مـيخائيـل نـعيمـه - أفَاقَ القلبُ

دموعُ العين قد جمدتْ ،
وريح الفكر قد همدتْ ،
فلِمْ ، يا قلبُ ، لِمْ يا قلبُ
فيك النّار في لهبٍ
وكنت أظنُّها خمدت ؟
ربيع العمر مذ ذهبا
وريق الحبّ مذ نضبا ،
أفقتَ ، وكنتَ يا قلبي
بلا سمعٍ ولا بصرٍ
كصخرٍ في الحشا رسبا
فكم من مرّة هجما
عليكَ الحبُّ فانهزما
وكم ، كم قد جثا قلب
أمامك حاملاً أملا
فراح مزوَّداً ألما !
وكم عينٍ لديك بكَتْ ،
وكم روحٍ إليك شكت ،
فسالت مهجةُ الشّاكي
وجفّت دمعةُ الباكي
ورسماً فيك ما تركت !
إلى أن دار في خَلَدي
بأنّك لست من جسدي
وأنّك طينةٌ لمّا
براني الله لم ينفخ
بها من روحه الأبدي
فقلت لفكرتي اتّقدي ،
وقلت لنفسيَ اتّئدي
فنور الفكر يهدينا
إذا ما قلبُنا جمدا
ونوراً فيه لم نجدِ
ورحت أجوب ما استترا
من الدّنيا وما ظهرا
وأبحث في غبار العيش
عن خزفٍ وعن صدفٍ
أراه بفكرتي دُررا
ورحتُ أقيس أيّامي
وأعمالي وأحلامي
وما حولي ومن حولي
وما تحتي وما فوقي
بأفكاري وأوهامي
فأطرح كلّ ما حادا
عن المقياس أو زادا
وأفصل ذاك عن هذا
فأدعو البعض أشباها
وأدعو البعض أضدادا
كذا قسنا ليالينا
وحاضرنا وماضينا
أنا والفكر ، يا قلبي
ومن أكداس ما قسنا
لقد شدنا علالينا
كذا يا قلب ، شدناها
ودهراً قد سكنّاها
بعيداً عن صدى الأنّات
واللّوعات والشكوى
وعن دنيا كرهناها
جعلت الفكر حاميها
لأنّ الفكر بانيها
ولم أترك لقلبٍ كان
ميتاً بين أضلاعي
ولا مقصورة فيها
فقمتَ اليوم واعجبا
من الأموات ملتهبا
لتحرق ما بنيناه
ولا تبقي لنا حجرا
ولا خشباً ولا حطبا
وتتركنا بلا مأوى
ولا سندٍ ولا سلوى
تصفّقنا رياح العيش
في أقطار دنيانا
كما تهوى ولا نهوى
أقلبي احكم ولا ترهبْ
فما لي منك من مهرب
فأنت اليوم سلطاني
وأنت اليوم ربّاني
أدِرني كيفما ترغب
ودمِّرْ كلّ أسواري
وفضّح كلّ أسراري
وإن تعثر فلا تندم
وإن تأمر فلا ترحم
وزد ناراً على نارِ
وخلِّ النّاس بالنّاسِ
تقيس البحرَ بالكاسِ
وقل للفكر إنّ القلب
بحرٌ شاسعٌ طامٍ
يُقاسُ بغير مقياسِ !
أفاق القلبُ ، واطَربي !
أفاق القلبُ ، واحرَبي
فنم يا فكر ، أو فاخضع
لقلبٍ كان من حجرٍ
فصار اليوم من لهبِ

1922
#همس_الجفون
ميخائيل نعيمه
أعلى