أ. د. عادل الأسطة - تداعيات الحرب في غزة ٢٠٢٣ ملف -ج3- (36--41)

تابع
الجزء 3


36- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : فإن الخيام تستدعي الخيام "بيتنا في المخيم"

تركت المخيم ، إلى بيتنا الجديد في حي المساكن الشعبية ، في العام ١٩٧٨ ، وتحديدا في اليوم الأخير من شباط ، إذ احتفل ، ولو وحيدا ، كل بداية آذار بالمناسبة بالجلوس على شرفة شقتي احتسي القهوة .
صباح ٩ / ٥ / ٢٠٢٤ قرأت في صفحة الشاعر راسم المدهون تحية الصباح ، وكنت في ٨ / ٥ أمعنت النظر في صورة أدرجها مروان دراج ضمته وأسرة أخيه الناقد فيصل وقرأت أنهما استعادا معا ذكرياتهما في مخيم اليرموك.
ولأن راسم المدهون ما زال يقيم هناك ، في درعا الآن ، فقد استعنت بالذاكرة التي تبدو لي الآن خداعة .
في العام ١٩٧٥ زرت دمشق ومكثت في بيت خالتي أم محمد الطيان في حي ركن الدين / الأكراد ، ونمت ليلة واحدة في بيت عمي محمود الأسطة ، وكان شقة صغيرة جدا في بناية تقع قرب حارة اليهود .
ولما كان لي أقارب يقيمون في مخيم اليرموك - أرجح - فقد اصطحبني أبناء عمي لزيارتهم . ( أذكر أن ابن عمي زكي خطب قريبة له من هناك ، ولكن النصيب غلاب ) ( يجب الاستعانة بابن عمي زكريا لتصحيح المعلومات ، إن كانت ذاكرته لم تشخ ) .
كل ما ذكر عن صلة القرابة لم يذكر لأنه هو المتن ، فهو هامش والمتن هو البيت .
كان بيت خالتي أم محمد بيتا بسيطا مثل البيوت في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين ، وكان البيت الذي زرته في المخيم لا يختلف عن بيتنا في مخيم عسكر القديم ، ولم تكن بيوت مخيم الوحدات ومخيم الحسين وبيوت جباليا والفارعة وبلاطة والفوار وعسكر الجديد وعين بيت الماء التي زرتها في تلك الفترة - أي ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ - تختلف ، فقد أصبحت منذ بداية ٩٠ القرن ٢٠ مختلفة تماما . ما اختلفت ، في تلك الفترة ، هي بيوت مخيم شنلر ومخيم البقعة ، فقد أقيمت بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ وليس بعد نكبة ١٩٤٨ . كانت بيوت شنلر والبقعة من الصفيح / الزينكو والاسبست ، ولم تكن من الباطون ، وقد زرت شنلر مرة واحدة في العام ١٩٧٣ ، وزرت البقعة في العام ١٩٧٦ مرات ونمت في غرفة زينكو . ( في العام الدراسي ١٩٧٢ / ١٩٧٣ سكنت في مخيم الحسين مدة عام ولم تكن بيوته مختلفة عن بيتنا في مخيم عسكر ) .
أنا من مواليد ١٩٥٤ ، وغرف الباطون في مخيمات اللجوء أقيمت في العام ١٩٥٨ - يعني بعد أربع سنوات من ولادتي ، ما يعني أن الخيمة كانت جزءا من بيتنا . هل هناك في الذاكرة شبح خيمة أقمت فيها ؟
أحاول أن أضع مخططا لبيتنا في المخيم حتى تاريخ مغادرته ، فلم أعد بعد تركه أحن إليه مطلقا ، وربما أكون مررت بالقرب منه بضع مرات لم أشعر أبدا بالحنين إليه .
كانت الساحات الواسعة في تلك المخيمات واسعة مكنت أبناءها من إقامة ملاعب كرة طائرة وأحيانا كانت ملاعب كرة قدم صغيرة لفريقين يتكون كل واحد منهما من ثلاثة أربعة لاعبين ، وكانت الارتدادات بين كل حارة وحارة لا تقل عن عشرة أمتار تمكن السيارات قليلة العدد من المرور بها .
غالبا ما كانت كل مجموعة بيوت متلاصقة لا ارتداد بينها ، ولكي يتم الفصل بين بيت وبيت وضعت ألواح من الزينكو أو أسلاك شائكة أو غير شائكة زرع حولها بعض النباتات المتسلقة ، وقليلون هم من بنوا جدارا من طوب.
لم تكن مساحة بيتنا لتزيد ، في أحسن الأحوال ، عن مائة متر ، وقد تكون ، كما أتذكر ،٠ من غرفة باطون الوكالة التي لم تزد مساحتها عن ٣ م × ٣ م وارتفاعها عن ٢٢٠ سم ولها باب وشباك أو شباكان من ألواح خشب تثبت معا بمستطيل خشب يصل زاوية يمينها بزاوية يسارها وتتخلله فراغات يتسلل منها الهواء ، وحول الغرفة هذه التي خلت إلى حين من مطبخ ومنافع ، فقد كان في المخيم حمام عام ومراحيض عامة ومطعم أيضا . كانت هذه الغرفة غرفة نوم ومطبخا وحمام اغتسال أيضا .
في المساحة المتبقية بنى أبي جدران غرفة ثانية لم يسقفها بالباطون ، وغطاها بشادر أظنه شادر الخيمة ، وكنت واخوتي ننام فيها ، حتى سقفها أبي بالباطون ومد أرضيتها بالاسمنت والناعمة وانخذ منها غرفة له وانتقلنا نحن ، وكنا ستة سبعة ثمانية تسعة ، إلى غرفة الوكالة .
بين غرفة الوكالة والغرفة المقامة حديثا كانت هناك مساحة لا يقل حجمها عن ٤ م × ٦ م وقد غطاها أبي في الشادر نفسه الذي انتزعه ، وإلى جانب غرفته الجديدة أقام مطبخا من الزينكو وإلى جانبة مرحاض يضخ في حفرة ، فلم تكن هناك ثمة مجار . مجاري ماء الاغتسال والجلي أقيمت لاحقا في قنوات مكشوفة بين البيوت .
هل خلا بيتنا من حديقة زرعنا فيها الأشجار ؟
أذكر أنه كانت هناك مساحة ترابية زرعنا فيها شجرتين ؛ شجرة ليمون وشجرة خوخ . ولم تخل ، حتى نهاية سبعينيات ق ٢٠ ، أكثر - إن لم يكن كل - بيوت المخيم من أشجار ، بخاصة الحمضيات والدوالي والخوخ أيضا ، ولكنها ، مع ازدياد عدد أفراد العائلة والحاجة إلى مزيد من الغرف ، صار الشجر قربان العائلة الذي لا مفر من التضحية به ، فالضرورات تبيح المحظورات .
في سبعينيات القرن ٢٠ كتب قاص من غزة ، هو حمدي الكحلوت ، قصة قصيرة عنوانها " غرفة جديدة للعريس " أتى فيها على تناقص المساحات في البيوت وازدياد البناء / الباطون ، وفي روايته " الشوك والقرنفل " ٢٠٠٤ توسع يحيى السنوار بهذا الجانب .
الآن هدمت البيوت وعاد أهل قطاع غزة إلى سيرتهم الأولى .
ترى ما هو شكل بيتنا الآن في المخيم ؟
لا بد من الوقوف على الأطلال .
( الخميس ٩ / ٥ / ٢٠٢٤
والسبت ١٥ / ٦ / ٢٠٢٤ )
عادل الاسطة

***

37- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: المشروع الصهيوني وجنة الله الموعودة

أعادني شريط فيديو يصور ما آل إليه معبر رفح بعد احتلاله، بثه الإعلام العبري، في ١٩/ ٦/ ٢٠٢٤، إلى نصوص أدبية صهيونية وعبرية وفلسطينية أتت على أرض فلسطين تحت الحكمين؛ الأول الحكم العربي والإسلامي خلال مئات الأعوام والثاني الحكم اليهودي الصهيوني الإسرائيلي منذ ١٩٤٨، علما بأن الدعاية للمشروع الصهيوني قامت على أكذوبة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» التي تنقض نفسها بنفسها، فالنصوص الأدبية التي تحكي عن أرض بلا شعب تذهب إلى أن العرب الذين قطنوا فيها، بعد ترك اليهود لها، حولوها إلى أرض قفراء جرداء؛ لأنهم لا يعرفون إلا التخريب والهدم والتصحير.
الأعمال الأدبية الصهيونية المكتوبة بغير العبرية عديدة؛ منها «أرض قديمة جديدة» لـ(ثيودور هرتسل) و»لصوص في الليل» لـ(آرثر كوستلر) و»اكسودس» لـ(ليون أوريس)، ومثلها الأعمال الأدبية الصهيونية الإسرائيلية المكتوبة بالعبرية مثل «خربة خزعة» لـ(يزهار سميلانسكي)، والأعمال الأدبية الفلسطينية أيضاً عديدة، وقد كتبت وفي خلفية كتابها الفكرية العديد من الأعمال الأدبية الصهيونية المشار إليها وغيرها، ولطالما أسهبت في الكتابة في الموضوع.
ما كتبته سابقاً هو ما استدعاه شريط الفيديو المذكور في الأسطر الأولى.
لقد ذكرني بتلك الأعمال وما كتبته عنها، ولكنه ذكرني أكثر وأكثر بالترجمة العربية لرواية هرتسل والصور المرفقة بها، وقد بلغ عددها ٤٦ صورة.
الصورة تذكر بالصورة، وصورة ما كان عليه معبر رفح قبل الحرب وما آل إليه، كما في الشريط، تستحضر الصور التي أرفقتها، بقصد، الجهة المسؤولة عن الترجمة العربية لرواية هرتسل.
من الصور التي زينت بها الترجمة:
- صورة لميناء يافا سنة ١٨٩٨، وثانية لباخرة ثيودور هرتسل في ميناء حيفا، وثالثة لمدينة القدس، ورابعة لمظاهرة شارك فيها عرب ويهود كتب تحتها «من مظاهر الأخوة اليهودية - العربية في هذه البلاد»، و٣ صور لنساء عربيات في مؤتمر نسائي، وصورة لإحدى رياض الأطفال في قرية الطيبة، وصورتان متقابلتان: منظر عام لمرج يزراعيل قبل استيطانه والعفولة المدينة التي نشأت في قلب المرج بعد استيطانه، وصور لكنيس وكنيسة (البشارة في الناصرة) والمعبد البهائي عباس في حيفا وصورة لمسجد السلام، وكتبت عبارة من الرواية «ولكن الكنس والمساجد والكنائس تقوم جنباً إلى جنب، وصورة لمستنقع كتب تحتها: تجفيف مستنقعات الحولة و»من الذي جفف المستنقعات؟»، وصورتان متقابلتان؛ الأولى لغور الأردن جنوب بحيرة طبرية كما كان عليه في سنة ١٩٠٩، والثانية للمكان نفسه كما هو عليه في ١٩٦٦، وكتب تعليق نصه «أن كبار السن من بينكم يعرفون ما كان عليه منظر هذا المكان قبل ٢٠ سنة»، وصورة للميناء الجديد في أسدود وصورة لاستخراج النحاس بالقرب من خليج إيلات، وثلاث صور لتل أبيب في ١٩٠٩، حيث تم وضع حجر الأساس لها، وصورة لبلديتها في ١٩١٠ بجانب خزان الماء الأول، وصورة لها سنة ١٩٦٧، وصورة لترعة في مشروع المياه القطري وكتب فوقها «لقد صنع إيمان مهندسي الماء هذه العجائب»، وصورتان لشارع في القدس؛ الأولى وهو مقفر والثانية وهو مزدهر - أي قبل الاستيطان وبعده.
وكان القصد من وراء إدراج الصور هذه هو تأكيد الفكرة الصهيونية المتعلقة بتحويل فلسطين من أرض قفراء جرداء صحراوية إلى جنة وإظهار أن اليهود يعمرون ما خربه العرب.
منذ بداية الحرب الدائرة حالياً، وتدمير٧٠ بالمائة وأكثر من قطاع غزة، أخذ بعض الغزاويين يعرضون صوراً لمدينتهم كما كانت عليه قبل ٧ أكتوبر وأخرى لما صارت إليه بعد التاريخ المذكور!
كان القطاع عامراً مزدهراً حافلاً بالحياة وحوله الجيش الإسرائيلي بسلاحه البري والبحري والجوي إلى مكان لا تصلح الحياة فيه.
شريط الفيديو الذي بثته وسائل الإعلام العبرية لصيرورة معبر رفح هو نقض للرواية الصهيونية كلها على مدار مائة وعشرين عاماً، وهو يدحض الأكذوبة التي حفلت بها أدبياتهم.
على مدار ٧٦ عاماً جعلت إسرائيل حياة الفلسطينيين جحيماً ولم تكتفِ بتدمير قراهم وتهجيرهم، بل واصلت ملاحقتهم في المنافي لتواصل تدمير ما بنوه هناك وبلا رحمة.
عندما تبدي صفية زوجة سعيد. س في رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» دهشتها مما رأته من عمران وزراعة يرد عليها زوجها:
«- كان بإمكاننا أن نجعلها أفضل بكثير».
وقد عمر أهل قطاع غزة، منذ خروج المحتلين في ٢٠٠٥، القطاع فبنوا، على الرغم من الحصار، المباني وأقاموا المشافي والجامعات والأبراج وشقوا الطرق وزرعوا المساحة الضيقة وصدروا الورود والأزهار.
معبر رفح وما كان عليه قبل أربعين يوماً وما فعلته به الدبابات والطائرات الإسرائيلية خلالها، كما بدا في شريط الإعلام العبري، خير شاهد على تحويل فلسطين إلى جنة - أي والله.
( الأربعاء والخميس والجمعه ١٩ و ٢٠ و ٢١ / ٦ / ٢٠٢٤ )
دفاتر الأيام الفلسطينية ٢٣ / ٦ / ٢٠٢٤
عادل الاسطة

***

38- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: البعوض والحرب والشعر

في الشعر العربي بيت لا يقلل من صغائر الأمور، فدقيقها مما يهيج له العظيم، ومثله:
«لا تحقرن صغيراً في مخاصمة
إن البعوضة تدمي مقلة الأسد»
وكان الجاحظ في قصة «أهل البصرة من المسجديين» ذكر على لسان بخيل يخاطب القوم أن لا يحقروا صغار الأمور، فإن أول كل كبير صغير ومتى شاء الله أن يعظم صغيراً عظمه وأن يكثر قليلا كثره» (البخلاء).
حتى محمود درويش الذي أقام في شقة مكيفة ضايقته بعوضة، فكتب فيها قصيدة نشرها في سنوات عمره الأخيرة، وتحديداً في مجموعته «أثر الفراشة» (٢٠٠٦)، جاعلاً منها، ومن الفراشة أيضاً، موضوعاً شعرياً لم نألفه، علما بأننا كررنا البيت الوارد ذكره ودرسناه في البلاغة في باب الاستعارة التمثيلية.
«البعوضة، ولا أعرف اسم مذكرها، أشد فتكاً من النميمة» يقول درويش ويضيف: «لا تكتفي بمص الدم، بل تزج بك في معركة عبثية، ولا تزور إلا في الظلام كحمى المتنبي. تطن وتزن كطائرة حربية لا تسمعها إلا بعد إصابة الهدف» و»تشتمها بصوت عالٍ فلا تكترث، وتفاوضها على هدنة» ولكن عبثاً فهي تغير من جديد لتمتص المزيد من دمك، وهي «ليست استعارة ولا كناية ولا تورية. إنها حشرة تحب دمك وتشمه عن بعد عشرين ميلاً. ولا سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة: أن تغير فصيلة دمك».
وأغلب الظن أن قوله (لو كتب قصيدته بعد ٢٦٢ يوماً من الحرب الحالية في قطاع غزة) «ليست استعارة ولا كناية ولا تورية «لن يؤخذ مأخذ الجد، فالطائرات الإسرائيلية؛ الحربية منها التي يقودها الطيارون والمسيرات التي لا يقودها مخلوق، والسفن بصواريخها وكذلك قذائف المدفعية ورشاشات الجنود، هذه كلها تغير مثل البعوضة تزج بك في معركة عبثية، ولكنها تختلف عن البعوضة التي تزور فقط في الظلام، فهي تزور في الظلام وفي الضوء وفي الصيف وفي الشتاء وفي الحر والقر أيضاً.
لم نقرأ عن البعوض في الأشهر الأولى من الحرب، فالجو كان خريفياً تلاه شتاء، ولكن ما إن حل الصيف وارتفعت درجة الحرارة حتى أخذ يحضر في حياة الغزيين وكتابات كتابهم، وأخذ، مثل الطائرات والصواريخ والقذائف، يفتك بهم.
في هذه الليالي تهاجمني بعوضتان ثلاث فتزعجني لدرجة أنني أحياناً أرتدي بنطالاً، لا شورتاً، وقميصاً بكم، بل وأحياناً أجدني أغادر الشرفة، ولا أعلق إلا بعبارة: «كان الله في عون أهل قطاع غزة».
أحياناً أتذكر الحياة في المخيم قبل خمسين عاماً حيث تكاثر الذباب، وأتذكر الأشرطة اللاصقة التي كنا نعلقها في وسط الغرفة ليلصق الذباب عليها. أحياناً أفكر في أن أسأل عن شريط لاصق للبعوض.
في متابعتي لما يكتبه، في هذه الأيام، أدباء غزة ونشطاؤها أقرأ عن القتل والتدمير والنزوح وجوع أهل الشمال وارتفاع الأسعار في الوسط والجنوب ارتفاعاً جنونياً، وأقرأ أيضاً عن البعوض، وكتابتهم هي التي ذكرتني بقصيدة درويش، وهي ما دفعني للتفكير بالكتابة في الموضوع.
منذ ٢٩/ ٥/ ٢٠٢٤ وأنا أتابع ما كتب عن البعوض هناك. الشاعرة د. آلاء القطراوي، وهي متأثرة بشعر درويش، بل إن نفس شعرها درويشي، فقدت في الحرب أبناءها الأربعة، كثيراً ما تساءلت عن مصطلح الاستسلام:
- متى يستسلم المرء بعد كل ما مررت به؟
وتوصلت إلى أن بعوضة صغيرة جداً ترسم لها امتدادات المصطلح، والبعوضة تنهش في قدميها وتسمع صوت أزيزها في أذنيها، دون أن تستطيع إبعادها عنها، فلا كهرباء لتتمكن من رصد مكانها ولا بخاخ متوفر لقتلها، ولا لغة لتقول لها إن دمها موجوع جداً بسبب ما ألم بها منذ بداية الحرب. تستسلم آلاء للبعوضة لتشرب من دمها الحزين، وتصبح قدماها مليئتين بالندوب متورمتين من ثقوب الدم الصغيرة. وليس أمامها إلا أن تتذكر قصيدة الشاعر الجاهلي الحارث بن عباد الذي أعلن الحرب ثأراً لمقتل ابنه «قربا مربط النعامة مني./ لا نبيع الرجال بيع النعال» أما هي فتقول:
«قربوا مايكرفون مجلس الأمن من قدمي المتورمة لتصرخ في وجه العالم:
- كم مرة عليك أن ترسب أمامي أيها الساقط!»
وتخاطب البعوضة:
«اشربي.. ما شئت من دمي، فقد فعلوا بي ما هو أشد ألماً من هذا».
في صفحة مخيم النصيرات كتب أسامة أبو عاصي:
«احنا الشعب الوحيد في العالم اللي بنخاف من الليل لما يجي. حد سمع عن ناس بتخاف انه الليل يجي؟!!....
مش بس عشان القصف والقنابل والصواريخ اللي بيعلى صوتها ف الليل ويعلى معها الرعب، وكمان عشان الحر والبعوض.
تحس انه الحر ولدغات البعوض والجو والحشرات ولهيب حزيران والدنيا كلها ضدك».
وحين تقترب منه بعوضة يرفع البطانية ويسألها:
«- عضل أم وريد؟»
كما لو أنها ممرضة تجري له فحص دم.
في قصة سميرة عزام «لأنه يحبهم» قالت:
«حتى الفئران تتجرأ على مال اللاجئ».
نعم وحتى البعوض يتجرأ على دمه.

***

39- تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : غسان كنفاني وحرب ٧ أكتوبر

ربما تكون نصوص كنفاني ودرويش أكثر النصوص الفلسطينية حضوراً في شهور الحرب.
إن قسماً ممن استحضروها تساءلوا إن كانت النكبة الأولى حضرت بتمامها وكمالها في نصوص كنفاني، والتساؤل هذا جاء من أشخاص يعيشون منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ تجربة مشابهة وأقسى مثل د. عاهد حلس الذي قرأ أيام دراسته، في بداية ٩٠ القرن ٢٠، وهو مسترخٍ على كنبة في غرفة مكيفة أعمال كنفاني فأعجب بها لدرجة أنها صاغت وجدانه، ويعيش الآن أحداث نكبة ثانية «أعيشها واقعاً مراً أسود ليس كما عشتها في روايات غسان على سرير في غرفة يطل شباكها على شجرة توت تحجب جزءا من جبال بيرزيت الغارقة في الطمأنينة الأبدية. أعيش في نزوح قاسٍ ومرعب عن مدينتي منذ ثمانية أشهر، ورغم التشابه الكبير في مشهد الخيام والنازحين في النكبتين فلا أظن أن غسان كان سينجح لو ظل حياً في العثور على معانٍ جميلة للوطن كتلك التي التقطها وجعلت أرواحنا تحلق في رواياته.. لكن شيئاً مما كتبه غسان لم أحسه في هذه النكبة، هل خدعنا المجاز كما يخدعنا دائما؟
فلم يكتب غسان، مثلاً، عن الروائح الكريهة التي تنبعث من الخيام، ولم يصف درجة حرارتها التي تخبز أجساد النازحين ولم يكتب عن جشع التجار في الحرب وسرقة المساعدات الدولية من قبل أولي اللحى وأصحاب الضمائر الوطنية ولم يكتب عن قادة كبار تركوا شعبهم قبل أن يلقى به إلى المحرقة، ولم يكتب أن شطراً من الوطن كان يحتفل بسباق السباحة فيما كان الشطر الآخر منه يسبح في بحيرة من الدماء.. لم يكتب غسان شيئاً من هذا كله.. ربما ليس بمثل هذا القبح، في النزوح أدركت الفرق بين النكبتين، بين نكبة صنعت هوية ونكبة أحدثت جرحاً غائراً في الهوية».
وعاهد لا يصف ما شعر به، حين قرأ غسان، وما يشعر به الآن، وهو يعيش النكبة، وإنما يقدم لنا تفسيراً لهذا الاختلاف بين ما قرأه عن النكبة وبين ما يشعر به وهو يعيشها.
بين ما يقرؤه عن الحياة في خيمة وهو مستلقٍ على سرير، والكتابة عن التجربة من داخلها. وهذا ما شغلنا في الأشهر الثمانية الماضية، وكنا ننشغل به ونحن نناقش أعمالاً أدبية قارب فيها أصحابها أمكنة وأزمنة لم يكونوا شهوداً عليها.
ومن يراجع يومياتي عن الحرب فسيقرأ كتابة مستفيضة في الموضوع الذي يمكن مناقشته أيضاً فنياً اعتماداً على فن السرد. السارد المشارك والموضوعي والمحايد والسارد الكاميرا والمنحاز أو السارد من الداخل والسارد من الخارج. السارد الذي يعيش التجربة والسارد الذي يسمع عنها.
إن ما كتبه عاهد يحيلنا إلى رأي الناقد (بيرسي لوبوك) في الحكم على رواية ما، وهو أننا حين نصدر حكماً عليها إنما نحكم على ما بقي في ذاكرتنا منها. إنه - أي الأستاذ عاهد - يحكم الآن على روايات غسان اعتماداً على ما بقي عالقاً في ذهنه منها، بل واعتماداً على قراءته لها وهو مستلقٍ في غرفة مريحة، فيما هو الآن يصف ما يمر به ويعيش تفاصيله ودقائقه.
ويحيلنا ثانياً إلى أن كتابة غسان، إلا أقلها، كانت كتابة الفلسطيني الذي سمع عن الخيام من قاطنيها، لا الذي عاش فيها، فقد كان ابن أسرة ميسورة استأجرت بيتاً في دمشق ولم تقم في خيمة، وإن درس أبناء اللاجئين. وما كتبه عن أم سعد هو إعادة صياغة لما روته له هي القادمة من المخيم.
ويبقى بقية كلامه - أي آخر الأسطر المقتبسة التي يأتي فيها على الروائح الكريهة ودرجة الحرارة في الخيام وجشع التجار والسرقات والقيادات التي تخلت عن شعبها وتركته وحيداً في المحرقة وأيضاً على شطر من شطري وطن يحترق سكان واحد منهما فيما ينعم شطر آخر بالاستمتاع بالسباحة.
إن ما قالته كتابته تأتي على قراءة تعود إلى العام ١٩٩٥، ولا أعرف إن كان أعاد قراءة أعمال كنفاني بعدها.
سوف أعتمد في الكتابة عما طرحه على قراءات متكررة لأعمال غسان آخرها كان في الأشهر الثمانية الأخيرة؛ قراءات توصلني باستمرار إلى اكتشاف جديد لم ألحظه في قراءات سابقة، لدرجة أنني غالباً ما آخذ بمقولة نظرية التلقي «إن قراءة عمل واحد في زمنين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين» وعليها كتبت غير مرة تحت عنوان «قراءة جديدة لنص قديم» أو «غسان كنفاني في زمن مختلف».
إن الكتابة عن سرقة المساعدات الدولية وبرد الشتاء حضر في قصة «القميص المسروق»، وعن درجة الحرارة القاتلة في رواية «رجال في الشمس» وإن لم يخص به الخيام، وعن القيادة التي هربت في رواية «أم سعد» التي كتب فيها أيضاً عن وحل المخيم في الشتاء، بل وكتب عن المثقف الذي لا يقف إلى جانب أهل قريته فيهجرها إلى المدينة «عن الرجال والبنادق» وكتب وكتب..
وأنا أكتب يوميات مقتلة غزة ومهلكتها وحرب إبادتها، بل وأنا أكتب «تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤» وجدتني باستمرار استحضر ما كتبه غسان، فالحالة تستحضر الحالة والنكبة استحضرت النكبة، و... و... .
عادل الأسطة

***

40- تداعيات حرب 2023 / 2024: الفضائل والأخلاق في زمن الحرب: قصص فلسطينية وعربية

من يتابع صفحات التواصل الاجتماعي لأبناء قطاع غزة يلحظ أن جلّ تركيزهم، إن لم يكن كله، ينصب على ما يعانون منه في حياتهم اليومية في بحثهم عن المأكل والمشرب، وضيق الحياة في الخيام وتوزيع المساعدات، واستغلال التجار، والسرقات التي كان آخرها سرقة أثاث مستشفى غزة الأوروبي.
لقد تبرم كثيرون من تبدل في الأحوال، انعكس على الأخلاق والعلاقات بين الناس، ووصل، في حالة سرقة أثاث مستشفى غزة الأوروبي، إلى درجة من تقريع الذات عالية، حتى أن أحد المسؤولين وهو د. صالح إسماعيل الهمص (أبو بلال) كتب، في 2/7/2024، منشوراً عن يوم الثلاثاء الأسود، أبدى فيه سخطه مما جرى وشاهد، وتساءل إن كنا سننتصر أو نستحق أي انتصار، وعبرت كتابته عن تشاؤم كبير.
وقد عقبت شخصياً على المنشور وبعض التعليقات بأن ما حدث ليس بدعة في حياة الشعب الفلسطيني أو في حياة شعوب بشرية تعد متقدمة وحضارية، والأمثلة عديدة.
غالباً في حالات كهذه ما أتوقف أمام ثلاثة نصوص أدبية فلسطينية ونص عربي. النص الفلسطيني الأول هو للقاصة سميرة عزام «لأنه يحبهم»، والنصان الثاني والثالث هما لغسان كنفاني «القميص المسروق» و»الصغير يذهب إلى المخيم/ زمن الاشتباك». والنص العربي هو للكاتب إلياس خوري «أولاد الغيتو: اسمي آدم» 2016.
في قصة عزام التي عدها الناقد سامي اليوسف «من أجود ما كتب النثر الفلسطيني منذ عام النكبة حتى اليوم» (أي 1990)، نقرأ عن نماذج فلسطينية عديدة تركت نكبة 1948 أثرها السلبي عليها، فقلبت كيانها كلياً وجعلت منها بشراً شريرين بعد أن كانوا عاديين ومحترمين. لقد تساقطوا واحداً وراء واحد «حين تعرض» اللحظة «نفسها»، وهذا حدا بالموظف الأجنبي إلى مخاطبة السارد المستدعى ليشهد على صديقه وصفي الذي كان محترماً وصار لصاً:
«- في مثل ظروفكم يا صاحبي لا يدري المرء في أي لحظة يمكن أن يصبح لصاً..».
سردت قصة عزام حكاية مزارع فقد أرضه وصار مجرماً، وحكاية امرأة شريفة استشهد زوجها وفقدت عائلتها فصارت بغياً، وحكاية موظف الميناء الذي صار جاسوساً على أهل المخيم - أي الوغد، وحكاية الموظف وصفي الذي صار لصاً، لأنه يريد أن ينفق عن سعة.
وفي قصة كنفاني «القميص المسروق» التي كتبها في العام 1958 - أي سنة قبل أن تكتب سميرة قصتها، وكان عمره 22 عاماً - يكاد بطل القصة يشتم شتيمة كفر بسبب ما يعيشه في خيمة في ليلة باردة ماطرة، ويدفعه سوء واقعه الاقتصادي، حيث الفقر المدقع، أن يسرق ليحل مشاكل طفله عبد الرحمن المكوّر في زاوية الخيمة كالقط المبلول. يسرق أبو سمير هو والموظف الأميركي الأشقر في الوكالة أكياس طحين اللاجئين ويتاجران بها، ويكاد أبو العبد ينضم إليهما، لولا يقظة ضمير تدفعه إلى رفع الرفش ليهوي به بعنف رهيب على رأس اللص أبو سمير، حتى لا يتأجل توزيع الطحين على أهل المخيم أربعة أشهر.
تنتهي القصة بالآتي:
«ضم صدره إلى ولده عبد الرحمن وهو يحدق في وجهه الهزيل الأصفر.. و.. أخذ يبكي».
تثير قصة «الصغير يذهب إلى المخيم» أسئلة لطالما أثرتها في الجدل مع نشطاء فيسبوكيّين حول ما يجري في حياة الغزيين اليومية تحت الحرب، ومنها أسئلة الأخلاق والفضيلة التي تبدو المطالبة بها في زمن الحرب وزمن الاشتباك مع الحياة أمراً مضحكاً:
«أن تعيش كيفما كان، وبأي وسيلة، هو انتصار مرموق للفضيلة. حسناً. حين يموت المرء تموت الفضيلة أيضاً. أليس كذلك؟ إذاً دعنا نتفق على أنه في زمن الاشتباك يكون من مهمتك أن تحقق الفضيلة الأولى، أي أن تحتفظ بنفسك حياً، وفيما عدا ذلك يأتي ثانياً. ولأنك في اشتباك مستمر فإنه لا يوجد ثانياً. أنت دائماً لا تنتهي من أولاً..
ويخيل إلي أن هذا هو واقع الفلسطيني منذ 1948.
وأخيراً ماذا ورد في رواية خوري التي تسترجع ما جرى في اللد يوم احتلالها؟
هل يغني تلخيص المشهد السابع الذي يقصه مراد العلمي عمّا جرى في العام 1948 عن النهب والسرقة في مدينة اللد بعد احتلالها، هل يغني عن قراءته؟ (ص 397 - 407)
«تفو علينا كيف صرنا» قال مراد. «هل تصدق؟ عليك أن تصدق، لأنني صدقت، وهذا ما يحيرني. كيف صرنا الناهب والمنهوب، الحرامي والضحية. شيء عجيب».
في زمن الحرب وزمن الاشتباك تضطرب القيم الاجتماعية وتسود الفوضى، وما حدث من سلب ونهب لمستشفى غزة الأوروبي متوقع حدوثه، وقد عشت في حزيران 1967 حدثاً شبيهاً، فقد تم نهب معسكر الجيش الأردني القريب من مخيم عسكر القديم.

***

41- فجر ٢١ / ٧ / ٢٠٢٤ : تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : نهايات الانتفاضة الأولى : ما أشبه الليلة بالبارحة

هل أكرر مقولة " ما أشبه الليلة بالبارحة " ؟
في ٧٠ القرن ٢٠ قرأت كتاب مارون عبود عن بديع الزمان الهمذاني ، وفيه شبه حال العرب في القرن ٢٠ بحالهم في القرن ٤ الهجري واستهل كتابته بالمثل المذكور .
تشبيه القرن ٢٠ بالقرن ٤ الهجري كثر في أثناء استحضار المتنبي أيضا ، وقد تجسد في قصيدة محمود درويش " رحلة المتنبي إلى مصر " ( ١٩٧٩ ) حيث عبر عن تجربته من خلال تجربة الأول ، بل وفي مطولته " مديح الظل العالي " ، فقول المتنبي :
" وسوى الروم خلف ظهرك روم " حضر فيها " عرب أطاعوا رومهم / عرب وباعوا روحهم " .
ومع أن بيننا وبين نهاية الانتفاضة الأولى فترة زمانية لا تصل إلى الألف عام ، فجيلي شهود على الأولى ، إلا أننا يمكن أن نستعير " ما أشبه الليلة بالبارحة " ونحن نتابع ما يجري ، في الأشهر الأخيرة للحرب ، في غزة ، ونقارنها بنهايات الانتفاضة الأولى ، وهي نهايات جعلتني يومها أكتب بعفوية كاملة نص " ليل الضفة الطويل " الذي أبرز للانتفاضة صورة سلبية مختلفة كليا عن صورتها في سنواتها الأولى .
في السنوات الأولى كان المجتمع الفلسطيني متماسكا متعاطفا متراصا وكانت فصائله السياسية متكاتفة تنسق فيما بينها بقيادة موحدة ، وقد تحدث عن هذا أبناؤه بفخر واعتزاز ، وهذا ما لم يرق للإسرائيليين ، فقرروا تمزيق النسيج الاجتماعي وضرب الفصائل ببعضها ، لتشتيت جهودها والعمل على تفكيكها ، ونجحوا بحيث صارت الانتفاضة تتآكل وتتناحر فصائلها فيما بينها . صار الفصيل عدو الفصيل وانشقت فصائل ولم تتفق كثير منها حتى على تحديد يوم إضراب ، ما جعل من هذا موضع تندر وسخرية عبرت عن استخفاف بعض أبناء الشعب بقياداتهم التي افتخروا فيها .
في الأشهر الأولى لحرب ٧ أكتوبر كان الفلسطينيون ينتظرون خطابات أبو عبيدة بالدقيقة واللحظة ويحرصون على عدم تفويتها ، وكانوا يثقون بكل ما يرد فيها ويبتهجون ، وأبعد من ذلك فقد اهتم بها أساتذة جامعيون ودرسوها وحللوها معجبين بأسلوبها ، وبلغ الأمر بقسم منهم أن اقترحوها موضوعا لكتابة اطروحة ماجستير تدرس جمالياتها اللغوية وفصاحتها ، ونادرا ما سمعنا سخرية منها أو تندرا عليها . في تلك الفترة لم يكن أبناء غزة ينتقدون الأوضاع الداخلية التي تعبر عن امتعاض ما مما يجري ، فاللحظة لا تسمح ، وأذكر أنني وأنا أقرأ يوميات عاطف ابوسيف التي كتبها من قلب مخيم جبالبا ومن خيام رفح ، لاحظت غياب أي انتقاد للوضع الداخلي ، ما جعلني اسأله عن سبب عدم تعرضه لجدل ما ، بين أهل غزة ، حول الحرب ؛ جدل يظهر وجهات نظر متباينة مختلفة . هل يتجادل الغزيون فيما بينهم ، وهم يتعرضون للقصف والتدمير والإبادة والتهجير ؟ هل يتجادلون عن جدوى ما حدث ؟ وهل أصابت حماس فيما قامت به أم أخطأت ؟ وكانت إجابته أن الوقت الآن غير مناسب للكتابة في هذا .
ويستطيع من يتابع صفحات التواصل الاجتماعي لأبناء غزة أن يلاحظ أن أكثرهم ، في بداية الحرب ، لم يكن يدون يومياته أو يكتب ، ولهم أعذارهم في ذلك . هناك من فوجيء من أهوال الحرب ، وهناك من دمر بيته وارتقى وأسرته تحت أنقاضه ، وهناك من فقد مكتبته ووجد نفسه في خيمة أو في ضيافة أسرة في منزل مكتظ بالبشر ، وهناك من انقطعت عنه الكهرباء والنت ووسائل الاتصالات ، وهناك من تساءل عن جدوى الكتابة في ظل المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ، ولكنهم منذ ثلاثة أشهر عادوا يكتبون ، وصار قسم منهم يصور معاناته ومعاناة الناس ويحتج ويتذمر ، وأخذ قسم آخر يتساءل عن صواب ما أقدمت عليه حماس وخطئه ، وذهب عديدون إلى تحميلها سبب ما يمر الناس به ، وبلغت الشكوى مبلغها حين شعر بعض الغزيين بالإحباط من قسم من أهل الضفة الغربية ممن واصلوا حياتهم كأن لا شيء يحدث في غزة أو أن ما يحدث لا يعنيهم ، ولم يكن غريبا أن نقرأ في صفحة مخيم النصيرات :
" خمسة مليون فلسطيني ندل بتفرج علينا من تسع شهور "
( ١٤ / ٧ / ٢٠٢٤ )
بل وتواصل أيضا الهجوم على الأمة الإسلامية :
- " وينكم يا أمة المليار فردة كندرة !؟ " نحن في غزة نباد .. نعم نعم نحن نباد فماذا أنتم فاعلون " ( ١٤ / ٧ / ٢٠٢٤ ) .
في نهاية الانتفاضة الأولى صار الأطفال والشباب الذين رموا الجنود بالحجارة يتابعون الفتيات الفلسطينيات ممن يرتدين بنطال الستريتش ليرشوهن بماء النار ، وصاروا يفتشون السيارات القادمة من الأغوار ليبحثوا إن كان فيها زجاجات بيرة أو خمر ، وقبل يومين كتب ناشط نابلسي :
"بعرف واحد مليونير ، لما بده يشتري جاجتين كل أسبوع ببعت الشغيل تاعه يجيب عروض أسعار من بياعين الجاج بسوق البصل وسوق الحدادين وشارع النصر " ( ١٤ / ٧ / ٢٠٢٤ )
فتذكرت ، وأنا أقرأ التعليقات ، فدوى طوقان وسيرتها وما كتبته عن أهل نابلس وسخريتهم ، وتساءلت :
- هل يحدث شيء في غزة ؟!
( الاثنين والثلاثاء والأربعاء ١٥ و ١٦ و١٧ / ٧ / ٢٠٢٤ .
مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٢١ / ٧ / ٢٠٢٤ )
عادل الاسطة

***

==================
36- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: فإن الخيام تستدعي الخيام "بيتنا في المخيم"
37- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: المشروع الصهيوني وجنة الله الموعودة
38- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: البعوض والحرب والشعر
39- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: غسان كنفاني وحرب ٧ أكتوبر
41- تداعيات حرب ٢٠٢٣/ ٢٠٢٤: نهايات الانتفاضة الأولى: ما أشبه الليلة بالبارحة
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى