المستشار بهاء المري - دموع لا تُرى...

كان اليوم شتويًّا على غير عادته، كأن السماء نفسها قد ‏ضاقت ذرعًا بما تحمله من أحزان، والريح تصرخ في الطرقات كأنها ‏تنذر بأمر جلل. السُّحب السوداء كسَت السماء برداء ثقيل، تحجب ‏أشعة الشمس كما لو أنها لا تطيق أن ترى ما يحدث على الأرض. ‏وبرودة قارسة تُجبر المارة على الاحتماء، لا من الجو فحسب، بل مما ‏خلفته هذه الحياة من قسوة‎.‎‏

دخلتُ الجلسة وأنا أعلم أن ما سننظر فيه لن يكون ‏كسابقه، فثمة قضايا لا تطرق باب القاضي فحسب، بل تقتحم ‏قلبه، وتترك فيه نُدبة لا تُنسَى، بل تهز وجدانه قبل أن تهز قِيم ‏المجتمع. ‏

كان المتهم شيخًا في مُقتبل الشيخوخة، ملامحه جامدة ‏كصخر، نظرته لا تشي بندم، بل كانت تحدق فينا بثبات متعجرف، ‏كأنه جاء يطالب بحقه لا ليَدفع جُرم اقترفه. وعندما وُوجه ‏بتفاصيل الاتهام، لم يطرف له جَفن، قالها ببرود قاتل‎:‎‏ "هو ده اللي ‏حصل‎."‎

أما المجني عليها، فكانت شابة بالكاد تفصلها أيام عن سن ‏الرشد الجنائي. وجهها غائب خلف وشاح يلفها ويُغطي بين ‏ذراعيها طفلة وليدة، ضمَّتها لصدرها كأنها تحتمي بها أو تحميها من ‏هذا العالم. لم تكن بحاجة للكلام؛ فالوجع في عينيها كان أبلغ من ‏أي شهادة‎.‎‏

كان المتهم حَماها. غاب زوجها في غربته، فتوحش الذئب ‏الذي في البيت، وخلَّفَت فِعلته الشنيعة حياة طفلة وليدة، بريئة، لا ‏ذنب لها سوى أنها جاءت من رحِم مأساة‎.‎

لم يكن الألم فيما حدث – فكم من الجرائم تمر أمام أعيننا – ‏بل فيما لم يُقال فيما نراه دون أن يُروَى‎.‎‏ ‏

دخل الزوج، شاب في مُقتبل العمر، لكن الزمن قد نحتَ ‏ملامحه كما تنحَت الريحُ وجه جبل. حزن عميق خيَّم على قسَماته، ‏عيناه زائغتان، وصمته كان أعلى من كل صوت. لم يقل شيئًا. ‏جلس. انتظرتُه طويلاً، ثم سألته‎:‎‏ "هل لكَ طلبات؟‎"‎

فانفجر الصمت نحيبًا، صوت تهشَّم في قلبه قبل أن يخرج ‏من حنجرته. قالها بصوت مخنوق، من بين دموع تخنقه‎:‎‏ "أُحرّك ‏دعوى الزنا‎"، ثم انهار باكيًا، وارتعدت أوصاله وسقط مغشيًّا عليه‎.‎

في تلك اللحظة، خُيل إليّ أن الجدران اهتزت، وأن الهواء ‏تجمد. لم أرَ في حياتي – رغم بشاعة ما رأيت – وجعًا يخرج من ‏صدرٍ كهذا، ولا دمعةً تسقط بثقل الحطام‎.‎‏ ‏

حاولتُ أن أتماسَك، لكن مشاعري خذلتني. رفعتُ ‏الجلسة مؤقتًا. ثم عدنا، وتداولنا القضية. لم يكن ثمة مَفرّ من أقصى ‏عقوبة ينص عليها القانون. فنطقتُ بالحكم، وفي داخلي إحساس ‏أن العدالة، مهما كانت عادلة، تظل عاجزة عن تضميد جراح كهذه‎.‎

ذلك اليوم كان آخر يوم في دور الانعقاد. خرجتُ أجُر ‏خلفي إرهاقًا أثقل من السنين. على الطريق الساحلي الطويل، كان ‏شريط القصة يمر أمامي، بطيئًا مؤلمًا، يسألني ألف سؤال لا جواب ‏له‎:‎‏

ما مصير تلك الطفلة؟ وهل ستراها أمها ابنة؟ أم أختًا؟ وهذا ‏الشيخ المجرم، هل يراها حفيدة؟ أم بنتا؟!‏

وهل يشفى قلب ذاك الشاب المكلوم بهذا الحكم؟ كلا، فبعض ‏الجراح لا تشفيها قوانين البَشر، وبعض الأحكام لا تُغلَق مَلفاتها في ‏قلب القاضي، بل تبقى تنبض بالألم، كلما مرَّ شبيهها‎.‎‏ ‏

طال بي الطريق وطال بي التفكير، حتى أفقتُ على انحدار ‏عَبرات على وجهي.. وجدتُني أبكي‎.‎‏ ‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى