مصطفى فودة - قراءة فى رواية وللبحر ارتعاشات للكاتب السودانى فايز الشيخ السليك

ظلت الرواية السودانية لفترة طويلة مرتبطة باسم الطيب صالح وروايته البديعة موسم الهجرة إلى الشمال ، وبمرور الوقت ظهر بالسودان روائيون موهوبون أثبتوا قدراتهم الروائية والسردية ومعبرين عن عصرهم ومشاكلهم ومشاكل مجتمعهم والتى تغيرت بالطبع عما عبر عنه الطيب صالح ، ومن هؤلاء الكتاب فايز الشيخ السليك فى روايته وللبحر ارتعاشات والتى صدرت عن دار الشروق فى مائتى وثلاث عشرة صفحة .
وبتأمل عنوان الرواية ربما تكون كلمة البحر هى الكلمة المفتاح للرواية فقد صورت الرواية أهوال الهجرة عبر البحر، ويسبقها واو العطف أو الاستئنافية ولها دلالة على حدوث أشياء تسبق البحر قد تكون الحياة قبل ركوب البحر ومحاولة الهجرة إلى أوروبا ، وكذلك يعقبها ارتعاشات ولها دلالة نفسية وواقعية عن الخوف من أهوال تلك الهجرة غير الشرعية عبر سماسرة وما يمارسونه من استغلال وهو ما سيتبين عبر الرواية .
تبدأ الرواية بصوت الراوى وهو (يونس) الشخصية الرئيسية فى الرواية وهو على زورق بالبحر الأبيض المتوسط مستعيدا حياته وذكرياته أى تبدأ الرواية من النهاية مستخدما تقنية الاسترجاع وعبر توالد الحكايات وهى تقنية عربية أصيلة نجدها فى ألف ليلة وليلة يستعيد حكاياته " هأنذا أقف متعلقا على حبال أشرعة تشدنى حنينا إلى شاطئ كريات خائبة ، وتدفعنى أشواقا إلى عالم مجهول الملامح والهوية ، تحسست نفسى وسط كتل هلامية متراصة بعضها فوق بعض ، كانت الكتل البشرية مسافرة بلا جوازات سفر، دون هويات ، وحدتنا ظلمة الليل ، وفراغ البحر وسديم المجهول " ، ومن خلال استرجاع يونس حياته نعرف أنه جاء من السودان للبحث عن أخيه يوسف وربما كان أخوه يوسف هو الوجه الاخر لبطل الرواية يونس حيث يذهب للبحث عن ذاته ، ويستخدم الكاتب تقنية التناص مع قصة النبى يوسف وما حدث له مع أخوته وأبيه ، كما استعمل التناص بينه وبين النبى يونس ( ذو النون) والذى ابتلعه الحوت وهما النبيان اللذان ذكرا قصتهما بالقرآن الكريم ، وبالتقاطع مع عشرات الشخصيات بالرواية من كافة الجنسيات من السودان وجنوب السودان واريتريا وسوريا وغيرها من الجنسيات والذين ينشدون الهجرة عبر البحر الى اوروبا أو عبر سيناء إلى إسرائيل ، نتعرف على حياة الراوى وهؤلاء الذين يبتغون الهجرة غير الشرعية فى أحياء القاهرة ومقاهيها وباراتها وفى ميدان التحرير وذلك أثناء أحداث ثورة 25 ينايرفى مصر وما حدث خلالها من تطورات وتغييرات .
حفلت الرواية بالجانب الثقافى وأشارت إلى كثير من المفكرين والشعراء والفلاسفة مثل قس بن ساعدة أحد حكماء العرب قبل الاسلام ، وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم وبدر شاكر السياب والاشارة رواية زوربا اليونانى وصمويل بيكيت و مسرح العبث بل كانت بعض الحوارات ذات طابع ثقافى وفلسفى." تمنيت لحظتها لو كنت أمتلك روح زوربا اليونانى بطل رواية الكاتب كازنتزاكى كى أهزم بها حزنى أقضى بها على خوفى "ص 196 ، " ثرثرنا حول السياسة والفكر وتناقشنا حول سيكولوجية الجماهير وغوستاف لوبون وفلسفة ميشيل فكو والبنيوية والجنون ، أنطونيو غرامشى والمثقف العضوى ، جيفارا والثورة ، والحداثة وما بعد الحداثة " ، كما أشارت الى الغناء السودانى والغناء المصرى والمطرب المصرى محمد منير والشاعر السودانى الهادى آدم وأغنيته أغدا ألقاك والتى غنتها أم كلثوم ، كما ذكرت عشق البطل لكتاب أمريكا اللاتينية وواقعيتهم السحرية .
كان الحوار بالرواية قصيرا وطبيعيا ووبالعامية المصرية والسودانية والسورية وقد كان مشوقا وساهم فى تصوير الشخصية وتحريك الحدث وعلى سبيل المثال
- ها البنت الامورة شو خبرها ؟
- مين تقصد ياعم علوان ؟
- المزة يا زول .. دنيا بتحبك يازول .. بتموت فيك .
