ليال الحربي - كاتب قلم سرية...

وصلنا، نحن الدفعة الجديدة من الخريجين إلى لواء الرابع ح ج عند السادسة صباحا. الشاحنات العسكرية مصطفة على جانب الساحة الترابية. نزلنا واحدا تلو الآخر نحمل حقائب صغيرة وأوراق تبليغ مطوية في الجيب. في صباح مغبر لا يختلف عن وجوه الجنود الواقفين عند بوابة النظام كنا نحمل شهادات تخرجنا لكننا اكتشفنا سريعا أنها لا تساوي أكثر من أرقام تضاف إلى سجل طويل من الأسماء. لم يكن جميع الجنود البقية يعرفون القراءة والكتابة فالأمية هنا جزءا من الزي العسكري؛ لذلك راحوا يفتشون بيننا عمّن يستطيع فك الحروف وربطها. وحصل فرزا بسيطا: مَن يقرأ يذهب إلى القلم ومن لا يقرأ يذهب إلى البندقية. وضعوني في قلم الوحدة

يجري توزيع الرواتب وفق نمط معروف ففي زمن الحرب يسلم المبلغ إلى آمر السرية فيتولى توزيعه على أفرادها يستدعي آمر السرية يحضر القلم تفتح السجلات وتتحول الأوراق النقدية إلى أسماء تشطب واحدا تلو الآخر
بعد انتهاء الحرب يتبدل الإجراء، ضابط الرواتب يتولى التسليم مباشرة.

في الصباح أخرج مع بقية الجنود إلى التدريب الصباحي. خطوات متشابهة، أنفاس تتصاعد في الهواء البارد ثم إفطار سريع، بعد شهور من الروتين، صدر أمر بتحرك اللواء من القرنة من دون أن تُبلَّغ لنا الوجهة. أُعلنت حالة الإنذار وأُلغيت التدريبات والإجازات. تحركنا ليلا وسرنا في المجهول دون وجهة معلومة حتى صدر الأمر بالتوقف في محور نهر جاسم.

أردنا، نحن، استردادها فوضعتُ بين الحجابات مع الجنود. في الحرب تتلاشى الشهادات والرتب فلا فرق بين خريج وجاهل كلاهما يقف على الساتر ذاته يضم بندقيته إلى صدره وخوذة تحمي رأسه وعدو واحد أمامهما. السماء تمطر على خوذتي شظايا ووحل، تتساقط بلا تكاسل من الليل إلى النهار وعند انبثاق شمس الظهيرة، هدأت المدافع والراجمات قليلا. استمرت المعركة هكذا ثمان وعشرون يوما، كل يوم يتلوه آخر وكل يوم يترك أثره على فؤادي: هذه الحرب لن اتخلص منها.. لن اتخلص منها.

انتهت القطاعات، استنزفت وبادت انسحب اللواء إلى الخلف لإعادة التنظيم، في سياق الجيش حين يعلن الهجوم تلغى الإجازات وعندما يحين وقت الانسحاب لإعادة التنظيم تعود الإجازات لتفتح مجددا وفي لحظة إعادة التنظيم هذه حملت معها فتحة صغيرة، استغلها القادة لإعادة توزيع الرجال والمعدات وسد ثغرة الاستنزاف البشري وكأي شخص يبحث عن متنفس وسط القيود، استغليت هذه الثغرة. الإجازة، أمنية بعيدة تتحقق وقلتُ لنفسي: خرا بشرفي العسكري إذا ارجع بعد. اخذتُ نموذج الإجازة وهربتُ.

وصلتُ المنزل. كانت الإجازة قصيرة العمر أياما معدودة مثل اللحظة واللحظة مثل الرمشة والرمشة مثل خفق جناح عصفور ثم أعود حينها إلى جبهة الموت مجددا. لا بدّ من حل هناك دوما حل. خلعتُ ملابسي العسكرية ورميتها على الأرض بلا اكتراث هنا وهناك. نزعتُ البدلة والثياب الداخلية. لم أستحم فقذارة الجبهة المتكدسة تحت أظافري منذ شهر ولحيتي الطويلة وشَعر وعانتي ورأسي وإبطي كانت كافية لما أنا مقبل عليه. استقبلتني عيون أبي وأمي وإخوتي جامدة مذهولة بينما أعرضت نساء العائلة بوجوههن عن جسدي.... ذلك الجسد الهزيل العاري تماما.

في لحظة ذهولهم، فتحتُ باب المنزل الخارجي وانفلتُ إلى الشارع عريانا حافيا كأني مسيح يُساق إلى الصلب، اندفعوا خلفي، تعلق أحدهم بذراعي اليمنى وآخر باليسرى وثالث بساقي ورابع بخصري. انتزعتُ مِن الأرض انتزاعا وحُمِلتُ إلى الداخل. هبطت قبضة على خدي وركلة على بطني وبُصِقَ في وجهي. صرخت أمي وقد غمرها العويل ونالني ضرب مبرح ثم بعدها هدأوا. ألبسني أبي دشداشتي وأنا صامتٌ عيناي شاخصتان إليهم بلا اكتراث وهم يحدّقون بي بفضول يكاد يقتحم رأسي يتحسّسون ما يدور في داخله ولا يبلغونه.

انقضت ساعة. جلستُ بينهم محاطا بالنظرات التي تلتقط كل شعور في العائلة. عين أبي محاطة بالشك وعيون إخوتي تعكس الحيرة ونساء العائلة يغصن بالشفقة بينما الصغار يحدقون بي باستهزاء مرح، يسألونني: ما بك؟ حدثنا ما الذي أصابك؟ ويجيبون أنفسهم قبل أن أفتح فمي: لابد أنها الحرب، حتما هي الحرب. يهدّئونني لدقائق ثم ينفجرون غضبا، تنهال الضربات علي ثم يعودون إلى التهدئة مرة أخرى وأنا جالس أراقبهم مثل تلفاز يراقب مشاهديه.
بعد ساعات طويلة من هذا الهرج ولما أيقنوا أن النعاس غلب عيني، خلوا سبيلي للنوم وكمختلس من نافذة غرفتي تراءى لي طريق الباب خاليا سالكا بلا أحد خلعتُ الدشداشة وخرجتُ إلى الشارع عاريا حافي القدمين مجددا. كان الطقس باردا برودة مدينة مدفونة تحت الثلج والبرد ينخر نخاع العظم. النساء شهقن بوجوه مذعورة وارتفعت الولولة "يباي، يباي"، أيديهن على وجوههن لكن العيون تتسلل بين الأصابع تحدق، تلتقط، تفحص. الجزء السفلي مني .عرّضتُ جسدي العاري للهواء البارد لنظرات الفضول المتسلسلة من بين الأصابع. التفتُّ ورائي، لا أحد من أهلي يركض خلفي شعرت أني خارج العائلة واسمي لم يتبق غير هذا الجسد. تصلبت عيون الناس على جسدي المتسخ. كنتُ جنديا عاريا من البدلة العسكرية في وسط الشارع، أنتظر لحظتي الفردية التي توج بها دوري وكمشهد ركوعٍ أخير وضعتُ يدي على ركبتي وانحنيتُ ببطء وتبرزتُ.


تجمع الأطفال حولي في دائرة، حلقة صغيرة تضيق وتضيق. ضحكاتهم حادة وقذفوا نحوي حصى أكبر من أيديهم وصاحوا: هي… هي… مخبل، ارتفع هرج الصغار بينما الكبار وقفوا بعيدا يهمسون: عماد المسكين لقد جُنّ، الحرب جننته.
انتشرت المفردة في الشارع في الزقاق، في مدينة صدام كلها: عماد جُن، صار عماد مجنونا.

وصلتُ إلى الشارع العام وكرنفال الأطفال يسير خلفي كموكب ساخر يعلن جنوني لساكني المدينة. أسير بين السيارات بعكس مسيرها الأبواق تصرخ ( طووط// طووط)، يزمرون النوافذ تفتح، أفواه تلعن الجسد والنسب.. اللعنة... لا أسمعهم حقا ولا أود سماعهم فكأن أذناي ممتلئتين بأصوات دوي الراجمات صفير القذائف صرخة أبي باسمي وقع أقدام إخوتي وهم يركضون خلفي في زمن آخر حتى وضع أبي يده على كتفي وسحبني منه وجرتني الأيادي.

أعادوني إلى المنزل بعزم ظاهر على وجوههم واللامبالاة المفرطة على وجهي تقابلهم بالند بفم أخرس وأذن بكماء وعينان خاليتان من البؤبؤ. ربطوا جسدي إلى الأريكة، شدو الحبل بإحكام صرنا أنا والأريكة جسدا واحدا، جلست أمي أمامي تضع الطعام في فمي كما كانت تفعل حين كنت طفلا، طفل مقمط في حجرة والدته أصبح الآن رجلا مربوطا بالأريكة تنظف ما يخرج مني بعينين دامعتين. لم تعد تملك الدلال القديم ولا الضحكة الخفيفة التي كانت تسبق الملعقة. صار بدل الدلال نشيج مكتوم يتسرب من بين شفتيها كدعاء خافت. كنتُ على الأريكة مربوطا وبين يديها أنا مجنون هادئ.

في اليوم التالي اقتادني أبي إلى مستشفى الرشيد العسكري. ممرات طويلة ذات رائحة كلور، سأله الدكتور العسكري: ما به؟ حكى لهم ما فعلت فقالوا: نعم، هذا مختل عقليا ولا يمكن أن يكون غير هذا، هيا أدخلوه.


نقلوني إلى مستشفى الجملة العصبية القريب من وزارة الداخلية. كانت هناك لجنة طبية، ينتظرون في غرفة بيضاء بداخل المستشفى، اللجنة تفحص مدى سلامة العقل. قلت في نفسي: ماذا سأفعل لأقنعهم أنني قد جُننتُ حقا وأن لا عقل لي. نظرتُ يمينا ويسارا، كانت يداي مقيدتين بسلسلة، أبي يمشي أمامي ممسكا بطرفها وأنا أمشي خلفه مثل عبد مشترى أو كلب مسعور أو مجنون يخشى أن يؤذي الآخرين قبل أن يجرؤ على إيذاء نفسه. نظرتُ إلى الأرض انحنيتُ سريعا والتقطتُ حجرا قطعة من نصف طابوقة حجم مناسب يكتفي للغرض. طول السلسلة المتر مرتخيا بيننا مسافة تكفي. أحكمتُ إغلاقَ قبضتي وسحبت يدي إلى الوراء ثم رميت الحجر نحو جهة واحدة محددة أصابتْ رأس أبي. دخل أبي إلى اللجنة الطبية وهو يمسك رأسه والدم يسيل على دشداشته. سألوه: ما بك؟
أشار إلي: هذا ضربني
اجابوا بسرعة مبالغة:
ـ اخرجوا اخرجوا، هذا مخبل.

كتبوا في أوراقي الرسمية "مختل عقليا"، وها أنا ممدد على سرير بين وجوه لا أعرفها في مصح اسمه (الشماعية). بعد ست أشهر من ترك الحرب وأرض المعركة والجثث والجنود، جئتُ أنا وأبي إلى أرض القتال مجددا. أسير خلفه ويداي مربوطتان والسلسة بيننا لا تتجاوز نصف متر. يدفعني أمامه كي لا أهرب.

أراد أبي كتابا من وحدتي العسكرية يثبت أني كنتُ في الدوام العسكري مواظبا وأن ما أصابني حدث أثناء إجازتي ليتمكن من فتح معاملة تقاعد على أنني مختل عقليا. قالوا له إن الآمر موجود الآن في المتقدم وعليه أن يذهب إليه
ألتف أبي وأشار إلي:
ـ وهذا المخبّل أين أضعه؟
أجابوا:
ـ دعه عندنا في الخلفيات
تردد قليلا:
ـ أخاف أن يؤذيكم
ضحك أحدهم:
ـ لا بأس، سننتبه له
تركني ومضى بين الأسلحة المصفوفة ويدين مكبلتين انفردت مع آخر في الموضع مكان واحد وشخص واحد وسر واحد يكاد يفتضح، خدشني الآخر بنظراته وقال:
ـ ها، ما قصتك؟ ما الذي حصل لك؟
ترددت لحظة ثم قلت بصوت خفيض:
ـ لم أجد خلاصا لنفسي إلا هكذا
اقترب قليلا:
ـ كيف؟
ابتسمتُ ابتسامة باهتة:
- تظاهرتُ بالجنون لكن لا تخبر أحدا
ظل يحدق في وجهي كأنه يفتش عن خلل في الملامح:
ـ وتكمل حياتك بهذه الطريقة؟
ـ حياتي لا تهم، كل ما أريده هو أن أُسرّح من هذا الجحيم الإلزامي
ـ وأهلك؟ هل يعلمون بفعلتك؟
هززت رأسي:
- لا أستطيع أن أخبرهم، أتقنتُ الدور جيدا حتى صدقوه
ساد صمت قليلا ثم أضفت:
ـ هذه الحرب، من دون هذه الحيلة لن أخرج منها. لا تستطيع أن تفر إلى إيران هناك أسرٌ وقتل وإن هربت إلى الخلف فلجان الإعدام بانتظارك فأين المفر؟
خفضت صوتي أكثر وأكثر حتى وصل الهمس:
ـ لكن إياك أن تخبر أحدا
ابتسم هو ابتسامة سريعة ماكرة:
ـ أخبر مَن؟ أنا أيضا سأهرب بعد يومين

استلم أبي راتب ستة أشهر عن تلك التي قضيتُها خارج الخدمة وأضافوا إليه راتبا تقاعديا أما أنا فأعيش الآن في مصح الشماعية بعيدا جدا عن الحرب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...