشروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات" (90)، وحين يسأل اسكندر أمه: هل تكتبين أشعاراً عن الأسلحة والرصاص؟ تجيبه: "ـ إنهم أهلي الذين تفرقوا في بلاد العالم مثل الطلق الطشاري". (ص90) وتردد وهي تنوس في جلستها "طشّاري ماله والي" ويتهدج صوتها، لكنها تتماسك وتضحك لكي لا تبكي.
لم يعد العراقيون يدفنون في العراق، واسكندر ابن الساردة، يحاول أن ينشئ، إلكترونياً، مقبرة إلكترونية تضم مقابر العراقيين التي توزعت على منافيهم.
ولقد وجد أهله في مقبرة العراقيين الإلكترونية حلاً سحرياً ولطيفاً لمواجهة الشتات. "هؤلاء مثلي أصغر مني لكنهم يعيشون حسرة طير اليباديد الذي جعل قبور آبائهم وأهاليهم شذر مذر. طلقة طشارية في بلاد الله الواسعة". (ص159).
الأميركان الذين زعموا أنهم يريدون تحرير العراق من الدكتاتور خربوا البلد كله، فلم يعد أحد يأمن على حياته هناك، وتشتد الريح الصفراء، وتبرز المذهبية "قل لي ما هو مذهبك أقل لك من أنت؟" وتجري الأيام وتبدأ الاغتيالات في العيادات وأمام البيوت. يفر الأطباء من البلد ليعملوا في الأردن وليبيا والخليج وكندا وبريطانيا" (ص248) وتحكي الساردة قصة عائلتها، ويغدو العراقي الجيد هو المهاجر الجيد، وليت الأمر يقتصر على هذا." يولد العراقيون فرادى ويموتون جماعات. حتى الزعيم الأوحد وجد من يخلفه ويتناسل مع أسطورته فظهر زعماء متعددون وأوحدون كثرة".(ص249)
وكما ذكرت فإن نهاية الرواية يقول لنا ما تقوله الرواية. إن النهاية هي الخلاصة وزبدة القول". كل شيء بالجملة. الأحزاب والطوائف والتفخيخات وأفراد حراسة المسؤولين. سرقات بالمليارات لا بالملايين. وحتى الدكتاتور صار دكاترة ـ أي دكتاتوريين ـ بالجملة" (ص250) وتنهي الساردة الرواية بالسطرين: "بلد قد ضربته لعنة الفرقة فمسخته وحشاً. تصلي له فلا تستجيب السماء. سماؤها الطيبة الحنون التي لم ترد لها يوماً طلباً. أمَا يشبعون من الدم؟" (ص251).
والرواية تقع في 251 صفحة، والساردة تروي قصة عمتها وعائلتها وما آلت إليه. وردية اسكندر هي شابة عراقية مسيحية من الموصل تدرس الطب في بغداد ثم تعمل في الديوانية في مشفى النساء. تعمل وتظل تعمل، وتولّد المسيحيات والمسلمات، السنة والشيعة، وتغدو معروفة للجميع، فقد ولدت آلاف النساء، وكانت مسيحية متدينة تؤمن بالله، وهذا لم يجعل منها عراقية متعصبة، فهي أقامت علاقات اجتماعية مع شيعة وسنة، وحضرت احتفالاتهم الدينية ورددت مع المحتفلين أغانيهم وكلماتهم، ولقد كان هؤلاء عراقيين، حتى بعض اليهود آثروا البقاء في العراق في 50 ق20، على الرغم من إسقاط الجنسية عنهم. كيف يمكن أن يهاجروا من وطن الآباء والأجداد، ولم يشعر هؤلاء في الديوانية أنهم غير عراقيين، حتى وإن غدوا بلا جنسية عراقية، ولم يكن العراقيون الآخرون، مسلمين ومسيحيين، لينبذوهم، وعلى العكس فقد تعاطفوا معهم، ولم يخرب العراق إلاّ منذ خمسين عاماً، تريد وردية اسكندر أن تشطبها من حياتها، فلقد بلغت الثمانين عاماً، وفي الثمانين وجدت نفسها تهاجر لتغدو لاجئة عراقية في باريس.
مكان الرواية هو قصيدة دائرية الشكل. تبدأ بقصة هجرة د. وردية اسكندر وتنتهي أيضاً بهجرتها. يريد الرئيس الفرنسي أن يجتمع باللاجئين العراقيين، وتكون هي واحدة منهم.
قبل أن تهاجر د. وردية أرادت أن تصفع الجهلة والقساة في العراق الذين أخذوا يتلوثون، فما هكذا نزلوا من الأرحام.. ما هكذا! ولكنها تتعب من آهات التمني ويتراخى عنادها وتذعن لنداء أولادها وتقر بأن لا شيء بات يغريها بمواصلة العيش في مكان لم يعد منها ولم تعد منه (250). هي التي كانت طبيبة متحررة وارتدت ملابس افرنجية في شبابها، يطلب منها وهي في الثمانينيات أن تستر شعرها. وهكذا يبدأ الحنين إلى ماضي العراق قبل خمسين سنة من العام 2007. في ص170/171 أمام قسوة الحاضر والطائفية يبرز الماضي الجميل "إن الأمور لم تكن كذلك في السابق، تعيد عليه معزوفة أنهم كانوا جميعاً، إخوة وأحباباً وأبناء وطن واحد".
يحاول أن يقتنع بما تقول وهي تروي له كيف كانت، وهي المؤمنة بيسوع، وبشفاعة مريم، تحضر القرايات على الحسين في عاشوراء".
و"طشاري" مثل روايات كثيرة في هذا الجانب، مثل رواية جبور الدويهي "شريد المنازل" ـ رواية لبنانية ـ أو مثل رواية العراقي سنان انطون "يا مريم"، ومثل رواية السوري خالد خليفة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"، كلها روايات تحفل ببسمة الحنين إلى الماضي، أو مرض الحنين إلى الماضي، حيث كان النسيج الاجتماعي في بلدان الروائيين أكثر تماسكاً وتلاحماً، ثم جاء الدكتاتور وجاءت الطائفية وجاءت أميركا فصرنا طشاري.
أ. د. عادل الأسطة
2014-03-16
***
3- الحفيدة الأمريكية: هل جنى الاحتلال على اللغة؟
السؤال الذي يثيره "قارئ رواية" الحفيدة الأمريكية" (2009) لأنعام كجه جي، وهو من ضمن أسئلة بالتأكيد، هو: هل جنى الاحتلال الأمريكي للعراق على اللغة العربية؟
كنت في الأسبوع الماضي توقفت أمام الروايات الفلسطينية ولغتها، وأتيت على رواية عزمي بشارة "حب في منطقة الظل" (2005) باعتبارها نموذجاً مختلفاً عن روايات فلسطينية صدرت قبلها، روايات لم يبرز فيها تعدد لغوي، إلا ما ندر، علماً أن الواقع في فلسطين، منذ 1882 بدأ يشهد تعدداً لغوياً انعكس أبرز ما انعكس في رواية بشارة المذكورة. هل كان حال الرواية العراقية حال الرواية الفلسطينية ثم اختلف كما اختلف حال الرواية الفلسطينية؟
لا أدري كم عدد الروايات العراقية التي صدرت منذ صعود فن الرواية حتى 2003، عام احتلال العراق. وربما تكون قراءاتي لها قليلة. وربما تكون ذاكرتي، هنا، أقل توقداً منها وأنا أكتب عن الرواية الفلسطينية، فقد أنجزت عن الأخيرة دراسات ومقالات، وقد درّستها أيضاً، خلافاً للرواية العراقية التي لم أدرّسها ولم أكتب عنها إلا ما ندر.
أتذكر عبد الرحمن منيف وغائب طعمة فرمان، ومؤخراً علي بدر "مصابيح أورشليم" و"بابا سارتر" وبتول الخضري "كم بدت السماء قريبة"، والروايات الأخيرة صدرت بعد الاحتلال، فلاحظنا في بعضها تعدداً لغوياً لم نلحظه في بعضها الآخر. إن عددنا منيفاً ضمن الرواية العراقية، فيمكن القول إنه، باستثناء "مدن الملح" و"أرض السواد"، فقد كان يدخل لغة شخوصه في مياه نهر (ليثي). ولم أقرأ لغائب طعمة فرمان إلا رواية "آلام السيد معروف" التي ذكرتني برواية إميل حبيبي "المتشائل"، فبطلها، مثل بطل "المتشائل" يتلاعب باللغة ويميل إلى التغابي. وسأقول إن روايتي علي بدر المذكورتين تعودان بنا إلى زمان مختلف: بغداد في 60 ق 20، والقدس كما بدت في روايات روائيين عبريين، بخاصة في قسمها الثاني المغاير لقسميها الأول والثالث، فقسمها الأول يذكرنا بروايات جبرا إبراهيم جبرا الفلسطيني المقيم، في أثناء حياته، في العراق؟ جبرا الذي، مثله مثل منيف، كان يدخل لغة شخوصه كلهم، فيما أذكر، في مياه نهر (ليثي)، فيغلب على لغته مستوى واحد هو العربية الفصيحة الرصينة. أما رواية بتول الخضري فهي نموذج ربما يمكن دراسته تحت عنوان "الاحتكاك الحضاري وانعكاسه على اللغة: العيش في بيئتين مختلفتين لغوياً، ذلك أن بطليها عراقي وإنجليزية، وقد أنجبا طفلة أخذت تتعلم اللغتين معاً.
"الحفيدة الأمريكية" هي الرواية الوحيدة بين روايات الروائيين المذكورة أسماؤهم التي يجري زمنها الروائي في العراق- وفي أمريكا من خلال الذكريات - إبان الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003.
كان بعض العراقيين، إبان حكم صدام، هاجروا من العراق هرباً من البطش، ووالد زينة "الحفيدة الأمريكية" كان واحداً من هؤلاء، فقد نجا من سجن محقق، إن لم يكن من قتل محقق. احتج، هو المذيع الذي يجيد اللغة العربية ويعشقها، احتج على نشرة الأخبار في التلفاز العراقي، احتج على طولها وإعادتها مراراً، فوشى به أحد زملائه، وهكذا اعتقل وعذب وكادوا يقطعون له لسانه، وهكذا دبر له أحد أصدقائه وسيلة للهروب، لينفد بجلده، وسافر إلى أمريكا وسافرت معه ابنته زينة، زينة التي عشقت اللغة العربية وأحبتها، فقد كان والدها يعلمها اللغة العربية من خلال نصوص الأدباء العرب القدامى، وكانا غالباً ما يتباريان في الشعر. يقول أحدهما شطراً من بيت فيتمه الثاني، أو يقول أحدهما بيتاً فيأتي الآخر ببيت يبدأ بالحرف الذي انتهى فيه البيت الثاني السابق.
لماذا إذن لم تقرأ لغة عربية ذات مستوى واحد في الرواية؟ لماذا تبدو اللغة في الرؤية مطابقةً لما هي عليه في الواقع؟ لماذا تبدو الفصيحة إلى جانب العامية إلى جانب الإنجليزية، وربما قرأنا مفردات تركية؟
تحفل الرواية بشخوص مختلفين ثقافةً وتعلماً ولغةً، فهناك الذي / التي يعشق العربية، لأنه تعلمها في الجامعة أو من خلال النصوص، وهناك الجدة التي تتعلم العامية، العامية التي تجري على لسانها في البيت والشارع، وهناك الأمريكي الذي غالباً ما تدخل زينة / والمؤلفة الضمنية، لغته في مياه نهر (ليثي)، فتأتي عباراته عربية فصيحة، وهناك العربي/ة الذي يتكلم العربية الفصيحة، والعامية العراقية، والإنجليزية أيضاً. خليط من البشر وخليط من الألسنة، مهاجرون عراقيون في أمريكا يتكلمون باللغتين، في المنزل العربية الراقية مع بعض مفردات من اللهجة العراقية، وفي الجامعة ومع الصديق الأمريكي (كالفن) الإنجليزية. وأمريكان في العراق منهم من لا يعرف العربية إلا عبارات قليلة، ومنهم من هو عربي أصلاً أتقن لغته في بلاده ثم هاجر إلى أمريكا، وعاد إلى بلاده مع الجيش الأمريكي، ليعمل، وقد أغرته الدولارات راتباً، ليعمل مترجماً. وهكذا تحفل الرواية بمستويات لغوية عديدة، باللغتين العربية والإنجليزية.
ما إن انتهيت من قراءة الرواية، للمرة الثانية، حتى فكّرت بأمر لغتها، علماً أنني التفت إلى هذا الجانب في أثناء قراءتي الأولى. إن اللغة في الرواية أثر من آثار العولمة والاحتلال والهجرات أيضاً. وسأثير أسئلة عديدة أبرزها:
كم مفردة أجنبية في الرواية؟
كم عبارة إنجليزية بحروف إنجليزية؟
كم عبارة إنجليزية بحروف عربية؟
كم عبارة باللهجة العراقية؟
كم عبارة شرحت على لسان قائلها / ساردها؟
كم مفردة قرأتها غير مرة ولم أعرف معناها؟
كم نسبة هذه المفردات إلى مفردات الرواية؟
ما تأثير منشأ السارد / الشخصية على لغته؟ وما مدى إتقانه / ا لها.
وما هي مبررات هذا التعدد اللغوي؟ هل هو أصلاً مبرر فنياً أم غير مبرر؟
هل يعرف (كالفن) الأمريكي، صاحب زينة العراقية، العربية؟ ولماذا ترد عباراته بالفصيحة؟ لماذا لم ترد بالإنجليزية، فتترجمها الحفيدة الأمريكية المترجمة مهنةً؟
وسأتساءل أيضاً: أين إذن ما يقال عن الصدق الفني الذي روّج له الكتاب الذين كانت لغة شخوصهم في رواياتهم وقصصهم مطابقة للغتهم في الواقع؟ ينطقون الأمريكي الذي لا يعرف العربية بعربية فصيحة، في حين ينطقون شخوص وطنهم من العامة بعامية عراقية؟ يراعون الصدق الفني في جانب، ولا يراعونه من جانب آخر؟
تبدو لغة زينة، كما ذكرت، مبررة، حين تتكلم العربية الفصيحة الجزلة وحين تتكلم اللهجة، وحين يرد على لسانها بعض عبارات إنجليزية، أو بعض مفردات إنجليزية، ويراعى هنا الصدق الفني، لكن ماذا عن لغة الضباط الأمريكان ولغة (كالفن).
هل أفسد الاحتلال الأمريكي اللغة العربية؟ سؤال يثيره قارئ هذه الرواية إذا كان لا يستسيغ اللهجات أو اختلاط اللغات في نص أدبي، خلافاً للقارئ الذي يميل إلى تنظيرات (ميخائيل باختين) حول لغة الشعر ولغة النثر، وحول التعدد اللساني في اللغة الثانية: النثر. لنلحظ العبارات التالية على سبيل المثال:
يعني ممن تأخذين راتبك يا بنتي؟ من بوش لو من كوفي عنان؟ (ص71)
شلون عين؟... فقرة وتكتب! (ص87).
بعد (الثانكس كيفنج) بفترة قصيرة حل عيد الميلاد العام 2003. (ص 86)
والله وقمنا نضغط من جـجـح كبيغي. (ص73)
كان عشاؤنا في المعسكر shit بمعنى الكلمة، طعاماً ناشفاً معبأ في أكياس. (ص 98). يا ما أحلى أكياس "الشيت" (99)
أما زعاطيط هذه الأيام فهم لا يزعجونني لأن مهيمن أوصى جماعته بي. (ص 118)
اعتبروها "فانتاستيك" "أميزينغ" حكاية للتسلية قبل النوم. (ص121)
مولدة. ماكو كهرباء. ماكو ماي. ازدحام. مفخخة، حرامي. 20 لتر. ثلاثة دفاتر. حصة. عركة. مات انخطف. فلت. اغتيال. إيراني. دستور. واوي. بنزين. علاس. صولاع. مخموط... هاون. بريمر. أمريكان. تحشيش. ماكو شبكة. كلاوات. فدرالية..." (ص 124).
ترى هل أفسد الاحتلال الأمريكي العربية، كما أفسد أشياء كثيرة؟.
عادل الأسطة
2011-12-11
***