وفى حوار أخر
- قول للجماعة ديل مبروك
- فى شنو؟
- اتزوجو
جاء السرد بالرواية متدفقا بلا فصول أو أرقام بلغة بسيطة وجميلة وتحوى كثير من المجازات والتشبيهات وعلى سبيل المثال يصف البطل ذكرياته عن مُنية حبيبته بالسودان " ما ظننت أنها ستنفض ريشها من تحت ركام الرماد ، تبنى أجنحتها من حنين من جديد تنمو كطائر فينيق ، ها هو طيفها يأتينى وأنا أقترب من البحر " .
كما حفلت الرواية بالتناص الكلى عن قصة النبى يوسف بالقرآن الكريم ويوسف ِشقيق الشخصية الرئيسية وقصة النبى يونس ( ذو النون ) مع الشخصية الرئيسية يونس ، كما حفلت بالتناصات الجزئية مثل كان يتمنى أن تخسف به الأرض ، حاصرته الأعين التى لا تعرف ما تخفى الصدور ، خطورة نظراتها القاتلة تقتل ولا تحى قتلانا ، وغيرها من التناصات .
عبرت الرواية عن واقع صادم جديد للشباب السودانى إذ جعلوا وجهة هجرتهم غير الشرعية إلى اسرائيل عبر سيناء بجانب الهجرة المعتادة الى أوروبا ، " وسط هذا الدمار والخراب الانسانى والمكانى ، أنت ميت إن لم تعش بجنون " وربما كانت هذه الفقرة معبرة عن شعور اليأس بين الشباب السودانى وربما كانت الهجرة إلى إسرائيل نوعا من هذا الجنون ، وهذا لا يقتصر على الشباب السودانى فقد نقلت لنا بعض الصحف أن عدة آلاف من المصريين يعيشون فى إسرائيل .
عبرت الرواية عن أوضاع مروعة للمرأة واستغلالها جنسيا والتحرش بها أثناء وجودها بمصر قبل تلك الهجرات غير الشرعية نتيجة لاحتياجها للمال والعمل فى البيوت كخادمات أو استغلالهن من قِبل عشاقهن وتحكى الفتاة زينب عن استغلالها من عشيقها والاستيلاء على ما تكسبه من عملها فى البيوت كخادمة وكذلك سماحه لصديقه بمواقعتها جنسيا "رفعت قميصها وأرتنى ظهرها .. رأيت على ظهرها ذكريات وثقها ضربا وكيا بالنار وضربا بآلة حادة ، انفجرت باكية وكأن الحادثة قد وقعت قبل ساعات " .
كما تناولت الرواية سرقة الأعضاء البشرية من هؤلاء المهاجرين عن طريق تحقيق صحفى( فى صحيفة اليوم السابع المصرية ) يتحدث عن تجارة البشر وسرقة الأعضاء البشرية عن طريق عصابات تهريب الافارقة وقتلهم ونزع أعضائهم بهدف الاتجار بها ً " ووفقا لشهادة عامل بالمشرحة تتنوع الاصابات بين جثث مقتولة بالرصاص أو ممزقة الجسد قبل التشريح وهو ما يعنى أن تلك الجثث تعرضت لسرقة أعضاء.. أحيانا يصل عدد الجثث إلى عشرة حالات ، كما قال لنا (ع.ب) أحد الاطباء بمستشفى العريش العام ولحظنا أن جثث الافارقة منزوعة الأعضاء والاغشية وبعض الجثث بها جروح عميقة فى منطقة الكلى التى تدل على سرقتها بالاضافة الى وجود جثث بلا قرنية والبعض الاخر بلا قلب وأخرى مشوهة " ص 179.
كان الفضاء المكانى للرواية السودان والقاهرة وخاصة ميدان التحرير وشبه جزيرة سيناء واسرائيل والبحر المتوسط كما كان الزمان أثناء أحداث ثورة 25 يناير ولم يكن الزمن بالرواية خطيا( الاقدم فالأحدث) بل كان متقطعا ( متشظيا ) حيث بدأت الرواية بنهايتها ثم تتابعت الاحداث بالاسترجاع إلى الوراء متذكرا حياته السابقة مما أضفى على الرواية نوعا من التشويق والاثارة وهى تقنية حديثة تختلف عن الأداء الكلاسيكى للرواية .
استطاعت الرواية أن تقتحم ببراعة موضوع الهجرة غير الشرعية للشباب السودانى والأفريقى والتحدث عن المسكوت عنه بهذا الموضوع وما به من وقائع مروعة وكذلك استغلال النساء والتحرش بهن وتجارة الأعضاء والاتجار بالبشر كل ذلك بسرد جمالى ولغة جميلة متقنة وحوار رائع ومناسب للشخصيات وكاشف لها ومساهم فى تحريك الحدث واستخدام تقنيات سردية ساهمت فى تقديم رواية فنية حديثة اتسمت بالتشويق والإثارة .
ملحوظة : قرأت بجزءٍ صغير من هذه القراءة أثناء مداخلتى بالندوة المنعقدة بورشة الزيتون يوم الأثنين الموافق 29 /8/ 2022 فى حضور المؤلف الأستاذ فايز الشيخ السليك وجمع من الأساتذة الحضور .
بقلم مصطفى فودة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى