نوزاد حسن - الحلُّ الذي قدَّمه البريكان

ببساطة شديدة يمكنني القول إنَّ البريكان كان أحد محاوري “بورخس” على الرغم من كل الاختلافات الشكليَّة التي خضع لها كلٌ من الشاعرين من حيث اللغة، المكان، طبيعة التجربة، العمى، الوضع السياسي، وغير ذلك. وما أعنيه بالحوار الشعري الإنساني بينهما، هو ذلك الشعور العفوي بحقيقة الحياة أو جوهرها الواضح الذي لا يراه الكثيرون، وكأنهم يتعمدون عدم رؤيته، وتجاهله.
لقد كان البريكان ظاهرة شعريَّة فريدة من نوعها في الأدب العراقي، لأنه عاش بلا تجارب خارجيَّة. وكل الذين كتبوا عنه - وهم قلة – لم يجدوا شيئاً يسردونه عنه. إشارات قليلة جداً عن دراسته في بغداد، وسفره إلى الكويت. لا شيء مهماً في حياته لأنَّ السكون والصمت كانا يلفان وجوده كله.
ومن الممكن القول إنَّ حياته تشبه في عمقها الداخلي حياة “كارل يونغ” عالم النفس الكبير، فحين أراد هذا العالم كتابة سيرته اكتشف أو كان يعرف على الأقل أنَّه بلا حياة خارجيَّة. فماذا قال “عرفت منذ وقت مبكر أنه حين نعجز على العثور على إجابة شافية من داخل المعضلة نفسها، فلن يكون لهذه الإجابة أهميَّة تذكر. فالظروف الخارجيَّة ليست بديلاً عن التجارب الداخليَّة. لهذا كانت حياتي فقيرة بالأحداث الخارجيَّة، ولا يمكنني أنْ أتحدث عنها بسبب ضحالة ما فيها. إذ لا أستطيع فهم نفسي إلا في ضوء الأحداث الداخليَّة، فهي التي تمنح حياتي معناها المتميز، وهي ما أتحدث عنه في سيرتي الذاتيَّة “ذكريات، أحلام وتأملات - كارل غوستاف يونغ- ترجمة ناصرة السعدون، مراجعة د. سلمان الواسطي - الطبعة الأولى، بغداد، 2001 ص17”.
هكذا كانت حياة البريكان، حياة بلا تفاصيل خارجيَّة، وإنما كانت داخليَّة متوترة لم تهدأ أبداً، ولم تنفع كل تبريرات العقل في إسكات نار التوتر التي اشتعلت في داخله. لذا يجوز القول إنَّ تجربته فريدة وغريبة عن منطق تجارب كل الشعراء بلا استثناء. ومن هنا جاءت الصعوبة في الكتابة عنه، وفهم شعره الذي تطور لأسبابٍ غامضة لم يتمكن الكتّابُ والنقادُ من معرفتها.
إنَّ كل ما قيل عنه كان يهتم بتفسير عزلته، وابتعاده عن الحياة الاجتماعيَّة، وعدم اهتمامه بنشر قصائده. ولم تصل تلك الكتابات القليلة إلى البحث عن نوعيَّة تجربته العميقة، لذا ظلَّ شعره غريباً عن تذوقنا، وفهمنا له، في الوقت الذي يقدر به الكثيرون تقديراً كبيراً قلة ما كتبه هذا الشاعر الغريب الأطوار.
لقد كانت حياته لغزاً، لم يستطع أحد اكتشافه أو تحليله، ولا نكاد نعثر له على مثيلٍ بين الشعراء المعاصرين على الإطلاق، فهذا الإصرار على خوض تجربة داخليَّة يمكن أنْ يفسرَ على أنَّه هروبٌ من مواجهة الواقع، أو الميل إلى التشاؤم الذي يلغي حضور العالم بالكامل فيفضل الشاعر الصمت والانزواء. لكنْ هل من السهل أنْ يبتعدَ شاعرٌ معاصرٌ مطالبٌ بالالتزام الفني، والوقوف مع الجماهير باحثاً عن نورٍ حقيقي يريد أنْ يحكي لنا عنه. ترك البريكان كل شيء خلف ظهره لأنه عرف معنى حياته، وأدرك معنى الوهم الذي يعيش فيه الكثيرون ظناً منهم أنهم يقفون في صف الحقيقة. لذا يمكننا القول إنَّ الحوار الذي أجري معه عام 1969 كشف حقائق مهمة قد تفيدنا في فهم شعر البريكان، لكنَّ أسئلة المحاور الشاعر حسين عبد اللطيف كانت هي الأخرى تعكسُ مدى الحيرة في تصنيف هذا الشاعر الذي لا يشبه غيره من شعراء جيله أو من جاؤوا من بعده.
بعبارة واضحة إنَّ قصائد البريكان تثير فينا حيرة غامضة، وتجعلنا نشعر أنَّ هناك معاني وصوراً وإيقاعاً لا نعرف كيف نفسره. في ذلك الحوار الذي يمكن وصفه بأنه أثريٌ جداً خرج الشاعر من صمته ليهاجم بصراحة مهذبة النتاج الشعري في تلك الفترة مستخدماً وصفاً قاسياً هو “فقر التجارب الداخليَّة، واستعارتها من الخارج”. ثم يضيف أنَّ “العبث بالكلمات وهو مرادفٌ لافتقار الفكر، وامتهان الحقيقة. لقد حولت أعظم الأشياء إلى ألفاظٍ مفرغة متداولة في السوق المشتركة. أسوق هذه الإشارات محذراً. لأنَّ بعض الشعراء العراقيين يظنون أنهم بتكرار أساليب معينة يعممون مدرسة للشعر الحديث في العراق أصبحت ذات شأن. في حين أنَّ تقدم الشعر في العراق وغيره يتوقف على مدى نجاح الطاقات الفرديَّة في إيجاد صيغها الخاصة. وهي صيغٌ لا بُدَّ أنْ تكون بالضرورة متباينة. وتقع أكثر محاولات الشباب اليوم في المأزق نفسه، إذ تبدو متشابهة/ (متاهة الفراشة - محمود البريكان، اختيار وتقديم باسم المرعبي، منشورات الجمل، طبعة أولى 2003 - ص210).
هذا النقد لم يتطرق أحد إلى دراسته والتوقف عنده. فالبريكان يتحدث هنا عن تجارب شعريَّة تختلف عن أصالة مزاجه، وتحاول أنْ تجددَ الشعر العراقي والعربي، لكنه في واقع الحال يقف في مواجهة هذا التيار الفني. وعلى الرغم من أنَّه لم يشر، ويسمي الشعراء في نقده إلا أنَّه كان يقصد بصورة رئيسة رواد الشعر الحر من زملائه. ومع أنَّ نقده في الفقرة التي نقلتُها كان قاسياً إلا أنَّه قال ما يشعر به، وما يتفق مع قوة تجربته الداخليَّة. لكنَّ أهم ما يمكن الإشارة إليه هنا أنَّ البريكان يرفض تماماً تلك القصائد التي تتمسكُ بمظاهر مصطنعة شكليَّة يظن كاتبوها أنَّهم من الشعراء. هذه الالتفاتة منه، والتي لم تثر اهتمام أحد، لتلتقي مع نقد بورخس لشعراء كانوا يكتبون في زمنه. فماذا قال بورخس عنهم “هناك ميلٌ لاعتبار أي نوعٍ من الكتابة، خاصة كتابة الشعر – هي لعبة أسلوب. لقد عرفت شعراءً كثيرين هنا كتبوا جيداً – هراءً رائعاً جداً- بأمزجة رقيقة وغيرها، لكنْ حين تتكلم معهم فإنَّ الشيء الذي يخبرونك به، هو مجرد حكايات بذيئة أو يتحدثون في السياسة كما يتحدث أي أمرئ. لذلك تبدو كتاباتهم كأنها نوعٌ من الاستعراض الثانوي. فقد تعلموا الكتابة بطريقة من يتعلم الشطرنج. وعليه فإنَّهم ليسوا شعراءً ولا كتاباً على الإطلاق. إنَّها خدعة ما قد تعلموه، وقد تعلموه بعناية، فإنَّ كل شيء لدى أطراف أصابعهم. (مرآة الحبر، بورخس ص 333).
ليس من الصعب ملاحظة التشابه الكبير بين الرأي الذي قاله البريكان، والرأي الذي أعلن عنه بورخس في حوارٍ أجري معه عام 1966. ولا يعني كلامي هذا أنَّ البريكان تصرف كلصٍ، وعرف كيف يفتح خزانة بورخس ويسطو على أهم أفكاره، ثم يقوم كبهلوان أو ساحر استعراضي خفيف اليد بإقناعنا أنَّه خاض تجربة مميزة، وها هو يشرح لنا عودته من مغامرته الداخليَّة. في الواقع ليس هذا ما أردت قوله أو الإيحاء به لأنَّي أفكر خارج منطقة جاذبيَّة العقل التي تفرض علينا نوعاً محدداً من التفكير. لذلك أحاول فهم هذين الرأيين بطريقة جديدة تشعرني أنَّ الشاعرين كانا يتحاوران عن بعد، ويتبادلان الأفكار ويتضامنان من أجل تغيير القناعات الشكليَّة الخاطئة. ولعلَّ ما يشجعنا على المضي في هذا النوع من التفكير هو تصميم الحياة ونسيجها الحي الذي لا يمكن أنْ يتبدل. لا أحد يتمكن من تغيير خريطة الحياة الإنسانيَّة على هذا الكوكب. فالزمن يمرُّ بقسوة وسرعة، والموت وفناء الأشياء، وقوة حضور الماضي كوجودٍ حي لا ينتهى كما يحاول العقل إقناعنا في أنَّ كل هذه الإشارات هي الحياة نفسها. وإذا شعر إنسانٌ ما، بضغطٍ يومي مباشر تمارسه عليه الحياة، فسيكون قريباً جداً من روح بورخس، مثلاً لماذا كان البريكان يتأمل العالم من خلال تفاصيل صغيرة تشعرنا أنَّ هناك شيئاً غير مريحٍ، ومقلقاً يحدثُ من حولنا، ومع هذا فإنَّ الكثيرين لا ينتبهون له؟
هناك في واقع الحال مشكلة عميقة تتعلق بمصيرنا الشخصي، وعلينا أنْ ننتبه لها، ولا يمكن أنْ نتجاهلها. ولو أننا سألنا مثلاً بورخس عن هذه المشكلة، فسيقول بأنها مشكلة الوجود على هذه الأرض، والعيش ضمن قوانين هذا العالم. إنَّ كل إنسان محكومٌ بموته الذي لا مفرَ منه. ومن هنا عاش البريكان كفردٍ ثائرٍ على تقاليد التجارب الشعريَّة التي كانت تتناول الواقع السياسي، أو الاجتماعي رغبة من الشعراء بإقناع القارئ بأهميَّة الفن الملتزم. في الواقع كتب البريكان في بداياته شعراً يهتمّ بقضايا تتعلق بالسياسة مثلاً، وكتب أيضاً شعراً رومانسياً عامودياً غارقاً بوجدانيَّة منكسرة، وحسٍ فجائعيٍ يشبه ما كتبه أبو القاسم الشابي. لكنَّ قوة الروح عند الشاعر، وطاقته على الاندماج بهذا العالم فجرت عنده موقفه الفكري غير المفهوم. ومع مرور الوقت صارت قصائد الشاعر تتصلب، وتتخذ لغته جديَّة غير محببة. لذا فإنَّ قارئ البريكان سيشعرُ بنوعٍ من الانزعاج إزاء قصائده الجافة التي تفتقر إلى الاستعارات كما كان بورخس يفعل. لذا فإنَّ البريكان كان يكتبُ بطريقة وكأنَّ النص الشعري بكامله استعارة تفسر طبيعة الحياة، كما أننا نشعر بأنَّ المنطق الوحيد الذي يعبر عنه في قصائده هو التقليل من سلطة العقل في فهم العالم. وكما أشرت أكثر من مرة هناك عداءٌ بين الوضوح وبين العقل. لقد مرَّ بورخس بهذه التجربة من قبل. وحاول البريكان أنْ يصورَ لنا كيف يمكن أنْ يكون العقل غائباً ومخدراً، إذا تأملنا الوضوح الذي نراه في كل شيء. وعلى هذا الأساس يمكن أنْ نفهمَ الثقافة العراقيَّة على أنَّها في حقيقة الأمر ثقافتان: الأولى ثقافة تحب الجدل والعقل واللعب المنطقي، والثانية تحب الوضوح والخيال وكل ما يقوي الجانب الفردي في الإنسان. وكان شعر البريكان نموذجاً رائعاً في هذا الاتجاه. لقد سبق الستينيين في ثورته على جمود المنطق، والاستنتاج العقلي الذي ما زال يملأ نصوص الشعر والنثر.
لقد كان البريكان وحيداً في عالمه، وكان إيقاع قصائده الداخلي يميلُ إلى ملء أرواحنا بذلك السكون المحبب الذي تعكسه لغة جديدة تتلاءم مع أصالة الرؤيا التي تشبه تجربة بعض المتصوفة الذين عاشوا تجاربهم بحماسٍ كبير. البريكان مغامرٌ وذو أصالة حين صمت وابتعد عن النشر طيلة حياته إلا في مرات قليلة. لذا فقد انبهر المثقفون جميعاً بهذا القرار الذي لا يجرؤ على اتخاذه إلا شاعرٌ يبحث عن خلودٍ من نوعٍ آخر. ويبدو أنَّ الشاعر بعد رحيله منذ أعوام ما زال لغزاً في نظر المثقفين، وما زال شعره يمثل علامة مهمة وجوهريَّة في الأدب العراقي والعربي. إنَّه شعر تلقائي لا يستخدم أدوات العقل في فهم العالم والحياة، ويفضل أنْ يراقبَ الحياة في أبسط صورها مكتشفاً ذلك النسيج الحيوي للأشياء. ولا يمكن أنْ يصلَ الإنسان إلى هذه الدرجة من المعرفة النورانيَّة من دون إدراك أنَّ العقل الإنساني يقفُ حائلاً من دون الإحساس بالعالم.
العقل إذنْ، هو العقبة الكبيرة التي كان على البريكان تفتيتها ليرى وجه العالم الحقيقي. العقل المحدود البارد الذي أغرى كثيراً من الشعراء بالحداثة الوقتيَّة مثل النقد الاجتماعي والسياسي الذي كتب عن شعراء انتقدهم البريكان نقداً لاذعاً. وفعلاً حقق البريكان خطوته الجوهريَّة حين بدأ يكتشف الصور اللا مرئيَّة خلف هذه الحياة المباشرة. ووصل إلى تكوين منطقٍ خاصٍ بشعره وهويَّة مميزة تعتمد على أبعاد العقل عن القصيدة، ومواجهة الوضوح الذي عذب بورخس من قبل هذا الوضوح الذي تتألف منه الحياة التي نعيشها. وقد كان البريكان منغمساً في حزن هذا الاكتشاف حيث العقل معطل، والخيال يعيد بناء الحياة من جديد.
إنَّ قصائد البريكان إعلانٌ رائعٌ عن ميلاد أو تجربة فرديَّة في الأدب العراقي لا تقل نضجاً عن تجربة لوركا مثلاً، كما أنَّها تجربة تعدُّ حواراً مع بورخس الذي يشكل هو الآخر شاعراً غامضاً بسبب فرديته الناضجة العميقة، لذا علينا البحث عن الخطوات التي حطم بها البريكان عقله، ليرينا كيف صار العالم من دون عقل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى