بهاء المري - مصرع زهرة...

بَدا كلُّ شيءٍ ساكنًا كالماء الراكد، والأيامُ تمضي بهدوءٍ يخفي صخبًا لم ‏يُولد بعد. نظراته، صمته، وجلوسه المنفرد في زاوية المكتب... كلُّها أمورٌ لم ‏تكن تلفت انتباهها في الماضي، لكنها الآن غدت كألغاز تتوسَّط يومها ولا ‏تُفك.‏
كان يطيل النظر في دفترٍ قديم، يفتحه حين يظنُّ أنه وحده، ويُغلقه ‏على عَجَل كأنّ بين صفحاته سِرًّا لا يُباح. لم يكن الدفتر جديدًا، ولا أنيقًا؛ ‏رماديٌّ باهت، أطرافه متآكلة من قِدمه. وكلما سألَته عنه، تَهرَّب، وكلما ‏حاولَتْ أن تعرف، ازداد صمته عمقًا وغموضًا. ‏
بدأ الشك يتسلل إليها، راقَبتهُ، تتبعت خطواته بين الحذَر والرِّيبة، ‏وعيناها تترصدان كل حركة. سألته مرَّة بحدة فارتبك، وقال متلعثما: "مجرد ‏حسابات قديمة...". لكنَّ عينيه، حين نطقها، لم تكونا عيني رجلٍ يتذكَّر ‏أرقامًا.‏
في ليلةٍ ساكنةٍ، تَسلَّلت إليه كمَن يبحث عن ضوءٍ في قَبوٍٍ مُعتم. ‏وجدته غارقا في شروده، يُقلِّبُ الصفحاتَ ببطءٍ كأنّه يُناجيها. خطفت الدفتر ‏من بين يديه.‏
انتفضَ، حاول استرداده، تَوسَّل إليها أن ترفقَ به، ألا تؤذيه. لكنها ‏لم تُصغ. فتحته بعنف... وإذا بها: زَهرة. زَهرة يابسة، تنامُ وحيدة بين ‏الصفحات كجُرحٍ مُحنَّط في ذاكرةٍ لا تشيخ.‏
قهقهت، قائلةً بسخرية: "ألهذا كنتَ تُخفيها؟ زَهرة؟! يا لكَ من ‏أحمق!"‏
قلَّبت الصفحات باحثة عن شَيء، عن جريمة، عن اعتراف، عن ‏امرأة أخرى... لكنها لم تجد سوى تلك الزَهرة، ثم ألقت بالدفتر عاليا نحو ‏سقف الغرفة. تَفتَّت الزَهرة، وتناثَرت شظاياها في الهواء، تَساقَطت على ‏الأرض كرمادٍ حزين، رمَقته بنظرةٍ ساخرةَ وغادَرت.‏
أما هو، فظَلَّ واقفًا، مَذهول النظرات، كأنَّ قلبه هو من تحطَّم، لا ‏الزهرة. عاد إلى مقعده، فتح الدفتر مجددًا... خالٍ، لا ظلَّ لها، لا بقايا، لا ‏رائحة. تَنهدَّ، واغرورَقت عيناه، ثم صاح بصوت مبحوح كأنه ينزف: "كم ‏أنتِ قاسية... لا تعرفين الرحمة!"‏
عادت بعد بُرهة، سألتهُ بإلحاح: "قل لي... ما القصَّة؟" لم يستطع ‏النطق. كيف يُخبرها أنَّ تلك الزهرة كانت هدية من فتاةٍ أحبَّها، ثم ضاعت ‏منه حين اجتمع والده ُووالدها، ووقعا باسمِه على زواج لا يُشبه قلبه في ‏شيء.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى