د. أيمن دراوشة - لعنة جزر بالميرا - أميرة مبارك - قراءة وتحليل

قيم فنية تم رصدها من خلال الكشف عن السمات الفردية والخصائص الذاتية للشخوص مع الحياد تجاه المواقف والأحداث.

أولا: ملخص الرواية

تحكي الرواية المثيرة قصة شخص ثري يدعى أودين الشخصية الرئيسة في الرواية وبطلها، حيث يفقد زوجته نتيجة مرض عضال، فيعزل نفسه في منزله حزينًا كئيبًا، ويمتنع عن العمل، وكان لديه مخدومان هما تشارلز والسيدة إيفا، اللذان حاولا إخراجه من حالة الحزن الشديد الذي يعيشه، بإقناعه بأن يعود إلى العمل، فالعمل الحل الوحيد الذي ينسيه ما أصابه.

يقتنع السيد أودين بأنه لا جدوى من عزلته، وعليه الخروج والعمل ومواجهة الناس، ومن هنا تبدأ الرواية، فيوقع عقدًا مع أحد الأشخاص الأثرياء الانتهازيين؛ كي يبحث عن كنز أسطوري في جزر بالميرا برفقة فريق عمل متكامل من خبراء خاضوا التجارب والحروب سابقًا وعلماء نبات وطبيعة وطبيب وقائد للمجموعة...

تبحر السفينة إلى تلك الجزيرة الملعونة، فيقتل ثلاثة من الفريق الاستكشافي بطريقة بشعة ومرعبة، ويصادف البعثة العديد من اللحظات الخطرة التي تحبس الأنفاس، لتنتهي نهاية غير متوقعه.

ثانيًا: تصنيف الرواية ونوعها:

استطاعت الروائية من خلال تجربتها الإبداعية أن تخلق كونها الخاص، وتحقق إنجازًا روائيا هائلًا بين الرواية الخيالية والرواية التاريخية والرواية الرومنسية ورواية المغامرات... والجمع بين هذه الأصناف ليس بالأمر الهين، فهو بحاجة إلى اقتدار واستبصار واستكشاف الوجود في الباطن البشري، واستنطاق الحياة الخفية في ذات الذات.

"إذن فكما كنت أقول، بالاتفاق مع المجلس الإداري المصغر ّتم تنصيبك قائدا للبعثة الاستكشافية، وبعد قليل ستتعرف على أعضاء فريقك وأنا أضمن لك كفاءتهم المهنية وتعدد القواسم المشتركة بينكم"

ثالثًا: إبداع الشخصيات

تميزت الرواية بإبداعها في الشخصيات، ولكل شخصية سيرة ذاتية مختزلة وضحتها الروائية بدقة سردها ولغة تصويرها لتلك الشخصيات من تشارلز إلى السيدة إيفا إلى مارك بوستر حتى جورج كولفي والآنسة روز بوتن والطبيب ناثان نيل والقائد وليام كايلن وستيفن مورس...

ومن أهم مظاهر تلك الشخصيات هو تداخل الشخصيات، وتفاعلها مع بعضها البعض مما جعلها أقرب إلى الحقيقة، وهي بذلك أثرت في بعضها، وتطورت لتشكل مجريات الأحداث التي تدور حولها الرواية، ومن مجمل المفارقات أننا نجد الشخصية المعقدة أو الشخصية التي هي ضربا من التوافق المستساغ إلى الحياة.

إلا أن التوافق شديد الحساسية؛ لأنه لا يوجد شخص متوافق مع نفسه تمام التوافق، فنحن بشر لنا أهواؤنا ونزعاتنا ورغباتنا، لذلك فالسلوك متقلب نتيجة متغيرات حياتية ربما تكون صادمة.

أما التعقيد فهو جزء منا نحن البشر، وقد استطاعت الروائية أميرة مبارك أن تصور لنا ببراعة الشكوك والحيرة والسلوك، والصراعات التي دارت رحاها في جزر بالميرا.

"لم تكن لدى أودين نوايا أو أهداف غير إنماء قدراته التحليلية ومهاراته الذهنية ليفهم العالم بشكل أفضل يسمح له بأن يعيش فيه مرتاح البال منقطع النظير عبر معالجة عقده وملاحظة تفاصيله التي لطالما قالت له الكثير!"

تميزت شخصيات أودين والآنسة روز وناثان وجورج كولفي بشخصيات معقدة التركيب، وفي الوقت ذاته لها حضور فاعل، كما تميزت بالحيوية والحركة وتماثلها لإنسانيتنا المعقدة.

كما تميزت الشخصيات بإبداع رسمها حيث تم الاقتناص من حياتهم ما لا يناقضها، ولا تتعارض معها، وتتفرد بتصفيتها مما لا قيمة له ، وأن الروائية خلقت بفنها حياة خاصة، تنافس حياة شخوصه في صورتها العامة وربما تفوقت عليها.

كما استطاعت الروائية أن تجعل من شخوصها التي تتفاعل في إطار موقف معين وهي بذلك تحدد إمكاناتها في مسار الرواية، فلجزر بالميرا سطوة فنية، وصرامه في نظامها الداخلي.

"كانت إيفا امرأة في عقدها الخامس، أثيثة الشعر، بهية ّ المنظر، رائعة الطلعة، لها من الحسن ما تعتد به لولا بدانتها التي خبأتما تمتعت به من قوام، فمن يشهد بياض بشرتها ّأت ما تمت التي خب ّ ّ ي توشح وجنتيها تناسى وصفاء محياها والحمرة الخفيفة التي توشح وجنتيها تناسى شكل جسمها المضطرب وشحومها المكتنزة..."

رابعًا: الأسلوب

أهملت الرواية السرد والقص التقليدي، واعتمدت على التشابك الزمني بين الماضي والحاضر، ويضاف أن الزمن بأبعاده وامتداداته قد منح رؤية أشمل وأعمق وأوسع، وهو في اتساعه يطوي في خاصرته مادية المكان بحسيته المحدودة وخياله الخلاق.

ومن هنا اعتمدت الروائية على رصد سيولة الفكر، وملاحقة جريانه من خلال التداعي الحر للذاكرة وكان شخصية مثل شخصية روز أو اودين أو ناثان أشتات من المشاعر وفلذات من المواقف، ومن ثم كان البتر السردي والوصفي ضرورة فنية لتجسيد ما يناوش فكر الذات في دورانه الدائم وفي حركته المستمرة.

فكان السارد يلهث وراء تسابق الأفكار التي ينفثها الذهن بسرعة متلاحقة، كما كان للكلمات أن تلهث أيضًا لتقبض على دفقات الفكر المتدفقة.

وتتضح قدرة الروائية في تمكنها من التقاط ما يتناثر على محيط الذاكرة، لتصوغها في كثافة لغوية دون رذاذات عقيمة لا تفيد، ونتوءات فكرية لا قيمة لها.

ومن أمثلة ذلك استحضار أودين لزوجته الراحلة ماري، واستحضار روز حياتها البائسة وما صادفها من مشكلات الحياة.

إن عدسة الروائية متعددة الزوايا ولها القدرة على التقاط جوانب مختلفة، تتجاوز أي عدسة أخرى سواء رؤية قريبة أو بعيدة.

"قطعت السفينة مسافة الثمانية آلاف ميل ولاحت في الأفق سواحل جزر بالميرا كعروس تنتظر بفارغ الصبر عريسها ليكشف عنها المستور، فاستعد الفريق لخوض غمار الرحلة المنتظرة حزموا متاعهم وجهزوا مؤنهم ومعداتهم ونزلوا من السفينة ّ على متن قارب صغير ارتج ّ بقوة حالما لامس هيكله سطح المياه"

خامسًا: اللغة

لا شك أن الروائية ذات خبرة وثقافة لا يشق لها غبار، فهي عالمة بالفلسفة وعلم نفس والتاريخ والجغرافيا والعلوم ... فكانت اللغة تلهث في اندفاع خاطف بالجمل والعبارات، ومرة يكون الإيقاع بطيئًا، وربما يتراوح بين الحالتين.


إنَّ الروائية تدرك حدود المسافات بين المتحاورين، فكانت خارج إطار الرواية؛ ودعت الآخرين ينسجون بنيتها اللغوية والأدائية.

سادسًا: النهاية

لم تنته الرواية كنهايات أفلام هوليوود حيث يجدون الكنز بعد مغامرات مصورة بتقنية عالية مبالغ فيها ... لكن الروائية صدمتنا بنهاية مأساوية حيث لم يكن الكنز سوى قبر يحتوي على هيكل عظمي، ويبقى بطل الرواية أودين هائمً على وجهه ينتظر مصيره المحتوم.

"ها هو يصل إلى الحضيض النفسي وإلى العمق المطلوب، المياه تغمره من أعلى رأسه إلى أخمس قدميه، لم يعد بإمكانه حبس نفسه أكثر فقد حلت الثانية الأخيرة، انفتحت شفتاه وطلبت رئتاه الهواء النقي فتدفق الماء فيهما، اختنق وأحرقته شعبه الهوائية وصعقه وميض ضوء غريب ومن ثم ّ عم الظالم.

سابعًا: كلمة أخيرة

قامت الروائية بتطويع أدائها السردي وحواراتها بما أرادت التعبير عنه، مما يدل على ثرائها المعجمي، وجهدها الواضح في استكشاف إمكانات اللغة مشكلة خامتها صانعة تراكيبها حتى بدت لنا ذات مرونة بالغة ومعان مراوغة مع إقامة توازن رهيف بين السرد والحوار، بحيث يكمل كل منهما الآخر مما أدى إلى تماسك البنية الروائية وتوحد مسارها، كما بدت لنا مهارة الكاتبة بتوظيف ذلك الحوار مكتملا فكريًا ووجدانيًا تجاه مضمون الرواية، وكذلك الكشف عن الشخصيات من ناحية سلوكها وظروفها ومواقفها.

"أفلت الشمس وتلونت السماء بألوان الغروب الراقية، درجات من الحمرة الهادئة التي اصطبغ بها الأفق وتباهى بها الغمام فقرر أودين نصب الخيام على الشاطئ بدل التهور، ودخول الأدغال فلم تبق إلا بضع ساعات حتى يسدل الليل حلكته على المكان"










تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى