صابر رشدي - نجيب محفوظ... مشاهد من الذاكرة

مقدمة
عندما علمت بالخبر الأليم وغير المفاجيء، سالت مني الدموع للمرة الثانية من أجله، فقد كان هناك ابتهال عطوف وغير آثم إلى المولى، كي يستريح هذا الشيخ الجليل الواهن من عناء الحياة. للقدرة البشرية حدود مهما طالت الرحلة ومهما طال الحضور. سيغيب الجسد حتما في يوم ما، لكن عزاؤنا دائما أن هناك أشياء عصية على المحو والنسيان.
حقاً كنت أتمنى لهذه الروح النبيلة الانعتاق من أسر هذا العالم الذي تثور فيه الفوضى والاضطرابات والعنف المتواصل. والسباحة في ملكوت عالم آخر له قوانين آخرى أكثر رحابة، وأكثر تعاطفاً حيال البشر، عالم يحنو على صاحب هذه الرحلة الاستثنائية المثيرة والإنجاز الأدبي الفخيم، وها أنا أنخرط مع الجميع في هذا المناخ العبثي المحموم للكتابة عنه، مدفوعاً بالمحبة العميقة والتقدير اللازم وضرورة الاعتراف بالفضل، مدركاً في ذات الوقت أن الموت لا ينبغي لهم الكتابة عن الأحياء، ولكني مواسياً سأواصل هذا العمل.
في رحلته الزاخرة استطاع نجيب محفوظ رصد واقع شامل من خلال لغة أدبية رصينة وسرد فني رفيع، دون أن يخون يوما هذا الواقع أو ينحو إلى تزييفه كما فعل البعض. كان دائب الإيغال في أعماق الشخصية القاهرية مكتشفاً الكثير من المناطق المستغلقة داخلها في العديد من أعماله مما جعلنا أكثر وعياً وأقل اغترابا تجاه أنفسنا في هذا الجو المكروب. مكرساً جل حياته لهذا الجنس الأدبي الساحر دائم التطور والتغيير، جاعلاً من قراءة الرواية شيئاً رائعاً ومشوقاً كما أوصى الناقد والروائي الكبير هنري جيمس ومتمثلاً هذه الكلمات الدقيقة التي كتبها المعلم الأكبر فيدور دويستويفسكي إلى أخيه في احدى رسائله “لا يأتي دفعة واحدة إلا ما يتعلق بلحظات الإلهام وما سوى ذلك فهو من مأتى العمل الدائب والشاق”. وكم بذل محفوظ من جهد للوصول إلى هذ المكانة الكبيرة مرتقياً قمة الرواية العربية ودافعاً بها عالميا في اتجاه كل اللغات.
مشهد 1
البدايات
عرفته في سنوات الصبا الأولى، كنت صغيراً وشغوفاً بالقراءة، كان عدد الجرائد والمجلات محدوداً، ولم يكن كل هذا الضجيج، عدد قليل وبالغ التأثير من الكتاب يقومون بجر أقدامنا إلى هذا الملعب المدهش والمثير، حتى استطاعوا زرع فتنة القراءة داخلنا: توفيق الحكيم، انيس منصور، احسان عبد القدوس، مصطفى محمود، وأخرون، لاعبون مهرة، كانوا الأكثر رواجاً، وكانوا يعرفون تماما إثارة البهجة.
انتهى هذا الشغف إلى ما يشبه الإدمان، يصير معه المرء قارئاً محترفاً يستطيع أن يعيد انتاج ذائقته في أي وقت، والولوج مرة أخرى إلى عوالم مختلفة.
باختصار استطعت العثور عليه، كتابة فارقة وعميقة، وإن كانت تميل إلى القسوة أحيانا والمصير المأسوي لأبطاله، بما لا يحتمله قلب صبي صغير، مفعماً بالمشاعر لا تحتمل مثل هذه الأفكار، كان يكتب عن هذا العالم الذي رحت أخترقه متصعلقاً وسعيداُ كفتى قاهري لديه الحمية والفضول لاكتشاف مدينته، كنت مولعاً حد الهوس بالأحياء القديمة، أبدأ رحله التجوال من السبتية بولاق حيث الميلاد والصبا وسنوات الشباب الأولى في إتجاه مزارات آل البيت دائماً: السيدة زينب والحسين، مكتشفاً بنفسي كل الدروب العتيقة، مفتوناً بهذا العبق وبصورة حية للتاريخ القديم.
كانت البيوت والدكاكين كما هي، لم يطرأ عليها هذا التغيير الوحشي الذي أفرزته حقبة الإنفتاح والحقبة الحالية، كنت متيما بالأزهر والمناطق الواقعة جنوبه وغربه والحسين شماله وغربه. في هذا الزمن كان كل شيء يبدو هادئاً ورصينا رغم الزحام.
