رسالتان بين غانية ملحيس وغسان جابر

1- رسالة غانية ملحيس



الأستاذ العزيز غسان

‎كعادتك، وببلاغتك المعهودة، تنجح في مقالك الثري المعنون " غزة… حين يكتشف رئيس العالم أن للتاريخ كلمة أخيرة" المنشور في وكالة وطن للأنباء 22/1/2026، بإعادة غزة إلى مكانها الطبيعي: لا كخبر عاجل أو مأساة إنسانية معزولة، بل كامتحان تاريخي متكرر لمشاريع القوة حين تفقد معناها.

‎لفتني كثيرا استدعاؤك غزة بوصفها «مدينة التأخير» لا الهزيمه، تفكيك دقيق لوهم الحسم الذي لازم الإمبراطوريات الكبرى، من الإسكندر الأكبر إلى ترامب، الذي يسارع الخطى للاستحواذ على العالم، عله يجعل أمريكا “عظيمة” بالنهج الإبادي ذاته الذي بُنيت فيه قبل قرون.

‎يمارس السياسة بعقلية المقامر العقاري، ويتوهم أن النجاة ممكنة بالطريقة نفسها التي أفلت بها من الحساب عبر التحايل على قانون الإفلاس الأمريكي. ولجهله بالتاريخ، لا يتعظ بمصير نيرون ولا هتلر.

‎تستحضر التاريخ القديم والحديث باقتدار لتؤكد حقيقة ثابتة: غزة، التي تموضعَت جغرافيا في مركز وصل وفصل العالم القديم، وعبرها الغزاة من كل حدب وصوب، تذكّرنا بأنهم جميعا رحلوا، وباتوا أثرا عابرا في سجلها، بينما بقيت هي عصيّة على الزوال، وبقي شعبها الأبيّ المرابط عصيا على الفناء.

‎وكما تقول، غزة تُسقط الأوهام وتكشف التناقضات. لكن يبقى السؤال المركزي: كيف نرتقي إلى مستوى غزة؟

‎وكيف نترجم ما كشفته أنهار دماء أهلها على أرضها الطاهرة إلى فعل سياسي منظم، لا يكتفي بإرباك الخصم، بل يمنع إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة

‎الخطر، كما تشير، لا يكمن في القوة العارية وحدها، بل في “سلام” يولد بلا عدالة، وفي أطرٍ دولية تحاول تحويل غزة من سؤال أخلاقي إلى “ملف إدارة”. هنا يصبح التحدي الفلسطيني ليس في الصمود فقط، بل في منع تحويل أثر غزة إلى رأس مالٍ سياسي يُستثمر ضدها.

‎غزة، كما تقول يا غسان، لا تطلب حكم العالم، لكنها لا يمكن أن تبقى مجرد مرآة. الامتحان الحقيقي يبدأ حين ننتقل من كشف زيف “الرجل - العالم” إلى بناء ذات فلسطينية قادرة على التقاط لحظة التشقق في الولايات المتحدة والغرب الاستعماري، وتوظيف التصدّع الذي عمّقته غزة بين الأنظمة والشعوب - فلسطينيًا وعربيا وإقليميا ودوليا - للتأسيس لنهوضٍ حقيقي، يحوّل اللحظة الأخلاقية إلى مسار تحرري واضح. لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا:

‎كيف يتطهّر النظام السياسي الفصائلي الفلسطيني من رجس أوسلو والانقسام، ويرتقي إلى مستوى طُهر دماء أطفال ونساء وشيوخ وشباب غزة ومخيمات الضفة؟

‎بهذا المعنى، لا تكون غزة سبب سقوط هذا الرئيس أو ذاك، بل سبب سقوط الوهم الأخطر: وهم أن التاريخ انتهى، وأن العدالة ترف، وأن القوة وحدها تكفي لإدارة العالم.

مودتي واحترامي

غانية ملحيس
23/1/2025


//////

2-


الأستاذة القديرة غانية ملحيس،

أشكرك من القلب على هذا التعليق العميق الذي لا يقرأ المقال فقط، بل يقرأ ما وراءه وما قبله وما ينبغي أن يأتي بعده. كلماتك ليست مجاملة عابرة، بل قراءة نقدية واعية تُضيف إلى الفكرة وتدفعها خطوة أخرى إلى الأمام.

توصيفك لغزة بأنها ليست مجرد مأساة، بل امتحان تاريخي لمشاريع القوة، أصاب جوهر ما نحاول قوله دائما: غزة ليست حدثا طارئا في نشرات الأخبار، بل لحظة كاشفة في مسار التاريخ. هي النقطة التي تتكسر عندها أوهام التفوق، ويتعرّى فيها منطق القوة حين ينفصل عن المعنى والأخلاق.

توقفتُ كثيرًا عند سؤالك المركزي: كيف نرتقي إلى مستوى غزة؟

وهذا، برأيي، هو السؤال الذي يجب أن يطغى على كل نقاش فلسطيني اليوم، أكثر من أي سؤال تكتيكي أو فصائلي.

غزة قدّمت ما هو أبعد من الصمود؛ قدّمت لحظة أخلاقية كونية أعادت تعريف الصراع في وعي الشعوب، وخلخلت السرديات الجاهزة في الغرب قبل الشرق. لكن الخطر - كما تفضلتِ بدقة - أن تتحول هذه اللحظة إلى مجرد رأسمال عاطفي يُستثمر في الخطاب، لا إلى رأسمال سياسي يُبنى عليه مشروع تحرري متجدد.

المعركة اليوم لم تعد فقط مع احتلال يبطش، بل مع محاولة تحويل القضية إلى: ملف إغاثي، أزمة إنسانية مزمنة، ومشكلة إدارة سكان تحت سقف أمني. وهنا يصبح التحدي فلسطينيا داخليا بقدر ما هو خارجي: كيف نمنع سرقة المعنى الذي صنعته تضحيات غزة؟

كيف نمنع تحويل الدم إلى بند في موازنة المانحين بدل أن يكون حجر أساس في مشروع وطني جامع؟

سؤالك عن تطهّر النظام السياسي من إرث أوسلو والانقسام ليس ترفا فكريا، بل شرط بقاء سياسي. لا يمكن لواقع فصائلي متشظ، محكوم بحسابات سلطة محدودة الأفق، أن يوازي تضحيات بحجم ما قدمته غزة والضفة. الارتقاء إلى مستوى الدم يعني إعادة بناء:

وحدة التمثيل، أولوية المشروع الوطني على الكيانات، والسياسة بوصفها فعل تحرر، لا إدارة أزمة.

غزة اليوم لا تطلب منا خطابًا أعلى صوتا، بل أفقًا أوضح.

لا تطلب بطولات لفظية، بل إطارًا سياسيًا يليق بتضحياتها.

صدقتِ تمامًا: المسألة ليست سقوط رئيس هنا أو حكومة هناك، بل سقوط الوهم الأكبر - وهم أن العالم يُدار بالقوة وحدها، وأن العدالة يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.

غزة أعادت العدالة إلى مركز النقاش العالمي، والتحدي أن نُعيدها نحن إلى مركز الفعل السياسي الفلسطيني.

كل التقدير لقراءتك الرفيعة، ولأسئلتك التي تفتح الطريق بدل أن تغلقه.

غسان جابر

25/1/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى