أ. د. عادل الأسطة - إنعام كجي جي في روايتها الجديدة " صيف سويسري " : حبوب زراعة ذاكرة .

أصدرت الكاتبة العراقية إنعام كجه جي المقيمة في باريس روايتها الخامسة " صيف سويسري " وكانت نشرت من قبل أربع روايات " سواقي القلوب " و" الحفيدة الأمريكية " و" طشاري " و " النبيذة " وقد أتيت على الثلاثة الأخيرة في هذه الزاوية وتوقفت أمام الفلسطيني في " النبيذة".
ومع أنني كررت عبارة " لا كتابة بعد غزة " إلا أنني وجدتني أكتب ، فما قرأته في الرواية عن العراقيين في المنافي سوف نقرأ شبيها له من أبناء قطاع غزة ممن غادروا ، في طوفان الأقصى ، غزة إلى المنافي الأوروبية ومنها سويسرا التي استقر فيها يسري الغول وفرنسا التي غادر إليها الشاعر يوسف القدرة وبلجيكا التي سافر إليها الكاتب محمود جودة والمثقف رزق مزعنن .
تأتي الكاتبة في رواياتها على واقع بلدها العراق في العقود الأخيرة قبل سقوط بغداد وبعد سقوطها ، فتكتب عن أنظمة الحكم المتغيرة وما آل إليه وطنها تحت حكمها وتتابع أيضا ما آل إليه العراقيون ممن هاجروا أو لجأوا في المنافي ، وهي في " صيف سويسري " تميز بين دالي " مهاجر " و " لاجيء " وتصر على الثاني ، فأكثر العراقيين في المنافي لاجئون لا مهاجرون .
تحكي الرواية عن أربع شخصيات عراقية هي حاتم الحاتمي وغزوان البابلي وبشيرة حسون ودلاله المبشرة يعيشون في أوروبا ويختارون لقضاء فصل صيف في سويسرا حيث يخضعون لعلاج حتى يتم دمجهم في المجتمع هناك ، ويشرف عليهم طبيب شاب عراقي هو الدكتور بلاسم ، ويعطون حبوبا صنعت في سويسرا يتم من خلالها زراعة ذاكرة جديدة لهم ومسح معتقداتهم التي تربوا عليها ، وهي معتقدات أحزاب وعقائد دينية ؛ حزب البعث / حاتم الحاتمي والحزب الشيوعي / بشيرة حسون ، وحزب ديني متأثر بالخميني / غزوان البابلي ، ثم الاشورية دلاله التي تؤمن بشهود الرب.
هل تنجح الحبوب السويسرية في مسح ذاكرتهم ؟ وهل يندمج هؤلاء في المجتمع الأوروبي ؟ وهل يوفق الدكتور بلاسم / حلال العقد في مهمته ؟
ومع أن هؤلاء يخضعون لرقابة من سونيا لتناول الحبوب إلا أنهم يتحايلون عليها ، وبدلا من أن يبلعوها يضعونها في جيوبهم ، لكي يلقوها في نهر الراين ، ساخرين ممن يريد أن يمسح ذاكرتهم التي صنعت في العراق .
تنتهي الرواية بزواج البعثي حاتم من الشيوعية بشيرة وببقاء دلاله في الدولة الاسكندنافية وبعودة غزوان بعد سقوط بغداد إلى العراق ليصبح في ظل الحكم الحديد مسؤولا كبيرا ، فيم يعيش حاتم وبشيرة في شقة ابنتها سندس التي ولدت سفاحا بعد اغتصاب البعثيين لها .
كان حاتم وهو ضابط يحب بشيرة التي تخلى عنها رفيقها الشيوعي وهرب من العراق ، وعندما ألقي القبض عليها أسهم الضابط في الإفراج عنها ، فقد تنازعه أمران : حبه لها وواجبه ضابطا ، وانحاز لقلبه ، وعندما غادر العراق واجتمعا معا في الصيف السويسري تذكرها ، دون أن يخبرها أنه كان يراقبها ، وعندما تتكشف الحقائق ينامان معا في السرير ويتزوجان ، وهو على علم باغتصابها وأن ابنتها سندس هي بذرة الاغتصاب . لا يعود الاثنان إلى العراق ويغدوان مدمني مشاهدة قناة الجزيرة.
لقد فشلت الحبوب وفشل الدكتور المعالج وتزوجت سندس من مواطن نرويجي ، فخيبت أمل أمها بالزواج من عراقي.
وانت تقرأ الرواية في صفحتها الأخيرة تتذكر الأعمال الأدبية العربية التي تاقشت موضوع العلم والإيمان ، ومنها قصة يحيى حقي " قنديل أم هاشم " التي خلص بطلها إلى الجمع بين العلم والإيمان معا . ولكن " صيف سويسري " تنحاز للعلم وترى أن الشعوب المتقدمة تنهج نهج العلم فيما الشعوب المتخلفة تمعن في غيبياتها وشعوذاتها ومعتقداتها التي لا تريد أن تبرأ منها .
تنتهي الرواية بالفقرة الآتية:
" يتقدم الطب وتصبح الذاكرة مرتعا لمن هب ودب. . لا حاجة إلى أمثال حلال العقد ، متخصصين في سبر أغوار النفوس . الهواتف في الأيدي تؤدي المهمة . تقرأ خواطرك وتأتيك بما ترغب . أما الأغبياء فمطرودون من الجنة . يأخذ الذكاء الاصطناعي أماكنهم . ينجز العمل بأفضل مما ينجزون . تركض دول إلى أمام وتحبو دول . تتأخر وتتناحر وتستنجد بالغيب . ماضيها فخ لمستقبلها . جماعات إرهابية ومافيات وأحزاب جديدة أخطر من القديمة.
كم طنا من حبوب خضراء وحمراء وقرمزية تطرح مصانع سويسرا لإطفاء هذا البركان؟".
وانت تقرأ الرواية تقرأ عن العراق في عقوده الستة الأخيرة منذ ثورة تموز ١٩٥٨ ، بل وقبلها بقليل . تقرأ عن مقهى الوفاق الذي أصبح مقهى الشقاق وصار العراقي فيه يقتل أخاه العراقي الذي نشأ معه في الطفولة وشهد على عقد زواجه ، لأنه إن لم يفعل سيقتل من الحزب بحجة التخاذل أو التواطؤ والخيانة . ولسوف تقرأ أيضا عن العراقيين في المنافي حيث يجتمع الخصوم ويتالفون فتجمعهم الغربة . يشتتهم الوطن ويجمعهم المنفى ، فيتزوج الضابط البعثي من المطاردة الشيوعية ، وفي المنفى يظلون يحنون إلى العراق.
ولسوف تتعرف إلى أحزان العراقيين وسخريتهم وروح الفكاهة التي يتمتع بها قسم منهم ، فعلى الرغم من قسوة المنفى يظل هناك مجال للسخرية يولدها واقع الحياة الجديدة مقارنة بالحياة في العراق حيث المفارقات الناجمة بين عالمين مختلفين . ومن الشخصيات اللافتة الساخرة شخصية غزوان البابلي التي يقول لنا عنها المقطع الآتي ما سبق :
" لاجيء بلحية خفيفة ، يتسلى بنتف شعيرات من ذقنه وحاجبيه . قبلوه ومنحوه الإقامة على مضض . خافوا منه لتشدده وأحاديثه في حلقات المهاجرين . سألوه في مركز الاستقبال عن مهنته السابقة . أبرز نيوب الليث و أجاب مبتسما :
- مناضل تربية سجون .
- ماذا تعني ؟
- أعني واحدا من الذين دخلوا السياسة بقبقاب الحمام .
يتحرج أن يعترف بأنه فشل في نضاله . تحكمه فكاهته الأقوى منه . سبيله للتملص . أراد أن يختصر في هذه الجلسة لكنه أطال " . إنه شخص " يستحضر حس الهزء الكامن فيه ويقلب الأوجاع إلى مساخر " كما يرد في صفحة ٩٤ .
إنعام كجه جي روائية تستحق رواياتها القراءة وكنت التفت إليها وكتبت عنها وعلمت روايتها " الحفيدة الأمريكية " قبل أن ألتقي بها في رام الله .
( الكتابة أنجزت في ٢٧ / ١٢ / ٢٠٢٥ و
١١ / ٢ / ٢٠٢٦ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى