أ. د. عادل الأسطة - ماذا كنت أخربش في ١٠ شباط من كل عام

١
هكذا كنت مترددا :
هكذا في المنام رأيتني مترددا غير قادر على اتخاذ قرار صارم نهائي .
كان أحد الطلبة يعرض علي أن يقدم عرضا لكتاب ، بدلا من قراءة رواية .
هكذا وجدتني مترددا لا أحسم أمري .
هل هكذا أنا أم أنها الحياة ،
لا يمكن ان نكون فيها صارمين حازمين حاسمين ؟
هكذا رأيتني ، في المنام ، أوافق وأتراجع وأخضع لطلب الطالب ، وهكذا وجدتني لا أصلح للمسؤؤلية .
هل أنا مثل قادة الدول ومثل الحكومات ؟
لا يوجد شعب فلسطيني ، ولا يمكن التفاوض مع منظمة التحرير ، ولا يمكن إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع ، ثم ...
هكذا وجدتني في المنام مترددا لا أحسم الأمر .
أنا لا أصلح لرعاية بقرتين اثنتين . هكذا أنا مثل قيادة م . ت .ف . ومثل حماس أيضا :
لا صلح ولا استسلام إلا بتحريرك فلسطين ، ودبوا النار بهالخيام وارموا كروتة التموين .
وهكذا لا مشاركة في انتخابات تحت حراب الاحتلال ولا قبول بأقل من فلسطين من البحر إلى النهر ، فهي أوقاف إسلامية ولا يحق لأبي عمار أو لأي غيره التنازل عن 1948 إلى القبول بدولة في المناطق المحتلة 1967 ، وهكذا نوافق على هدنة ، مثل صلح الحديبية .
هكذا كنت في المنام مترددا لا أحزم أمري .
هل كنت موضع سخرية ؟
من أين جاءني هذا التردد ؟
دائما أبدو غير صارم ؟
هكذا رأيتني في المنام مترددا . ( معذرة يا فتحي لعدم الالتفات الى همزات والوصل والقطع ، فحين أكتب على اللاب توب ، خلافا للمحمول ، لا ألتفت إليها )
خربشات الصباح .
صباح الخير
٢
لم أقرأ أيا من روايات البوكر المرشحة للقائمة القصيرة هذا العام ، ولكني قرأت لاثنين من اﻷسماء هما خالد خليفة السوري وأنعام كجه جي العراقية .
قرأت " مديح الكراهية " لخالد ، وقرأت " الحفيدة العراقية " ﻷنعام ، وقد راقتا لي كثيرا . ولهذا كتبت عنهما في دفاتر " اﻷيام " وعلمتهما لطلبة الدراسات العليا في جامعة النجاح .
لا أستطيع أن أبدي رأيي في الروايات إلا بعد أن أقرأها . العام الماضي كتبت عن " يا مريم " لسنان أنطون وعن " ساق البامبو " لسعود السنعوسي ، ودرست الثانية وهذا العام اقترحت " يا مريم " على طالب دراسات عليا ليكتب عنها بحثا .
كان يجب أن أكتب عن " يا مولانا " و " القندس " و "أنا هي واﻷخريات " والرواية السادسة للتونسي حسين الواد " سعادته معالي السفير " ، ولكني انشغلت ولم أسافر لتونس ....
واليوم اشتريت رواية المصري أحمد مراد وعنوانها " الفيل اﻷزرق " وبدأت أقرأ صفحاتها اﻷولى .
اللهم احمنا من الجنون ومن مشافي اﻷمراض العقلية مع أن كل شيء يجنن .
خربشات العصر
٣
لا أستطيع إلا أن أكون صوتا احتجاجيا :
ليس ﻷن تكويني ، منذ طفولتي ، تأسس على هذا ، فقد وقفت إلى جانب أمي ضد عنف أبي ، وربما لم أكن أفهم معنى خروجه من يافا وإقامته في مخيم لاجئا ، وليس ﻷنني كنت أجبر على شرب حليب وكالة الغوث المقيت دون أن يكون لي رأي في شربه أو حرية اختيار ، وليس ﻷنني نشأت مع مظاهرات شعبنا ضد النظام اﻷردني في 1966 ، وليس ﻷنني نشأت على احتلال دمر شعبنا وواصل تدميره في حربين نجم عنهما نكبة وهزيمة ، ليس لما ذكرت وحسب ، بل ولما ما زلت أراه ، وإنما ﻷنني تثقفت على كتب علمتني أن علي أن أكون شجاعا.
وعلى الرغم مما أعاني منه على مستوى شخصي ، وهو ما تعجز جبال عن تحمله - " وحملها الإنسان إنه كان جهولا " - إلا أن علي أن أكون صوتا احتجاجيا حتى لو فصلت من عملي وارتفعت نسبة السكر في دمي .
مثلا أنا لا أستطيع استيعاب أن يظل رئيس الجامعة رئيسا لها وأن يحتجزها وهو رئيس وزراء ، وأرى أن هذا يسيء له وللشعب الفلسطيني ، وعلي أن أقول هذا بصوت عال ، ولا أستطيع أن أدافع عن بشار الأسد حتى لو كنت ضد داعش والنصرة وتدمير الشام ، ولا أستطيع الدفاع عن السيسي حتى لو كنت ضد الإخوان المسلمين وحماس معا .
يبدو أن مثالي هو ناجي العلي .
خربشات
٤
راشد حسين ( جنون ) :
مرت ذكرى رحيل الشاعر راشد حسين في بداية هذا الشهر مرور الكرام .
ربما أعاد أحد الأصدقاء نشر مقالة قديمة له عن الشاعر !
هل هناك من كتب مقالة جديدة بهده المناسبة ؟
لست أدري يا ايليا أبو ماضي !
منذ ساعتين وأنا أقرأ في أعماله الكاملة ، لأن جزءا من محاضرتي غدا في مساق " القدس في الأدب العربي " سيكون مخصصا لأشعاره عن المدينة .
تذكرت ، وأنا أقرأ ، أنه رحل في بداية شباط من العام 1977 ، وكنت يومها نشرت عنه مقالا ، وتحديدا عن ديوانه " أنا الأرض لا تحرميني المطر " .
كنت يومها أدرب أصابعي على الكتابة ، وسأفكر في أن يكون مقالي الأحد عن مدن راشد حسين ، علما أنه يجب أن أكمل كتابتي عن رواية ليلى الاطرش " ترانيم الغواية " .
يا لحيرتي !
من قصائد راشد قصيدة " جنون " ، وهذا نصها :
" أتيت الطب في نيويورك
أطلب منه مستشفى
فقالوا :
أنت مجنون
ولن تشفى
أمامك جنة الدنيا
ولست ترى سوى حيفا ..! "
خربشات
٥
ذكريات ألمانية 3 :
( كافتيريا الجامعة )
أمس سألت الطلاب إن كانوا أنجزوا ما طلبته منهم . كنت يوم اﻷحد طلبت منهم أن يقارنوا بين قصيدة ابن الرومي في رثاء البصرة وقصيدة ابن المجاور في رثاء القدس ، وبالطبع لم ينجز أي منهم ما طلب منه .
قلت لهم :
- لو واحد أنجز المطلوب ليخزق عين الشيطان/اﻷستاذ ، ولكن الطلاب حريصون على سلامة عين الشيطان . إنهم لا يريدون آيذاءه .
في ساعة الفراغ سرت باتجاه مكتبة النجوم لطباعة بعض مقالاتي ، ولاحظت ( الكافتيريات ) ( ؟ ) والمقاهي المحيطة بالجامعة ، فرأيت الاكتظاظ . ربما أراد الطلاب أن يكتسبوا فيتامين د . من أشعة الشمس .
المقاهي والكافتريات حول الجامعة مكتظة ، وحين تعطل الجامعة يحزن أصحاب هذه المحلات كما يغضب السائقون ويشكو كثيرون من أصحاب المحلات في البلد ، ومن لا يشكو هم أصحاب المكتبات .
- لماذا ؟
- ﻷن هؤلاء في الحالتين ؛ دوام الجامعة وعدم دوامها ، يظلون غالبا بلا زبائن ، وأظن أن موظفي مكتبة جامعة النجاح لا يتأثرون في الحالتين .
هل يختلف اﻷمر في ألمانيا ؟
حول الجامعة التي درست فيها كانت هناك مقاه مكتظة وفي أيام الدوام الجامعي كان هناك طلاب في المكتبة ، خلافا ﻷيام العطل والعطل الجامعية . أحيانا كان عدد الموجودين أربعة خمسة وكنت واحدا منهم ، ﻷنني كنت أنجز رسالة الدكتوراه .
أنا نادرا ، الآن ، ما أدخل مكتبة الجامعة . غدوت مثل طلاب الجامعة،ولكني أستعيض عن عدم الذهاب باشتراء الكتب ، وأعتمد على مكتبتي الخاصة . وأحيانا أقول :
- ربما لا يذهب الطلاب إلى المكتبة ﻷن لهم مكتباتهم الخاصة أو ﻷنهم يقرؤون ألكترونيا . ربما ! ولكن ...
لكن لماذا لم ينجز أي من الطلاب الوظيفة ؟
لماذا لم يقارن بين القصيدتين ؟
ربما بسبب شواء الكستناء !
لا أدري ما هي أوضاع المكتبات ، الآن ، في ألمانيا ؟ وأعني مكتبات بيع الكتب . في 1987-1991 /وفي 1996 كانت تبيع وكان روادها كثرا .
وماذا بعد ؟
الكل يشكو من سوء التعليم ، ومع ذلك فلست متشائما . وسيكتب الطلاب الواجب وسيحضرونه يوم الخميس وسيخضعون لصرامتي ، آجلا أم عاجلا .
صباح الخير .
خربشات
10 / 2 / 2016
٦
هل تصدقون ؟
"مجلة العربي الكويتية " :
أمس كنت أدرس مساق " مناهج البحث العلمي " ، وأتى مؤلف الكتاب د . أحمد علبي على د . فؤاد زكريا وموقفه من بعض آراء ( ديكارت ) ، وسألت الطلبة إن كان أي منهم سمع بفؤاد زكريا وقادني هذا إلى ذكر مجلة العربي الكويتية ، وسألت الطلاب إن كان أحدهم اطلع عليها .
