رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات تعقيبا على رثائه لوالده في الذكرى الواحدة والخمسين لرحيله.

الصديق العزيز يحيى بركات


ما كتبته ليس بكاء مؤجلا، بل فعل معرفة،
وسيرة رجل لم تُكتب لكي تُحاط بالحنين، بل لكي تُستعاد كمعيار.
وأنت تخاطب أباك، كنتَ تكتب عن أب نعرفه جميعا.
هذا الأب ليس فردا في الذاكرة، بل نموذج آبائنا:
الذين لم يملكوا رفاهية الشعارات، فاختاروا الأخلاق، ولم تُتح لهم رفاهية الوطن، فحملوه سلوكا لا نشيدا.
هو الأب الذي لم يشتر أرضا لأنه لم يبع الفكرة، ولم يستثمر في وهم الاستقرار، بل في أبنائه، عارفا أن الاستعمار قد يسرق الأرض ويغتال الحجر، لكنه لا يستطيع مصادرة العقل والوعي.
وأنا، كامرأة فقدت أباها، أقرأ مقالك بوصفه رثاء لجيل فلسطيني شهد الإبادة والاقتلاع والنكبة، وفقد الوطن والبيت والأمن والعمل، وبات عليه أن يكون تعويضا عن كل ما فقد.
أقرا مقالك كرثاء للأب، لكنني أراه أيضا تقريعا هادئا لنا جميعا:
هل ما نزال نعرف الفرق بين النجاة والنجاح؟ بين العيش، والعيش دون خيانة أو تفريط؟
بين الإنسان عندما يختبر في كل مستلزمات الحياة وبين من يقايض مكتسبات المواقع بالحقوق، ويبرر ذلك بالواقعية السياسية.
بين من يعي قدسية حقوق أسر من يفتدي وطنه وشعبه من الشهداء والجرحى والأسرى، وبين من يرى فيها عبئا ثقيلا، وفي التنكر لها إنقاذا يقتضيه الامتثال،
أبوك يا يحيى غلبه القهر في 1974، عندما استشعر بداية الطريق لاستبدال الوطن بدولة على 22% منه، ونذيرا بمقايضة يافا بحكم ذاتي يتقلص لمعازل وسجون، فلم يحتمل قلبه.
وأبي مات كمدا وهو يرى بوادر الانزلاق التفاوضي لمقايضة الدولة العتيدة بسلطة حكم ذاتي تتفاوض على أراض متنازع عليها مع العدو النقيض، الذي يمضي قدما في استبدال فلسطين بإسرائيل، واستبدال أهلها بمستوطنين يهود ضاقت بهم البلاد التي سلبوها، فقبل قادتهم إعادة تعريف حقوقهم تحت سطوة القوة، ووجدوا أن تكرار ذلك ممكن بمزيد من القوة.

آباء لم يفرّطوا لا يموتون في التاريخ، بل يختبر حضورهم فينا: ولا يُختزلون في طقوس الذكرى.
هم معيارٌ صارم لا يسمح بالاختباء خلف اللغة، ولا خلف ضرورات اللحظة.
حضورهم سؤال أخلاقي مفتوح: هل نواصل الطريق كما هو، وطنا واحدا لا يجزأ، وحقا لا يُعاد تعريفه تحت الإكراه،
أم نختار ـ بوعي كامل - تحويل الهزيمة إلى «واقعية»، والتنازل إلى «حكمة»، والامتثال إلى سياسة؟
رحم الله الآباء الذين لم يساوموا، وجعل من استعادة سيرهم خطا أخلاقيا فاصلا بين من يقف مع الحق، ومن يتعايش مع تصفيته.

غانية ملحيس 25/12/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى