جميل الشبيبي - في ذكرى محمد طالب محمد... الشاعر...

لم يكن محمد طالب محمد إلا شاعراً.. امتلك الشعر كلَّ منافذَ روحه المرهفة، وتغلب على كل نزعة حية في كيانه النابض بالحيوية والشعر الصافي.. وكان إبناً بارّاً للابتكار في كل شيء: في سلوكه مع أصدقائه، في طرائفه الجديدة التي تنتمي إليه دون غيره.. وفي كتابته للشعر. كان نموذجاً خاصاً، محتفياً بالحياة على الرغم من مراراتها ومصاعبها الجمّة.. خصوصاً في تلك الفترة المهلكة - فترة منتصف الستينات-: حيث تعطلت الحياة بعد النكبة السياسية الكبرى التي خلفتها أيام 8 شباط الدامي وراءها...كنا مجاميع مختلفة في الرؤى والأفكار والانتماءات السياسية، منتشرين في بقاع مختلفة على خارطة الوطن الجريح.. نعيش كابوساً اسمه (الضياع) اذ لم تعد الايديولوجيات مقنعة ولم تعد الانتماءات الحزبية مجدية بعد الهجمة الشرسة في ايام شباط 1963.. التي دمّرت كل شيء وخلفت بقايا ذوات تندب وتتعذب.. ذوات تلتجئُ الى أعماقها المرهفة الممزقة لتنشئ صروحاً من خيال في الشعر والقصة والرواية والفن التشكيلي. وكان محمد طالب محمد ناراً مشبوبة بالحيوية والنشاط: يلعب البليارد في مقهى (هاتف) بالبصرة مع مجموعة من الشباب لاعلاقة لها بالأدب والشعر، يوزع طرائفه المبتكرة على رواد المقهى.. يحاور (الزاير) و (سعيد) عاملي المقهى- وحين يجلس معنا، نتحدث عن كل شيء، لكنه يصمت عند الحديث عن الشعر.. لأن الشعر كان محرابه الخاص الذي لايتنازل لأحدٍ عنه...ولد محمد طالب محمد بداية الاربعينات من القرن العشرين.. لأب شغوفٍ باللغة والدين ومجالسة الأدباء ومناقشتهم.. وكان والده صديقاً لنا جميعاً- يحضر جلساتنا ويستمع لأفكارنا ونتاجاتنا.. يشجع ويصحح.. وكان محمد ابنه الوحيد الذي يود ان لايفارقه أبداً.. وكان على قناعة تامة بشاعرية ابنه على وفق المواصفات التي تنطبق على الشاعر.في مثل هذا الجو نشأ الشاعرـ متعلقاً بدرس النحو وبديوان الشعر العربي، يغترف من جمالياته فتشرق روحه بذلك الصفاء وبتلك الحياة المتطلعة نحو آفاق رحبة لاحدّ لها...هاجر الشاعر الى الجزائر بداية السبعينات، بعد ان أصابه اليأس من انتظار تغيير مجدٍ وأصيل في الحياة العراقية... واشتغل هناك مدرسا، وتزوج من إمرأة جزائرية. وقد جرّب العودة الى وطنه معها، فرحا وهو يعرّفها بأصدقائه وعوائلهم، مزمعا البقاء في وطنه.. غير أن فراسته وتجربته المريرة مع قوى الشر، واستقرائه للاوضاع القادمة في وطنه وهي تدشن عهداً جديداً للارهاب، أجبرته على العودة منكسراً الى الجزائر.. وقد تحقق حدسه وفراسته بصعود الطاغية صدام حسين الى السلطة نهاية السبعينات وماحدث للعراق بعد ذلك من ويلات وحروب ودمار..كان الشاعر مشغولاً بتأثيث خطابه الشعري بالجديد المبتكر المؤهل لأن يعيش في فضاء العدالة والأمان، لكن الأيادي البغيضة التي هرب من كوابيسها في العراق..كانت تترصد خطواته في الغربة أيضاً.. ففي منتصف التسعينيات اغتالته الايادي السلفية الغادرة، التي تقتل اليوم آلاف الأبرياء في عراقنا.. وكان الشاعر في مركز العلم: مدرسته..!!