كانت تخرج من الدروب والأزقة أشكال إنسانية موحية ومباغته، تفاجئني تماماً، إنها نفس الشخوص التي شكلها محفوظ من قبل على الورق، كنت اصطدم بها، وأحس انفاسها، محاولاً القبض على ملامحها قبل أن تتوه مرة أخرى وتذوب في الزحام.
مشهد 2
مقهى الحرية
ترام 4 الشهير. يبدأ من وكالة البلح بجوار نيل بولاق، ينتهى به المطاف فى السيدة زينب، بعد سير رتيب ومجلجل، أقفز إليه فى رشاقة من محطة “جامع طلعت” أثناء مروره بشارع السبتية، بعد وقت قليل وعدة، محطات يصل إلى باب اللوق، يتوقف امام مقهى الحرية ببابه العريض العالي، ونوافذه العديدة بالغة الاتساع، فى هذه اللحظات القليلة أنظر إلى عمق المقهى، أتخيل داخله اناساً في غاية الأهمية، وأتخيله أيضاً في الداخل، جالساً في سكون، مستغرقاً في لحظات من التأمل .
في كل مرة كنت أريد النزول لمصافحته، والجلوس إليه قليلا لتلقيني أسرار فنه الجميل. مرت سنوات طويلة واختفى الترام من القاهرة – أحد الأوجه الساحرة للطفولة – وعلمت فيما بعد أنه لم يكن من رواد هذا المقهى القديم، ولكن ظلت حيرتي قائمة حتى الآن من هذا الخلق الحميم لتصور ما ابتدعته مخيلة صبي كان يحبو في ذلك الزمن .
مشهد 3
وسط البلد
عماد الدين. فؤاد. شريف. عبد الخالق ثروت. قصر النيل. شوارع متلاصقة وشهيرة في قلب القاهرة الخديوية، لا تحتاج سوى عبور شارعي الجلاء ورمسيس حتى نكون فوق أرصفتها، متسكعين امام فاترينات المحلات التجارية، او لمشاهدة آخر الأفلام التي وردت في دور العرض المنتشرة في المكان.
على بعد خطوات من ميدان طلعت حرب، وبالقرب منه مقهى ريش، أراه جالساً ولكني لا استطيع الاقتراب، وكنت أصادفه أحيانا وهو يمشي على قدميه مخفوراً بأعين المارة وهمساتهم. كان لافتاً للإنتباه رغم خطواته الرصينة وكان الناس يتعرفون عليه بسهولة يشيرون اليه في محبة : انظر انه نجيب محفوظ.
مشهد 4
وفاة الحكيم
أواخر يوليو 1987م. قوات الأمن تحاصر المكان منذ الصباح الباكر على نحو يشي بأن رموز الدولة ستتقدم هذا الوداع. كان الناس يحتلون ارصفة ميدان التحرير، وينظرون إلى ما وراء أكتاف العساكر، إلى ما يحدث في السرادق المقام بجوار مسجد عمر مكرم. شعرت بالغيظ، كم عانى هؤلاء للحضور، ثم تكون النهاية الاحتجاز وراء السياج الحديدي فوق الرصيف.
فى هذا اليوم، قررت الوصول إلى السرادق، متحملاً كافة المخاطر لوداع هذا الكاتب الكبير، كانت هناك كل الأسماء، العظيم نجيب محفوظ يتصدر قائمة المعزين وبجواره أقارب الحكيم .
انتهى العزاء بخروج جثمان الحكيم من المسجد بعد إتمام صلاة الجنازة، ووضعه في سيارة ذهبت به إلى الاسكندرية، المدينة التي أحبها، وأوصى أن تكون مثواه الأخير. كان الزحام يقل تدريجياً مع إنسحاب المعزين، كانت عيناي معلقتين بنجيب محفوظ، تراقبه من بعيد، إنه يقف وحيداً وفي يده بعض الجرائد، غير متعجل الانصراف، كانت تحيط به مجموعة من الأدباء قبلها ثم أنصرفوا جميعاً. صرت على مسافة قريبة منه، وجدته ينظر لي على طريقتي، تقدمت ذقنه إلى الأمام ومالت رأسه إلى الوراء قليلاً، كان يبدو متوقعاً أن أبادره التحية في هذه اللحظات. كانت على شفتي نبوءة كنت أريد إسعاده بها، ثم التواري بعد ذلك، كنت أود أن أقول له : ستحصل على نوبل العام القادم، ولكن الكلمات ماتت فوق لساني، وشعرت أن اقتحامي له سيكون عبثاً غير مسئول من شاب في مقتبل العمر، ليس لديه من عميق الصلة به سوى الجرأة على قراءة أعماله والاستمتاع بها.
عموما. صدقت النبوءة وحالفها الحظ في دقة التوقيت وحصل محفوظ على الجائزة في العام التالي.
مشهد 5
نوبل 1988م
كنت عائداً لتوي إلى البيت، وكانت نهايات نشرة أخبار الثانية والنصف ظهراً بالراديو، التقطت أذناي صوت مذيعة البرنامج العام وهي تقول: أنه أول أديب عربي يحصل على نوبل، في هذه اللحظة انتبهت جيداً مأخوذا بقشعريرة مباغته، وبدون أي تفكير وجدتني أصيح : نجيب محفوظ أخذ نوبل .
قفزت يومها إلى السماء مثل جماهير كرة القدم، مشمولاً بمشاعر متضاربة، ثم داخلني شعور بالقلق، فأنا لم استمع إلى اسم نجيب محفوظ في هذه الكلمات القصيرة. بآلية معتادة لم تكن واردة هذه اللحظات، عندما أود التأكد من خبر ما، أدرت المؤشر إلى راديو لندن، إنه هو، كان الخبر رقم 1، لقد انضم نجيب محفوظ إلى قائمة عظماء الأدب، أخذا مكاناً مستحقاً، وها هو ينضم إلى حشد من عباقرة السرد، واساتذة الفن الروائي، اندريه جيد، هيرمان هسه، فوكنر، هيمنجواي، استورياس، ماركيز.
طبيعي جدا أن يتردد اسم محفوظ مع أصحاب هذه القامات الشاهقة، وطبيعي أيضاً أن تطفر الدموع من عيني فرحة للمرة الاولى من أجله.
مشهد 6
كازينو قصر النيل
ندوة الاستاذ، يوم الجمعة من كل أسبوع، في الثالثة مساءا يكون هناك، محاطاً بمريديه وزواره، ثمة حضور يفسدون الجلسة، كاتب مسرحي كبير مشهور بعلاقاته مع الاسرائيليين، عالي الصوت، غليظ النبرة، حاد في ردوده ومداخلاته. كنت منزعجاً منه ومن محاولاته المتكررة التي توحي بأنه يدير الندوة، وأنه هو صاحب هذا المكان الجميل. كاتب آخر، روائي مغمور، محب حقيقي للأستاذ متماهياً معه في كل شيء عدا الموهبة وخفة الظل، مقلدا طريقة كلامه، ولفتاته وصمته المفاجيء، وطريقة التدخين. لم يكن مشفقاً حانيا على المبدعين، كان يطلق أحكاما قاسية على نصوصهم ويفحمهم بطريقة مؤسفة إذا حاول أحدهم قراءة عمل له.
نجيب محفوظ. الأكثر ذكاءا، الأكثر توقداً، الأكثر حضوراً، رغم ميله إلى الصمت والإستماع بتركيز، تعليقاته قليلة ولكنها تضرب في العمق، وتوجز المسائل المثارة بشكل عبقري، هذا الذي طرح اسئلته الفلسفية، وأعلن عن حيرته الوجودية على لسان العديد من شخوصه، وتعمق في داخل النفس البشرية وتناقضاتها المثيرة. كان الرجل مسيطراً. يستطيع ضبط إيقاع الندوة وقتما يريد، يدخن بنظام، ويتناول قهوته بسمت باشا عتيد، لا يغرنك بساطته المتناهية، وجنوحه إلى القفشات والسخرية اللاذعة، وتواضعه الجميل، فهو ذو صفات شخصية مهيبة، يفرض الاحترام على المحيطين به، وعلى كل من يقتربون منه.
كنت أواظب على الحضور، صامتاً، متهيباً، معلقاً ناظري بالعم المهيب، مستمتعاً بهذه اللحظات السعيدة، وأعرف أني في حضرة شخصية تاريخية، أسطورة حية تمشي على قدمين، وتسعى بيننا كنسمة هواء رحيمة، بعيدا عن النرجسية والتطاوس، رغم أهميته القصوى ومكانته الشاهقة في المشهد الثقافي العربي.
كان الرجل زاهداً قانعاً، غير متكالب، لم نره يخوض حروب دامية من أجل منصب، أو كرسي، أو رئاسة تحرير، أو رحلة إلى الخارج. إنه يمضي حياته في بهاء، نقياً كمتصوف كبير، ظللت اتابع الذهاب بشكل دوري حتى جاء الحدث المشؤم في أكتوبر 1995. عندما حاول قاتل جهول، يستعين بأفكار مشوشة، أن يقضي على الرجل، راشقاً سكيناً في رقبة شيخ جاوز الثمانين ويعمر جنبات وطن بوجوده المضيء، يفشل الإرهابي، وينتفض العالم، وينتقل محفوظ بعدها إلى منتديات ضيقة تحفل ببشر آخرين، متحولاً إلى أيقونة وطنية يلتف حولها الجميع، لم يحالفنى الحظ وقتها فى معاودة رؤيته، لكنى رحت أتابعه بحب طوال هذه السنين.


أعلى