فاروق شوشة - "يوم الظنون" شعر: عباس محمود العقاد

الـولـوج إلى عالم العقاد الشعري ليس بالأمـر السهل أو الميسـور.. فهو يعني جهدا يبـذله القارئ أو المستمع، حتى يحكم طرفي علاقـة التلقي بينه وبين شعر العقاد.

ربما كان مصدر ذلك وعي العقاد ويقظتـه العقلية الدائمة، حتى وهو في أسر اللحظة الشعرية وقبضـة تجربتها الإنسانية.

فهـو كما قال عنه سيد قطب مبـدع يعيش في وهج النهار، ولا يسمح لنفسه بقـدر من تلك الغيبوبة التي تتملك الشعراء والمبدعين لحظة ممارسة الإبداع.

والاقتراب من شعـر العقاد أيضا تعوقـه وتسيء إليه فكرة تكونت واستقرت عنـد كثير من قرائه وعارفيه وهي أنه كاتب أكثر منه شاعرا، وأن وجهه الحقيقي يتمثل في "كتاباته التي وقفها للكتابة عن الأعلام، نـافذا بمنهجه وسطوع منطقـه إلى اكتشـاف مفاتيح تلك النفـوس الكبرى التي غيرت وجـه التـاريخ، ومديـرا دراسته النفسية والتاريخية على هذا المنهج الصـارم لا تفلت منه شاردة أو واردة.

وأقنعنا نثر العقاد بشخصيته الأدبية الجبـارة ووجهه العـابس المتجهم، وفحـولته في الأداء، وقدرتـه على اللجاج والمناقشة ونقض الأفكار المستقرة، وإلباس آرائه دوما ثياب المنطق المحكم، والحقيقـة الكاملة والقول الفصل الأخير.

وهكذا تراجعت إلى منطقة الظل دواوينه وقصائده وتقدمت إلى منطقة الضوء والاهتمام عبقرياته وتراجمه ومقالاته في الأدب والفن والسياسة والاجتماع.

ولم تفلح دواوينه العشرة التي أنجبتها رحلة حياته وهي على الترتيب: يقظـة الصبـاح، وهج الظهيرة، أشباح الأصيل، أشجان الليل، وحي الأربعين، هدية الكروان، عابر سبيل، أعاصير مغرب، بعد الأعاصير، بعد البعد.. لم تفلح كل هذه الدواوين التي تمثل ثروة شعرية ضخمة في أن تزيح عن الأذهان ولو قليلا صورة العقاد مؤلف العبقريات أو كـاتب الإسلام أو العقاد الناقد أو العقاد الكاتب الصحفي، لتبقى في الذاكرة صورة العقاد الشاعر.. فهو- كما قال عنه شفيق جـبري - هذا الشعر إنما هو صورة حياته وحياته كلها فكر، وإذا كان الشعر في نظر البحتري لمحا تكفي إشارتـه فشعر العقاد عقل وفكر ومنطق وتجربة.

وهو- كما يقول المازني في تقـديمه لشعر العقاد- صورة صادقة لنفس صاحبه الحية الوادعة، لما يدور فيها ويطيف بها ويجري حولها، ولكل طـور من أطـوارها وحـالة من حـالاتها، وجانب من جوانبها، فالشعر عندي كما يقول:

والشعر ألسنة تفضي الحياة بها
إلى الحـيـاة بما يطـويه كتمان

لولا القريض لكانت وهي فاتنة
خرساء ليس لهـا بالقول تبيان

ما دام في الكون ركن للحياة يرى
ففي صحـائفه للشعر ديوان

لكن شعر العقـاد- الذي حاول فيـه جهده أن يكون تجسيدا لآرائه في كتاب الديوان، وبديلا لما أخذه على شوقي في شعره من نقائص ومثالب، منطلقا من مقولة أن الشعر وجدان- هذا الشعر لا يخلو من نفثات عاطفية حارة، وتجارب شعرية نابضة، وجلوات تعبيرية تخلى فيها العقاد عن زمام نفسه المسيطرة ووعيه الصارم وجهامتـه الجلية، ليصبح العقـاد الطفل، والعقاد المحب، والعقاد الممتلئ بالشكـوك والظنون تعتصره وتعذبه وتتركه كائنا ضعيفا في مواجهة ما تلده من أهوال الشدائد ونقيع السم.

في مثل هذا الشعر يكشف العقاد الجبار عن ضعفه الإنساني، وعن أجمل ما فيه من رقة وعذوبة وطفولة، ويتبدد ذلك السمت المخيف الذي يطالعنا من خلال كتاباته النثرية لتبقى صورته المثيرة للأسى والمحركة للتعاطف والمشاركة.

