كان اليوم شتويًّا على غير عادته، كأن السماء نفسها قد ضاقت ذرعًا بما تحمله من أحزان، والريح تصرخ في الطرقات كأنها تنذر بأمر جلل. السُّحب السوداء كسَت السماء برداء ثقيل، تحجب أشعة الشمس كما لو أنها لا تطيق أن ترى ما يحدث على الأرض. وبرودة قارسة تُجبر المارة على الاحتماء، لا من الجو فحسب، بل مما خلفته هذه الحياة من قسوة.
دخلتُ الجلسة وأنا أعلم أن ما سننظر فيه لن يكون كسابقه، فثمة قضايا لا تطرق باب القاضي فحسب، بل تقتحم قلبه، وتترك فيه نُدبة لا تُنسَى، بل تهز وجدانه قبل أن تهز قِيم المجتمع.
كان المتهم شيخًا في مُقتبل الشيخوخة، ملامحه جامدة كصخر، نظرته لا تشي بندم، بل كانت تحدق فينا بثبات متعجرف، كأنه جاء يطالب بحقه لا ليَدفع جُرم اقترفه. وعندما وُوجه بتفاصيل الاتهام، لم يطرف له جَفن، قالها ببرود قاتل: "هو ده اللي حصل."
أما المجني عليها، فكانت شابة بالكاد تفصلها أيام عن سن الرشد الجنائي. وجهها غائب خلف وشاح يلفها ويُغطي بين ذراعيها طفلة وليدة، ضمَّتها لصدرها كأنها تحتمي بها أو تحميها من هذا العالم. لم تكن بحاجة للكلام؛ فالوجع في عينيها كان أبلغ من أي شهادة.
كان المتهم حَماها. غاب زوجها في غربته، فتوحش الذئب الذي في البيت، وخلَّفَت فِعلته الشنيعة حياة طفلة وليدة، بريئة، لا ذنب لها سوى أنها جاءت من رحِم مأساة.
لم يكن الألم فيما حدث – فكم من الجرائم تمر أمام أعيننا – بل فيما لم يُقال فيما نراه دون أن يُروَى.
دخل الزوج، شاب في مُقتبل العمر، لكن الزمن قد نحتَ ملامحه كما تنحَت الريحُ وجه جبل. حزن عميق خيَّم على قسَماته، عيناه زائغتان، وصمته كان أعلى من كل صوت. لم يقل شيئًا. جلس. انتظرتُه طويلاً، ثم سألته: "هل لكَ طلبات؟"
فانفجر الصمت نحيبًا، صوت تهشَّم في قلبه قبل أن يخرج من حنجرته. قالها بصوت مخنوق، من بين دموع تخنقه: "أُحرّك دعوى الزنا"، ثم انهار باكيًا، وارتعدت أوصاله وسقط مغشيًّا عليه.
في تلك اللحظة، خُيل إليّ أن الجدران اهتزت، وأن الهواء تجمد. لم أرَ في حياتي – رغم بشاعة ما رأيت – وجعًا يخرج من صدرٍ كهذا، ولا دمعةً تسقط بثقل الحطام.
حاولتُ أن أتماسَك، لكن مشاعري خذلتني. رفعتُ الجلسة مؤقتًا. ثم عدنا، وتداولنا القضية. لم يكن ثمة مَفرّ من أقصى عقوبة ينص عليها القانون. فنطقتُ بالحكم، وفي داخلي إحساس أن العدالة، مهما كانت عادلة، تظل عاجزة عن تضميد جراح كهذه.
ذلك اليوم كان آخر يوم في دور الانعقاد. خرجتُ أجُر خلفي إرهاقًا أثقل من السنين. على الطريق الساحلي الطويل، كان شريط القصة يمر أمامي، بطيئًا مؤلمًا، يسألني ألف سؤال لا جواب له:
ما مصير تلك الطفلة؟ وهل ستراها أمها ابنة؟ أم أختًا؟ وهذا الشيخ المجرم، هل يراها حفيدة؟ أم بنتا؟!
وهل يشفى قلب ذاك الشاب المكلوم بهذا الحكم؟ كلا، فبعض الجراح لا تشفيها قوانين البَشر، وبعض الأحكام لا تُغلَق مَلفاتها في قلب القاضي، بل تبقى تنبض بالألم، كلما مرَّ شبيهها.
طال بي الطريق وطال بي التفكير، حتى أفقتُ على انحدار عَبرات على وجهي.. وجدتُني أبكي.
دخلتُ الجلسة وأنا أعلم أن ما سننظر فيه لن يكون كسابقه، فثمة قضايا لا تطرق باب القاضي فحسب، بل تقتحم قلبه، وتترك فيه نُدبة لا تُنسَى، بل تهز وجدانه قبل أن تهز قِيم المجتمع.
كان المتهم شيخًا في مُقتبل الشيخوخة، ملامحه جامدة كصخر، نظرته لا تشي بندم، بل كانت تحدق فينا بثبات متعجرف، كأنه جاء يطالب بحقه لا ليَدفع جُرم اقترفه. وعندما وُوجه بتفاصيل الاتهام، لم يطرف له جَفن، قالها ببرود قاتل: "هو ده اللي حصل."
أما المجني عليها، فكانت شابة بالكاد تفصلها أيام عن سن الرشد الجنائي. وجهها غائب خلف وشاح يلفها ويُغطي بين ذراعيها طفلة وليدة، ضمَّتها لصدرها كأنها تحتمي بها أو تحميها من هذا العالم. لم تكن بحاجة للكلام؛ فالوجع في عينيها كان أبلغ من أي شهادة.
كان المتهم حَماها. غاب زوجها في غربته، فتوحش الذئب الذي في البيت، وخلَّفَت فِعلته الشنيعة حياة طفلة وليدة، بريئة، لا ذنب لها سوى أنها جاءت من رحِم مأساة.
لم يكن الألم فيما حدث – فكم من الجرائم تمر أمام أعيننا – بل فيما لم يُقال فيما نراه دون أن يُروَى.
دخل الزوج، شاب في مُقتبل العمر، لكن الزمن قد نحتَ ملامحه كما تنحَت الريحُ وجه جبل. حزن عميق خيَّم على قسَماته، عيناه زائغتان، وصمته كان أعلى من كل صوت. لم يقل شيئًا. جلس. انتظرتُه طويلاً، ثم سألته: "هل لكَ طلبات؟"
فانفجر الصمت نحيبًا، صوت تهشَّم في قلبه قبل أن يخرج من حنجرته. قالها بصوت مخنوق، من بين دموع تخنقه: "أُحرّك دعوى الزنا"، ثم انهار باكيًا، وارتعدت أوصاله وسقط مغشيًّا عليه.
في تلك اللحظة، خُيل إليّ أن الجدران اهتزت، وأن الهواء تجمد. لم أرَ في حياتي – رغم بشاعة ما رأيت – وجعًا يخرج من صدرٍ كهذا، ولا دمعةً تسقط بثقل الحطام.
حاولتُ أن أتماسَك، لكن مشاعري خذلتني. رفعتُ الجلسة مؤقتًا. ثم عدنا، وتداولنا القضية. لم يكن ثمة مَفرّ من أقصى عقوبة ينص عليها القانون. فنطقتُ بالحكم، وفي داخلي إحساس أن العدالة، مهما كانت عادلة، تظل عاجزة عن تضميد جراح كهذه.
ذلك اليوم كان آخر يوم في دور الانعقاد. خرجتُ أجُر خلفي إرهاقًا أثقل من السنين. على الطريق الساحلي الطويل، كان شريط القصة يمر أمامي، بطيئًا مؤلمًا، يسألني ألف سؤال لا جواب له:
ما مصير تلك الطفلة؟ وهل ستراها أمها ابنة؟ أم أختًا؟ وهذا الشيخ المجرم، هل يراها حفيدة؟ أم بنتا؟!
وهل يشفى قلب ذاك الشاب المكلوم بهذا الحكم؟ كلا، فبعض الجراح لا تشفيها قوانين البَشر، وبعض الأحكام لا تُغلَق مَلفاتها في قلب القاضي، بل تبقى تنبض بالألم، كلما مرَّ شبيهها.
طال بي الطريق وطال بي التفكير، حتى أفقتُ على انحدار عَبرات على وجهي.. وجدتُني أبكي.