* * *
نشر الشاعر محمد طالب محمد ديوانه الوحيد في العراق (التسولُ في ارتفاع النهار) عام 1974 ، بعد عودته القصيرة الى العراق.. ويضم هذا الديوان اثنتي عشرة قصيدة، تمتاز بأبنية مكثفة ومركزة، لكنها مع هذا القدر من التكثيف في الجملة الشعرية فإنها تميل الى الطول في شكلها، حيث يبلغ معدل صفحات القصيدة الواحدة بين 6-15 صفحة من قطع الديوان..وقصائد الشاعر هذه، تنحو منحىً مفارقاً في أبنيتها ومجازاتها المختلفة للنماذج الشعرية التي أفرزتها تجربة السبعينيات الشعرية في العراق... حيث كان الميل نحو كتابة القصيدة (اليومية) التي تستقي موضوعاتها من دافع الحياة وتؤسس مجازاتها على هذا الواقع.. وتتضح هذه المفارقة، بذلك النزوع الأصيل لدى الشاعر نحو عالم الذات المتعالق مع إشكالات الوجود الكبرى التي تجد لها مناخاً ملائماً في ازدواجية اشكال العلاقات البائدة والمتحجرة التي تكتم الانفاس وذلك النزوع نحو عوالم طليقة ومشخصة برموز وشواخص دالة عليها تمجد الحركة والنماء.. انها رحلة امتحان عسيرة في حياة رتيبة تحرسها الوساوس والليالي الموغلة بالسواد والكلاب الناهشة (الأكلب كما يسميها الشاعر) والوحول الكثيفة التي تكبل الذات وتذيقها مرارات من الحزن والموت البطيء...
وعادَ الليلُ والأكلبُ تغتال
طريقي، تفتحُ الغربة في قلبي ؛
فتذروني صلاةً، من لَدنْ تشملني
الرحمة حتى مطلع الفجرِ... وإني
مُثخنٌ بالوحلِ... مسفوحٌ أمامَ
القتلِ.. يستحلفني الناسُ بأنّي
فاسقٌ........
(قصيدة المعضلة)
إن الشاعر وهو يغادر وطنه، بعد ان أوشك على الوقوع في مستنقع الشر والقسوة والإذلال، فيلتجئَ الى الجزائر، كي يجدد حياته ويعتق روحه، لكنه لايجد سوى أجواءٍ مماثلةٍ تحيل حياته الى عذابٍ مستديم ووحدة قاسية:
وكنتُ أقضّي
الليالي منكفئاً في سريري
نورساً ميّتاً
فوق مستنقع الملح، واهنةً كتفاي
لاأطيقُ حراكاً..
نداءات شعرية عميقة تنحتُ في فراغ الغربة وكوابيسها، أفقاً أخضر للقادم الجديد.. أنشده قصائده الطوال وحاوره حواراً حميمياً متصل الفقرات وكانه روحه الهائمة التي يبحث لها عن ملاذ آمنٍ يحميها من هذه القسوة وتحجر الكائنات من حوله، لقد انشأ الشاعر عالماً رحباً من المجاز، تميز باللغة الخاصة التي تتحول المفردة فيها من معناها الاستعمالي الى معنى جديد، يرتبط بشكل وثيق بسياقات الجملة الشعرية التي ينشؤها... ومن خلال لغته الخاصة هذه، أضفى على موجوداته أفقاً من الجمال والشفافية والانفتاح على الدلالات والتأويلات...وأصبحت القصيدة لديه صورة مشخصة وحيّة يتناوب في فضائها المشهدي والسردي، بعلاقة وثيقة، ويتناوب على إنطاقها ساردون يظهرون ويختفون بصيغ الضمائر المعروفة: الغائب، المخاطب، والمتكلم... وفي بعض الأحيان تتناوب في إنشاء المشهد الشعري أو السردي أصواتٌ يتداخل فيها الذاتي والجمعي.
إن إدامة الصوغ المشهدي والسردي في كثير من قصائد الديوان، يأتي هنا ليحقق ذلك التواشج بين التجربة الذاتية وبين فضاء الموضوع الرحيب.. فالسارد العليم يضفي على التجربة عموميتها، في حين يعمق السارد الذاتي تلك التجربة ويحيلها الى استغاثات انسانية شغوفة بالحياة والجمال والابتكار.. ويتضح ذلك في قصيدته (مقتطفات من ميناء منسي) وكذلك في قصائد اخرى كثيرة...تبدأ هذه القصيدة من كناية مألوفة عن شخصية البدوي، ولكنها تتعمق بالمجازات والصور الشعرية الجديدة المبثوثة في ثنايا القصيدة... كما يتضح ظهور الضمائر واختفاؤها في هذه القصيدة التي تصور الانسان- العربي بشكل خاص- وهو يخوض غمار هذه الحياةالمعقدة:
جاء رضيع النياق التائهة
في الفلوات الرملية، واستوطن الزقاق
المتعرجَ... صبغَ الأبواب
بالألوان الباهتة... اجتذبَ الصرخة،
في الليل وغناها...
وفي مقطع آخر يلجأ الى الخطاب المباشر-:
أنتَ البدويُّ
الهاربُ من صحرائك
لو لُعنِتْ كلُّ بقاع الدنيا
تبقى صحراؤك طاهرة
بعد ذلك تتشكل التجربة بذلك المخاض الاليم المشخص بضمير الأنا وهو ينشدُ من أعماق الذات تكريساً لهذه التجربة-:
لن أقفَ الليلةَ خلفَ النافذةِ
منتظراً نور الفجر
الآتي بين صياح الديكة
سيفاجئني البرد
شتاءً مخنوقاً
بالوحدةِ والصحبة والأمطار
وسأبحثُ عنك طويلاً..
إن التناوب في استخدام الضمائر في بناء القصيدة، يشكل أساساً مهماًَ في بنية القصيدة لدى الشاعر محمد طالب محمد.. فالضمائر تتداخل في صياغات مبتكرة وصور غير مألوفة، ويتضح ذلك في استعمالات الشاعر للمجاز في قصائده، حيث ترتدي الاستعارة والتشبيه والكناية وأنواع المجازات الأخرى اشكالاً جديدة... ويبدو ذلك جلياً بدءاً من عنوان الديوان (التسول في ارتفاع النهار) فيصبح الشعر تسولاً لابمعناه الحرفي، ولكن بمعناه المجازي الذي يحيل التسول الى تساؤل عن معنى الوجود والحياة في الظروف القاهرة والمستبدة.. ويعمد الشاعر الى ان يكون هذا (التسوّل/التساؤل) في ارتفاع النهار وأمام الانظار التي لاترى في الحياة سوى استهلاك ومتع زائلة.. في حين يجدُّ الشاعر في أسئلته التي تتضمن أجوبة في أفق مفارق-:
أعشقُ بردَ السَّحر
الآتي، في الأفق الشرقي
أسبح في رعشته
وأهادن ظمئي
ارتعشُ
عشباً في رابية
مأخوذاً بالعصيان.
(من قصيدة السياحة)
وإذا احتكمنا الى مجازاته الشعرية الجديدة وصوره المبتكرة التي تضمها قصائد الديوان فإننا سنغرق في عالم شعري متدفق يفيض بالسحر والجمال من خلال ذلك التواشج بين المفردات المتباعدة في المعنى المتآلفة في الصورة الشعرية.. فالصفة عنده لاتتوافق مع الموصوف او انها تحاول ان تتمرد عليه لتضفي سياقاً جديداً يحمل الطرافة والابتكار.. من أمثلة ذلك: (الأمكنة الجاهضة)،(تنبحني الأكلبُ في ليلٍ وضيع).إنّ تآلف هذه المفردات في سياقات شعرية، تشكل لدى الشاعر إثراءً وتمرداً في آن واحد، تفتح للمتلقي كوىً وآفاقاً واسعة تبيح له تأويلاً دون حدود...
أنا أرديةٌ مسكينةٌ
تنهرني العقبان محومةً حولي
في هذا القهر، فلن أقرأ
...إني في القهر
أقعي كالبركة تحت الغيم
منتظراً أن تصل الرحمة...
(قصيدة المعضلة)
وانا أكبحُ النومَ ملتحماً بالنجوم
في الهزيع الضبابيَ
يوهنني البردُ
وتماطلني غابة الحزن
(من قصيدة الفتوح)
وفي قصيدته الطويلة (التسول في ارتفاع النهار) تتوالى الصور بمفرداتها الغريبة غير المتألفة لتنسج مجازات غير مألوفة تعمل على تخطي السائد من الصور الشعرية، لتبقى متفردة وعصيّة على غيره من الشعراء.. وهي تكشف شاعرية مسكونة بالمجاز الجميل والشعر الصافي المتألق-:
( فالنوافذ أجنحةٌ
والحوائطُ والشجرُ المتطاول رفرفة
وزعيق... يجيء)
أو-:
( هذا جناحي “أريد”
نوارس هيمى
سواحلَ هائجة ومصباتْ
تهوي المياه عليها... تمزقها
وأريد مضارب للموج صخريةً
وزوارق مربوطةً
سمكاً
وسجائر... داراً ونافذةً)
لقد كان الشاعر محمد طالب محمد، جملة شعرية لاتنتهي، تنهمرُ فيها المجازات وتتداعى عبرها الصور لتؤلف سمفونية ضاجّة بالألم والمعاناة والرغبات المستحيلة.
أعلى