أ. د. عادل الأسطة - ماذا خربشت في ١٣ شباط من كل عام؟

١
اليهود في الرواية العربية 3
سأحاول هذا المساء أن أكتب عن اليهود في الرواية العربية ، وعلى اﻷرجح أنني سأتوقف أمام رواية علاء اﻷسواني ( شيكاغو ). كأنني أريد أن أكتب بحثا . عدت إلى أوراقي القديمة جدا ﻷقرأ عن صورة اليهود في اﻷدب العربي ؛ إلى ورقة محمد باكير علوان وورقة صالح الطعمة المنشورتين في 1977 ﻷرى ماذا كتب شوقي وحافظ في اليهود .ولا شك في أن إلقاء نظرة على صورة اليهود في أدب إحسان عبد القدوس سيكون أمرا مجديا.
أعتقد أن رواية اﻷسواني من أفضل الروايات التي يطبق عليها منهج المرايا المتقابلة . ببساطة منهج حسني البورزان القائل :
- إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا فعلينا أن نعرف ماذا في البرازيل .
كنا أيام زمان نضحك على حسني ، وها نحن نكتشف أنه صاحب منهج أكثر من حملة دكتوراه ، فقسم منهم لا يعرف في المنهج أكثر مما تعرف أمي اﻷمية فيه.
- سقى الله أيام البورزان والبزر أيضا.
كم من دعوة أتتني من شيكاجو ﻷزورها ؟
ها أنا الليلة سأفعل ، وسأكتب عن اليهود فيها ، وسأغدو مثل كتاب يكتبون عن أماكن لم يروها في حياتهم .
نصف حبة البرتقال كان مرهرط وشبه مخمج . آمل ألا يكون مقالي مثل البرتقالة ، ومزاجي يوحي لي بأن الكتابة هذه الليلة ، مثل اتفاق أوسلو .
خربشات
٢
" كلون زبالة "
العبارة باللهجة اللبنانية قرأتها تعقيبا على إجابة مارسيل خليفة عن سؤال وجه إليه ليبدي رأيه فيما يجري في سورية .
أظن أن نصري حجاج هو من ألصق رأي مارسيل على حائط الفيس .
اللبنانية مستاءة ﻷن مارسيل لم يفصح عن رأيه وتهرب من الإجابة .
لا أدري إن كان المطلوب منه إبداء رأي ، وماذا سيغير رأيه ؟
نحن ضد ما يجري . ضد القتل وكنا ضد التوريث أصلا . ماذا سيجدي رأينا نفعا ؟
هل نؤيد القتلة الوافدين من الخارج أيضا ؟
ما يجري في سورية جنون . لا النظام محق في إمعانه في القتل والتدمير ولا الآخرون كانوا محقين في استخدام السلاح . والسوريون كانوا لا يريدون من غير السوريين أن يتدخلوا .
في بيت الجيران فرح ما . أغان لا أدري سببها . أكيد أن السوريين كانوا في 2002 يغنون ويرقصون وكنا يومها نحاصر .
نشرة أخبار الجزيرة تتحدث عن عشرات القتلى في حلب . براميل متفجرة ، وأنا سأنقطع الآن لكتابة مقال اﻷحد .
وثمة أونصتان - طبعا لدجاج ألقيتها لثلاث قطط - قسمة ضيزى - وهي لا تسمن ولا تغني من جوع وشباط خباط والقطط تتسافد . هل يختلف اﻷمر في سورية ؟ ما أحوال القطط هناك ؟
الآن سأنصرف للكتابة
خربشات
٣
شيء مطمئن :
أعدت نشر مقالي " رواية القدس : ترانيم الغواية لليلى الأطرش " الذي نشرته في الأيام الأحد الماضي ، أعدت نشره عن موقع " وطن " للأنباء ، نشره عن الأيام ، وفي يومين نشره 77 موقعا . وهذا شيء مطمئن ، ويعني أن ما أكتبه مقروء ، أو
إن الموضوع ( القدس ) لا أنا هو اللافت ، واللافت أنني لم أكن الأكثر قراءة ، حين نشر المقال في الأيام ، بل إنني كنت الأقل قراءة .
خربشات
وصباح الخير للجميع ، وجمعة مباركة
ومقالي الأحد هو تتمة لمقال الأسبوع الماضي
٤
مدن راشد حسين:عكا وحيفا ويافا والقدس و..و.........
( نص محاضرة ألقيتها على طلاب مساق القدس في الأدب العربي في جامعة النجاح ، وهي مصورة ، بتاريخ 11 / 2 / 2015 )
في اﻷول من شباط من العام 1997 توفي راشد حسين ، في ظروف غامضة ، في مدينة نيويورك ، وكان راشد - ابن قرية مصمص في المثلث في فلسطين - غادر فلسطين ، واستقر به المقام أولا في دمشق ، ثم غادر إلى نيويورك ، وإن كان شعره يفصح عن سبب ذهابه إلى هناك ، فإنه غادر للعلاج .
" أتيت الطب في نيويورك
أطلب منه مستشفى
فقالوا :
أنت مجنون
ولن تشفى ،
أمامك جنة الدنيا
ولست ترى سوى حيفا "
( ص 523 من أ . ك. )
ولم تكن حيفا أول مدينة يزورها الشاعر أو يكتب فيها الشعر ، فقد زار عكا وخصها بقصيدة مطلعها :
" حلم الرعاة ورقصة الريحان واﻷرض الندية
وعنوانها " عكا والبحر " وأهداها إلى" اﻷصدقاء الذين عرفتهم في عكا " ، وبدت عكا في قصيدته حلوة البسمات ، طهورة ، قبل البحر راحتيها وجاءها يسالها المشورة ، فهو أمير يريد ود قلبها هي الأميرة ، آملا ألا تجرح شعوره ، هي المدينة الهازئة أسوارها بالبحر ، وهو يخشى إن رفضت مشاعر البحر النبيلة أن ينثني عنها ليخطب قلب جارتها الجميلة : حيفا ، وجمال حيفا إن يكن نقصه النسب الأصيل الذي امتازت به عكا ، فثمة ما يعوض هذا : ثراؤها وكرملها . ولا يمعن الشاعر في إثارة غيرة عكا ، إذ يطلب منها أن تصفح عنه ، هو الذي جاء إليها من قريته العزلاء محملا برائحة الأزاهر ووداعة الأطفال الطاهرة . ( ا . ك 124 )
بعد كتابته قصيدته " عكا والبحر " سيخص حيفا بقصيدة عنوانها " إلى حيفا " .. وفي الإهداء نقرأ :
" إلى حيفا التي شبت طفولتي فيها " .
هل يعني هذا أنه عرف حيفا قبل زيارته عكا ؟
حيفا هي موطن الذهب النضير ، وهي مسرح للفاتنات وسوق أقمشة الحرير ، وقد زرع راشد حبها يوم كان فتى غريرا ، وحين ارتحل عنها بكاها دموعا .
لقد أزهرت طفولته القصيرة في صدر حيفا ، مع فارق أن مياه حيفا تعود إلى بحرها إن أمطرت سماء حيفا ، في حين لا تعود طفولة الشاعر إليه .
القدس الغربية .. اورشاليم
ما بين 1948 - 1967 زار راشد حسين القدس الغربية بتصريح عسكري اسرائيلي ، ويبدو أنه سر فيها فخصها بقصيدة عنوانها : " إلى أورشليم " افتتحها بقوله :
" أمدينة الزيتون ! زيتون الهوى أثمر
لما بسطت على فؤادي زندك اﻷخضر
وكانت أورشليم زرعت في قلب الشاعر ، بعد أن عصته ، عينين للحب فيهما آثار من قسوة الرومان . أورشليم هي ربة الزيتون التي أثمر حب الشاعر يوم ذهب إلى أورشليم زائرا . ويبدو أن سرور الشاعر في المدينة كان كبيرا ، وأنه أحب المدينة وأحبته ، ولهذا خاطبها :
" يا ربة الزيتون !
قومي اصلبيني فوق صدر الحلوة السمراء "
ورأى فيها مدينة اﻷحلام ، دورها من خيال العيد ، وأحجارها مهج سبتها الفاتنات الصيد،وكم تمنى الشاعر لو بقي في المدينة ، ولم تنته فيه مدة التصريح :
" لظللت فيك مجرحا تجريح . لتضاعفي التجريح
بمغامز الزيتون
وﻷحتسي من كأس حبك ثرثرات الغيد " . ( أ . ك . ص 256 )
والطريف أن الشاعر الذي عبر عن مآسي شعبه ، وانتصر للثورات العربية ، ومنها ثورة الجزائر ، لم ير الوجه الآخر ﻷورشليم ، المتمثل بأنها قامت على أنقاض شعبه ، وأن جزءا من بيوتها هي بيوت الفلسطينيين وأهله ممن رحلوا أو رحلوا
يافا في العام 1948. وما لم يره في القدس الغربية فيما يخص هذا الجانب ، رآه في يافا التي خصها بأكثر من قصيدة ، بدت فيهاصورة يافا قاتمة ، قياسا الى ما كانت عليه قبل أن تغدو مدينة محتلة .
خص الشاعر يافا بقصيدة عنوانها " ما زال في يافا " وهي قصيدة طويلة كتبها في العام 1958.
تروي يافا حكايات شجية ، وحكايات برتقال لم يزل يهب البطون الظامئات عصيرا . وما زال في ميناء المدينة باخرة تقهقه مداخنها ، جاءت ترحل برتقالا ، رحلت من قبل ، زمن ايدن ، اهل البرتقال ، جاءت ترحل البرتقال إلى بلاد الشقر في بلد الضباب الأسود . ويافا ما زالت بياراتها الخضر مغمضة الجفون في خصرها زنار سرو مزقته يد الجنون وحمامة خدشت بصوت هديلها وجه السكون . لقد رحل أهل المدينة ، وما زال الشاعر يأمل أن تكون عودتهم قريبة .
الأهم من هذه القصيدة هي قصيدة " الحب والغيتو " التي كتبها في 1963 - أي بعد 5 سنوات من كتابة القصيدة الأولى ، وهي قصيدة طويلة ، يرثي فيها راشد ما آلت إليه المدينة ، وما آل إليه سكانها . إنها من قصائد رثاء المدن حقا ، وهي قصائد عرفها الشعر العربي القديم جيدا .
يفتتح راشد قصيدته بقوله :
" مداخن الحشيش في يافا توزع الخدر
والطرق العجاف حبلى .. بالذباب والضجر
وقلب يافا صمت ..أغلقه حجر
وفي شوارع السماء .. جنازة القمر " .
ويافا بلا قلب وبلا قمر .. إنها دم على حجر ، وكان الشاعر يعرفها من قبل ، فقد رضع من أثدائها حليب البرتقال . لقد شلت ذراعها وانكسر ظهرها بعد العام 1948 ، وبعد أن كانت حديقة أشجارها الرجال مسخت محششة توزع الخدر ، وبعد أن كانت مهنتها تصدير برتقال غدت مهنتها تصدير لاجئين .
نيويورك :
بعد خروجه من الارض المحتلة وإقامته في دمشق ، في أثناء حرب تشرين ، سنجده يخص دمشق بقصائد تبدو فيها دمشق مدينة مقاومة . وسيكتب يوميات المدينة " يوميات دمشق " .
في قلب دمشق ،وفي حرب تشرين ،وولدت ثانية حطين ، وغدت دمشق على شفتي الشاعر محطة حب تعتذر لها الأزهار .وإنها مدينة مقاومة كتب أعداؤها على اكفان موتاهم : "من صنع دمشق " ، وغدا الورد في المدينة أحلى ورد ، وفيها شاهد الشاعر كل الحب في الدنيا يسير مجندا يحتضن بندقيته يشبك عليها الياسمين ، وغدت البندقية حبيبة الجندي وعليها اسم دمشق ، والشاعر الفلسطيني الذي ذهب إلى دمشق ، لم يذهب اليها سائحا :
"أنا فلسطين / ومن حبي ...أنا أيضا دمشق " ( 488 ) ،
ودمشق أخت فلسطين يراها راشد مسافرة في دمائه ، وهو يحبها أما /أختا / طفلا / طفلة /شعرا يذيب جميع الشفاه ليطبع قبلة ، وحين يودعها يخاطب ربه :
"الاهي /
كيف خلقت جمال دمشق /
نضال دمشق ...وحب دمشق " ( 496 ) .
طبعا سيكتب راشد قصائد يذكر فيها لبنان و المخيمات الفلسطينية في لبنان ، وسيكتب أيضا قصيدة عنوانها " في نيويورك " ، ولم يكن في هذه يشعر بانه حي . إنه يسير فيها ميتا ، ويكره فيها مغازلة النساء ، وهن كثيرات ، لأنه ما زال يعشق البنت التي جاءت من الصحراء ، وليس أمامه وهو هناك ، وقد تخلى عنه أصدقاؤه الذين يغازلون الدولارات ، لم يكن أمامه إلا أن يكتب الشعر في مدينة بدون أصدقاء ( 536 ) .
القدس
وهو في المنفى ، وفي ديوانه الأخير " أنا الأرض لا تحرميني المطر " ، سيكتب راشد قصائد عن القدس ، وستكون كتابته مختلفة .
هناك قصيدتان يحضر فيهما دال القدس في عنوانهما وفي متنهما ؛ الأولى " القدس في عينين " ( 433 ) والثانية " القدس والساعة " ( 450 ) . ينظر الشاعر في عيني المخاطبة ويرى فيهما نخيلا ودوالي ،وويرى أن لونيهما كحبه القدس : غال ، الف غال .
القدس في عينين نخيل ودوالي ، وهو لون جريح كشعر الشاعر ، ولكنه جميل مثل حبه ، وإن كان طويلا كاعتقاله . لون عينيها أبوه يزرع رمانا وتينا ، وهو صلاح الدين من دون رجال ، وعذاب لون عينيها لأشباه الرجال . إنه حصاد وبيادر وكفاح يسافر فيه الوطن ، وفوق هذا صبور كأمه ، وكريم كسهوله ، وأبي كجباله . إنه حمام ونسور في نضاله .
في قصيدة " القدس والساعة " يأتي على احتلال القدس في العام 1967.
الاحتلال موت وجراح وقنابل وتشويه . وكان العرب يومها أصفارا ، وكان رب الشعب في البار يصلي لعشيقة ، ولكن القدس تثور وتتمرد ، وهكذا تتحول إلى مدينة مقاومة ، وستغدو العذارى فيها حبالى وأمهات للنضال ، وسيؤرق هذا ، الاحتلال الذي كلما مرت بعيونه طفلة وبنت صغيرة فتش الجند في صدرها وفي رحمها وفي عقلها ، عن قنبلة ، وإذا لم يجدوا شيئا معها أصروا :
" هذه البنت صغيرة
ولدت في القدس
والمولود في القدس
سيضحي قنبلة
صدقوا..المولود في ظل القنابل
سوف يضحي قنبلة ".
هكذا تغدو القدس مدينة مقاومة مختلفة عن تلك التي زارها في 60 ق 20 قبل الاحتلال ، ورآها مدينة الغيد الحسان اللاتي ثرثر معهن .
في قصيدة " عائدون " (ص 539 ) يغدو شباب القدس بين مكانين هما السجن أو المنفى .
ما الذي نخلص إليه بعد تتبع كتابة راشد حسين عن المدينة وعن القدس ؟
لم تكن القدس ، قبل العام 1967 ، مدينة راشد الأولى . كانت مدنه الأولى عكا وحيفا ويافا ، وصارت القدس في أشعاره ، بعد هزيمة حزيران ، لا تقل عن عكا وحيفا ويافا ، وعلى العكس فقد ارتقت إلى مكانة تلك المدن ، وخصها الشاعر بقصائد أكثر ، واستحضر اسمها في عناوين قصائده ، كما فعل من قبل وهو يكتب عن المدن المذكورة ، ومع أن راشدكتب عن دمشق في فترة صعودها ، وعدها ، في حرب 1973، مدينة مقاومة ، وكتب عن لبنان ومخيماته ، إلا أن انتماءه في المنفى ظل لمدن فلسطين ، بل إنه سيكتب قصيدة عن الناصرة يعلن فيها أنه هو الناصرة . أليس غريبا انه رأى في نيويورك تابوتا ، وهي جنة الدنيا في نظر البعض ؟ وظل لا يرى سوى حيفا .
( نص محاضرة الأربعاء في مساق القدس في الأدب العربي ، الموافق 11 / 2 / 2015 ) .
ليست خربشات
٥
حماس و عاطف ابوسيف :
منعت حماس في غزة عاطف أبو سيف من السفر .
ماشي حماس مخطئة وسلوكها غير منطقي .
طيب أنا منعت من السفر إلى الجزائر والإمارات وإلى تونس أيضا من إدارة الجامعة .
هل تختلف إدارة الجامعة عن حماس ، علما بأنني أردت أن أحاضر عن القدس ، في عام القدس عاصمة للثقافة ، والعام الماضي كتبت ورقة مهمة للمشاركة في مؤتمر دولي عن الخطاب السياسي في جامعة قفصة ، ووافقت لجنة المؤتمرات هناك على الورقة ، وحصلت على فيزا ، وعوضت المحاضرات ، واستعددت للسفر ، ومنعتني الجامعة ، بغير وجه حق ، إذ من حقي السفر مرتين في العام ، ولجأت إلى الصمت وتقبل الموضوع ،
ما رأيكم ؟
ولا أدعي ولا أتهم ولا أقول إلا ماحدث .
خربشات
٦
محمود شقير في نابلس :
اليوم سيكون الكاتب محمود شقير في نابلس ليوقع كتابه " رام الله التي هناك " في مكتبة بلدية نابلس .
قبل 20 عاما كنت أتردد على قاعة المكتبة ﻷقرأ الصحف وهناك تجادلت مع أ.موسى أبودية حول ( أوسلو ) الذي دافع عن الاتفاقية التي كنت ضدها وتركنا اﻷمر للزمن الذي وقف إلى جانبي ضد موسى .
قبل 35 عاما أنفقت 3 أشهر في قاعة الصحف والمجلات أتابع القصص القصيرة المنشورة في جرائد " القدس" و " الفجر " و" الشعب " وجرائد أخرى وكنت أقرأ القصة وأكتب ملاحظات حولها . كنت سجلت رسالة الماجستير تحت عنوان " القصة القصيرة في مناطق الاحتلال الثاني 1967 -1981 " وكان علي أن أنجز الكثير .
ما بين شهر شباط 1982 حتى نهاية آيار من العام نفسه عملت يوميا ، بلا انقطاع ، من الساعة 3 حتى الساعة 11 واستطعت كتابة الرسالة التي كنت كتبت عن أكثر المجموعات القصصية المدروسة فيها ما بين 1978 و1981 وكنت نشرت المقالات في الشعب والفجر والاتحاد .
يا لها من أيام تلك اﻷيام !
كنت أعود من مدرسة العقربانية فأجد أمي جهزت الطعام . أتغدى وأصعد إلى شقتي وأعتزل . أقرأ وأكتب وأشرب الشاي ولم أكن أدمنت على شرب النسكفيه .
يا لسبانخ أمي باللحم وكنت أفضل لحم العجل ﻷنه أحمر .
خربشات
13 / 2 / 2016
٧
افتعال الكتابة :
كثير من الروائيين الفلسطينيبن يفتعلون الكتابة ويكتبون على عجل والمهم أن يصدروا روايات .
هناك كتاب أصدروا كل عام رواية . ماتوا ولم يعد أي قاريء يذكرهم أو يذكر رواياتهم . لقد كانوا ظاهرة عابرة على الرغم من أنهم وزعوا أعمالهم مجانا . ولم تطبع أية رواية لهم طبعة ثانية . وهناك روائيون عرفوا من خلال رواية واحدة فقط .
أحيانا كثيرة أشعر أنني أضعت وقتي سدى
صباح الخير
خربشات
13 / 2 / 2017
٨
في الأسبوعين الماضيين كتبت عن روايتين في الأيام الفلسطينية .
نظرت في عدد القراء ومشاركة المقال فوجدت فارقا كبيرا :
رواية الروائي رشاد ابو شاور : 68 مشاركة وحوالي 368 قارئا .
رواية الروائي عباد يحيى التي منعت 234 مشاركة وحوالي 978 قارئا .
هذا يقتصر فقط على موقع الأيام الفلسطينية ، علما بأن مقالي عن رواية رشاد أسبق بأسبوع .
خربشات
13 / 2 / 2017
٩
جريمة عباد يحيى في رام الله :
لن تفاجأ إذا ما رفعت مدينة رام الله دعوى بحق عباد يحيى بسبب روايته تطلب منه رد الاعتبار لها .
لقد قلت :
إن قاريء الرواية يخرج بعد قراءتها بأن المدينة هي شقة مثليين وبار ليس أكثر ، وهي خلافا لما تبدو عليه صورتها في الجرائد ووكالات الأنباء والصحافة العالمية ، فالصورة التي أبرزتها هذه للمدينة في السنوات الأخيرة غير الصورة التي أبرزتها الرواية لها .
كانت وكالات الأنباء تكتب عما يجري في رام الله وأطرافها ، وما كان يجري في الأطراف تجسده صورة الفتى الشجاع في مواجهة دوريات الاحتلال الإسرائيلي ، وبخاصة صورة الفتى الذي حاول جيب عسكري إسرائيلي دهسه فتصرف بذكاء خارق ولم يصب بأذى ، إذ تمدد بطريقة عجيبة مر الجيب فيها فوق جسده دون أن يصاب الفتى بسوء .
كنت تساءلت سابقا عن عدد الشهداء الذين ارتقوا في أطراف المدينة ، وعن عدد الجرحى الذين ما زال قسم منهم يعاني .
لماذا اختار كاتب الرواية شخصيات تمارس الشذوذ الجنسي ليكتب عنها ؟
هل من حقي أن افرض عليه ماذا يختار ؟
" كل واحد وعلامه " يقول أحمد بدير في إحدى مسرحياته ، واظنها مسرحية " ريا وسكينة " .
ومع أنني لا أوحد بين المؤلف وشخوصه إلا أنني أزعم أن امتلاءه بأجواء محددة من المدينة هو ما جعله يفيض بما امتلأ به .
كثيرون من كتاب رام الله لا يعرفون من المدينة إلا مقاهيها وباراتها ولذلك لا يكتبون عن وجوه أخرى للمدينة التي ليست كلها وجوها سلبية أو إيجابية .
هل هو رعب القادمين إلى المدينة من أرياف الوطن وسائر الأرجاء كما علق الكاتب حسن خضر ؟
في علاقة الشاعر العربي القادم من الريف بالمدينة ما يشير إلى كراهية وخوف ، لا لأن المدينة سيئة وموحشة ، بل لأن وعي الشاعر الريفي غير مهيأ للإقامة في مكان تختلف العلاقات الاجتماعية فيه عنها في الريف .
من بدر شاكر السياب حتى أحمد عبد المعطي حجازي بدت المدينة في 50 ق 20 أفعى تلتف على رقبة الشاعر وبدت أيضا بلا قلب .
وكان الشاعر المصري أمل دنقل مدح المدينة المقاومة / السويس وهجا القاهرة لأنها بعيدة عن المقاومة ومسترخية في ملذاتها .
تفتح رواية عباد يحيى " جريمة في رام الله " ، الضعيفة فنيا والعادية جدا ، المجال واسعا لمقاربتها وفق المنهج الاجتماعي ليس أكثر ، فكاتبها درس علم الاجتماع أساسا وهو يقارب رام الله اجتماعيا .
ليست هذه المقاربة جديدة على أية حال .
في 30 ق 20 كتب نجيب محفوظ روايته " القاهرة الجديدة " وفيها أتى على التحولات التي أخذت تشهدها القاهرة ، وصور فيها مجتمع المدينة الجديدة .
ثمة صورة جديدة للقاهرة تختلف عن الصورة القديمة التي عرفها الناس .
في القاهرة الجديدة بغاء اجتماعي وزواج سري وطلاب جامعة ذوو توجهات فكرية مختلفة ومنهم من لا يختلف كثيرا ، بمعايير تلك الأيام ، عن شخوص رواية عباد يحيى .
حقا إن نجيب محفوظ لم يكتب في روايته عن المثلية الجنسية ، ولكنه كتب عن الوزراء والطالب الفقير الديوث ، وهذه أمور كانت في حينه لا تختلف عما كتب عنه عباد يحيى في زمننا .
لم يلجأ محفوظ إلى وصف بورنوغرافي في روايته ، وربما لهذا لم تثر ضجة كبيرة ، والتابوات التي خاض فيها في 50 ق20 و 60 ق 20 هي الدين " أولاد حارتنا " و السياسة " ثرثرة فوق النيل " وبسببهما تعرض للمضايقة .
درس محفوظ الفلسفة وكتب الرواية الاجتماعية والفلسفية ، ودرس عباد يحيى علم الاجتماع وكتب الرواية الاجتماعية . وحين كتب محفوظ عن القاهرة كتب عن القاهرة الجديدة ، ولكنه وهو يكتب عن القاهرة الجديدة أبرز صورة للقاهرة القديمة - أي أنه أبرز وجهي المدينة ، فهل أبرز عباد يحيى الوجه الآخر المقاوم لرام الله في هذه السنوات ؟
الكتاب الفلسطينيون المقيمون في رام الله يخجلون الآن من أدب المقاومة ويسخرون من كتابه وقراءته .
هل أكرر ما قاله أحمد بدير في إحدى مسرحياته :
" كل واحد وعلامه " أم أقول :
إن كتاب رام الله صادقون فيما يكتبون ، فالمرحلة هذه منذ 1994 هي مرحلة مختلفة وأن المقاومة فيها هي من آثار الماضي وذيوله وهذا كله استثناء والاستثناء لا يقاس عليه .
الأمر يحتاج إلى مزيد من إمعان النظر .
رحم الله الطاهر وطار الذي كتب " الشهداء يعودون هذا الأسبوع ".
وما صرنا إليه ليس استثناء .
وكل واحد وعلامه . خربشات
عصر الاثنين
13 / 2 / 2017
١٠
صباح ممطر :
الأمطار تهطل في هذا الصباح ومنظرها مع أشعة الضوء يبدو آسرا .
كان لا بد من مطر وكان لا بد من الاسترخاء أيضا .
في شباط نفتقد مواء القطط ويبدو أنها آثرت الدفء والاختباء .
هل نحن على أبواب السبع العجاف ؟
من يدري ؟
صباح الخير
خربشات
13 / 2 / 2018
١١
عادل الاسطة (في زاويته: من وحي الأيام)
-
كلما كان يدرس القصة كانت طالبة ما تنظر إليه كما لو أنه بطل القصة كما لو أنه شمعون. إن درس«ما تبقى لكم» يختلف الطلاب في النظر إليه. قسم يرى فيه زكريا. قسم ثان يرى فيه حامداً. قسم ثالث يرى فيه زكريا وحين يتباله أو يتغابى يصبح مثل سعيد أبي النحس في رواية إميل، وإن أجاد التعبير يصبح مثل إميل حبيبي نفسه ويناديه الآخرون ”حبيبي" وإن خاطبته امرأة أو كتبت له يحتار في مدلول دال ”حبيبي". "هل أنا حبيبها أم أنا حبيبي؟“.
الأمر يبدو طريفاً ويستحق أن تكتب فيه رواية. نعم تستحق أن تكتب فيه رواية. أكثر ما بدا يلفت نظره حواره مع امرأة تقيم في اليابان. هو يقيم في عمان وهي تقيم في اليابان. تراسلا لمدة عامين ليلياً ثم أعجبا ببعضهما. هي صارت تختبره لتتأكد مما يشاع عنه، وهو تارة يكون جاداً وطوراً يمزح. يجمع في شخصه بين شخصيتي غسان كنفاني وإميل حبيبي. هل سيصدق أدبه ويكذب حياته؟
أحياناً يقول: "حياتي أنا أكبر من رواياتي، ورواياتي جزء صغير من حياتي. حياتي رواية لم تكتب ولن تكتب“. المرأة التي تراسله بدأت تفكر في الارتباط به وهو أيضاً بدأ يفكر فيها. في البداية ظن أنها تمثل دور زوجته المتوفاة.
قمعة السيجارة :
طالب وطالب :
وأنا أصعد الدرج في طريقي إلى قاعة المحاضرة غالبا ما يلفت نظري سلوك بعض الطلاب المدخنين .
من عشرة أيام لاحظت طالبا يلقي بعقب السيجارة على الدرج فابتسمت .
التفت الطالب إلى وقال لي :
- متأسف !
وانحنى والتقط قمعة السيجارة وألقاها في برميل النفايات .
أمس لاحظت طالبا يلقي بعقب سيجارته على الدرج . لم يلتفت الطالب إلي وواصل طريقه إلى المحاضرة .
كم ينفق الطلاب المدخنون على السجائر والطالبات على الأرجيلة .
ثمة أمور شخصية ، ومن قال إنني " مصلى على ذيلي " والتعبير مجازي . لست ملاكا .
صباح الخير
خربشات
13 شباط 2019
١٢
الياس خوري " نجمة البحر " 10 :
اليهودي العراقي
قليلة هي الأعمال الأدبية العربية والفلسطينية التي استلهمت اليهود العرب وما آلوا إليه في فلسطين بعد تهجيرهم إليها . قد نقرأ هنا أو هناك ، في هذه القصة القصيرة أو في تلك الرواية ، كتابة عابرة عن يهودي عراقي أو يهودي يمني هاجر أو هجر ولم ترق الهجرة له ، لأنه عومل على أنه من إسرائيل الثانية .
في 60 القرن 20 كتب محمود عباسي رواية عنوانها " حب بلا غد " أظهر فيها شخصية يهودي عراقي يدعو إلى السلام والتعايش ، وفي قصة غريب عسقلاني " الجوع " التي كتبت في 70 القرن 20 يتعاطف العامل الغزي مع عزرا العامل اليهودي القادم من اليمن .
لا تحضر في ذهني شخصيات يهودية عربية لافتة ، وإن ظهرت في ثلاثية فلسطين لنبيل خوري وفي " مملكة الغرباء " و " باب الشمس " لالياس خوري .
في " أولاد الغيتو 2 : نجمة البحر " تظهر شخصية حسقيل قصاب العراقي الذي يشعر أنه عراقي يعيش السبي في فلسطين .
يكتب حسقيل بلغته الأم العربية ويترجم إلى العبرية التي أخذ يتعلمها وبدأ يكتب فيها ، وصار في فلسطين شيوعيا فلسطينيا .
يدرس حسقيل قصاب في جامعة حيفا ويعد الدكتوراه في الشعر العربي الحديث ويسافر إلى باريس ليحصل على شهادته من السوربون ، ويعود إلى جامعة حيفا .
في حوار حول الهوية بين آدم وحسقيل يقول الأخير :
" أنا كنت عراقيا ، واليوم صرت يهوديا عربيا " ، ويحزن لأنه جرد من جنسيته العراقية ووجد نفسه في طابور ليغادر بغداد إلى المطار .
بدأ حسقيل يكتب القصة القصيرة ثم أخذ يكتب الرواية وكانت روايته الأولى " فهد " عن زعيم الحزب الشيوعي العراقي الذي أعدم ، وكتب رواية ثانية عنوانها " السبي " ، ولا يقصد أنه كان في العراق سبيا ، فهو يعيش السبي في أرض الميعاد " السبي بالمقلوب "
" - نحن سبايا . ما معنى أن تجد نفسك عالقا في المعبرا ، في كوخ أو في خيمة ، قدماك في الوحل و رأسك محني ، لا تستطيع العودة ، ولا تعرف كيف تبقى "
ولأن إعادة تشكيل العراق في الدولة العبرية غدا أمرا صعبا فقد تماهى مع الأقلية الفلسطينية المضطهدة .
" ولكنهم في النهاية اندمجوا " ، وهذه العبارة عن يهود العراق تعيدني إلى عبارة شبيهة وردت في إحدى قصص غسان كنفاني التي كتبها في 60 القرن العشرين عن يهود صفد الذين كانوا عربا في كل شيء ، ولكنهم اختلفوا لاحقا ، علما بأنهم صاروا خرسا أيضا ، فما جرى مع الفلسطينيين من اليهود الغربيين ألم بهم .
أعتقد أن ما كتب تحت باب " حكاية الحكاية " في فصل " على الأطلال " يستحق كتابة أكثر تفصيلا ، لأنه يخوض في مأساة اليهود القادمين من بلدانهم العربية إلى أرض فلسطين ليعيشوا في ظل الدولة العبرية .
13 شباط 2019
١٣
الفلسطيني في الرواية العربية : محمود درويش نموذجا :
( مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية وقد أضفت إليه بعد نشره بعض فقرات )
في البحث عن الفلسطيني في الرواية العربية نقرأ عن فلسطينيين حقيقيين ؛ أدباء ومفكرين ، وغير أدباء . وغالبا ما يكون الأخيرون سياسيين أو فدائيين ، مثل ياسر عرفات وخليل الوزير وأبو علي إياد وعلي أبو طوق ، وغالبا ما يكون الأدباء محمود درويش وراشد حسين وغسان كنفاني ، وبحضور أقل ادوارد سعيد واميل حبيبي وجبرا ابراهيم جبرا ، وبلغ الحضور أن اتخذ علي بدر ادوارد سعيد عنوانا فرعيا لروايته " مصابيح أورشليم " .
في " أسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو : اسمي آدم ، الياس خوري نموذجا " توقفت أمام حضور كنفاني ودرويش وحبيبي وجبرا وادوارد سعيد ، وتلافيا للتكرار يمكن أن يعود المهتم إلى الكتاب ( بيروت ، دار الآداب 2018 ) .
في كتابتي عن الفلسطيني في ثلاثية أحلام مستغانمي أتيت على محمود درويش ، وكنت ، من قبل ، رصدت حضوره في الأدب الفلسطيني وفي رواية الياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
إن حضور درويش في المخيلة الفلسطينية والعربية ، يبدو أمرا غير مستبعد ،
فلقد كانت أشعاره ، منذ ستينات ق 20 ، عنصرا فاعلا في صياغة الوعي العربي ، وما زاد من فاعليتها انتقالها من المكتوب إلى المسموع المغنى من خلال صوت مارسيل خليفة وآخرين .
لقد لفت تأثير أشعاره وتأثيره في صياغة الوجدان والوعي ؛ الفلسطيني والعربي ، أنظار دارسين فلسطينيين وإسرائيليين ، ما دفع بهم إلى حث آخرين على تتبع الظاهرة والكتابة عنها .
مرة طلب مني الناقد فيصل دراج أن أكتب عن درويش في الوجدان الشعبي الفلسطيني ، وثانية اتصلت بي دارسة من اللد تسألني في الموضوع ؛ فقد سجلت أطروحتها مع أستاذ إسرائيلي تحت عنوان " محمود درويش وتأثيره في صياغة الوعي الفلسطيني " وحثها مشرفها على الاتصال بي للإفادة .
والآن ماذا عن حضور الشاعر في روايات عربية أخرى غير ثلاثية مستغانمي وبعض روايات خوري المشار إليها ؟
سأتوقف أمام ثلاث روايات هي :
- سيقان ملتوية (2008 )
- حيث لا تسقط الأمطار .( 2010 )
- أولاد الغيتو ٢ : نجمة البحر . ( 2019 )
النموذج الفلسطيني الذي اختارته زينب حفني في " سيقان ملتوية " يتجسد ، كما رأينا ، في زياد المولود في المنفى ،وهو يريد تحقيق ذاته من خلال الفن ، وفي أثناءقراءتنا عنه نقرأ نماذج دالة من أشعار درويش كتبها في فترة مبكرة من مسيرته تعود إلى 60 ق 20 ، وظهرت في مجموعة " أوراق الزيتون " ( 1964) . لقد أوصى والد زياد زيادا بفلسطين وأعطاه ما يثبت أنه وريثه الوحيد . إن وصية الأب للابن تذكره بقصيدة درويش " رسالة من المنفى " التي يقول في مقاطع منها :
" ماذا جنينا نحن يا أماه ؟ حتى نموت مرتين ؛ فمرة نموت في الحياة ومرة نموت عند الموت ! هل تعلمين ما الذي يملأني بكاء ؟ هبي مرضت ليلة .. وهد جسمي الداء ! هل يذكر المساء .. مهاجرا أتى هنا.. ولم يعد إلى الوطن ؟ هل يذكر المساء مهاجرا مات بلا كفن ؟ " .
والمقطع الثاني الذي يرد هو مقطع كتب أسفل لوحة لرجل بزيه الفلسطيني وبيده بندقية :
" يا صديقي ! لن يصب النيل في الفولغا ، ولا الكونغو ، ولا الأردن ، في نهر الفرات ! كل نهر وله نبع ومجرى وحياة . يا صديقي ! أرضنا ليست بعاقر .. كل أرض ولها ميلادها .. كل فجر وله موعد ثائر "
ومع أن الصورة هي صورة الجد الذي استشهد وتناسبه أسطر درويش ، ومع أن الأسطر الأسبق تناسب وصية الوالد ، وزياد يختلف عن أبيه وجده في أنه ينتمي إلى ذاته ، لا إلى أرض الآباء والأجداد ، إلا أن أسطر درويش تمتليء بالحكمة ، ما يعني أننا أمام شاعر حكيم ترك أثره في أبناء شعبه ممن ولدوا في فلسطين وشردوا عنها .
حقا إن الأسطر استشهد بها والد زياد ولكنها في النهاية من اختيار زينب حفني التي خلقت شخصياتها الفلسطينية ونفخت فيها الروح دون غيرها من الفلسطينيين .
في رواية أمجد ناصر " حيث لا تسقط الأمطار " نقرأ تأثره بروح درويش في أشعاره الأخيرة التي صار فيها يجرد من نفسه شخصا آخر يخاطبه ويكتب بكثرة عن " الهنا " " هناك " ، وحين تعود الشخصية الرئيسة في الرواية من المنفى ، بعد غياب ، وتأتي على بيت أبيها نشعر أننا نقرأ نصا شبيها بقصيدة درويش " في بيت أمي " .
إن ما سبق يعني أن الشاعر وشعره يمثلان نموذجا أعلى يعتز به لدرجة عدم القدرة على الانفكاك منه والتخلص من سحره وسحر شعره ، على الرغم من أن أمجد ناصر من كتاب قصيدة النثر التي لم ترق لدرويش .
كان محمود درويش وهو ينظر ، في بيت أمه ، إلى صورته شابا ، تساءل :
" أأنت يا ضيفي أنا ؟ "
وأما أمجد ناصر فقد كتب بعد عودته :
" ولم أعد أنا أنا " .
الروائي الثالث هو الياس خوري الذي أنجزت مقالة عن حضور درويش في نصه الروائي بشكل عام .
لم يخل الحزء الثاني من " أولاد الغيتو " وهو " نجمة البحر " من حضور لافت لحياة درويش وقصصه الغرامية مع اليهوديات .
إن علاقة آدم برفقة تستحضر علاقة درويش بريتا وموقفه منها بعد أن التحقت بالجيش .
تنشأ علاقة حب بين آدم ورفقة تقود إلى علاقة جنسية منفتحة يتغزل فيها الفلسطيني باليهودية مذهلة الجمال ، ويفض بكارتها ، ولكن العلاقة لا تدوم ، فالفلسطيني لا ينسى قضية شعبه ولا يغض النظر عن قتل أهله حتى لو كانت معشوقته هي من يقدم على ذلك ، ولسوف يلجأ آدم ، كما لجأ من قبله درويش ، إلى قطع علاقته بالمحبوبة حال التحاقها بالجيش ، على الرغم من اختيارها لآدم وتفضيله على اليهودي غابرييل :
" - أنا لا أحب ثيابك العسكرية.
- أرأيت ؟ كان غابرييل على حق .
- لا . محمود درويش على حق .
- لم أفهم . قالت .
- لن تفهمي ولا أريدك أن تفهمي ، لأني أخاف عليك .
أدار آدم ظهره ومضى ، وفكر في أن عليه أن يمحو البدلة العسكرية من الصورة . رفقة ليست ريتا التي سيكتبها محمود درويش ، وهو لن يصلي لعيون عسلية تحجبها بندقية ، كما أنه لا يريد لهذه الفتاة الرقيقة أن تقتل طفلا عربيا كي تفهم ".
يرى الياس خوري ، على لسان بعض شخصياته ، أن الشاعر الفلسطيني في كتابته عن الطلل يواصل ما بدأه امرؤ القيس في الشعر القديم . هنا يبدو الفلسطيني غير منقطع عن جذوره الأدبية وأساليبها . إنه يقرؤها ويبني عليها .
تحضر قصيدة " سقط الحصان عن القصيدة " بعد الحديث عن امريء القيس وحصانه .
" لماذا بكى محمود درويش الحصان الذي ترك وحيدا وسط أطلال قريته البروة ؟ ولماذا عندما رثى نفسه مزج قصيدته بدم الحصان ؟
" لم يبق في اللغة الحديثة هامش للاحتفاء بما نحب / فكل ما سيكون كان / سقط الحصان مضرجا بقصيدتي / وأنا سقطت مضرجا بدم الحصان "
هنا يقع الطلل الذي حين نبكيه نبكي حاضرنا المصنوع من أطلال حياتنا . وهنا صنع الفلسطيني حكايته من ألم نكبته بالحكاية " .
أكثر من ذلك فإن الشاعر الفلسطيني لا ينطق باسم الفلسطينيين وحسب . إنه ينطق باسم العرب على اختلاف دياناتهم . هنا تحضر قصيدة " سجل أنا عربي " فيعجب بها حتى اليهود العرب المقموعون في الدولة الناشئة التي تميز بين يهود غربيين ويهود شرقيين ، كما بدا واضحا في فترة تأسيسها ، وهنا يبدي اليهودي القادم من العراق إعجابه بقصيدة الشاعر ، وحين يصغي إليها يشعر أنها صوته أيضا ، ولذلك نجده بعد أن أنهى الشاعر أمسيته في نادي كفر ياسيف في 60 ق 20 يركض كي يسلم عليه .
" في قاعة نادي كفر ياسيف ، حين ذهب مع حسقيل إلى أمسية شعرية نظمها الحزب الشيوعي ، تبلبلت مشاعر آدم بينما كان الدم يغلي في شرايينه وهو يستمع إلى صرخة الشاعر التي تسجل هويته ، لكنه خاف من تلك الهوية ، وأحس بأن محمود درويش يأخذه إلى حافة الأسى ، وعندما ركض حسقيل كي يسلم على الشاعر ، رفض آدم الذهاب معه ، وخرج من القاعة بحثا عن الهواء . أحس بأنه يختنق ، فصرخة الشاعر " سجل أنا عربي " ، تبدو أشبه بصرخة استغاثة . يومها ، لم يفهم آدم أن الهوية كانت الصرخة الأولى ، وأن الشاعر سينتقل بعدها من الشعار إلى الاستعارة ، حيث تصير فلسطين قصيدة كبرى تحتضن الألم وتسطنق الصمت " .
إن الشاعر الفلسطيني في الرواية العربية يبدو شخصية جذابة ذات كاريزما ومؤثرا ، وهو ينتمي إلى قضيته الوطنية والقومية دون أن يتنازل عن وعيه الانساني .
وأما الملامح الخارجية لدرويش ففيها من الإعجاب ما فيها . ليس الفلسطيني هنا قميئا منفرا كما بدا في الأدبيات الصهيونية مثل " لصوص في الليل " ل ( آرثر كوستلر ) . إن الفلسطيني مجسدا في محمود درويش " يشبه ممثلي السينما بقامته الطويلة ، ووسامته وعينيه الرماديتين الخضراوين المختبئتين خلف عويناته، ورشاقة كلماته . يقول الشعر كأنه يغني ، ويصرخ بأنه عربي في زمن صار فيه الاسم العربي معادلا للشتيمة ".
وما من شك في أن العبارة السابقة هي من تأثير الزمن الكتابي ( 2017 / 2018 ) ففي هذه الفترة صار الاسم العربي معادلا للشتيمة ، وأما زمن كتابة الشاعر قصيدته - أي في ستينات القرن العشرين - فلم تكن كذلك . يومها كان الخطاب القومي الناصري يعلي من شأن القومية والأمة العربية الواحدة وكانت الأغاني تزهو بذكر العربي ، من المحيط إلى الخليج ، لدرجة شاعت أغنية " الأرض بتتكلم عربي " وعبارة " أحرار يا عرب أحرار " وما شابه.
الجمعة ١٤ شباط ٢٠٢٠
١٤
أنا والجامعة 20
إشكالية مساق اللغة العربية :
عادل الاسطة
عندما عينت في الجامعة كنت ، مثل أكثر زملائي ، أكمل نصابي التعليمي بتدريس مساق اللغة العربية .
كانت هناك خطة موضوعة مسبقا لتدريس المساق تعتمد نصوصا من الأدب العربي ؛ قديمه وحديثه ، وكان الذين يدرسون المساق يلتزمون بالنصوص المتفق عليها دون أن يكون هناك امتحان موحد في الامتحانات الشهرية .
ونادرا ما كان معلمو المساق يغيرون في النصوص ويستبدلونها بأخرى ، ما دفع بأحد زملائي إلى التندر في هذا ، لدرجة أنه مرة كتب إلي ، وأنا في ألمانيا ، أنه سيظل يدرس قصيدة حسان بن ثابت :
" عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء "
سيظل يدرسها إلى يوم يبعثون ، وكان عندما يأتي على قول حسان :
" عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع منزلها كداء "
يستبدل قسمنا بخيلنا ، مازحا ساخرا وناقدا الثبات .
وللحقيقة أقول إن القسم لم يتشدد في إلزام المدرسين بالنصوص ، لا في هذا المساق ولا في غيره من المساقات ، وأشهد أن الجامعة لم تتدخل في تدريسي وما أختاره على الإطلاق ، وهذا جانب يسجل إيجابا للجامعة . لقد وثقت بي في هذا الشأن ومنحتني حرية كاملة وأكثر ، فكنت أدرس نصوصا وأدباء لا يمكن تدريسهم في بعض الجامعات العربية .
ليس ثمة مأخذ لي على إدارة الجامعة فيما يخص حريتي في تدريس النصوص ، وليس لي خلاف معها في هذا ، وإنما الخلاف كان معها في شأن آخر هو عدم احترامها لمساق اللغة العربية قياسا إلى احترامها وتقديرها لمساقات اللغة الانجليزية .
في بداية تأسيس الجامعة لم يكن عدد الطلبة بالآلاف ، وكان تدريس اللغة العربية يتم في شعب لا يزيد عدد الشعبة منها على خمسين طالبا ، فلما أصبح عدد الطلاب بالآلاف غدا تدريس اللغة العربية في مدرجات يبلغ عدد الطلاب في المدرج الواحد قريبا من 179 طالبا ، وهنا تكمن الكارثة ، فكيف تدرس اللغة في مدرج ؟
إن تدريس اللغة - أية لغة - يتطلب تعليم الطالب القراءة والكتابة والتحدث والقواعد ، وهذا يبدو أمرا مستحيلا إذا ما بلغ عدد الشعبة الواحدة أكثر من 39 طالبا .
أول خطوة بادرت إليها فيما يخص مساق اللغة العربية هي عدم تكرار تدريس النصوص . لقد أحضرت معي من عمان نسخة من كتاب وداد القاضي " مختارات من النثر العربي " ، وكان يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت ومن ثم في الجامعة الأردنية ، واخترت منه نصوصا من عصور مختلفة وصرت أدرسها واستبدلها كل فترة بنصوص أخرى ، وهكذا درست الجاحظ والمعري والتوحيدي والمقامات وابن بطوطة وابن حزم الأندلسي وأسامة بن منقذ ونجيب محفوظ وزكريا تامر وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وآخرين كثر ، فيم ظل زملائي يدرسون الشعر القديم الذي لم يرق لكثير من الطلاب .
ليس اختيار النصوص هو الإشكالية الوحيدة مع الزملاء والجامعة فيما يخص تدريس المساق ، فعندما صرت رئيسا لقسم اللغة العربية أصررت على رفض تدريس اللغة في مدرجات ، وإذ أصرت الجامعة فقد وافقت على مضض على ألا يزيد عدد الطلاب في المدرج على 90 طالبا - أي النصف ، واقترحت على الإدارة أن تستعين بحملة الماجستير لتدريس هذا المساق ، لكي يتفرغ حملة الدكتوراه إلى تدريس مساقات التخصص والدراسات العليا ، وهكذا استعنت بحملة الماجستير من معلمي المدارس ، فتنفسوا الصعداء وشعروا أن شهاداتهم التي حصلوا عليها عادت بالنفع عليهم ، ولكن كما يقول المثل الشعبي " اجت الحزينة تفرح ما لقيت مطرح " ، فما إن استقلت من رئاسة القسم حتى عاد كل شيء إلى سابق عهده .
تدريس اللغة في المدرجات أساء لها كثيرا ، فقد غدا كثير من المدرسين يفكر في صعوبة تصحيح أوراق الامتحانات حين يكون عدد طلاب المدرج الواحد 179 طالبا ، فكيف إذا كان المدرس يعلم شعبتين أو ثلاث شعب ؟
ما سبق يعني أنه سيصحح ثلاثة امتحانات كل شهر - أي 540 ورقة ، فمن أين له الوقت الكافي ليقرأ ويكتب ؟
كان مدرسو المساق على دراية بهذا ، ومع ذلك فقد وافقوا على ما تطلبه الإدارة منهم دون أي اعتراض ، وللتعلب على مشكلة التصحيح فقد صارت الأسئلة تركز على مهارات غاية في الدقة وتتطلب إجاباتها إلمام الطالب بالنحو العربي إلمام متخصص به درس النحو كله كما لو أنه متخصص في الأدب العربي .
الطريف في الأمر أنه ما من مرة خلت أوراق الأسئلة من أخطاء عديدة ، ما دفعني مرة إلى الطلب من مدرسي المساق ، وكانوا أكثر من ثمانية ، أن يجتمعوا معا وأن ينظروا في الأسئلة قبل طباعتها وأن يوقعوا أسماءهم ليتحملوا المسؤولية ، ولم يختلف الأمر لاحقا كثيرا .
وأنا أنظر في كيفية تدريس مساق اللغة العربية بالطريقة التي يدرس فيها أتذكر رسالة توفيق الحكيم إلى صديقه الفرنسي ( أندريه ) يشرح له فيها بؤس معلمي اللغة العربية حين كان طالبا ، ويخبره فيها أنهم اساؤوا إلى اللغة العربية ونفروا الطلاب منها ، خلافا لمدرسي اللغة الفرنسية والمناهج الفرنسية .
مرة عرضت أسئلة امتحان نهائي على صديق لي درس الأدب العربي وطلبت رأيه فيها ، فأجابني إن هذه الأسئلة ، لكي يجيب الطالب عنها ، تتطلب دراسته مساقات النحو ألف وباء وجيم .
ومرة ، وأنا أدرس المساق ، جاءني طالب وقال لي قصته مع تعلم اللغة العربية . قال لي إنه درس المساق ثلاث مرات ورسب فيه ، وقد قضى في الجامعة سبعة أعوام وهذا هو الفصل الأخير له ، فإن رسب فسوف يفصل من الجامعة .
سجل الطالب المساق في شعبة أدرسها ولم أكن أركز على النحو ولم أكن أبحث عن الشاذ من القضايا اللغوية ليتعلمه الطلاب . طلبت من الطالب أن يقرأ وأن يكتب وأن يتحدث وهكذا نجح في الامتحان وتوطدت علاقتي به وصار كلما زار الجامعة يزورني .
إن تدريس مساق اللغة العربية في الجامعة يحتاج إلى إمعان النظر فيه ويتطلب من مدرسيه إدراك فلسفة تدريس اللغة والغايات المرجوة من تعليم مساق في ثلاثة أشهر .
لطالما كنت أغمز وألمز وأنا أتوقف أمام رأي توفيق الحكيم في معلمي اللغة العربية في عصره : " إنهم لا يعرفون معنى اللغة على الإطلاق " .
هل كنت على صواب ؟
الخميس
١٣ شباط ٢٠٢٠
١٥
الست كورونا : النسخة البرازيلية والساتر هو الله ( 190 )
ليس ثمة في يوم الجمعة - أي أمس - ما يلفت النظر بخصوص الكورونا . الإغلاق في يومي الجمعة والسبت صار عادة ، ولكن المواطنين يمارسون حياتهم العادية إلى حد ما .
كان اللافت أمس ، أكثر من أخبار الكورونا ، هو الاشتباكات مع الاحتلال بجيشه ومستوطنيه ؛ اشتباكات أسفرت عن شهيد وجرحى كان لاستشهادهم وجراحهم معنى يفوق معنى الإصابة بالكورونا أو الموت بها ، ومرة أخرى يتذكر المرء قول المتنبي ، وإن لم يفعل الواحد منا به شخصيا :
" وإذا لم يكن من الموت بد
فمن العار أن تموت " كورونا " " .
والمتنبي قال " جبانا " وقتله بيت شعره شجاعا لا جبانا .
هل الموت بالكورونا هو موت جبن ، علما بأن هناك فتوى اعتبرت الموت بها ضربا من الشهادة ؟
وأنا في مخيم عسكر القديم التفت إلى بيت أجر أقامه أهل الفقيد " أبو سامر " " أبو عبده " رحمه الله . كما لو أن الكورونا ولت أيامها ، ولم أشارك فيه ، للقيام بالواجب ، خوفا وتحسبا .
أطرف أخبار الكورونا هي التي تأتي على تطورات الفايروس ونسخه الجديدة ؛ البريطاني والجنوب أفريقي والبرازيلي والحبل على الجرار ، وصار الفايروس أنواعا وأشكالا مثل اللقاحات وأنواعها ، وخبر الأمس اللافت هو أن النسخة البرازيلية وجدت طريقها إلى الدولة الإسرائيلية ولم تنتشر بعد في مناطق السلطة الفلسطينية ، ويبدو أنها - أي النسخة البرازيلية - متعاطفة حتى الآن مع الضحايا الجدد فقط ، فيكفيهم ما هم فيه .
وأنا أقرأ الخبر المتعلق بهذه النسخة ، قلت :
- الله يستر !
وأخشى ما أخشاه هو أن يكون هذا الفايروس مراوغا ولاعبا ماهرا مثل لاعبي كرة القدم البرازيليين : بيليه ورونالدو وسقراط ورونالدينو ونيمار وغيرهم ، فيفاجئنا من حيث لا نحتسب ثم يسجل هدفه القاتل في مرمانا .
والسؤال الذي أخذ يراودني بعد أن سمعت بالنسخة البرازيلية هو :
- ما النسخة القادمة ؟ هل ستكون ألمانية أم فرنسية أم إسرائيلية ؟
إن كانت إسرائيلية فالعوض علينا لاجتماع فايروس الاحتلال وفايروس الاستيطان وفايروس التطبيع بفايروس كوفيد ٢١ ، ولقاح هذا الفايروس صعب اكتشافه ، فمنذ أصدر المجحوم ( بلفور ) وعده / حجره وخص به أرضنا / بئرنا وعقال الأرض كلهم عاجزون عن حل ما لمشكلتنا .
الله المستعان به !
صباح الخير
خربشات
١٣ شباط ٢٠٢١ .
١٦
سلمان ناطور :
خمارة البلد " تتمة المقالة " :
سأعرف من سلمان أن بعض ما ورد في كتابه " ستون عاما رحلة الصحراء " ( 2009 ) وهو يضم الكتب الصادرة من قبل تحت عناوين " ذاكرة وسفر على سفر وانتظار " كان ورد في مجموعته " خمارة البلد " ( 1995 ) وسألاحظ أن هذا إرباك آخر ورطنا الكاتب فيه ، فهو أحيانا ينشر كتبه معيدا فيها نشر ما كان نشره من قبل تحت عناوين أخرى .
قبل أن أعرف من سلمان ما سبق أخذت وأنا أعد ورقة لألقيها في ندوة المعهد الثقافي الفرنسي ، أخذت أقرأ في كتب سلمان الأخرى . هذه عادة أتبعها غالبا حين أكتب عن محمود درويش وأكرم هنية ومحمود شقير ، بل وحتى عن جبرا ابراهيم جبرا وآخرين ، وأحيانا أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، فأحاول أن أدرس نتاج الأديب في ضوء تراثه الوطني والقومي ، إن استطعت .
مثلا ما هي مكانة ديوان محمود درويش " كزهر اللوز أو أبعد " ( 2005 ) من دواوينه السابقة ، وما هي مكانته من الشعر العربي ؟
هل أنا متأثر ب ( برونتير ) ومنهجه التاريخي ؟
ربما !
فماذا قالت لي كتب سلمان الأخرى ؟
في كتابه " ستون ... " كتاب عن حيفا ، وهو كتاب جميل وشيق ، وقد راق لي كثيرا ، وأكثر من كتب سلمان الأخرى كلها ، حتى من روايته الجديدة المحتفى بها ، وسأعلم من سلمان أن جزءا من هذا الكتاب وعنوانه " نعود إلى حيفا ولا يعود " كان ظهر في " خمارة البلد " ( 1987 ) الذي حين صدر كنت في طريقي إلى المانيا ، ولو كان وصلني وأنا أحرر صفحة الثقافة في جريدة " الشعب " لكتبت عنه - ولسوف أعود إلى المجموعة القصصية لأقارن بينها وبين ما ورد منها في الكتاب الجديد " ستون " ، وحتى اللحظة ما زلت أعود إلى الكتابين .
في المحاضرة في المعهد الفرنسي اقترحت على سلمان أن ينشر كتابه " نعود .. " منفصلا . لقد أبديت له رأيي الآتي :
إن رواية " هي ، أنا والخريف " رواية جميلة وجيدة من حيث البناء الفني ، لكنها لن تستقبل في العالم العربي كما سيستقبل كتاب " نعود..." . حقا إن البناء الفني مهم ولكن ما تقوله الحكاية أيضا مهم وما زال مهما ، وأظن أن أكثر القراء ما زالوا يبحثون عما تقوله الحكاية أكثر مما يبحثون عن الطريقة التي تقدم بها الحكاية - كان سلمان ماركسيا وكتب جل أعماله مركزا على ما تقوله بالدرجة الأولى ، وفي روايته الأخيرة تغير ، فغدا همه كيف تقص الحكاية .
هل تغيرنا كلنا ؟
تغير محمود وسميح وسلمان وربما تغيرت أنا أيضا ، خلافا لمحمد نفاع الذي أنجزت عنه في الأسبوع الماضي مقالة .
أطرف ما سمعته من صديق قرأ المقالة ويعرف محمد نفاع جيدا هو أن محمد نفاع لم يتغير منذ 40 عاما " نفاع لم يتغير به شيء في 40 عاما حتى ملابسه وحقيبته " قال لي محدثي .
يتصدر لوحة الغلاف من " خمارة البلد " رسم كاريكاتوري للمرحوم ناجي العلي . الفلسطيني فيه يشرب الخمر ويقول :
" اليوم خمر وغدا أمر " وأما حنظلة فيدير ظهره للعالم .
وسوف أعرف من سلمان أنه حين كان يكتب القصة كان يرسلها بالفاكس إلى ناجي ليرسم الأخير لها صورة كاريكاتورية تناسبها . سلمان مثل حبيبي ودرويش والقاسم أيضا . إنه كاتب لا تخلو نصوصه من سخرية جارحة .
وانا أنظر في كتبه وفي مجموعته المشار إليها في العنوان تذكرت خمارات نابلس يوم كان فيها خمارات ، وهكذا قررت أن أكتب عن خمارات المدينة لا عن " خمارة البلد " .
هل أنجز ذلك ؟
ربما !
12 / 2 / 2012
١٧
روايات التغير :
ليلى الأطرش في " رغبات ذلك الخريف "
منذ فترة طويلة قرأت رواية الكاتبة ليلى الأطرش الصادرة في العام 2010 " رغبات ذلك الخريف " .
حين زرت عمان بعد قراءة الرواية طلبت من صديقي الأستاذ محمد عيسى أن يقلني إلى مخيم الحسين كي ألاحظ ما طرأ عليه من تغيير ، فالرواية لا تأتي على التغيرات التي تلم بالبشر حسب ، وإنما بالتغيرات التي تلم بالمكان أيضا .
هل تعد هذه الرواية الأولى في هذا ؟
سؤال ساذج .
أتذكر وأنا أقرأ الرواية بعض روايات نجيب محفوظ " ثرثرة فوق النيل " ورواية الطاهر وطار " الزلزال " . وكم تروق لي هذه الروايات . هل تذكرت أيضا رواية علاء الاسواني " عمارة يعقوبيان " ؟
أظن ذلك .
مؤخرا قرأت رواية الشاب عباد يحيى " رام الله الشقراء " وراقت لي ، فهي تأتي على التغيرات التي ألمت برام الله منذ أوسلو .
كثيرون هم كتابنا الذين أتوا بعد اوسلو على التغيرات التي لاحظوها على المكان الفلسطين مثل القدس ورام الله وحيفا - هنا أشير إلى عمل أهمل ولم يلتفت إليه ، وهو رواية سلمان ناطور عن حيفا .
في " رغبات ذلك الخريف " ترصد ليلى الأطرش تحولات كثيرة طرأت على بنية المجتمعين الفلسطيني والأردني ، وترصد أيضا التحولات التي ألمت بالمكان - مخيم الحسين وعمان الغربية .
أعتقد أن الروايات التي ذكرتها تصلح لأن تدرس في تخصص علم الاجتماع ، فهل يلتفت اليها أساتذة علم الاجتماع ؟
صباح الخير يا عزيزتي ليلى !
١٨
نابلس اليوم ١٣ / ٢ / ٢٠٢٣ :
اقتحام / اشتباكات / شهيد / اعتقالات / إصابات و جرحى .
والحياة تتواصل .
أمس وأنا أصغي إلى شريط بثته قناة إسرائيلية ، يجري فيه مراسلها حوارا مع أبناء شهيد القدس وزوجته حسين قراقع ، لفت نظري تفاؤل المراسل بأن السلام في النهاية سيسود وهذا ما لم يره الابن الثاني للشهيد الذي أجاب المراسل عما سيفعله حين يكبر :
- سوف استشهد ، فلا إمكانية للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين .
هل كانت إجابة الطفل بسبب استشهاد والده أم أنه لم يكن ينطق عن الهوى ، فكأنه وحي يوحى ؟
هل كان المراسل يتحدث عن قناعاته بإمكانية حل أم أنه أراد أن يلطف الأجواء ؟
وإصابات في مخيم جنين أيضا ، وهدم بيوت و ... ، وموتانا في زلزال سوريا وتركيا بلغ عددهم ٩٥ .
معلمو الحكومة يواصلون الإضراب مطالبين بحقوقهم ، وحالة تعبانة يا ليلى .
صباح الخير ، إن كان هناك .
خربشات
١٩
لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا "
وأنا أتحدث عن رواية الأسير كميل ابو حنيش " الحهة السابعة " استشهدت بمقولة ناقد إنجليزي لعله ( ادموند ولسون ) نصها " لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا " .
صار عندي الأهم من الكتابة عن جماليات أدب الأسرى وموضوعاته أيضا ، صار الأهم عندي هو البحث عن سبب غزارته ، ولعلني عثرت على السبب ، وأنا أقرأ رواية كميل المذكورة ورواية باسم الخندقجي الأخيرة الصادرة عن دار الآداب في بيروت ٢٠٢٣ " قناع بلون السماء " .
فكروا معي في الموضوع ، فهو يستحق .
لا تطلب من أسير ألا يكتب . إن أصبت لغزارة إنتاجهم بالتخمة فانزو جانبا ودعهم يواصلون حياتهم . دعهم يكتبون ، ولم أجزم " يواصلون " و " يكتبون " لأنني لم أر فيهما جواب طلب .
كان الله في عون الأسرى وأهاليهم وأهالي الشهداء .
الخبر اللافت في نابلس اليوم هو استشهاد أمير البسطامي ابن الثانية والعشرين عاما ، والأكثر إثارة للحزن خبر آخر يتعلق به وهو أنه الذكر الوحيد لأسرته .
قال مواطن :
ظاهرة فقدان الذكر الوحيد في الأسرة ظاهرة لافتة .
شخصيا تذكرت ما كتبته الروائية سحر خليفة في سيرتها " روايتي لروايتي " وما ألم بأخيها الذكر الوحيد بين بضع فتيات ، وتذكرت صاحب محل صرافة في نابلس في أحد ليالي رمضان في ١٩٨٦ / ١٩٨٧ حيث قتلته رصاصة جندي احتلال وهو في محله وكان الذكر الوحيد لأسرته / والديه . ( عرفت لاحقا أنه من عائلة الطقطوق ، وعرفت أن لأمير البسطامي أخا ذكرا عمره ١٣ عاما )
حياتنا صعبة وقاسية وتزداد صعوبة وقسوة كل يوم ، وما زال كتابنا يخوضون في الهولوكست ويناقشونه كأننا نحن المسؤولون عنه .
مساء الخير ، إن كان هناك خير .
٢٠
هل تتعبك كتابة يوميات المقتلة والمهلكة يا عادل الأسطة ؟
سألتني مذيعة التلفزيون العربي إن كانت كتابة اليوميات عن المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة تتعبني .
قبل ثلاث سنوات كتبت عن الكورونا تحت عنوان " الست كورونا " ٣٠٠ يومية ، صدر منها ١٠٠ في كتاب " الست كورونا " عن دار خطوط وظلال في الأردن . صاحبة الدار هي د.هناء علي البواب .
كانت اليوميات تستقبل استقبالا حسنا ، وأستطيع القول إن القراء أنفسهم أسهموا في إنجازها ، إذ كلما كتبت إحداها علق القراء عليها وأبدوا رأيهم وزودوني بمعلومات وأشرطة فيديو ، وجدت طريقها إلى الكتابة قبل أن أعتمد صيغتها النهائية ، وربما أنشأت على ملاحظاتهم كتابة جديدة .
كانت الكتابة ابنة لحظتها ولو سئلت الآن عن بعض ما فيها لما أجبت إجابة صحيحة . ويمكن القول إنها إنجاز فردي وجمعي لي فيها ما أوردته من كتب قرأتها واستحضرت بعض ما فيها ، ولي فيها الصياغة والأسلوب أيضا ، وللآخرين فيها ما مدوني به من أشرطة فيديو أو ما صححوا فيه بعض أخطائي .
يمكن قول الشيء نفسه عن يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة هذه ، مع فارق هو أنها لم تكن لتكون عليه لولا قراءاتي لنصوص من الأدب الفلسطيني كتبها أدباء فلسطينيون في أحداث مشابهة . إن هذه اليوميات هي يومياتي ويومياتهم ، وما كان لها أن تكون حافلة بالبعد المعرفي ، لولا ذاكرتي التي أثقلت على مدى خمسة عقود وأكثر بالنصوص ، ولولا جلدي وصبري ومكتبتي التي أتكيء عليها كلما أردت أن أنقل نصا ، إذ لا بد من أن يكون نقله صحيحا .
قبل أن تسألني المذيعة السؤال بيوم تواصل معي القائم على الحلقة خالد بن أحمد الخلفاوي، وكنت أظنه هو من سيحاورني ، وسألني السؤال نفسه ، فأعلمته أنني أتابع الأخبار وأشاهد الأشرطة واستحضر كتبي وأظل مشغولا بما سأكتب النهار كله وبعض الليل ، فأحيانا أوي إلى الفراش وتأتيني الفكرة فأنهض وأحيانا أصحو من النوم لأدون ملاحظة يجب إدراجها فيما كتبت أو تصحيح معلومة ما أوردتها . إن أتتني فكرة دونتها وخربشت ملاحظات على ورقة ملاحظات ، وأنتظر لحظة صفاء الذهن لأكتب .
الكتابة مرهقة ومرهق أكثر منها متابعة الأخبار والشعور بالعجز أنني غير قادر على فعل شيء يوقف القتل ويطعم الجوعى ويشفي الجرحى ويسقي العطشى ويمنع تجسس القريبين مني علي من فتح وحماس والفصائل و ... والحكاية قديمة . ماذا أكلت ؟ ماذا شربت ؟ ماذا تفعل بالنقود التي سحبتها من البنك ؟ هل تركتها في المنزل ؟ هل تتقاضى مكافآت على ما تكتب؟ ( يعني هل تتاجر بجراحات أهل غزة ؟) . بعض الإخوة مرض وطز في رابطة الدم واليهود المتدينين الذين يصرون على إقامة دولة لليهود فقط .
هل ألفت الحرب في غزة بين قلوب المتخاصمين ؟
الكتابة في الموضوع ليست مناسبة . إنها مزعجة .
بقي أن أذكر أن قسما من اليوميات صدر في القاهرة قبل عشرة أيام ، عن دار نشر ميريت ، بالاشتراك مع الروائي والكاتب زياد عبد الفتاح ، وهو صاحب الفكرة ، تحت عنوان " غزة تحت الإبادة الجماعية : الكتابة من قلب الحدث " .
مساء الخير يا غزة
خربشات ١٣ / ٢ / ٢٠٢٤ مساء ( ١٣٠ ) .
( ١٣٠ ) صباحا .
يا فرحة ما تمت :
" مليون دولار ثمن كل أسير من الأسيرين وتعويض ثمن المنزل "
Adel Osta
إن صحت الرواية فإن إسرائيل التي تبحث عن انتصار حققته بمليوني دولار وبضعة آلاف .
تقول الرواية إن الأسيرين كانا لدى عائلة أبو سرور وإن مفاوضات جرت في لندن اتفق فيها على تزويد الإسرائيليين بمعلومات عن مكان وجودهما .
إسرائيل تبحث عن انتصار بالطرق كلها .
عندما استعنت بذاكرتي عن ٧ أكتوبر واسترجعت بعض الصور والنكت تذكرت مواطنا أسر امرأة إسرائيلية اقتادها على الدراجة الهوائية ، وتذكرت نكتة السلفة التي عايرت ابنها بابن سلفتها الذي أحضر فتاة إسرائيلية وطلبت منه أن يحضر اثنتين ، أما إحدى الطالبات النابلسيات ممن علمتهن فأرادت خادمة إسرائيلية بدل السيرلينكية .
هنيئا لأبو يائير ومجلس حربه كله على انتصاراتهم الفريدة في التاريخ ، منذ بداية الحرب حتى يومها هذا .
أمس قمت بعملية حسابية لمدة تحرير الأسرى .
حررت إسرائيل أسيرين بعد ١٢٩ يوما ، فإذا قسمنا الأسرى الباقين على ٢ احتاجت إسرائيل إلى ٦٧ عملية ، كل عملية تحتاج ١٢٩ . ضربت الرقمين وقسمتهما على أيام فاسابيع فأشهر فسنوات ووجدت أنها تحتاج إلى عشر سنوات ونصف .
هل سنحتاح إلى عشر سنوات حرب أخرى ؟
قبل أسابيع ألقت الطائرات الإسرائيلية على أهالي قطاع غزة منشورات تعرض فيها عليهم جوائز بقيمة مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تسهم في إلقاء القبض على يحيى السنوار وأخيه محمد ورافع سلامة ومحمد ضيف ، فلم تنجح حتى الآن .
هل حقا لجأت إسرائيل إلى السحرة كما قرأت في صفحة الدكتور عواد أبو زينة ، لإنجاز ذلك ؟
الدكتور عواد اتكأ على شريط أرسله إلي وشاهدته وأدرجته على صفحتي .
صباح الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
١٣ / ٢ / ٢٠٢٤
يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى