صافيناز كاظم - شرح فى «أيام زمان»

مازال التصور لأيام «زمان» يبعد كثيراً عن حقيقتها التى عاصرناها، والغضب من الحاضر الفاسد لا يسوغ قبول الماضى المماثل له فى الفساد، فالفساد مرفوض ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
عندما ينظر إنسان من مواليد ثلاثينيات القرن الماضى إلى مرحلة طفولته، التى هى فترة الأربعينيات من 1940 إلى 1950 مثلاً، يجد فيها حرباً عالمية ثانية طاحنة وموجعة للمنتصر والمنهزم على مستوى العالم، ونجد على أرض مصر ملكية تزداد فساداً يوماً بعد يوم بأغنياء حرب جشعين وملاك أراض لا رحمة فى قلوبهم نحو الفلاح الأجير، واحتلالا إنجليزيا فى أوجه، يجد من بين رجال الدولة من يهادنه ويتملقه ويأتمر بأمره بل يحبذه!
ونجد قيام كيان صهيونى، مايو 1948، بعد هزيمة للجيوش العربية على رأسها جيش مصر الذى عاد بقائده ضبعاً لا سبعاً، صفة مخففة كالعادة لهزيمته، والكلام لا يتوقف عن صفقات الأسلحة الفاسدة، ووباء كوليرا يحصد الآلاف من القرى التى يجتاحها بلا دفاع، وغلاء الأسعار الذى عبر عنه شكوكو بمونولوج أذاعته الإذاعة: «آه م الأسعار عند التجار بتولع نار، ورغيف العيش شكله ده عبرة ما يكفى حتى لمسح الزور، وأنا عندى يابوى صبيان وبنات ومراتى ما بتبطل طلبات!»،
ونجد سيادة تمييز طبقى لأمراء ونبلاء وأرستقراطية مفتعلة اختارت الاستعلاء على الشعب وثقافته ودينه بثقافة المحتل الغربى، الفرنسى والإنجليزى، وكانت لهذه الطبقة تقاليدها وسماتها المنفصلة تماماً عن تقاليد وسمات وقيم الشعب المصرى العزيز، فاللغة الفرنسية كانت هى لغة التخاطب لمجتمع السراى، ومن يلوذ به ويتقرب إليه، وإذا تكلمت هذه الطبقة المتعجرفة، وكانوا يدعونها الطبقة الراقية، اللغة العربية تسمعها لغة عامية عاجزة لا تنطق الحاء أو القاف فهى عندهم مطلوبة لغرضها المحدود ألا وهو التفاهم مع الخدم! ومع حرص هذه الطبقة على أسماء مثل: خديجة وأمينة ومحمد وأحمد وحسن وحسين... إلخ،
لا تجد لديها حرصاً على إسلامها، إلا فى النادر، فهى طبقة فى كل أحوالها «ألافرانك»، أى تابعة للنموذج الغربى الغالب عليه الفَرْنسة، يمكننا أن نقول إنها طبقة «لم تتعرف» على الإسلام أكثر من كونها خارجة عليه أو تاركة له، وحين يستجيش فى صدر أحدهم حنين دينى يكون أقرب إلى الكنيسة الغربية منه إلى المسجد، فالمربية الأجنبية لم تستطع أن تلبى الاحتياج الدينى لهؤلاء الناس فى طفولتهم إلا عبر عقيدتها المسيحية، هى طبقة انتمت بحذافيرها للنموذج الغربى، فضائله فضائلها ورذائله رذائلها.
فى ذلك «الزمان»، الذى «يزوق» للأجيال الحالية بصفته «الزمن الجميل»، كانت مصر تعج بالأجانب بمستوياتهم المختلفة، من الخواجة المتاخم لـ«الطبقة الراقية»، إلى يهود أحياء الظاهر والسكاكينى وحارة اليهود، مع الإيطالى والأرمنى واليونانى واليهود المحتمين بحماية فرنسية أو غيرها، يستفيدون من امتيازات لا يتمتع بها سائر الشعب المصرى، يتكلمون لسانهم الأصلى وإلى جانبه اللغة الفرنسية التى يترفعون بها على سواد الشعب المصرى، فكان بإمكان أى عاملة أجنبية أو يهودية فقيرة فى أى من المحال الكبرى أن ترطن مع زميلتها بالفرنسية لتخلق جواً من الترفع المحرج لزبونة مصرية بنت بلد لإشعارها بالدونية.
نعم كان هناك تسامح لكنه كان من جانب المصريين، المتنازلين، تجاه الوافدين المعتزين بأجنبيتهم والمؤكدين لها على كل صعيد.
أعلى