مصطفى فودة - قراءة فى ديوان نساء التفاح للشاعرة بهية طلب بقلم مصطفى فودة

الأستاذة بهية طلب شاعرة مصرية من مواليد 1966 تكتب قصيدة النثر صدر لها من قبل عدة مجموعات شعرية منها اعترافات عاشقة قروية ، العشق تميمة جنوبية ، تفاصيل ضد تفاصيل مع ، أيام للموتى ، تاريخ النعامة ، عدسات لاصقة لعبور نهر ، قبل هروب انجلينا جولى ، بهية اسم للبكاء ، وطرق فاشلة لاستعادة الأحبة .
وقد صدر لها الديوان العاشر نساء التفاح موضوع القراءة عام 2021 عن الهيئة العامة المصرية للكتاب ، ويقع الديوان فى تسع وثمانين صفحة وينقسم إلى قسمين ، القسم الأول نسائى المضيئات والقسم الثانى حالات لامرأة حزينة ، يدرك القارئ للديوان أننا أمام ديوان حديث بلغة حديثة وبلاغة حديثة تسيدت فيه لغة الصورة فى زمن أصبحت الصورة هى لغة العصر زمن الميديا الحديثة حيث عبرت عن أفكارها عبر ممثلات بأفلام عالمية كما عبرت عبر لوحة تشكيلية لبريمير وكذلك عبر نص شعرى قديم للنابغة الذبيانى ، وعنوان الديوان يتكون من كلمتين الاولى نساء ( مضاف ) بما تمثله من اشتغال الديوان على النساء باحلامهن وتطلعاتهن وأمانيهن وبما يواجهن من احباطات وآلام وأمراض ، والكلمة الثانية وهى التفاح (مضاف اليه) بما تمثله حلاوة وجمال وللتفاح دلالات اخرى فى التاريخ الانسانى والدينى عن غريزة الجنس والتكاثر والتطلع للجنسى للآخر .
يحتوى الديوان على خمس عشرة قصيدة وينقسم إلى قسمين القسم الأول بعنوان نسائى المضيئات والقسم الثانى حالات لامرأة حزينة
ويتضمن القسم الاول نسائى المضيئات سبعة شخصية نسائية معروفة عالميا تماهت الذات الشاعرة معهن وعبرت عما تريده وتشعر به تجاه العالم عبر هذه الشخصيات النسائية والتى عبرت عنهن بإضافة ياء الملكية فى ( نسائى) ووصفتهن بالمضيئات لها فى ظلمات الحياة فكان عنوانا معبرا تماما عما تحمل الذات الشاعرة من مشاعر الحب والمتنان لهذه الشخصيات النسائية السبعة .
ونساء الذات الشاعرة المضيئات هن نجمات سينما (ممثلات ) عالمية ومصرية وموديل للوحة تشكيلية وبطلة لقصيدة شعرية المتجردة وتبلغ سبع نساء اختارت الشاعرة لحظات من حياتهن وعبرت عما يختلج فى نفوسهن وعقب كل قصيدة كتبت عبارة هامش قد يمت إلى المتن وتذكر مصدر شخصية القصيدة ، فى قصيدة فرانشيسكا بطلة فيلم جسور ماديسون بطولة الممثلة ميريل استريب والتى تشعر بالملل فى حياتها ثم تتعرف على مهندس أتى الى المقاطعة لمدة ثلاثة أيام لتصوير موقع إنشاء جسر بها وتنشأ بينهما علاقة حب مشبوبة وتفكرفى الهرب معه ولكن حبها لأولادها وبيتها يمنعها عن ذلك تقول (الملل/ الملل / لماذا لا يمل جسدى / مع أننى مللت ملامح وجهى / ... أنت فى ثلاثة أيام / أوقفتنى على هذا الجسر/ وعبرت بى إلى حلم / لم أكن أرى أى جمال فى جسر تعبره الاقدام / ويشبه حياتى / فى ثلاثة أيام / أشتريت ثوبا / لا يستر لأنوثتى / وامتلأ فمى بالضحكات / وعرفت الموسيقا / وصوت العصافير/ وأنا التى يصم أذنى / هسيس النار/ وصوت البخار فى أوانى الطبخ / فقط / ....كيف تريدنى أن أهرب / وأنا لملمت قصاصات أيامى / وشيدت بها جدران هذا البيت / كل هوائه رائحتى / وأطفالى رئة وحيدة / لا يتنفسون إلا أن أكون جوارهم / كيف تأخذ قلبى / وكيف أتبعه إليك
وفى قصيدة ليلى والذئب تكتب الشاعرة عن وجه آخر للحكاية الشعبية التى تصور الذئب وحش مفترس يتحايل على ليلى حتى يصل إلى جدتها ويأكلها كما فى الحكاية الشعبية ، ولكن فى القصيدة تتحدث عن دلالة إخرى للذئب قد تكون الرجل وهو تأويل جديد للحكاية الشعبية .
من قال إن الذئب خائن / سواهما (تشير إلى أمها وجدتها )/ ربما أراد أن يسمع صوتى / وأنا أغنى / هو ياتينى فى الحلم / يضاحكنى/ يحدثنى عن أمنياته فى نزهات معى / ويحكى لى ما لم تخبرنى به أمى وجدتى .
وفى قصيدة انجلينا جولى وهى نجمة سينمائية أمريكية عالمية أصيبت بالسرطان بثدييها وتم استئصالهما وأعلنت عن ذلك وواجهت ذلك بشجاعة مما أشاع الأمل فى باقى النساء المصابات بالسرطان بالثدى كما تقوم بالسفر لمناطق التوتر فى العالم لمساعدة المحتاجين والاطفال وقد سبق ان كتبت الشاعرة ديوانا عن هذه النجمة بعنوان قبل هروب انجلينا جولى . تقول الشاعرة فى قصيدتها انجلينا جولى :
فى بهو فرعونى / تجلسين كملكة/ تنام النمور حولها فى سكينة / دانت لك المدن / برجالها العابثين / يحلمون برائحة السوسن فى ثيابك / المدن يا صديقتى قاتلة / والاطباء خونة / لماذا أباحوا سرقة نهديك / بمقصلاتهم / ولماذا استمعت لهراءاتهم عن الالم ؟
وفى قصيدة أين عمرى وهو فيلم مصرى قصة احسان عبد القدوس بطولة الممثلة ماجدة الصباحى تمثل فيه دورعلية التلميذة التى تتمنى الاستقلال بحياتها وتتزوج من عزيز الذى يكبرها بأربعين سنة وتعانى غيرته وقسوته وتتعرف على طبيب شاب يساعدها على التخلص من من حياتها مع زوجها فتعوض سنوات الحرمان والكبت التى عانت منها
أيها الرجل الذى يقرأ الأوديسة / لماذا تريد للأحصنة أن تتحلى بالفضيلة / ولماذا تسجننى فى حجرتك / هل أشبه مهرة مثلا / ستؤدبها بسوطك / أنا قطة / لكنها لن تكتفى بلمساتك الخائفة . والشاعرة ليس مجرد حاكية للفيلم ولكنها تصور أفكار وتصورات فتاة صغيرة حتى ولو ظلت أفكارا - تعانى من زوج يكبرها بأربعين سنة فتحكى بلسان تلك الفتاة ساخرة من بينلوبى الواردة بالأوديسة وهى زوجة أوديسيوس رمز الوفاء للزوج التى ظلت ترفض الخاطبين لها طوال فترة غياب زوجها انها لا تتقن الغزل وأنها كانت تجرب قدرة عشاقها
وصوت رجل يقرأ الإلياذة والاوديسا /ههههههه/ بينلوبى / كانت تعبث برؤوسنا / وتقول إنها تغزل ثوبا / ستنهى به وقفة خطابها / كانت بينلوبى لا تتقن الغزل / كانت فى ليلها تجرب قدرة عشاقها / ومن سيحتمل البقاء على جسدها / أيتها الالفظ النابية / والأفكار الخبيثة / كفى عن تشويه راسى .
وفى قصيدة ذهب مع الريح وهو أحد كلاسيكيات السينما الأمريكية وحصل على ثمانى جوائز أوسكاربطولة فيفيان لى حيث قامت بور سكاريت أوهارا ويحكى عن انعكاسات الحرب الاهلية الامريكية بين الشمال والجنوب ولكن القصيدة تأخذ جانب نبذ الحرب وفقد الحبيب .
أنا امراة منذورة للحرب / وليس فى الحرب نجاة / تديرنى فى تروسها / فأذرع الارض وأشكل القمح خبزا / وأحلب البقرات / وتقذف قنابلها / لتحرق بيتى / وستائرى اللامعة / الحرب غادرة فقدت حبيبا / وسعيت لرجل أحبنى / فأعطانى بندقية لأحرس بقراتى / وبيتى المحترق .
-وقصيدة قرط لؤلؤى تتناول اللوحة التشكيلية فتاة القرط اللؤلؤى للفنان يوهانس بيرمير ولكن القصيدة تتاول شيئا آخر تنطق احساس موديل اللوحة وهى خادمة تتمنى ان تتحول الى سيدة بيت الفنان وتخاف بعد رسمها أن ينبذها ويعاملها مثل ما تعاملها امرأته كخادمة
كم يخيفنى / بعد انتهائك من اصطياد لون الدهشة بعينى / أن تردد ما تقوله سيدتى / الخادمات هن الخادمات / بمنفضة للتراب / وغطاء لشعرهن / فلن ينير قلبها / ضوء الؤلؤ .