المفارقة العجيبة أنهم كانوا يقرؤون المجلة ويتابعون أعدادها وهم في أرحام أمهاتهم ، ولم استغرب اﻷمر ، فقد تذكرت سيدتنا مريم وابنها عيسى :
أنكلم من كان في المهد صبيا ؟
لا تخافوا فذات يوم سننتصر على الاحتلال بالعلم الوافر الغزير . ألا نكرر بأن العلم هو رأس مالنا ؟
أنا اطلعت على المجلة وأنا في الجامعة ، ولم أطلع عليها من قبل ، ﻷنها لم تكن تصل إلى الضفة بعد هزيمة حزيران 1967 .
أنا حقا كسول ولست موهوبا وأمي كانت أمية ، فلم تدخل المدرسة .
خربشات
10 / 2 / 2016
٧
( مدن في الذاكرة : ما رأته العين وحفظته الذاكرة )
عمان 2014 ... تداعيات
1. كأنك لا تعرف المدينة .. كأنك تزورها ..
إلى المطرب : بكر أبو بكر ..
هل تأتي الرسائل ، هكذا ، صامتة ، ودون إشارة ؟ صامتة جاءت الرسالة وبلا إشارة ، علماً بأن رنة الإشعار ذات ضجيج . كأنك ستالين لا يثق بأحد ، حتى ابنته هجرته إلى أميركا . يا لجنون الريبة ! كنت أخبرت ابنتيك أنك ستغادر السبت قافلاً إلى نابلس ، فالأوجاع التي ألمت بك في الفندق جعلت من زيارتك كابوساً .
ـ إن لم تغادر أخبرنا ، لأننا سنتناول طعام الغداء معاً . الرسالة جاءت السبت تعلمك أنهم سيمرون على الفندق في الواحدة ، ولولا تفقدك هاتفك النقال لجاؤوا وما وجدوا أحداً في الانتظار ، لربما قالوا : عاد إلى الضفة ! لربما قالوا : لم يرق له اللقاء .
كأنك لا تعرف عمّان .. كأنك تزورها أول مرة . المطعم في جبل عمان ، إنه مطعم " سفرة " ، وقد كان بيتاً أشبه بفيلا . بيت حجري تحيط به حديقة واسعة جداً ، وربما كان من أجمل بيوت عمّان في 50 ق 20 ، وربما حتى 70 ق 20 .
كان جبل عمّان الحي الأكثر رقياً .. حي السفارات والدبلوماسيين والوزراء . وكنت ، أحياناً ، تتجول في شوارعه خلسة ، الآن غدت البيوتُ القديمةُ تلك مطاعمَ فاخرة ، هل مات سكانها أم أنهم انتقلوا إلى الضواحي الجديدة ، فقد غدت الضواحي القديمة كما لو أنها بلدة قديمة لا يسر منظرها الناظرين ؟ مطعم سفرة يبدو مطعماً أرستقراطياً ، ربما كانت حديقته أجمل ما فيه ، والبيوت التي لا حدائق لها ليست بيوتاً ، أهي زنازين ، مخيمات ، معسكرات ، فنادق أجنحة ؟
منذ خمسة وعشرين عاماً وأكثر لم تتناول الطعام مع ابنتيك ، هل كان ذلك انقلاباً ؟ العادة أن تجلسوا معاً في ( فيينا كافي ) في الدوار الخامس ، في فندق كراون بلازا / بلازا كراون ، وتشربوا العصير أو القهوة أو النسكفيه . تلتقون غرباء وتغادرون غرباء ، تغادران بهدوء ، وتغادر بصمت ، وتنتظرون عاماً عامين حتى يتكرر اللقاء.
كأنك لا تعرف عمّان .. كأنك تزورها أول مرة ، بعد ثلاثين عاماً .
كأنك لا تعرف جبل الحسين . كأنك تزوره أول مرة :
تعرف جبل الحسين في عمان منذ العام 1972 ، وحين تنفق أربع سنوات تدرس البكالوريوس في الجامعة الأردنية ، تنفق أكثرها في مخيم الحسين وفي جبل الحسين .
تقطن فيه ، وتمر به يومياً ، وحين تعود إلى عمان في 1980 تتردد عليه وعلى بعض بيوته ، بيوت الأقارب وبيوت رفاق يعطونك دروساً في النظرية ومجلة " الحرية " و .. و .. ويومها بدأ جبل الحسين يتغير ، وبدأت آثار قواعد الفدائيين هناك ، ما بين جبل الحسين ومخيم الحسين ، تختفي .. والمساحة الواسعة التي كانت ما بين الحي والمخيم بدأت تضيق وتضيق حتى لتكاد تتلاشى .
بعد العام 2000 تراها وقد تلاشت تماماً ، أين ستنفق مساء السبت في عمان ؟ البابا أربك حركة السير وأغلقت طرق بسبب زيارته و .. و .. والأصدقاء تأخروا في المجيء ، وتذهبون إلى جبل الحسين ، إلى مقهى كاريكاتور.
الليلة سيلعب ريال مدريد وأتلاتيكو مدريد ، والناس ترغب في مشاهدة المباراة .
في المقهى الواسع ثبت أربع خمس شاشات ، والمقهى مختلط ، مقهى في جبل الحسين ومختلط ، مثل مقهى جفرا وسط البلد ، ثمة اكتظاظ ، وثمة مدخنو أرجيلة كثر ، وماذا ستفعل حين لا تكون مدخناً ؟
ضجيج ضجيج ضجيج ، ولا تشاهد المباراة ، وتظل تتحدث عن الماضي ، مع الأصدقاء القدامى ، وعن الأدب والجوائز والطفولة والسفر ، ولسوف يندمج الشاعر راشد عيسى ، ابن مخيمك ، في الحديث ، ولسوف يعود إلى طفولته في مخيم العين في نابلس ، ومخيم عسكر ، ولسوف يقرأ شعراً و .. و .. ولا تسأل عن سبب تسمية المقهى بمقهى الكاريكاتور ، هل يمتّ صاحبه بصلة لرسام كاريكاتور مشهور ؟ هل هو رسام كاريكاتور ؟ والجالسون يتابعون المباراة ، وأنت .. وأنت كأنك لا تعرف جبل الحسين... كأنك تزوره أول مرة .
أهو ذكاء التاجر أم أن الأمر التبس عليك ؟
منذ سنوات وأنت تتردد على عمّان ، تمر ، كلما زرتها ، على المكتبات والأكشاك وتمعن النظر في الملابس المعروضة في واجهات العرض .
أكثر ما يلفت نظرك جرابات خاصة بمرضى السكري ، دائماً تنظر إلى ما كتب أسفل الواجهة ، ولا تشتري تلك الجرابات ، هذه المرة سوف تتشجع ، وسوف تشتري .
تشتري مساء من البائع ، فتروق لك الجرابات ، وتعود ثانية لتشتري المزيد ، هل أخطأت المحل؟ هل دخلت متجراً مجاوراً ؟
ستبحث عن جرابات تشبه تلك التي اشتريتها ، وسيريك البائع نوعاً آخر ، تقول له :
أريد من الصنف نفسه ، وقد كان معروضاً هنا ، يقول لك :
بائع المساء غير بائع الصباح ، وكل يعرض البضاعة بطريقته ، وسيحاول أن يقنعك بأن المحل هو المحل نفسه ، وأنت يلتبس الأمر عليك ، بائع الأمس كان يافاوياً ، وبائع اليوم كان مقدسياً ، وأنت .. وأنت لم تكن تاجراً ، هل كنت يافاوياً أم مقدسياً أم نابلسياً ؟
مغني الرصيف :
بكر أبو بكر وآمنت بالله .
تغادر مطعم القدس ، وتدلف إلى محل بيع جرابات السكري ، وهي من إنتاج حلب السورية ، وتسير باتجاه سوق الذهب ، لتساعر فقط ، فقد آثرت أن تعطي ابنتك النقود لتشتري هي ما يروق لها ، هي التي خذلتك غير مرة ، في حين أنك لم تخذلها أية مرة .
" آمنت بالله ، نور جمالك آية ، آية من الله " يغني رجل سبعيني ، ويعزف على العود ، وثمة الحلاق وزبون وشخص ثالث تغدو رابعهم ، ولا كلب في شوارع وسط العاصمة ليغدو خامسكم .
الصالون " صالون شقير للحلاقة " .
هل نحن من أهل الكهف ؟ "
" وإلاّ لماذا نطرب لآمنت بالله وأغاني عبد الوهاب القديمة ؟ ". أغان قديمة ربما غناها عبد الوهاب قبل خمسة ستة سبعة عقود وأكثر .
" آمنت بالله ، نور جمالك آية ، آية من الله " و " ليه يا بنفسج " وعندما تطلب منه أن يغني " جايين الدنيا ما نعرف ليه " يغني عندما يأتي المساء .
تدون ملاحظات وتسأل المغني طالباً منه أن يفصح عن هُويّته وأن يعرفك باسمه . المغني يجيب :
أنا من النور .
وسترد عليه :
لا ، إما أنك من يافا أو أنك من القدس ،
" لا تقل أصلي وفصلي" يقول .
وتكمل أنت :
- إنما أصل الفتى ما قد حصل .
وسيتحدث المغني قليلاً ، سيقول :
حين يعيش المرء في ست مدن يغدو من النور ، ولا مدينة ينتمي إليها .
لم يعدد الرجل أسماء المدن التي أقام فيها ، ولم يحسب نفسه على مدينة . وسيطلب منك أحد الحاضرين ، وبدأ المستمعون يتكاثرون ، رجالاً ونساء، سيطلب منك أن تفصح أنت عن نفسك وتعرف بحضرتك.
" أنا عادل الأسطة من نابلس وأدرّس في جامعة النجاح الوطنية وأكتب كل أحد مقالاً في جريدة الأيام الفلسطينية ، وسوف أكتب عن هذه الظاهرة بعد أسبوعين ثلاثة " .
" وأنا بكر أبو بكر " .
سيرحب بك وسيسألك عن الشاعر غسان زقطان ، وسيرحب بجريدة الأيام ويبدو أنه يتابعها .
أبو علاء من الفالوجة وفي بيت جده حوصر الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، وسيعلمك أن والده شاعر وأنه يعرف خليل زقطان ، وسيقرأ مقطعاً شعرياً من أشعار والده خليل ، وهو شاعر تسمع به لأول مرة ، ها أنت تتعلم من الشوارع .
بكر أبو بكر من الفالوجة ، وحين يعرف أنك من فلسطين ، وكنت طلبت منه أن يغني لسيد درويش ، يرحب ثانية بك وبالحضور ، وسيغني لسيد مكاوي من كلمات فؤاد حداد :
- ولا في قلبي ولا عينيّ إلاّ فلسطين / أنا العطشان ما ليش ميّه إلاّ فلسطين / وسلاح الثورة يتدرب على الثورة لا بد يثور . و .. و .. وتواصل الصعلكة في شوارع عمّان .
2 . رحلة الصيف والشتاء
زمن الرواية ، لا زمن الدراسات :
في عمان تسأل في مكتباتها عن كتب الدراسات ، ولأن أحد طلابك سيكتب عن مظفر النواب ، ترغب في اقتناء أكبر عدد من الدراسات عن الشاعر وعن الشاعر محمود درويش أيضا ، وتفاجأ بأن الدراسات المتوفرة في المكتبات التي تتردد عليها : الشروق والأهلية ، قليلة . لماذا ؟ لأن المكتبتين تهتمان بما يسأل عنه القراء : الأعمال الإبداعية أو الكتب السياسية أما الكتب التي تدور حول النصوص الإبداعية فقليلة ، وهكذا تضطر لأن تبحث عن مكتبات أخرى يقترح اسمها عليك أصحاب دار الشروق والدار الأهلية ، وتقودك قدماك إلى مكتبة أسامة في العبدلي ، علك تجد ضالتك . تتذكر حواراً هاتفياً مع زميل لك هو دارس بالدرجة الأولى ، لا يكتب الرواية ، ولا يكتب الشعر ، فهو أكاديمي يدرس الأعمال الإبداعية .
قال زميلك لك ، حين سألته :
- لماذا انصرفت عن التأليف إلى الترجمة ؟ ، قال لك :
- الترجمة أجدى ، فحين تترجم كتاباً تكافأ على ترجمته مكافأة مجزية ، وأما حين تؤلف كتاباً ، حتى لو كان متميزاً ، فإن الناشر يطلب منك أن تسهم في دفع نصف التكاليف .
ويذكرك الحوار بحوار آخر مع صاحب دار نشر ، مرة أقدم صاحب الدار على نشر كتاب لك ، وطلب منك أن توقع عقداً يدفع لك بموجبه 10 % ، ولما تكدس الكتاب ولم يرج كثيراً غدت الاتفاقية حبراً على ورق ، وحين عرضت عليه أن ينشر لك كتاباً آخر قال :
كتب الدراسات كما ترى .
في ألمانيا لا ينشرون من كتب الدراسات ، في طبعتها الأولى ، ألفي نسخة . إنهم ينشرون 500 نسخة فقط غالباً ما تقتنيها مكتبات الجامعات لا الأفراد ، إلاّ إذا كان الفرد معنياً جداً بالأمر ، ويكون سعرها مرتفعاً .
لماذا طبعت من الكتاب ألفي نسخة ؟ أما كان الأجدر أن تطبع منه 500 نسخة فقط هي التي بيعت ؟
إن كان الكتاب مقرراً جامعياً يدفع لك الناشر ، وإن لم يكن مقرراً فالقراء قليلون ولا جدوى من طباعته .
أليست الترجمة أجدى من التأليف ؟
أليست كتابة الرواية وطباعتها أجدى من إنجاز الدراسات التي لا يقرؤها إلاّ كاتبها وبعض مهتمين ؟
وتمعن النظر في ظاهرة الأكاديميين الروائيين .
لقد تحوّل قسم منهم إلى كتاب رواية بعد أن كانوا دارسي فن الرواية . إنه زمن الرواية ، لا زمن الدراسات عنها !!
- هل استغفلك سائق الصباح ؟
كلما زرت عمان عرجت على محل بيع ألبسة إيطالية ، واشتريت بنطالاً بنطالين ، غالباً ما يروقان لك ، بضاعة إيطالية مميزة ، ومرة قال لك صاحب المتجر : - إن زبائني هم من الوزراء ووكلاء الوزارات .
وغالباً ما تشتري البضاعة التي اقترب موعد نهاية عرضها ، نهاية موسمها ، وغالباً ما قال لك البائع :
- هذه آخر قطع وعليها تنزيلات ، وهكذا تشتريها بنصف الثمن ، على ذمة التاجر .
هذا العام ، في رحلة الصيف والشتاء ، تعرج على المتجر نفسه وتشتري بنطالاً ، البائع قال لك إنه بخمسة وأربعين ديناراً ، وأن ثمة تنزيلات مغرية تصل إلى 30 % ، وهكذا سيوافق على أن تشتري البنطال بثلاثين ديناراً ، إن رغبت .
هل كان البنطال الذي راق لك ايطاليا بالفعل ، وأعطاك التاجر بنطالاً آخر بسبب الحجم ؟ ولأن القماش لم يرق لك كثيراً فقد ترددت ، وعرضت عليه سعراً أقل ، وصل إلى عشرين ديناراً ، ووافق التاجر .
في الفندق تنظر إلى بلد المنشأ ، وتضحك ، التاجر قال إنها بضاعة ايطالية ، وما كتب على ورقة المنشأ يقول :
- صنع في جمهورية الصين .
يا له من تاجر ! ويا لك من مغفلا تقول .
هل اختلف الحال في الصباح ؟
ما من مرة تسافر فيها إلى عمان إلاّ وتلاحظ محاولات السائقين ، على الضفة الثانية ، يحاولون استغلال الركاب ، بعد اصطيادهم ، سيارة بعشرين ديناراً يا أستاذ . و .. و .. و .. أحياناً تساوم وأصدقاء قد تلتقيهم صدفة ، وغالباً ما تسافر إلى عمان راكباً في سيارة .
في أثناء العودة تستقل سيارة من الفندق إلى مجمع السيارات في طبربور . سيارات التاكسي أكثر من الهم على القلب ، لا تنتظر كثيراً حتى تأتي سيارة وتقلك بدينارين على الأكثرز.
سابقاً كنت توفر هذين الدينارين ، فقد كانت منطقة العبدلي هي المجمع ، وهي قرب الفندق ، إن هي إلاّ خطوات ثم تجد نفسك أمام سيارة الجسر . لعلهم ، حين نقلوا موقع المجمع ، أرادوا أن يخففوا العبء على وسط العاصمة .
صباح مبكر والشوارع خالية إلاّ من عابر سبيل وصوت حافلة ، يقف سائق تاكسي ويسألك عن وجهتك ، فتشكره ، سيارة خصوصي ركب عليها صاحبها شارة سيارة تكسي ، تعرف هذا من السائق الذي أقلك ، ويقف سائق ثانٍ وإلى جانبه راكب ، فتشكرهما ، لأنك تريد أن تذهب فوراً إلى المجمع ، ولا ضرورة لأن يقلك سائق يقل راكباً آخر الله يعلم أين وجهته .
السائق الثالث توقف فصعدت ، كانت الأجرة مائة وثمانين قرشاً ، ولما أردت إعطاءه دينارين ، سألك إن كنت تملك عشرين ديناراً ليعطيك الباقي .
لماذا لبيت طلبه؟
ثمة بقايا نعاس ، وثمة ما لا يعني الكثير ، وأغلب الظن أنك ناولته عشرين ديناراً أعطاك بقيتها ، ثم .. ثم قال لك :
- هذا دينار وليس عشرين ديناراً .
هل قام بما يقوم به الحاوي ؟ التبس الأمر عليك وصمت ، وأغلب الظن أنك كنت مغفلاً ، للمرة الثانية ، خلال يومين ، وربما للمرة الثالثة ، ثمة التباس ما تلبسك حقاً ، في المتجر ، وفي متجر الجرابات ، ومع سائق التاكسي .
ـ جولة في سوق الخضار :
طارق العربي اسم مستعار لشاعر شاب من نابلس درسته مساق المدخل إلى تذوق النص الأدبي ومساق لغة الإعلام بالعربية .
ولم يعمل طارق في مهنة المتاعب ، ربما لأنه لم يجد وظيفة في جريدة ، وأخذ يعمل في سوق الخضار في مدينة نابلس ، وواصل القراءة والكتابة وأصدر ديوان شعر عنوانه في الرابعة صباحاً ، إن لم تخنك الذاكرة .
في السوق في الرابعة صباحاً ، في سوق الخضار في الرابعة فجراً . [ الرابعة فجراً في السوق ].
في عمان تقرر أن تتجول في السابعة صباحاً في سوق الخضار قرب جامع الحسيني . كان سوق الخضار هذا في 70 ق 20 مزدهراً ، وكنت تمر به يومياً ، ولما كان موقف باصات الجامعة الأردنية محاذاته ، فقد كنت تعرف أسعار الخضار التي لم تكن تشتريها ، لأنك لا تطبخ ولا تجيد الطبيخ ، ولأن مطعم الجامعة الأردنية يقدم وجبات مقبولة بأسعار معقولة .
ثمة بقايا خضار، بقايا فواكه ، بقايا سوق . هل تبحث عن شيء ؟ تقول :
لعلني أجد الكرز ، الكرز يساعد غدة البنكرياس على الإفراز ،
ومرة قال لك بائع في نابلس :
سبع حبات كرز تعادل حبة دواء سكري .
وأنت ، وأنت منذ سنوات قليلة تشتري في الصيف الكرز فاكهة وعلاجاً ، على الرغم من أنك ، دائماً، تتذكر قصة زكريا تامر " يا أيها الكرز المنسي " ، القصة التي درستها في الجامعة ، والقصة التي تذكرك بأصدقاء يساريين غدوا إمبرياليين ووزراء مثل عمر القاسم بطل القصة .
كم مرة كتبت عن القصة ، أو أشرت إليها في إحدى مقالاتك ؟ لا تعرف .
إنها ، مثل قصة " الشيوعي المليونير " لنجاتي صدقي، وقصة " اشتراكي حتى الموت " للطاهر وطار الجزائري .
النموذج نفسه موجود في سورية وفي الجزائر ، ومن قبل في فلسطين ، ما هي نهايات اليساريين ؟
الكرز في الضفة منظره يروق للناظرين ، وفي سوق الخضار في عمان ، بقايا كرز تضطر لأن تشتريه ، فقد يساعد غدة البنكرياس على الإفراز ، وقد تخف حدة آلام قدميك قليلاً ، قد تخف نسبة السكر في الدم، قد .. قد .. و قد .
3 . كأنك أديب رصيف :
قهوة الرصيف :
في الفندق لا تنام جيداً ، وفي الفندق لا تمكث طويلاً ، كم من مرة قلت :
غرفة الفندق زنزانة ؟ تنفق ساعات قليلات وتغادر ، ست ساعات ، سبع ساعات ثم تجد نفسك في المقاهي والمطاعم والمكتبات ، أين تذهب في السابعة صباحاً ، والشوارع خالية إلاّ من سيارات وعمال نظافة وبعض واجهات مخابز بكّر عمالها ليخبزوا ؟
على صيف الشارع تجلس ، والنفي المتلاحق ، متعاهدين على عذاب تقاسماه مناصفة ... ثمة مقهى ليس فيه كراسٍ ، مقهى رصيف ، لا ، لا ، ليس ثمة مقاهي رصيف في بلاد العرب ، ربما تجدها مساء في الشميساني ، أما في النهار فلا مقاهي رصيف ، ولا موسيقى شوارع ، ولا لاعب أكروبات ، ولا ... ليس ثمة ثقافة رصيف .
تطلب من الشابين كأس قهوة وسط ، ثم تستأذن ، فتطلب منهما الكرسي الوحيد ، كان الشابان مصريين ، أحدهما من الإسكندرية والثاني من المنصورة ، وتسألهما عن نتيجة مباراة ريال مدريد وأتلاتيكو مدريد لتتأكد مما قاله عامل الفندق المصري ، كنت غادرت مقهى كاريكاتور والنتيجة 1 ـ صفر لصالح اتلاتيكو ، وفي الطريق أخذ رواد مقهى آخر يهتفون مشجعين ريال مدريد ، لحظة أدرك التعادل .
وأنت خارج من الفندق سألت العامل المصري سعيد عن النتيجة ، فأخبرك بأنها 4 ـ1 لصالح ريال ، وسألتهما لتتأكد ولتعرف إن كان ( رونالدو ) أحرز هدفاً ما ، ما شأنك بالأمر ؟ ألهذا الحدّ غدوت شغوفا بالرياضة الإسبانية تحديدا ؟
قبل سفرك أعلمك زميل يحب برشلونة أنه كاد يموت يوم غُلب فريق ناديه ـ أي برشلونة ، وسألك من تشجع ، فأجبته :
أتابع المباريات ، ولا أكترث كثيراً ، بعدها ، للأمر، هل هناك من يدفع لهؤلاء أو لهؤلاء ؟ علام ، إذن ، بل ولماذا أيضاً ، تغدو ثمة حرب بين فلسطيني وفلسطيني ، بسبب الريال وبرشلونة ؟ ( تتابع الفيسبوك يوم يلعبان لترى الحرب ) .
أحد العاملين المصريين قال إنه لا يحب رونالدو أصلاً، وستسألهما عن حياتهما في عمان ، يأتون من مصر ليصبحوا عمال فنادق أو عمال بناء أو بائعي قهوة في زاروب بناية ، أحدهما متزوج ولديه ثلاثة أطفال : أحمد ومحمد وكنزي ، وكنزي هي أنثى .
المصري يسألك :
أتعرف ما معنى كنزي ؟ وسيشرح لك الدلالة بالحركة ، يضع يده على صدره ويقول :
- كنزي أنا ، وعبر عن حبه لابنته ، (وضع يده على قلبه ) .
بدا العاملان ودودين ، يرحبان بك ، ويعلمانك أنهما يعملان من الثامنة مساءً حتى الثامنة صباحاً ، وتسألهما إن كانت العيال موجودة معهما ، يجيبك أبو محمد :
- لا ، إنها في مصر ، ويتابع :
- وأسافر مرة في العام ، لأنفق هناك ثلاثة أشهر .
تتأمل في العاملين وفي قسوة حياتهما ، وتتذكر عامل الفندق سعيد ، كل واحد منهم متزوج ويقيم في الغربة وحيداً ، يقطنون معاً ، كل ثلاثة أربعة في غرفة واحدة و.. و.. و إنه رزق عيشهم ، وتتذكر الحسن بن زريق وقصيدته الشهيرة :
لا تعذليه، فإن العذل يولعه
قد قلت حقاً ، لكن ليس يسمعه
و .. و .. وتتذكر مطولة الشاعر عبد اللطيف عقل " الحسن بن زريق ما زال يرحل " كتبها ليعبر عن رحيل الفلسطيني الدائم ، وتقول :
يرحلون ويعودون إلى بلادهم ، وأما أنت ، وأما أبناء شعبك فـ ..... .
مطعم سعيد عبد القادر : مطعم الوفاء
تتردد على مطعم سعيد عبد القادر في العام 1972، وتتعرف على صاحبه ، كان جلال الأصغر زميلك في المدرسة منذ الصف الأول الابتدائي حتى التوجيهي ، وحين تنهيان التوجيهي تسجلان في الجامعة الأردنية ، أنت تدرس الأدب العربي ، وجلال يدرس العلوم ، ولكنه يريد أن يدرس الهندسة . ويظل ينتظر قبوله في الجامعات المصرية ، يعرفك جلال على خاله أبو العبد ، وكان جلال أقام في بيت خاله القريب من المطعم .
وما بين فترة وفترة تجلس ، مع جلال ، في المطعم ، وفجأة يعلمك أنه سيغادر إلى مصر ، فقد تم قبوله طالب هندسة ، يطير فرحاً ، فهو سيدرس الهندسة وفي مصر التي درس فيها أخواه : جواد وجمال ، واين الجامعة الأردنية التي كانت ناشئة ، يومها . من الجامعات المصرية العريقة؟
تتردد على مطعم سعيد عبد القادر ، مطعم الوفاء ، وتظل ، بعد سفر جلال، تتردد عليه، تسأل عن جلال وأخباره ، وتطمئن على صحة خاله اليافاوي ، إن لم تخنك الذاكرة ، كان الرجل مضيافاً وودوداً ، يقدم لك الشاي ويسألك إن كنت أفطرت ، ويحدّثك عن أخبار جلال ، إن عرف شيئاً .
في العام 2000 عدت تتردد على عمان ، بعد انقطاع سبعة عشر عاماً ، تنزل في فندق الميرلاند في العبدلي ، ومنه تهبط إلى وسط المدينة ، وفي الطريق تقرأ :
مطعم الوفاء لصاحبه سعيد عبد القادر .
وتمر بالرجل ، وتسأله إن كان ما زال يتذكرك ، هذا العام تجد المطعم مغلقاً ، ما زال الاسم موجوداً ، ولكن المطعم مغلق ، ترى ماذا ألم بالرجل ؟ هل توفي ؟ هل شاخ وما عاد قادراً على العمل ، فاستقر في منزله ؟
هل تحسنت أحواله فبحث عن حيّ آخر أكثر رقياً ؟ ولا تفكر في زيارته ، لأنك لا تعرف منزله أصلاً ، وقد يكون ، إن بقي على قيد الحياة ، يعاني من الزهايمر! يا له من زمن قاتل هذا الزمن الذي سينتصر عليك وعلى الآخرين جميعاً .
تتذكر جدارية محمود درويش وسطره : هزمتك يا موت الفنون جميعها ،
وتسأل :
هل حقاً هزمت الفنون الموت ؟
ترى من انتصر على الآخر ، وتكرر بعض أسطر للشاعر نفسه ، صدر بها ديوانه " أرى ما أريد " ( 1990 ) :
"... وأنا أنظر خلفي في هذا الليل
في أوراق الأشجار وفي أوراق العمر
وأحدق في ذاكرة الماء وفي ذاكرة الرمل لا أبصر في هذا الليل
إلاّ آخر هذا الليل
دقات الساعة تقضم عمري ثانية ثانية وتقصّر أيضاً عمر الليل لم يبق من الليل ومني وقت نتصارع فيه .. وعليه
لكن الليل يعود إلى ليلته
وأنا أسقط في حفرة هذا الظل " .
وتسير في شوارع المدينة التي تبتلعك ، كأنها حفرة هذا الظل الذي تسقط أنت فيه ، كأنها أيضاً جزء من الزمن .
أين أنتم يا ماسحي الأحذية ؟
تتذكر سطر محمود درويش :
" مدن تجيء وتختفي فينا "
وتبحث عن ماسح أحذية وسط العاصمة ، ترى واحداً فقط كان مشغولاً بتلميع حذاء شخص يتحدث معه ، وتسأله أن يلمع لك حذاءك الذي يشبه الحفاية ، يعتذر فهو يخشى أن تلوث البوية الجرابات ، هذا ليس حذاء كاملا ، ربما كان ماسح الأحذية مندمجاً في الحديث مع زبونه ! ربما لم يرق له شكلك ! ربما غدا ماسح الأحذية ينتقي زبائنه !
وأنت تجلس في مقهى السنترال كنت ترى ماسح الأحذية ، يأتي ويسألك إن كنت ترغب في مسح حذائك ، يعطيك شبشباً ، ثم يأخذ الحذاء ليلمعه ، هذه المرة لم تصعد إلى المقهى ، ولم تشرب فيه الشاي أو الكولا ، ولا تدري لماذا !
كان مقهى السنترال في 70 ق 20 عامرا ، أما الآن فهو خاوٍ من الزبائن إلاّ أقلهم .
زبائن هرِمُون ومقهى هرم أيضاً ، كأن وسط العاصمة غدا أيضاً هرما ، وأنت .. وأنت ، الآن ، تنهي عقدك السادس لتبدأ عقدك السابع . هرمت .. هرمت ، وتتذكر التونسي :
هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية ، وتنفق في عمان يومين لا تعثر فيهما على ماسح أحذية ثانٍ .
تحاول أن تسترجع النصوص الأدبية التي أتى أصحابها فيها على ماسحي الأحذية ومعاناتهم ، أهي سميرة عزام أم نجوى قعوار أم ... ؟ وتحوّر في سطر محمود درويش :
- مدن تموت وتختفي فينا .
وثمة مهن انقرضت ، وثمة مقاهٍ انقرضت ، وثمة مطاعم أغلقت ، وتذرع الأرصفة القديمة نفسها ، تذرعها قبل أن تنقرض و ... و ... و ...
4. تداعيات رحلة الصيف والشتاء
الموظفة الإسرائيلية :
وأنت تقف على شباك التصاريح، في الجسر، تمعن النظر في الموظفة الإسرائيلية ماذا تفعل ؟ وإلامَ تنظر ؟ أنت تريد إنجاز الختم ومواصلة الرحلة ، وليس ثمة ما تنظر إليه .
أنت أمام الموظفة وجهاً لوجه، لماذا أخذت الشابة الشقراء التي ذكرتك بحنين الشقراء ، لماذا أخذت تصرخ ؟ وماذا قالت أصلاً ؟
كانت ترطم بلغتها العبرية معبرة عن غضب ما موجه إليك ربما ، بسبب إمعانك النظر في وجهها .
تتذكر رواية ( فيركور ) " صمت البحر " ونظرات الفرنسي وابنته أو قريبته إلى الجندي النازي المزروع في المنزل ، أيام الاحتلال النازي لفرنسا .
لم يكن ثمة ما يخيف الجندي سوى النظرات ، نظرات الفتاة إلى هذا المحتل غير المرغوب فيه .
ما الذي أثار الموظفة الإسرائيلية ؟
هل كانت تخاف من نظرات الفلسطيني ورأت فيه نظرات عدو لا يحترم محتله ؟
أم اعتقدت أنك عجوز ستيني عاد إلى صباه وأراد افتراسها ؟
ولما لم يرق لها هذا الستيني صرخت ؟
أنت تفكر في الأمر حقاً ، ولم تكن ، في الذهاب ، إلى عمان ، ثمة أزمة على الجسر لتتذكر قصيدة فدوى طوقان " أمام شباك التصاريح " القصيدة التي تمنت فيها الشاعرة لو أنها هند بنت عتبة أكالة الكبود، لتأكل كبد المحتل .
في الذهاب لم تتذكر فدوى التي تذكرت قصيدتها في الإياب ، وتذكرت راشد حسين وهو في مطار القاهرة :
واقف كلي مذلـــة في مطار القاهرة
ليتني كنت طليقاً في سجون الناصرة .
في الإياب ، عكس الذهاب ، عمت الفوضى ، وما زلت تحفظ عبارة أحد العائدين :
"متى يغدو لنا مطار ؟" لنتخلص من هذا الذل ؟ ".
ذكريات المناضلين القدامى :
عمّ يتحدث المناضلون القدامى ، المناضلون سياسياً ، حين يلتقون ، ولم تعد لهم نشاطات سياسية ، كما كانت لهم في 70 ق 20 و 80 ق 20 ، أيام أنفق قسم منهم ست أو سبع سنوات في السجن الإسرائيلي ؟ الدولة لم تنجز والأوضاع تسوء والضفة تستوطن واليمين الإسرائيلي يتكالب ، واليسار الفلسطيني يضعف ، و ... و ... ولا ضرورة للإطناب في تعداد مثالب الواقع .
المناضلون القدامى الذي تركوا تنظيماتهم وأحزابهم ما عاد شيء يروق لهم .
الزمن الماضي هو زمن النضال وزمن الأحلام الجميلة ، أما الآن فكل شيء إلى خراب وإلى فساد ، والمناضلون القدامى يكتفون الآن بالذكريات والوظيفة والبيت والاستقرار والراتب و ... و ... والعلاوات السنوية والتحسر على استمرار ضياع الوطن .
شوارع عمان في الصباح المبكر :
لم تسافر إلى عمان في عطلة الشتاء ، وآثرت أن تؤجل ذلك إلى عطلة الصيف .
في الصيف يقصر الليل ويطول النهار ، وهكذا لا تمكث في غرفة الفندق سوى بضع ساعات .
تنهض في الخامسة ، ثم في السادسة أو السابعة تجد قدميك تجرّانك إلى وسط العاصمة ، وإلى مطعم هاشم تتناول فيه الفول أو الحمص وتشرب الشاي وتجلس حتى التاسعة ، حتى تفتح المكتبات أبوابها ، فتنفق ساعات تمعن النظر في الكتب ، أو تثرثر مع فتحي البس ومع أبي أحمد ، وقد تشتري بضعة كتب تعود بها إلى نابلس .
ماذا فعلت بك شفرة الحلاقة ؟ ولأنك اعتدت على حلاقة ذقنك كل صباح ، فعليك أن تبدأ نهارك بممارسة عادة الحلاقة ، وتكتشف أنك لم تحضر معك شفرة حلاقة .
تخرج من الفندق الذي كان في حالة مزرية ، حيث الترميم ، وتبحث عن بقالة فتشتري شفرة حلاقة ، من منطقة العبدلي .
شوارع عمان ، في الصباح ، فارغة إلاّ من عمال تنظيف القمامة ، ومن عمال المخابز ، ومن بائعي القهوة للعابرين ولسائقي السيارات العمومية التي تذرع ، وحدها، الشوارع .
وستجد نفسك تتمشى في الشوارع ، كأنك تريد أن تحرق فائض سكر في دمك ، وتبحث عن بقالة ، عن شفرة حلاقة ، والبقالات مغلقات ، وليس سوى عمال النظافة وبائعي القهوة السريعة وبضع سيارات عمومي يبحث سائقوها عن قوت عيالهم ، هكذا هي شوارع عمان في الصباح المبكر .
ندم مبكر :
ما إن وصلت عمان حتى شعرت بالندم ، أن تخرج من شقة حولها حديقة وتقيم في غرفة في فندق ، فهذا يعني أنك ستقيم في زنزانة .
ثم ماذا لو استبدّ بك الألم ، أنت لا تشعر بالراحة بعيداً عن شقتك ، هل ارتفعت نسبة السكر في دمك ؟ ألم عجيب في القدمين ، ربما بسبب الجلوس ساعات طويلات في السيارة وفي الباص وفي السيارة .
المسافة التي يمكن أن تقطع في ساعة، لو كان الواقع عادياً ، بلا
احتلال ، تغدو أطول من طريق امرئ القيس إلى ملك الروم :
" بكى صاحبي ، لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له : لا تبكِ عينكَ، إنما
نحاول ملكاً ، أو نموتَ فنُعذرا "
ولساعات طويلات ، ولربما لبقية النهار ، وأنت تشعر بألم في ساقيك ، ما الذي دفعك إلى السفر ؟ هات وجعاً ، وهات ندماً ، ولن تستقر حالتك إلاّ في ساعات الصباح .
هل هو تفاعل الأدوية مع بعضها ، أم هو الطعام الذي تناولته في المطعم لم يناسبك ، وتقول مخاطباً ذاتك :
لا تبكِ عينكَ ، إنما تحاول شيئاً أو ... أو ...
في الفندق تتذكر راشد حسين :
كان الفندق الذي تنزل فيه في حالة ترميم ، ما إن فتحت الباب حتى قلت :
- أبحث عن فندق آخر ، وسرت مغادراً .
أبو جرير لمحك فلحقك وقال لك :
- يا أستاذ الفندق في الطوابق العليا كما هو ، الغرف جاهزة و ... وكل شيء على ما يرام ، ولم تعصِ له أمراً ، ولم ترد له طلبا ، إن هي إلاّ ساعات تبيت فيها في غرفة ، وسرعان ما تعود .
في الغرفة تلحظ الثلاجة تسخن وتسخن ، كأنها مقبلة على احتراق ، تنهض وتنزع سلك الكهرباء من موضعه ، خوفاً من أن تحترق الغرفة وتحترق معها ، فتموت ميتة راشد حسين في نيويورك ، وربما في ظروف غامضة . وتسترجع سطر محمود درويش في خليل حاوي ، في " مديح الظل العالي " :
هو لا يريد الموت رغماً عنه . وثلاثة خانوه : تموز وإيقاع وامرأة ، وناما . الشاعر افتضحت قصيدته تماماً .
هل سيكون مصيرك مصير راشد ؟ هل ستموت في غرفة في فندق . تقول :
- حين أعود إلى نابلس ، سأقرأ قصيدة محمود درويش : " أربعة عناوين شخصية : "غرفة في فندق " :
" ولسنا سوى رقمين ينامان فوق السرير المشاع
المشاع ، يقولان ما قاله عابران عن الحب قبل قليل . ويأتي الوداع سريعاً
سريعاً . أما كان هذا اللقاء سريعاً لننسى الذين يحبوننا في فنادق أخرى؟
أما قلتِ هذا الكلام الإباحي يوماً لغيري ؟ أما قلتُ هذا الكلام الإباحي
يوماً لغيرك في فندق آخر أو هناك فوق هذا السرير؟ سنمشي الخطى ذاتها كي
يجيء سوانا ويمشي الخطى ذاتها .. [إلخ.. إلخ..].
وأنت في الفندق وحيدا ، تتذكر فنادق بون ، تتذكر الفنادق التي نزلت فيها في عمان ، ولا ترى فيها إلاّ مكاناً عابراً ، هذه المرة انتابك شك بأن ثمة كاميرا ترصد حركاتك في الغرفة . لماذا انتابك هذا الهاجس؟
6 ـ لا رغبة في القراءة :
وأنت مسافر إلى عمان قلت: آخذ معي رواية غابرييل غارسيا ماركيز " ذاكرة غانياتي الحزينات ". أقرأ فيها ، وأقرؤها من جديد ، فقد أكتب عن التشابه والاختلاف بين بطلها وبيني ، وكنت قرأت الرواية منذ سنوات ، وأردت أن تكتب عنها ولكن ..
في الفندق لا تستبد بك أدنى رغبة للقراءة ، لا تجلس أصلاً وراء الطاولة إلاّ لدقائق تخربش فيها بضع ملاحظات عابرة حتى لا تنساها .
لم تشعر بالراحة ولا بالاستقرار لتقرأ فتركز ، وستظل الرواية في الحقييبة و... و..." مناديل ليست لنا... عاشقات الثواني الأخيرة . ضوء المحطة . ورد يضلل قلباً يفتش عن معطف للحنان . دموع تخون الرصيف . أساطير ليست لنا ".
٨
كم كتابا منع الرقيب الإسرائيلي ؟
كم قائمة أرسل ضابط التربية الإسرائيلي إلى مدراء التربية زمن الاحتلال يطلب فيها منهم سحب كتب من المدارس ومن مكتبة بلدية نابلس ؟
كم كتابا صادر الضابط الإسرائيلي على الجسر ؟
مرة اعتقلت لأربع ساعات لأن الدورية الإسرائيلية ، وأنا على دوار المدينة ، شكت في مجلات بحوزتي ؟
مقالي لموقع رمان عن المنع والرقابة في زمن الاحتلال حتى زمن السلطة .
خربشات 2017 / 2 / 10
٩
ماذا فعلت المخابرات الأردنية مع أبو علي يوم وزع رواية الشاعر علي فودة " الفلسطيني الطيب " بالسر ، وكانت وصلت من بيروت أيضا بالسر ؟
كان على أبو علي أن يتذكر كل من اشترى من الرواية نسخة ليعيدها إليه .
حريات !
حريات !
ما شاء الله !
خربشات 2017 / 2 / 10
١٠
" ديموقراطية الدولة وتسامحها "
ماذا فعلت إسرائيل مؤخرا بخصوص رواية كاتبة إسرائيلية تأتي على علاقة فتاة يهودية بشاب فلسطيني ؟
وماذا كان موقف ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي حين أذيعت قصيدة محمود درويش " سجل أنا عربي " من إذاعة الجيش الإسرائيلي ؟
لقد أعادت الدولة الإسرائيلية طباعة الرواية بمليون نسخة دعما للتعايش وشجعت الطيب محمد غنايم وكافأته وطلبت منه أن يذيع قصيدة " عابرون في كلام عابر " التي منحت إسرائيل لأجلها جائزة الدولة الإسرائيلية للشاعر .
دولة ديمقراطية حقا تؤمن بالحرية وتعدد الاثنيات وتحارب العنصرية . ما شاء الله !
"السخرية هي أن تقول شيئا وتقصد عكسه "
خربشات 2017 / 2 / 10
١١
جريمة في رام الله .. زوبعة في رام الله :
منذ أصدر الروائي عباد يحيى روايته الأولى " رام الله الشقراء " ( 2012 ) أخذت أتابع نتاجه وأكتب عنه. احتفلت ب " رام الله الشقراء " ومدحتها يوم ذمها نقاد كثيرون ، ورأيت فيها غير ما رأوا فيها .
ومنذ إصدار الرواية الأولى أصدر الكاتب ثلاث روايات أخرى ، هي " القسم 14 " و " هاتف عمومي" و " جريمة في رام الله ". هذا يعني أنه أصدر كل عام ، تقريبا ، رواية . وهذا مثار سؤال .
حين قرأت : " القسم 14 " قلت :
- ها هو الكاتب لا يلتزم بما قاله يوما في مدينة نابلس ، في ندوة شاركت فيها ، حول روايته الأولى .
سئل عباد يومها :
- وماذا بعد هذه الرواية ؟
فأجاب :
- لا أدري وقد لا أكتب غيرها ، إذا شعرت أنني سأتكلف الكتابة فلن أكتب غيرها .
في " القسم 14 " يكتب عباد رواية مختلفة .
في " رام الله الشقراء " كتب عن مكان يعرفه ، ورصد فيها تحولات وتغيرات وتبدلات كان يراها يوميا ، حيث درس في جامعة بير زيت ، وكان شاهدا عليها .
وفي " القسم 14 " كتب عن معسكر جيش أميركي ليس له صلة به .
جلس عباد وراء مكتبه وأخذ يقرأ في حاسوبه ، واخترع حكاية ما وكتب عن معسكرات الجيش الأميركي وما يجري فيها وعن الدعارة الرسمية المباحة والموافق عليها ، بل والمدروسة جيدا .
هل ....
تقرؤون بقية المقال في جريدة الأيام الفلسطينية صباح يوم الأحد القادم في 12 / 2 / 2017
إن لم أغير رأيي وأكتب مقالا آخر .
١٢
تعلل فالهوى علل ، وصادف أنه ثمل ،
وكاد لطيب منبعه يشف ، فمانع الخجل
وما خلل بها الدنيا ، ولكن كلها خلل .
مظفر النواب
( وما خلل بها الدنيا ولكن كلها خلل ) .
ما شاء الله علينا !
ما شاء الله .....!
ما شاء ............... !
صباح الخير
خربشات 10 / 2 / 2018
١٣
أنا المتكلم في النص :
هل كل " أنا " في شعر محمود درويش أو نزار قباني تمثل الأنا الخاصة بهما ؟
نطق درويش باسم الدكتاتور والأمير والمرأة فهل هو كل هؤلاء ؟
وفي شبابه نطق باسم العرب " سجل أنا عربي " ومحتوى القصيدة لا ينطبق كليا عليه ، فلم يكن متزوجا ولم يكن ينتظر طفله التاسع ، وفي " أنا يوسف يا أبي " فإن الأنا قد تنطبق عليه وتنطبق على غيره . بل إنه حين زار أمه ورأى صورته تساءل " اانت يا ضيفي أنا ؟ " .
نزار قباني نطق نيابة عن المرأة ونطق باسم السياف العربي وأظنه تحدث تارة بلسان الرجل الشرقي وطورا باسم ابن الطبقة الوسطى المتحررة نوعا ما .
أعتقد أننا يجب أن ننتبه إلى هذا وأن نفحصه في أثناء قراءة كل قصيدة وإلا فإن نزار متناقض تناقضا شديدا .
خربشات 10 / 2 / 2018
١٤
حكمة مذيعة جامعة النجاح لهذا اليوم :
مذيعة جامعة النجاح الوطنية قالت هذا الصباح إن من ينشر يوميا على الفيس بوك يعاني من المؤكد من مشاكل ، ورأيها أن النشر يكون معقولا إذا حدث مرة كل شهر أو شهرين
ما شاء الله !
ما شاء الله !
بناء على رأيها الحكيم السديد أعاني أنا والكاتب زكريا محمد من مشكلة .
أنا أكتب يوميا على الفيس بوك وعلى رأيها فأنا أعاني من مشكلة .
لا أنكر أنني أعاني من مشاكل كثيرة جدا ولهذا أكتب كثيرا .
شو أعمل فمثلنا يقول " كل إناء بما فيه ينضح " وكثير من الأواني ليس فيها ماء أو زيت أو كاز أو حتى علم وثقافة
.
صباح الخير
خربشات 10 شباط 2019
١٥
في هذا الجو الدافيء جدا لاحظت شابا يرتدي قميصا نصف كم .
فضلت أن أعض الطرف ، فما لي ولعباد الله !
ثم وجدتني أقول له :
- أخاف أن تمرص .
كان الشاب الذي يدخن سبجارة مهذبا ، فأجابني :
- بعين الله .
وسار كل في اتجاه .
ما زلنا في شباط ، ويبدو أنني هرمت حقا ؛ لأنني في هذا الجو الحار جدا أرتدي معطفا وكنزتين وملابس داخلية و ..
- بعين الله
خربشات 10 شباط 2019
١٦
الياس خوري " نجمة البحر " 7 :
" الأخرس إن حكى "
للكاتب الإسرائيلي ( ا.ب.يهوشع ) رواية قصيرة عنوانها " أمام الغابات " يحكي فيها عن طالب يهودي يدرس التاريخ وينفق بعض الوقت يحرس غابة قرب القدس ويقرأ .
الغابة تخفي تحتها قرية عربية ومن عادة الإسرائيليين حين يسوون قرية عربية بالأرض أن يقيموا على أنقاضها متنزها أو مستوطنة أو (بارك ) .
الطالب في أثناء حراسته يشاهد عربيا مقطوع اللسان لا يتكلم ، فالغابة هي أرض آبائه وأجداده .
ماذا سيروي هذا الأخرس لطالب التاريخ لو استطاع أن يتكلم ؟
بعض أعمال الروائي الإسرائيلي (.ا.ب.يهوشع ) تحضر في رواية الياس هذه ، وقد خصصت اليوم ، في جريدة الأيام الفلسطينية ، مقالة أبين فيها صلة الرواية برواية " العاشق " ل " يهوشع " .
رواية " أمام الغابات " تحضر أيضا ، وإن بشكل أقل من حضور " العاشق " ، وثمة عرب في"نجمة البحر " أصيبوا بالخرس ، وقد لخص العنوان الفرعي " الأخرس إن حكى " قصة آدم الذي تلعثم في بيت غبريال بالكلام ، علما بأنه لم يتأتيء في طفولته ، ولكن الأخرس ليس آدم وحسب ، فأهل غيتو اللد صمتوا في 1948 ، والأخرس هو أكرم الذي رأى في 1948 الإسرائيليين يقتلون أباه وثلاثة رجال آخرين .
يحكي العامل العربي ممدوح لآدم قصة أكرم وعجزه عن الكلام ، وعن تربية الأم هنية لابنها أكرم وتبني ممدوح عامل الكراج له وعطفه عليه .
ماذا سيحكي أكرم إن حكى؟
" بعد العشاء غادر الخواجا غابرييل الكاراج ، وأمر ممدوح بأن ترفع بقايا الطعام استعدادا للنوم ، لكن النوم لم يأت . أكرم الأخرس افتتح الكلام بصراخه . صار العمال يطلقون عليه لقب الأخرس لأنه فقد القدرة على الكلام بعد شفائه من مرضه الغامض . وعندما كان يضطر إلى الإجابة عن أسئلة الخواجة ، كان يجيب بغمغمة مقرونة بإشارة من يديه . هذا الأخرس ، جلس إلى جانب آدم وفرش الكلام على الأرض . الحقيقة أنه لم يتكلم . كان كلامه أشبه بإشارات التقطها ممدوح ، الذي حاول في البداية ، إسكاته ، لكن غضب الأخرس تصاعد صراخا يشبه العواء ، الأمر الذي أجبر ممدوح على الكلام " .
وحكى ممدوح عما جرى في 1948.
الخرس أصاب الفلسطينيين في المنفى فصمتوا ، وفي رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " يموت الفلسطينيون الثلاثة في الصهريج ولا يصرخون ولا يدقون جدران الخزان
( ملاحظة : ثمة ترجمة لرواية ( ا.ب. يهوشع " أمام الغابات " في كتاب عنوانه " صورة العربي في الأدب العبري : وطن الأشواق المتناقضة، قصص مختارة ، لايهود بن عيزر ، ترجمه د. أحمد أبو حماد / جامعة عين شمس وصدر الكتاب عن دار الحمراء في بيروت في 2001)
10 شباط 2019
١٧
الست كورونا : اسم في الأخبار ( 187 )
ما عادت الكورونا ترعب كما كانت في بداياتها ، ويبدو أنها ، لولا حضورها في الأخبار وفي تزيي بعض المواطنين بالكمامة ، يبدو أنها صارت مثل الرشح والانفلونزا .
في بداية الجائحة مثلا كان بعض الصيادلة يعقمون أياديهم ويعقمون النقود وعبوات الدواء ، والآن إن دخلت إلى صيدلية لا تشاهد شيئا من هذا ، ومثل هذا أيضا حدث لعبوات التعقيم ، فلم تعد تشاهد في كل مكان ، ولا حديث عن وصفات شعبية ، فالحديث كله صار عن اللقاحات وأنواعها وبلدان إنتاجها ، والمسافرون بين المدن يشعرون أكثر من غيرهم بأن الكورونا ما زالت تستنزف جيوبهم نظرا لسياسة التباعد الجسدي التي تجبرهم على دفع فارق ركاب الأجرة الناقص عددهم ، ومثل المسافرين السواقون الذين يتقاسمون مع الركاب أجرة الركاب الناقص عددهم .
ومع ما سبق فإن الأخبار تحمل طرائف ومفارقات كما أن أشرطة الفيديو تري أشياء جميلة .
الخبر الذي تنوقل ، ثم نفي لعدم دقته ، هو الفرق بين لاعب كرة القدم كريستيانو رونالدو الغربي الكافر والمغنية أحلام العربية المسلمة . أهي عقدة جلد الذات ؟
الخبر / الإشاعة قال إن اللاعب وضع فنادقه كلها لمعالجة المصابين بالكورونا في حين أن المغنية تفاخر بأن كمامتها مصنوعة من الذهب .
أشرطة الفيديو تقدم خدمة كبيرة للتغلب على الكورونا من خلال الرقص تحت شعار " كيف نتغلب على الكورونا بالرقص " والراقصة ، لجمالها ، " تفك عن المشنقة " كما يقولون ، وليس أمام محبي الرقص والجمال إلا أن يستمتعوا ، فكل شيء منذ عام كان قاتما .
رغبت في أن أدرج شريط الفيديو على حائطي ولكني نظرت إلى بقايا شعر رأسي فلاحظت بياضه وتراجعت وترحمت على أعراس فترة السبعينيات والثمانينيات وأدرجت ، بدلا من الشريط ، صورة لي وأنا في برلين قبل اثنين وثلاثين عاما ، مرددا :
" ألا ليت الشباب يعود يوما "
والشباب لا يعود .
في نابلس يبدو أن الكورونا صارت اسما في الأخبار . يبدو !!
خربشات ١٠ شباط ٢٠٢١ .
١٨
أهل غزة : " زهقانين حالنا " :
في قراءة بعض ما يكتبه أبناء غزة في وسائل التواصل الاجتماعي تجد العجب وتقرأ غير ما قرأته في اليوم الأول للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة هذه .
في الأيام الأولى كان هناك تمجيد لما حدث وشعور بالزهو والانتصار ، وقد تلاشى هذا كله أمام الإقامة في الخيام بعد تسوية البيوت بالأرض .
عن صفحة مجدي عاشور Majdi Ashour قرأت ما كتبه " أحمد سعيد " :
بالله لا حدا ينصحنا ولا ينظر علينا ولا يتغنى فينا . زهقانين حالنا " وعقب مجدي " صوت الناس في غزة " .
لم نقدم لأهل غزة الحماية ولم نوصل لهم الطعام وقسم منهم ينام في الشوارع فلم يحصل على خيام ، وكثيرون فقدوا وأكثر منهم نهشت لحمهم القطط والكلاب الضالة .
وفي الصفحة نفسها قرأت ما كتبه اكرم الصوراني عن كلمة " خراء " كيف تكتب . خرا . خرى . خراء أم بالملعقة ، وصدر مجدي الاقتباس ب " فكاهة سوداء " .
عندنا عبارة يكررها بعض الناس عندما تسأله عن حياته وطعامه ووضعه هي " ماكل خرى بالمعلقة / الملعقة " و " زي الخرى " و " الحياة ماكلة خرى " و " باكل خرى بالمعلقة " و " الحياة كلها خرى في خرى " و " بتنقط خرى " بدل " بتنقط عسل " .
عندما قرأت ما كتبه أكرم تذكرت السطر الأخير في رواية الكاتبة العراقية بتول الحصري " كم بدت السماء قريبة " تصف فيها أحوال العراقيين :
" زي اللي بوكل الخرا بالدبوس . لا الخرا يخلص ولا الدبوس يشيل " ( كتبت تحت عنوان " الخليل والعشائرية : من موضوعات الرواية الفلسطينية " وتتاولت رواية مشهور البطران " السماء قريبة جدا ).
ولم تخل رواية إنعام كجه جي " الحفيدة الأمريكية من هذا الدال ؛ دال الخرى .
حتى أنا التبس علي شكل الحرف الأخير في الكلمة . أهو خرى أم خرا أم خرة أم خراء .
أهل غزة صاروا يصرون على ألا ينصحهم المتخمون بالطعام والشاعرون بالدفء في بيوتهم : " بالله عليكم لا تنصحونا " وما زالوا مؤدبين ، فلم يكتبوا :
- كلوا خرا واخرسوا يا عجزة !
خربشات السبت ١٠ / ٢ / ٢٠٢٤
اليوم ( ١٢٧ ) .
١٩
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
" التشبث بالوطن في الرواية الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ "
هل بدت فكرة التشبث بالأرض ، في الرواية الفلسطينية قبل ١٩٤٨ ، واضحة ؟
صدرت قبل ١٩٤٨ روايات عديدة أولاها " الوارث " لخليل بيدس ( ١٩٢٠ ) و " الحياة بعد الموت " لإسكندر البيتجالي ( ١٩٢٠ ) ، تلتها روايات تاريخية واقعية ورمزية . كتب الأولى نجيب نصار ، فأصدر " في ذمة العرب " و " شمم العرب " ، وكتب نفسه الثانية " مفلح الغساني " و " أسامة العدناني " وكتب جمال الحسيني " على سكة الحجاز " و " ثريا " ومحمد العدناني " في السرير " ، وكتب الثالثة إسحق الحسيني " مذكرات دجاجة " .
وباستثناء روايتي " على سكة الحجاز " ( ١٩٣٢ ) و " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) يمكن القول إن الرواية لم تقارب موضوع الأرض . وإذا ما عرجنا على المسرحية فإنها قاربته ، وهنا أشير إلى " الملاك والسمسار " لمحمد عزة دروزة ( ١٩٣٥ ) وقد ضاعت ، و " وطن الشهيد " لبرهان الدين العبوشي ( ١٩٤٦ ) .
عندما صدرت " الوارث " و " الحياة بعد الموت " لم تكن فكرة فقدان الأرض تدور في خلد الفلسطينيين إلا أقلهم ، وربما نظروا إلى فكرة تهجيرهم منها على أنها ضرب من الخيال الأقرب إلى الخرافة . لقد اختار بيدس القاهرة مكانا لروايته ولم يكتب عن الصراع الفلسطيني الصهيوني ، وكتب البيتجالي عن فلسطين تحت حكم الدولة العثمانية في سنوات الحرب العالمية الأولى .
مع صدور وعد بلفور وازدياد الهجرة اليهودية وشراء الأراضي وتفاقم الأوضاع في عشرينيات القرن ٢٠ بدأ الخوف يدب في قلوب بعض الكتاب والأدباء فكتبوا في الموضوع .
أبرز رواية أتت على خطر التفريط بالأرض هي روابة " على سكة الحجاز " . اختار جمال الحسيني قرية ستة الفلسطينية التي باعها صاحبها الإقطاعي إميل بك إلى اليهود مكانا ، القرية التي هجر سكانها المزارعون ، في نهاية الأمر ، منها ، ليهيموا في المدن ويتحسروا على أيامهم ، وليعود بائع الأرض في أيامه الأخيرة ، وقد قارب الجنون ، إليها ، ليزورها فيراها عالما آخر .
لقد ظلت هذه الرواية من ١٩٤٨ حتى العام ٢٠٠٠ تقريبا ، حيث أعيدت طباعتها ، ذات تأثير شبه معدوم في الأدب الفلسطيني لضياعها وقلة اطلاع الكتاب عليها ، وحين قرأ الشاعر علي الخليلي طبعتها الجديدة ولاحظ عدم احتفاء دارسي الرواية بها شط بعيدا وزعم أن السبب يعود إلى خوف النقاد من الاقتراب منها ، بسبب موضوعها الخطير ، ولا أذهب إلى ما ذهب إليه . لقد ضاعت الرواية إلى حين حتى اكتشفت ، شأنها في ذلك شأن أعمال روائية فلسطينية أخرى لم تحظ بالدراسة ، مع أن موضوعها لا يشكل خطورة على من يقاربه .
إبراهيم الابن الشرعي لإميل يحب أخته غير الشرعية من أبيه دون أن يعرف أنها أخته ، وحين يريد الزواج منها ويعرف الأب يصارحه بالحقيقة ، فيكتشف أنه " إنما هو ضحية من ضحايا والده . بل ذبيحة تقدم للتكفير عن ذنوبه . هذا ما كتب له . هذا حظه في الدنيا . هل كان أسوأ حظا من أولئك الفقراء التعساء الذين أخرجهم أبوه من ديارهم وناولهم إلى يد البؤس والشقاء ؟ إذن فمصيبته في والده ، وظلم والده ، وكيد والده ! ومتى كانت هذه المصائب ؟ ومتى كان هذا الظلم ؟ ومتى بدأ هذا الشقاء ؟ يوم أن باع ستة ، ويوم أن نثر بأهل ستة بالفضاء الواسع فإذا كل منهم يدعو الله
عليه ويطلب الانتقام منه ... " .
الرواية الثانية هي " مذكرات دجاجة " التي حظيت بانتشار واسع وتلق لافت توزع بين معجب بها وناقد لطروحاتها حد الاتهام بالخيانة ، كما ذهب الناقد فاروق وادي ، على الرغم من رمزية الرواية التي تقول الواقع من خلال معادل رمزي له في عالم الدجاج وصراعه فيما بينه على المأوى - أي فلسطين .
ثمة دجاج غريب طاريء ودجاج مقيم ، معادلان لليهود الغربيين والفلسطينيين ، وما تقترحه الدجاجة هو التخلي عن المأوى وإصلاح العالم كله وبذلك تحل المشكلة .
الطرح السابق لا يختلف عن رؤية رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ( ١٩٠٢ ) حيث يبيع أرضه دون إكراه لليهود ليستأجرها منهم ، ويعيش معهم ، فهم الشعب الذي جلب النور إلى فلسطين .
لنقرأ في " مذكرات دجاجة " :
" سيحوا في الأرض ، وتوزعوا بين الخلق ، وانشروا بينهم المثل العليا ، والمباديء السامية . وإني لواثقة بأننا سنلتقي في مأوانا هذا بعد أن نطهر العالم أجمع - لا وطننا الصغير فحسب - من هذه الضلالات " ( الصفحة قبل الأخيرة ) ، والدجاجة الحكيمة ستسلك مسلكهم بعد " وإني لن أتخلف عنكم فسأعمل كما تعملون " .
في العام ١٩٦٢ كتب ناصر الدين النشاشيبي رواية " حفنة رمال " وأتى فيها على ما جرى ، في قرية النعامي قرب الرملة ، قبل العام ١٩٤٨ . إن الرواية من حيث زمنها الروائي ترتد في كثير منها إلى ما قبل ١٩٤٨ ، خلافا لزمنها الكتابي الذي لم يكن بعيدا .
تعرض العصابات الصهيونية على ثابت أن يبيع أرضه . يرفض إغراء المال ، فترسل له العصابات سارة ، يهودية الأم عربية الأب ، لتغويه ، فيتحرك فيها دمها العربي وتعلمه بالحقيقة وتقف إلى جانبه ، ومع ذلك يقتله اليهود في أرضه ويجرون جثته إلى أرض المستوطنة ، زاعمين أنه تسلل إليها واعتدى على سارة .
وعموما يمكن القول إن الرواية الفلسطينية لم تقارب هذا الموضوع ، قبل العام ١٩٤٨ ، مقاربتها له بعد النكبة حيث حضر حضورا لافتا وهو ما لاحظناه لدى غسان كنفاني وإميل حبيبي وغيرهما ، ولدى الشعراء والقصاصين .
ولعلني أواصل الكتابة ، فالتهجير هو مطلب الدولة الإسرائيلية في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة الدائرة .
(.مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية في ١٨ / ٢ / ٢٠٢٤ )
السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء ١٠ و ١١ و ١٢ و١٣ و ١٤ / ٢ / ٢٠٢٤ .
٢٠
هواجس من وحي ما يجري في غزة 12 :
" في وداع أحمد حرب "
" لا يجدر بأحد إعطاء مواعيد في هذا الوطن " هذا الاقتباس من قصة أكرم هنية " لماذا لم أذهب لمقابلة صديقتي ؟" هو ما خطر ببالي منذ
غادرنا في ٦ / ٢ / ٢٠٢٥ الروائي والناقد الدكتور الجامعي الأستاذ أحمد حرب المولود في الظاهرية في الخليل في العام ١٩٥١ ؛ أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة بير زيت ، وقد عرفناه نحن الأدباء الفلسطينيون من خلال إسهاماته النقدية أولا والروائية ثانيا في الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية في الضفة الغربية . عرفناه أولا من خلال قراءة مقالاته النقدية في الصحافة ثم من خلال المهرجانات الأدبية والندوات والمؤتمرات التي أسهم فيها منذ العام ١٩٨١ تقريبا .
قبل عامين تقريبا أرسلت إلى أحمد صورة تجمعنا أنا وهو والشاعر علي الخليلي الذي كان يحرر الصفحات الأدبية في جريدة " الفجر " الصفحات التي جعلها مجلة شهرية أسهمت ، إلى جانب مجلات أخرى مثل " البيادر " و " الكاتب " ، في تأسيس حركة أدبية في مناطق الاحتلال الثاني ١٩٦٧ ، وسرعان ما أدرجها في صفحته غير متذكر تاريخ التقاطها ، وأغلب الظن أنه في سنوات الثمانينيات الأولى .
لم تنقطع في السنوات الثلاثين الأخيرة اللقاءات والزيارات فيما بيننا ، فكلما زرت جامعة بير زيت التقينا وكلما عقدت الجامعة نفسها مؤتمرا وشاركت فيه التقينا أيضا . مؤتمر الأدب الفلسطيني في العام ١٩٩٧ وندوة ذكرى المرحوم الدكتور إحسان عباس ٢٠٠٥ ، وكلما اشتركنا في أحد المؤتمرات التي تعقدها جامعة بيت لحم - وما أكثرها ! - أو جامعة الخليل ، وآخر مؤتمر اشتركنا فيه معا هو مؤتمر جامعة البتراء الأردنية عن رواية القدس ، وقد عقد في تشرين الثاني من العام ٢٠١٩ ونزلنا فيه معا في فندق الرويال والتقينا على وجبة الإفطار طيلة أيام المؤتمر .
آخر لقاء لي ب " أبو فجر " كان - إن لم تخني الذاكرة - في رام الله . كنت يومها مدعوا للمشاركة في ندوة نقاش كتب الدكتور نبيل طنوس في متحف محمود درويش . جلسنا يومها في محل ركب للبوظة واعتذر عن حضور الأمسية لانشغاله .
في أكتوبر ٢٠٢٣ اتصل بي " أبو فجر " وبعد أن أعلمني عن إصابته بسرطان الحنجرة وعدته أن أزوره خلال أسابيع ، وكان الوعد الذي لم ينفذ .
قبل شهر من رحيله تقريبا اتصل بي مرة أخرى . كان ثمة تشويش في الاتصال ما جعلني أتريث كثيرا وأنا أرد ، وجددت وعدي بأن أزوره عندما تتحسن حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية قليلا ، وعندما تهدأ الأوضاع التي أخذت وتيرة تدهورها بالازدياد .
وكلما تذكرت الوعد الذي قطعته على نفسي بزيارته ، هو الذي رحب باستمرار باستقبالي ، تذكرت سطرا غالبا ما أوردته في مقالاتي وأنا أكتب عن حركة التنقل بين مدن الضفة الغربية ، وهو " لا يجدر بأحد إعطاء مواعيد في هذا الوطن " .
لقد مر على الوعد خمسة عشر شهرا ولم يغب عن ذهني ، وكلما هممت ترددت وتكاسلت وتراجعت ، والسبب هو الحواجز .
قبل ثلاث سنوات تقريبا كانت إحدى طالبات الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية تتواصل معي بخصوص موضوع رسالتها المتعلق بالحواجز في الأدب الفلسطيني ، والطالبة هي هديل كيال ، وكانت تسألني عمن كتب عن الحواجز في الأدب الفلسطيني ، وكلما تذكرت نصا ما ذكرتها به ، ابتداء من قصيدة فدوى طوقان المبكرة " آهات أمام شباك التصاريح " التي كتبتها عن تجربة مرت بها ، في انتظارها في جسر دامية ، في أثناء سفرها إلى عمان . لقد كان الجسر بعد العام ١٩٦٧ هو الحاجز الأول بعد بوابة مندلباوم التي كتب عنها الأدباء منذ ١٩٤٨ حتى ١٩٦٧ ، ثم هدمت لحظة احتلال القدس في ١٩٦٧ ؛ البوابة التي كتب عنها إميل حبيبي وسميرة عزام وغسان كنفاني وآخرون ، ولا يعرفها الآن إلا كبار السن في فلسطين ممن تجاوز السبعين أو قراء قصص الكتاب المذكورين . ما أشبه موعد لقائي بأبي فجر بموعد لقاء شخصيتي قصة سميرة عزام " عام آخر " . كلما سافرت الأم من بيروت إلى القدس ، فبوابة مندلباوم ،لرؤية ابنتها المقيمة في الناصرة تعذر اللقاء .
وحكاياتنا مع الحواجز حكايات عديدة سببت لنا مشاكل ووجع رأس وأسفرت أحيانا عن شهداء عديدين ، بخاصة منذ انتفاضة الأقصى ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠ ولعل منها ما ألم بالشابة ميسون الحايك التي كانت وزوجها وحموها في طريقهم إلى المشفى لتضع مولودها . لقد أطلق الجنود النار على زوجها وحميها فارتقى الأول وأصيب الثاني ووضعت طفلتها ليكون عيد ميلادها وعيد استشهاد أبيها في اليوم نفسه .
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة عنوانها " عند الحاجز " . في تلك الأيام كنت معلما في مدارس وكالة الغوث في النصارية ، وكان علي وزملائي المعلمين أن نستقل الباص الوحيد من نابلس إلى أريحا ، وقبل المدرسة قرب معسكر النصارية أقيم حاجز تفتيش غالبا ما عانينا منه وسبب لنا مشاكل بسبب التأخر عن الدوام المدرسي ، ومع ذلك فإن معاناة تلك الأيام لم تكن تذكر إزاء معاناة الفلسطينيين منذ اجتياح المدن الفلسطينية في ربيع ٢٠٠٢ إبان انتفاضة الأقصى ، وهي المعاناة التي أوحت للقاص أكرم هنية بكتابة قصة " زمن حسان " اللافتة التي ظهرت في مجموعة " دروب جميلة ".....[ نقص]
تواعدنا واتفقنا ولكنها الحواجز بين المدن ، لا الحواجز اللغوية بيننا وبين الإسرائيليين كما ذهبت مستشرقة ألمانية درست قصيدة محمود درويش " عابرون في كلام عابر " ورأت في اللغة سببا لعدم تفاهم الفلسطينيين والإسرائيليين .
غادر أحمد حرب دون أن أشارك في جنازته . تماما كما غادر من قبل شعراء عديدون مثل علي الخليلي وأحمد دحبور ، ومن قبل محمود درويش وفدوى طوقان ، على الرغم من أنني كنت في نابلس أحاضر في الجامعة . يومها كنا نغتنم يوم دوام لنعطي محاضراتنا المتعثرة في زمن انتفاضة الأقصى .
وأنا أنظر في موت " أبو فجر " وأ
النص غير مكتمل هنا لعدم اتساع الحيز
عادل الأسطة عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى