بَدا كلُّ شيءٍ ساكنًا كالماء الراكد، والأيامُ تمضي بهدوءٍ يخفي صخبًا لم يُولد بعد. نظراته، صمته، وجلوسه المنفرد في زاوية المكتب... كلُّها أمورٌ لم تكن تلفت انتباهها في الماضي، لكنها الآن غدت كألغاز تتوسَّط يومها ولا تُفك.
كان يطيل النظر في دفترٍ قديم، يفتحه حين يظنُّ أنه وحده، ويُغلقه على عَجَل كأنّ بين صفحاته سِرًّا لا يُباح. لم يكن الدفتر جديدًا، ولا أنيقًا؛ رماديٌّ باهت، أطرافه متآكلة من قِدمه. وكلما سألَته عنه، تَهرَّب، وكلما حاولَتْ أن تعرف، ازداد صمته عمقًا وغموضًا.
بدأ الشك يتسلل إليها، راقَبتهُ، تتبعت خطواته بين الحذَر والرِّيبة، وعيناها تترصدان كل حركة. سألته مرَّة بحدة فارتبك، وقال متلعثما: "مجرد حسابات قديمة...". لكنَّ عينيه، حين نطقها، لم تكونا عيني رجلٍ يتذكَّر أرقامًا.
في ليلةٍ ساكنةٍ، تَسلَّلت إليه كمَن يبحث عن ضوءٍ في قَبوٍٍ مُعتم. وجدته غارقا في شروده، يُقلِّبُ الصفحاتَ ببطءٍ كأنّه يُناجيها. خطفت الدفتر من بين يديه.
انتفضَ، حاول استرداده، تَوسَّل إليها أن ترفقَ به، ألا تؤذيه. لكنها لم تُصغ. فتحته بعنف... وإذا بها: زَهرة. زَهرة يابسة، تنامُ وحيدة بين الصفحات كجُرحٍ مُحنَّط في ذاكرةٍ لا تشيخ.
قهقهت، قائلةً بسخرية: "ألهذا كنتَ تُخفيها؟ زَهرة؟! يا لكَ من أحمق!"
قلَّبت الصفحات باحثة عن شَيء، عن جريمة، عن اعتراف، عن امرأة أخرى... لكنها لم تجد سوى تلك الزَهرة، ثم ألقت بالدفتر عاليا نحو سقف الغرفة. تَفتَّت الزَهرة، وتناثَرت شظاياها في الهواء، تَساقَطت على الأرض كرمادٍ حزين، رمَقته بنظرةٍ ساخرةَ وغادَرت.
أما هو، فظَلَّ واقفًا، مَذهول النظرات، كأنَّ قلبه هو من تحطَّم، لا الزهرة. عاد إلى مقعده، فتح الدفتر مجددًا... خالٍ، لا ظلَّ لها، لا بقايا، لا رائحة. تَنهدَّ، واغرورَقت عيناه، ثم صاح بصوت مبحوح كأنه ينزف: "كم أنتِ قاسية... لا تعرفين الرحمة!"
عادت بعد بُرهة، سألتهُ بإلحاح: "قل لي... ما القصَّة؟" لم يستطع النطق. كيف يُخبرها أنَّ تلك الزهرة كانت هدية من فتاةٍ أحبَّها، ثم ضاعت منه حين اجتمع والده ُووالدها، ووقعا باسمِه على زواج لا يُشبه قلبه في شيء.
كان يطيل النظر في دفترٍ قديم، يفتحه حين يظنُّ أنه وحده، ويُغلقه على عَجَل كأنّ بين صفحاته سِرًّا لا يُباح. لم يكن الدفتر جديدًا، ولا أنيقًا؛ رماديٌّ باهت، أطرافه متآكلة من قِدمه. وكلما سألَته عنه، تَهرَّب، وكلما حاولَتْ أن تعرف، ازداد صمته عمقًا وغموضًا.
بدأ الشك يتسلل إليها، راقَبتهُ، تتبعت خطواته بين الحذَر والرِّيبة، وعيناها تترصدان كل حركة. سألته مرَّة بحدة فارتبك، وقال متلعثما: "مجرد حسابات قديمة...". لكنَّ عينيه، حين نطقها، لم تكونا عيني رجلٍ يتذكَّر أرقامًا.
في ليلةٍ ساكنةٍ، تَسلَّلت إليه كمَن يبحث عن ضوءٍ في قَبوٍٍ مُعتم. وجدته غارقا في شروده، يُقلِّبُ الصفحاتَ ببطءٍ كأنّه يُناجيها. خطفت الدفتر من بين يديه.
انتفضَ، حاول استرداده، تَوسَّل إليها أن ترفقَ به، ألا تؤذيه. لكنها لم تُصغ. فتحته بعنف... وإذا بها: زَهرة. زَهرة يابسة، تنامُ وحيدة بين الصفحات كجُرحٍ مُحنَّط في ذاكرةٍ لا تشيخ.
قهقهت، قائلةً بسخرية: "ألهذا كنتَ تُخفيها؟ زَهرة؟! يا لكَ من أحمق!"
قلَّبت الصفحات باحثة عن شَيء، عن جريمة، عن اعتراف، عن امرأة أخرى... لكنها لم تجد سوى تلك الزَهرة، ثم ألقت بالدفتر عاليا نحو سقف الغرفة. تَفتَّت الزَهرة، وتناثَرت شظاياها في الهواء، تَساقَطت على الأرض كرمادٍ حزين، رمَقته بنظرةٍ ساخرةَ وغادَرت.
أما هو، فظَلَّ واقفًا، مَذهول النظرات، كأنَّ قلبه هو من تحطَّم، لا الزهرة. عاد إلى مقعده، فتح الدفتر مجددًا... خالٍ، لا ظلَّ لها، لا بقايا، لا رائحة. تَنهدَّ، واغرورَقت عيناه، ثم صاح بصوت مبحوح كأنه ينزف: "كم أنتِ قاسية... لا تعرفين الرحمة!"
عادت بعد بُرهة، سألتهُ بإلحاح: "قل لي... ما القصَّة؟" لم يستطع النطق. كيف يُخبرها أنَّ تلك الزهرة كانت هدية من فتاةٍ أحبَّها، ثم ضاعت منه حين اجتمع والده ُووالدها، ووقعا باسمِه على زواج لا يُشبه قلبه في شيء.