يقول العقاد في قصيدته "يوم الظنون" وهي إحدى قصائد ديوانه الرابع "أشجان الليل":

يومَ الظنون صدعتُ فيكَ تجلُّدي
وحملت فيك الضيم مغلـول اليد

وبكيتُ كالطفل الذليل أنا الذي
مالان في صعب الحوادث مقوَدي

وغصصت بالماء الذي أعددته
للـري في قفـر الحيـاة المُجهـد

لاقيت أهوال الشدائد كلها
حتى طغت فلقيت مـا لم أعهـد

نار الجحيم إليّ غيرَ ذميمة
وخذي إليك مصارعي في مرقدي

حيرانَ أنظر في السماء وفي الثرى
وأذوق طعـم الموت غير مصرَّد

أَرْوَى وأظمأ عَذْبُ ما أنا شاربٌ
في حـالتيَّ نقيعُ سم الأسـوَدِ

وأجيل في الليل البهيم خواطري
لا شـارقٌ فيه ولا من مُسعـد

وتعيد لي الذكرات سالف صبوتي
شوهاء كـاشرة كما لم أشهـد

مُسختْ شمائلها وبدِّل سمتُها
وبـدت بوسم في السعير مخلَّـد

يا صبوة الأمس التي سعدت بها
روحي، وليت شقيَّهـا لم يسعـد

وعرفتُ منها وجهَ أصبحَ ناضرٍ
ورشفت منها ثغر ألعَس أغيد

سومحتِ بل جوزيت كيف وعيت لي
بالأمس فيك ضـراوة الذئب الصدي

سومحتِ بل جوزيت كيف طويت لي
زرق الأسنـة في الإهاب الأملـد

أمسيت حربي في الظلام وطالما
جلّيتِ لي وجـه الظلام المربـد

ورجعت أهرب من لقاك وطالما
ألفيت عندك في الشدائد مقصدي

ما كان من شيء يزيد تنعمي
إلا يـزيـدُ اليـوم فيك تلـددي

أُواه من أمسي ومن يومي معاً
والـويل من طول التردد في غـد

أهب الخلود كرامة لمبشري
أن ليس يـومي في العذاب بسرمد

وأبيع حظي في الحياة بساعة
أنسى بها عمـري كأن لم أولد

وأسوم مرعى العيش غير مزودٍ
وأرود روض الحسن غير مقيـد

***

والقصيدة تحمل ظلال الصفحات التي ملأها العقاد بالشك والغيرة في قصته الوحيدة "سارة" التي هي قصة حبه الكبير وشكه الكبير أيضا.

ولقد نجح الشك ونجحت الغيرة القاتلة في تقويض أركـان تلك العـاطفـة التي ملأت على العقاد حيـاته وأخصبت وجـدانه في حب تلك المرأة الغريبة الأطوار التي أطلق عليهـا اسم "سارة"، بل إن القصيدة تذكرنا بموقف آخر في حياة العقاد العاطفية، حين تمردت عليه فتـاتـه الصغيرة السن والخبرة بـالحيـاة، حـين انفتحت أمامهـا أبواب الاشتغال بالفن وعـرفت الطريق إلى الشهرة، فإذا به يفاجئها بثـورته العارمة وغضبه المدمر وهي ثـورة وغضب مصـدرهما الغيرة وانعـدام الثقة في النفس وفي الآخرين، وإذا بـه يوحي لصديقه الـرسام بأن يسجل هذه الفورة في لوحة يضعها في حجرة نومه، وكأنما لتـذكـره دوما، وأن تجمع اللوحة بين الكعكة الجميلة التي تشتهيها النفوس والذباب الـذي يتساقط عليها وتشمئز منه النفوس!

والقصيدة تحمل سمات شعر العقـاد في أجمل تجلياتها،، عمق التجربة ونفاذها إلى القرار البعيد من الوجـدان، والصور الشعرية المتتـابعة في سياق نفسي معبر بـالإيحاء والظلال يبدأ من صورة الطفل الذليل وصورة الغـاص بالماء ونقيع السم الأسـود وسيطرة الليل البهيم "والذكـريات الشوهـاء المكشرة عن أنيابها، وزرق الأسنة التي هي حراب مسنونـة تختفي تحت البشرة الناعمة الملساء، والتردد الطويل بين الأمس واليوم، بين القرار والعـدول عن القرار. واللغة في القصيدة صافية معبرة، والصياغة مستقرة ومحكمة، والإيقـاع الشعري ينساب رهيفا أول الأمر، ثم إذا به يصبح موجـة عارمة جياشة تساوق حركة النفس، وتواكب منحنى الغضب والشك والغيرة والترفع والانكسار.

فإذا ما تساءلنا: وهل هنـاك الكثير من مثل هذا المستوى الشعري في دواوين العقاد العشرة؟

كـانت الإجـابة: أجل، هناك الكثير الـذي يمكن التقاطه من بين ثنايا الدواوين كحبات العقد، لينتظمها ديوان من مختار شعر العقاد، يكون مدخـلا للولوج إلى أبعاد عالمه الشعري، الثري بتجربته الإنسانية، وبفيض وجدانه الذي هو خلاصة عقل عظيم وشعور عميق.

فاروق شوشة مجلة العربي مارس 1995
أعلى