-وقصيدة المتجردة وهى زوجة النعمان بن المنذر ملك الحيرة والذى كلف الملك شاعره النابغة الذبيانى بكتابة قصيدة في وصف جمالها فكتب المتجردة ، ولكن قصيدة الشاعرة بهية تتحدث عن شئ آخر لا يوجد فى قصيدة النابغة وهو عن احساسها كامرأة لديها الياقوت والزمرد ولكنها تفتقد الرجل .
وفى الصباح يتمنطق سيفه / متجاهلا طعم الجوع بعينى / والنعمان زوجى / وأنا ألعنه / أو لم يكفه ملك الحيرة / فجاهر بملكيته لى / وأرسل النابغة ليصف أعطافى / أنا الجميلة التى كثرت عليه / فوزع حسنها بين الناس والشعر .
فى القسم الثانى من الديوان حالات لامرأة حزينة يشيع فيه الحزن والوحدة والبرودة والشتاء والموت والشوك والصداع والأشواك وتعبر فيه الذات الشاعرة عن نفسها وليس عبر وسيط كالقسم الأول
هل تعلمون لماذا لكل شئ ظل/ لكى يأنس الوحداء .....ص67
وسألعن الغابة لأنها مازالت تنجب بناتها / لتهبهم للموت / وأكرهم أكثر ص69
أرتعب من المطر / وللشتاء كراهية عتيقة تسكننى/ فملابسه خشنة لا تخربش جسدى فقط / بل تطعن بأشواكها روحى / يالله .ص71
وأضع تاجا من الأسبرين / ما فائدة الالماس اللامع إن لم يأخذ/هذا الصداع .ص72
كلما جرحه الأصدقاء أنبت شوكة / كلما أحرقه الاحبة بنبراتهم أنبت شوكات / أشواك كثيرة صارت تنمو فوقه ص73
للضغينة رائحة الموت / ألاتتشممينها . ص74
يشيع فى القسم الثانى من الديوان استخدام مفردات الحيوان بكثرة ملحوظة ولها دلالة العنف مثل القطط ، الضفادع ، النمور ، الغزالة كهدف للصياد .
لا أحتمل هذه الكراهية التى تتواثب كالقطط إلى صدرى .ص71
-سأقذف قططا سكنت صدرى لأعوام وأبتلع مكانها وردتين / وأقتلع كل الضفادع التى أقامت احتفالاتها الحمقاء فى رأسى
-قلبى هذا القنفذ الخائف الذى يخيفكم .ص73
-هل تعرفين هذه القطة التى تسرق الأحبة من رفيقاتها ص73
-هل تعرفين هذه السمكة التى عبرت المحيطات / وضيقت زازية عينيها لتتغافل عن اصطياد النمور البدينة . ص74
-وقد تكرر لفظ الغزالة أكثر من مرة فى القسم الثانى وهى حيوان رقيقة مسالمة تعيش فى الغابة طليقة تنشد الحرية ولكنها دائما تكون مرصودة للصيد والقتل وهى معادل للذات الشاعرة .
-صاحت الغزالة / ليس لدى وقت / فالصياد ينثر شباكه فى كل أرض الغابة وحتى اطراف النهر / صحت / لم يعد لدى طاقة للحرب / كل ركن فى هذه المدينة / يفترش شباكا لصيدى .
-حين يذوب قلبى الوردى فى مياه النهر / سيخبركم أننى كنت غزالة / سقطت من مجرة تعتلى عروشها الغزالات / وأننى وثبت إلى النهر / ليطهرنى من انتطار الموت .
وقد تكرر ذكر الموت كثيرا فى الديوان مقترنا مرة بالقتل والحرب والاصابة بمرض السرطان وقد تم تشخيصه وأنسنته فى بعض المواضع من الديوان مثل
-لقد مر الموت من هنا / حين دخلت فى منتصف الفيلم / ورأيت رجلا يقتل جوادا أبيض كجواد طفولتى / وانهرت من الحزن والصراخ / نعم كان لأبى حصانا أبيض / قتله جدى برصاصة الرحمة من الألم / حين انكسرت ساقه / لقد مر الموت من هنا / أنا لا أخافه / بل أخافه / حتى وأنا أكرر كل يوم دعائى / برصاصة الرحمة لى .
وهكذا تصل الذات الشاعرة إلى حالة اللامبالاة بالموت وتدعو برصاصة الرحمة لها حتى ينتهى ألمها وعذابها متماهية مع ما شاهدته فى السينما من مشهد قتل رجل لجواده الأبيض وكما رأت وهى طفلة مشهد قتل جدها لحصان أبيها الأبيض برصاصة الرحمة من الألم حين انكسرت ساقه وكأنها تتماهى مع هذا المشهد وكأن الحصان الأبيض والذى ذكر مرتين مع التأكيد على لونه الابيض معادلا للذات الشاعرة .
May be an image of ‎1 person and ‎text that says '‎ات نساء التفاح‎'‎‎











Comment


Share

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى