دأبت أم "اسماعيل" ، سامحها الله ، على حشو ذهنه بكثير من المعلومات الخاطئة والمضللة ، أحيانا بسبب الجهل ، إذ كانت أمية ، وأحيانا أخرى كانت تتعمد ذلك لأسباب عرفها فيما بعد .
فأمه هي التي أوهمته أن الله لم يخلق للدجاج أرجلا ليستخدمها في المشي فقط ، وانما ليستخدمونها هم كذلك في صنع الحساء ، وأمه هي التي كانت تردد على مسامعه أن الحذاء الكاوتشوك أفضل من الحذاء الجلد ، لأنه خفيف لايؤذى القدمين ، ويتيح الحركة لمن يرتديه .
وكانت أمه تنفره من الألوان الفاتحة ، وتزين له إرتداء الثياب الداكنة بدعوى أنها تليق بالأطفال العقلاء ، ولكنها كانت تفعل ذلك في الحقيقة لأن الثياب الداكنة لا تكشف عن ملابسه الداخلية الممزقة ، كما انها لا تشي بما يلحق بها من قذارة . أما عن تلك البقع البيضاء التي كانت تفترش وجهه ، فقد زعمت أمه أنها بسبب تقصيره في شرب الماء ، ومنذ ذلك الحين داوم على أن يملأ جوفه بالماء بغض النظر عن شعوره بالعطش من عدمه، ومع ذلك لم تنحسر البقع عن وجهه ، بل لازمته لفترة طويلة لاحقة ، ثم اكتشف فيما بعد أنها لم تكن سوى نتيجة لسوء التغذية .
* * * * * *
عندما فتحت هذه المدرسة أبوابها اندفع الاطفال مهرولين إلى غرفة الدرس ، واختار كل منهم مقعده بنفسه ، ولكن المشرف قام بإعادة توزيعهم على المقاعد ، وكان نصيب "اسماعيل" أحد المقاعد الخلفية بين أقرانه ممن يجمعه بهم الكثير من القواسم المشتركة ، إذ كانت وجوهم جميعا كالحة وموسومة بالبقع البيضاء ، كما كانوا يرتدون ذات الأحذية الخفيفة من الكاوتشوك ، أما جواربهم فقد كانت مهترئة او ممزقة في مؤخرة اكعابهم ، وتنبعث منها رائحة كانت تمنع المعلم من الاقتراب من تخومهم .
ولم يستطع "اسماعيل" أن يفهم سر العلاقة الوثيقة بينهم وبين الرشح ، فكل شيء لديهم كان يرشح ، الجدران والأسقف والمجاري والأنوف ، ورغم أن الرشح لم يكن يفارقهم صيفا وشتاء، فلم تكن بهم حاجة للمناديل في وجود الأكمام ، كانت أنوفهم ترشح فيمسحون في اكمامهم ، مرة في الكم الأيمن ، ومرة في الكم الأيسر ، وربما لهذا السبب كانوا يحرصون على ارتداء قمصان ذات اكمام طويلة ، صيفا وشتاء ، لأنها تقي من البرد ومن آثار الرشح في نفس الوقت .
أقرانهم أصحاب المقاعد الأمامية كانوا من طينة اخرى ، كانوا متوردي الوجوه ، ثيابهم نظيفة وفاتحة ، احذيتهم من الجلد الاصلي البراق ، وقمصانهم قصيرة الأكمام صيفا ، أما في الشتاء فيرتدون السترات والبزات الأنيقة التي لا تظهر منها سوی الياقات و أطراف الأكمام المنشاة ، وكانوا يحظون دائما برعاية خاصة ، ويحصلون في الغالب على أعلى الدرجات .
وعندما يغيب المدرس عن الفصل كان يختار من بينهم عريفا ، يسجل أسماء التلاميذ المشاغبين ، الذين يكونون عادة من أصحاب المقاعد الخلفية ، ثم يعود المدرس فيوبخهم ، وينهال على أصابعهم بالمسطرة وعلى مؤخراتهم بعصاه السميكة .
* * * * * *
بدأ الحفل الذي أقيم على شرف "اسماعيل بك" هذا الصباح بخطبة طويلة لمدير المدرسة عدد فيها خصاله الحميدة و مناقب الأسرة ، ثم حمد له تبرعه وأثنى على کرمه الذي يمتد بجذوره إلى آبائه وأجداده ، وفي نهاية الحفل أهداه درع المدرسة ، ثم رافقه في جولة في أرجائها ، حيث أبدي" البك" إعجابه بما شاهده ، وبصفة خاصة قاعة الحفلات ، وكان من الطبيعي أن يعبر عن إعجابه بطريقة عملية ، فتبرع للمدرسة بمبلغ كبير لإقامة قاعة خاصة للموسيقى مزودة باحدث الاجهزة التي تعمل بالليزر ، فحمد له المدير عطائي السخي ، ثم دعاه لزيارة بعض الفصول الدراسية ومن بينها الفصل الثالث الذي يدرس به ابنه "مجدي" .
عندما دلف "اسماعيل بك" إلى الفصل هرع المعلم للترحيب به ، ثم وقف التلاميذ وأنشدوا بعض الأبيات الجميلة من الشعر التي نظمها معلم اللغة العربية خصيصا بمناسبة زيارته للمدرسة ، فشكر المعلم والتلاميذ ، وأخذت عيناه تدوران في أرجاء الفصل حتى استقرتا على ابنه" مجدي" ، الذي جلس كزهرة متفتحة في الصف الأمامي ، ربما في نفس المكان الذي كان يجلس فيه إبن شخصية مرموقة على أيام" اسماعيل" .
خطر له أن يستفسر من المعلم عن مستوى ولده الدراسي ومدى قيامه بواجباته على الوجه الأكمل ، ولكن يبدو أن المعلم فطن إلى ما يدور بخلده ، فبادره بالحديث عن ذكاء "مجدي" ومواهبه المتعددة ، وأشار الى لوحة جميلة ، علقت إلى الجدار الخلفي ، قائلا أنها من إعداد إبنه النابغ ، ثم دعاه لمعاينتها عن قرب ، فدنا "اسماعيل بك" منها مزهوا بنبوغ ولدي ، ولكن لم يكد يقترب من تلك المقاعد الخلفية حتى اصطدم برائحة منعتنه من التوغل .
لم تكن الرائحة غريبة تماما على أنفه ، بل خطر له أنه يعرف مصدرها جيدا ، فاتجهت عيناه مباشرة الى اقدام التلاميذ ، التي كانت جميعها محشورة في أحذية الكاوتشوك .
كانت الرائحة هي ذات الرائحة الكريهة التي اعتاد أن تفوح منه ومن أقرانه في المقاعد الخلفية في ذات المدرسة .. ولذلك استدار .. ثم سارع بمغادرة الغرفة .. وهو يضغط بمنديله الحریری علی أنفه .. بينما هرول في أعقابه مدير المدرسة معتذرا .. ومتوعدا أصحاب المقاعد الخلفية بالثبور وعظائم الأمور .
فأمه هي التي أوهمته أن الله لم يخلق للدجاج أرجلا ليستخدمها في المشي فقط ، وانما ليستخدمونها هم كذلك في صنع الحساء ، وأمه هي التي كانت تردد على مسامعه أن الحذاء الكاوتشوك أفضل من الحذاء الجلد ، لأنه خفيف لايؤذى القدمين ، ويتيح الحركة لمن يرتديه .
وكانت أمه تنفره من الألوان الفاتحة ، وتزين له إرتداء الثياب الداكنة بدعوى أنها تليق بالأطفال العقلاء ، ولكنها كانت تفعل ذلك في الحقيقة لأن الثياب الداكنة لا تكشف عن ملابسه الداخلية الممزقة ، كما انها لا تشي بما يلحق بها من قذارة . أما عن تلك البقع البيضاء التي كانت تفترش وجهه ، فقد زعمت أمه أنها بسبب تقصيره في شرب الماء ، ومنذ ذلك الحين داوم على أن يملأ جوفه بالماء بغض النظر عن شعوره بالعطش من عدمه، ومع ذلك لم تنحسر البقع عن وجهه ، بل لازمته لفترة طويلة لاحقة ، ثم اكتشف فيما بعد أنها لم تكن سوى نتيجة لسوء التغذية .
* * * * * *
عندما فتحت هذه المدرسة أبوابها اندفع الاطفال مهرولين إلى غرفة الدرس ، واختار كل منهم مقعده بنفسه ، ولكن المشرف قام بإعادة توزيعهم على المقاعد ، وكان نصيب "اسماعيل" أحد المقاعد الخلفية بين أقرانه ممن يجمعه بهم الكثير من القواسم المشتركة ، إذ كانت وجوهم جميعا كالحة وموسومة بالبقع البيضاء ، كما كانوا يرتدون ذات الأحذية الخفيفة من الكاوتشوك ، أما جواربهم فقد كانت مهترئة او ممزقة في مؤخرة اكعابهم ، وتنبعث منها رائحة كانت تمنع المعلم من الاقتراب من تخومهم .
ولم يستطع "اسماعيل" أن يفهم سر العلاقة الوثيقة بينهم وبين الرشح ، فكل شيء لديهم كان يرشح ، الجدران والأسقف والمجاري والأنوف ، ورغم أن الرشح لم يكن يفارقهم صيفا وشتاء، فلم تكن بهم حاجة للمناديل في وجود الأكمام ، كانت أنوفهم ترشح فيمسحون في اكمامهم ، مرة في الكم الأيمن ، ومرة في الكم الأيسر ، وربما لهذا السبب كانوا يحرصون على ارتداء قمصان ذات اكمام طويلة ، صيفا وشتاء ، لأنها تقي من البرد ومن آثار الرشح في نفس الوقت .
أقرانهم أصحاب المقاعد الأمامية كانوا من طينة اخرى ، كانوا متوردي الوجوه ، ثيابهم نظيفة وفاتحة ، احذيتهم من الجلد الاصلي البراق ، وقمصانهم قصيرة الأكمام صيفا ، أما في الشتاء فيرتدون السترات والبزات الأنيقة التي لا تظهر منها سوی الياقات و أطراف الأكمام المنشاة ، وكانوا يحظون دائما برعاية خاصة ، ويحصلون في الغالب على أعلى الدرجات .
وعندما يغيب المدرس عن الفصل كان يختار من بينهم عريفا ، يسجل أسماء التلاميذ المشاغبين ، الذين يكونون عادة من أصحاب المقاعد الخلفية ، ثم يعود المدرس فيوبخهم ، وينهال على أصابعهم بالمسطرة وعلى مؤخراتهم بعصاه السميكة .
* * * * * *
بدأ الحفل الذي أقيم على شرف "اسماعيل بك" هذا الصباح بخطبة طويلة لمدير المدرسة عدد فيها خصاله الحميدة و مناقب الأسرة ، ثم حمد له تبرعه وأثنى على کرمه الذي يمتد بجذوره إلى آبائه وأجداده ، وفي نهاية الحفل أهداه درع المدرسة ، ثم رافقه في جولة في أرجائها ، حيث أبدي" البك" إعجابه بما شاهده ، وبصفة خاصة قاعة الحفلات ، وكان من الطبيعي أن يعبر عن إعجابه بطريقة عملية ، فتبرع للمدرسة بمبلغ كبير لإقامة قاعة خاصة للموسيقى مزودة باحدث الاجهزة التي تعمل بالليزر ، فحمد له المدير عطائي السخي ، ثم دعاه لزيارة بعض الفصول الدراسية ومن بينها الفصل الثالث الذي يدرس به ابنه "مجدي" .
عندما دلف "اسماعيل بك" إلى الفصل هرع المعلم للترحيب به ، ثم وقف التلاميذ وأنشدوا بعض الأبيات الجميلة من الشعر التي نظمها معلم اللغة العربية خصيصا بمناسبة زيارته للمدرسة ، فشكر المعلم والتلاميذ ، وأخذت عيناه تدوران في أرجاء الفصل حتى استقرتا على ابنه" مجدي" ، الذي جلس كزهرة متفتحة في الصف الأمامي ، ربما في نفس المكان الذي كان يجلس فيه إبن شخصية مرموقة على أيام" اسماعيل" .
خطر له أن يستفسر من المعلم عن مستوى ولده الدراسي ومدى قيامه بواجباته على الوجه الأكمل ، ولكن يبدو أن المعلم فطن إلى ما يدور بخلده ، فبادره بالحديث عن ذكاء "مجدي" ومواهبه المتعددة ، وأشار الى لوحة جميلة ، علقت إلى الجدار الخلفي ، قائلا أنها من إعداد إبنه النابغ ، ثم دعاه لمعاينتها عن قرب ، فدنا "اسماعيل بك" منها مزهوا بنبوغ ولدي ، ولكن لم يكد يقترب من تلك المقاعد الخلفية حتى اصطدم برائحة منعتنه من التوغل .
لم تكن الرائحة غريبة تماما على أنفه ، بل خطر له أنه يعرف مصدرها جيدا ، فاتجهت عيناه مباشرة الى اقدام التلاميذ ، التي كانت جميعها محشورة في أحذية الكاوتشوك .
كانت الرائحة هي ذات الرائحة الكريهة التي اعتاد أن تفوح منه ومن أقرانه في المقاعد الخلفية في ذات المدرسة .. ولذلك استدار .. ثم سارع بمغادرة الغرفة .. وهو يضغط بمنديله الحریری علی أنفه .. بينما هرول في أعقابه مدير المدرسة معتذرا .. ومتوعدا أصحاب المقاعد الخلفية بالثبور وعظائم الأمور .