أ. د. عادل الأسطة - في وداع الشاعر عبد الناصر صالح

على الرغم من أنني قررت قصر الكتابة على غزة إلى أجل ما ، مدفوعا بعبارة " لا كتابة بعد غزة " على غرار عبارة " لا شعر بعد اوشفيتس " والعبارة للفيلسوف ( أدورنو) كما أعرف ، إلا أنني في المقتلة وجدتني أكتب في وداع روائيين ربطتني بأعمالهما صلة أكثر مما ربطتني بشخصيتيهما ، وهما إلياس خوري ورشاد أبو شاور ، وعلى العكس من صلتي بهما صلتي بالشاعر عبد الناصر صالح الذي عرفته ولم أكتب عن شعره إلا في المقتلة ، حيث تجادلت وأدباء حول قصيدته " قدمان " وكتبت عن الجدل تحت عنوان " هوامش من وحي ما يجري في غزة : جدل أدبي في ظل المقتلة " .
كانت صلتي الشخصية به تطغى على صلتي بأشعاره مع أن الشعر هو ما جعلنا صديقين . وإن سألني عن شعره أبدي له غالبا رأيا لا يروقه ؛ رأيا شكلته من خلال قراءتي دواوينه الأولى " الفارس الذي قتل قبل المبارزة " و " داخل اللحظة الحاسمة":
- إن قصائدك خارجة من رحم قصائد عبد الوهاب البياتي .
ولم يفسد الرأي للود قضية ، حتى إنني عندما سافرت إلى ألمانيا في العام ١٩٨٧ وطلب مني رئيس تحرير جريدة " الشعب " المقدسية الكاتب صلاح زحيكة أو نعيم الطوباسي - لم أعد أذكر - أن أرشح خلفا لي ، ليحرر الصفحة ، اقترحت اسم عبد الناصر.
وتواصلت علاقتنا معا ونحن زميلان في الجامعة إلى أن استقال منها للعمل في وزارة الثقافة الفلسطينية في طولكرم .
وكلما اتصل بي أسأله:
- متى ستأتي إلى نابلس ؟
ولم نلتق في نابلس قدر التقائنا في طولكرم .
لقد جمعتني به علاقات إنسانية ودية على مدار ما يقارب الثمانية وأربعين عاما التقينا معا خلالها عشرات المرات ، وتناقشنا في الشعر والأدب والحركة الأدبية وأسمعني في كثير منها آخر أشعاره .
كانت علاقته بالناقد صبحي الشحروري علاقة ودية حيث شكلا ثنائيا نشطا في الحركة الأدبية في الضفة الغربية وعملا على التواصل مع أدباء الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ ، وغالبا ما كانا يخاطران وهما يزوران تلك المناطق التي صار يصعب الوصول إليها منذ انتفاضة ١٩٨٧ . وغالبا ما غامر الشاعر بنفسه وهو يجتاز الحد الفاصل بين طولكرم وباقة ليزور الكتاب هناك ويتواصل مع فلسطينيي الداخل ، ومرة صاحبته ، لنحضر معا حفل تأبين الشاعر توفيق زياد ، بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيله ، فدخلنا بسيارة رقمها إسرائيلي أصفر إلى قرية الطيبة حيث أصدقاؤه .
عشق عبد الناصر الشعر وظل وفيا له وفاء منقطع النظير ، وغلب على موضوعه الشعري الموضوع الوطني ، فقد ظل يتغنى بفلسطين ؛ كل فلسطين ، على الرغم من انتمائه لحركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح ، وإن لم تخني الذاكرة فقد اهتم به مبكرا المرحوم خليل الوزير - أبو جهاد وأوصى به خيرا .
عندما زرت حيفا في العام ٢٠١٨ ليحتفل بي نادي حيفا الثقافي عرضت عليه أن يصطحبني ، فلبى دعوتي وحضر وزوجته وقضينا في حيفا ليلة أو ليلتين بضيافة المحامي فؤاد نقارة .
ظل عبد الناصر صالح محبا لفنه مخلصا له قدر إخلاصه لفلسطين ولحركة فتح معا ، فقد كان يرى في فتح في بداياتها معادلا لفلسطين وكان يحزن لما آلت إليه أوضاعها .
ولو كان كتب ما هو خارج عن السياق لالتفت إليه . لم يسحج ولم يمدح ، ولكنه لم يصبح صوتا ناقدا ضد السائد إلا في قصائده الأخيرة في آخر سنواته وهي قصائد عادية قصيرة ساخرة قريبة من قصائد الشاعر العراقي أحمد مطر .
وكما ذكرت فقد ظل صوته الشعري صوتا يتغنى بالوطن في فضائه العام ولم يضع النقاط على الحروف . عاش في الظل تقريبا ولم يحارب من صار ينتقدهم على استحياء . هجا ضمن المسموح به كما أرى . كان ضد أوسلو ، ولكنه لم يحارب من وقعوا عليه وشارك في مؤسسات السلطة الفلسطينية ونشاطاتها . لقد كان معارضا لها من داخلها ، وفي شعره وفي حديثه مع معارفه وأنا منهم - وأرجح أنه هو الذي نشأ على شعارات فتح الأولى وتربى عليها لم يستسغ الحل الذي لم يحقق أدنى تطلعات الشعب الفلسطيني ، ولهذا تجده في قصائده في طوفان الأقصى شاعرا لا تختلف قصائده عن قصائد معين بسيسو المقاومة ، وقصيدته " قدمان " مثال بارز .
برحيله تخسر فلسطين شاعرا منتميا ، وتخسر فتح صوتا نظيفا نقيا ، وتخسر الحركة الشعرية الفلسطينية صوتا شعريا أخلص للشعر ، ولكنه لم يحقق نجومية لافتة . وكان غياب نجوميته شاعرا ، فيما أرى ،يعود إلى أسباب عديدة منها :
- أنه عاش في زمن شعراء كبار غطت نجوميتهم على المشهد الشعري العربي ، وفي المشهد الفلسطيني أخص محمود درويش .
- أنه أخلص للشعر في عصر كساد الشعر ، ولم يجرب الكتابة في أجناس أخرى كالرواية أو القصة أو المقالة أو حتى المسرحية الشعرية ، وهنا أشير إلى معين بسيسو وسميح القاسم اللذين كتبا في جنس من هذين الجنسين كما معين بسيسو الذي كتب المسرحية الشعرية وكما سميح الذي كتب القصة الطويلة والمسرحية الشعرية
- أنه لم يكتب سيرة ذاتية لافتة على الرغم من أنه عاش تجربة السجن التي لا تختلف عن تجربة معين بسيسو وكتب فيها كتابا خلده وهو " دفاتر فلسطينية "
- أنه لم يكنب المقالة الصحفية ولا المقالة النقدية الأدبية أيضا كما كان الحال في تجربة خيري منصور أبرز كتاب المقالة في العالم العربي وعرف من خلالها أكثر مما عرف شاعرا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى