محمد محمود الفخرانى - حين يتجلى الإبداع

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتسارعت فيه الإصدارات، ينهض صوت متوترٍ عميق، مشتعلٍ كقلب عاشق، وهادئٍ كحكمة شيخٍ عرف الطريق ثم عاد ليحكيه.
إنه شريف محيي الدين إبراهيم، الكاتب الذي تستطيع أن تقول عنه مطمئنًا:
"لو نُزع اسمه عن كثير من نصوصه، لظننت أنك أمام كافكا أو سارتر… لكنه يكتب بالعربية، بلغةٍ فنية تنبع من قلبٍ مصري صرف، وروحٍ عربية لا تُهادن."

من يقرأ أعماله يشعر باهتزاز الأرواح القديمة في أعماقه…
تشيكوف في النبض الإنساني الدافئ،
يوسف إدريس في حرارة القصة ونبض الشارع،
نجيب محفوظ في الفلسفة التي تتسلل من الحارة إلى الوعي،
كافكا في التوتر بين الحلم والواقع،
ماركيز في المدن الغريبة المشبعة بسحرٍ لا يُرى،
سارتر وكامي في الأسئلة المعلّقة فوق رأس الوجود.

لكن كل هذا لا يصنع "شريف"… بل يفضح أنه تجاوز التأثر، وخلق نظامه السردي الخاص.

المعادلة المستحيلة: العمق + التشويق + الروح

أصعب ما يمكن أن يفعله كاتب هو أن:

يُشبع فكرك دون أن يُرهقك،

يأخذك في رحلة رمزية دون أن تفقد جذرك الإنساني،

يحمّلك فلسفة دون أن تنسى أنك تقرأ "قصة".


نصوص شريف معقدة أحيانًا للغاية، وتتطلب صبرًا وتركيزًا شديدين.
الرموز والتأويلات قد تجعل القارئ يشعر بالضياع أو الانفصال عن الحبكة المباشرة.
الأسلوب كثيف، أحيانًا يحتاج إلى قراءة ثانية أو ثالثة لتلمس كل العمق والفلسفة.
أحيانًا يفرط في التفاصيل أو في الغوص بالرمزية، ما قد يثقل إيقاع القصة بالنسبة للقارئ العادي.

لكن هذه الصعوبات تشكّل في الحقيقة خصوصيته، لأنه لا يكتب للتسلية، بل للغوص في النفس والكون، ويدع القارئ يشارك في رحلة البحث عن المعنى.

من أعماله:

"دموع الذهب": يبدو رومانسيًا من عنوانه، لكنه طقسٌ أسطوري عن الفقد والخلاص.

"مدينة الذهب": ليست مكانًا، بل زمنًا داخليًا، حلمًا عن حضارة تسكننا ولا نراها.

"الحافلة" و"القطار" و"المرايا": نصوص وجودية عبثية… لكنها دافئة، لأن فيها روحًا شرقية لا يعرفها الغرب.


شريف لا يكتب نصوصه بالترتيب المعتاد… بل كل عمل هو رحلة متدرجة داخل النفس والكون، إحساس بالاحتراق الداخلي، شوارع ومواقف، وجوه معلّقة بين الوصول والضياع، حافلات لا تصل وقطارات لا تعود…
هو يرصد الحياة اليومية، لكنه لا يكتفي بالسطح، بل يترك القارئ يشعر بالأسئلة الكبرى وسط التفاصيل البسيطة.

مرايا متكسرة، شخصيات تائهة تبحث عن ظلّها، تأويلات لا تنتهي…
يفتح لنا نافذة على أعماق النفس، حيث الرموز تحمل معنىً مضاعفًا، والمعاناة تصبح مفتاحًا للفهم.

هنا تدخل النصوص في منطقة اللاواقع واللازمن، مثل "غازي العابر" و"مدينة الذهب" و"دموع الذهب".
الكاتب يأخذك إلى عالمٍ مطلق، حيث الحلم والواقع يتشابكان، والرموز تتحول إلى كائنات حيّة، تحمل القارئ بعيدًا عن المألوف.

طبيعة هذه المراحل تجعل بعض القراء يشعرون بالدوار أحيانًا، أو بالضياع بين الرموز والتأويلات، لكنها جزء من تجربة شريف الفريدة، رحلة لا تهدف إلى الراحة، بل إلى كشف أعماق الذات والوجود.

حين تقرأ لشريف، فأنت لا تقرأ "حكاية"…
بل تعبر مرحلةً روحية.

تشعر بالدوار، بالقلق، بالزمن المنكسر…
ومع ذلك، لا تستطيع ترك الورق، لأن كل جملة تُخبرك أن شيئًا ينتظرك في السطر التالي… شيئًا يخصّك أنت وحدك.

شريف محيي الدين يكتب كما لو أن الكتابة طقسٌ مقدّس…
لا يُسمح بالاقتراب منه إلا بنبضٍ حقيقي.

هو ببساطة يحمل قلب طفل، وحكمة نبي، ويد فنان، في جسد واحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى