١
" الحب كده خصام ووصال "
حبيبها لما يوعدها تبات الدنيا ضاحكالها
ولما وصله يسعدها بتفكر علي يجرالها
ينسيها الوجود كله ولا يخطر على بالها
ولما طبعه يتغير وقلبها يبقى متحيرمع اﻷفكار تبات في نار وفي حيرة تبكيها ياه "
والله الواحد من كثر ما عاش حروبا وحروبا أهلية وانتفاضات وشاهد دما عربيا - عربيا يسيل نسي أن هناك حبا في هذه الدنيا .
في العام 1996 كنت في ( بون ) وبدأت أكتب شعرا رديئا ، ومما كتبته :
" هل مات فيك الإحساس ؟
لا تشعر بالحب ولا بالوحدة تشعر
هل مات فيك الإحساس
أم صار القلب يباس ؟ "
وأنا أدرس اﻷدب الفلسطيني أتوقف أمام الاتهام الذي يوجه له وأمام قصة أكرم هنية " سحر الحب " وديوان محمود درويش " سرير الغريبة " وأمام مقطع من " حالة حصار " يقول فيه درويس :
" كتبت عن الحب عشرين سطرا
لما تراجع هذا الحصار عشرين مترا "
ولم أعد أذكر النص بالضبط .
أم كلثوم تغني " الحب كده " و ... و ...
خربشات .
٢
لما تمطر بعد :
اﻷجواء شبه عادية ولما تمطر السماء ، علما بأن اﻷجواء بدأت تتغير منذ مساء أمس .
مطر سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان متواصل منذ سنوات . عندنا بعض رذاذ ، خلافا للأعوام 2000 - 2006 .
لماذا كانت أمهاتنا يفضلن عدم بقاء الرجل في البيت ؟
كن نسوة حكيمات أحيانا ، فقد أدركن بتجربتهن أن ليس أسوأ من رجل بلا عمل يشغلهن عن أعمالهن ويتدخل في مملكتهن /منزلهن .
وكن يطلبن منا ألا نظل في البيت ، لأن بقاءنا فيه سيعني مشاكل مع أخواتنا ، فالبنت للبيت والولد للشارع .
كن يخلفن كثيرا والبيت ضيق ولهذا كان الشارع أو النادي منزلنا الثاني ، ولم يكن يخجلن بطلبهن منا أن نخرج إلى الشارع ، فالبيت للبنات .
وحين كبرت أو وعيت جابهتهن بحقيقة اﻷمر :
- لا ضرورة ل 12ولدا وبنتا كل 6 في غرفة .
هل كن حكيمات أم كن جاهلات وهل الجنة حقا تحت أقدامهن ؟
هل الحديث مؤكد ؟وهل ثمة بقية له؟ وهل ... ؟
ليست أمهاتنا دائما على صواب . هذه حقيقة .
خربشات21 / 2 / 2016
٣
أدب العائدين : تمهيد
شغلتني نصوص العائدين منذ العام 1997 ، و وجدتني أكتب عنها مقالات نقدية أنشرها في جريدتي " اﻷيام " و " البلاد " ، وجمعت كثيرا من تلك الكتابات في كتاب صدر في طبعتين ؛ اﻷولى في غزة ( 1998 ) والثانية في دمشق ( 2008 ) . وقد راق الكتاب لدور نشر ولباحثين شباب رأوا أن يتخذوا منه نقطة ارتكاز لكتابة أطروحاتهم الجامعية ، ويبدو أن عبارة الشاعر أحمد دحبور في المقدمة التي كتبها للطبعة اﻷولى : " سيختلف الكثيرون مع هذا الكتاب وصاحبه ، وسيعطيه كثيرون أصواتهم ..... وليس إلا أن يتخفف القاريء من الآراء المسبقة ، ويشتبك مع أسئلة المؤلف وإجاباته ، حتى يكتشف لذة النص في كتاب إشكالي وغير مسبوق " ، يبدو أنها ساعدت على انتشار الكتاب وإعادة طباعته و توجيه الدارسين لدراسة اﻷدباء العائدين وأدبهم .
في بداية العام 2015 سيتصل بي الباحث أنس العيلة ، طالبا مني أن أجيب على أسئلة حول أدب العودة الذي يعد عنه أطروحة دكتوراه في جامعة ( السوربون ) ، عل مشرفه يقتنع أكثر وأكثر بأهمية الموضوع وجدوى دراسته ، وأعلمني أنس أن إجابات اﻷسئلة ستترجم إلى الفرنسية ، وستنشر ملحقا مع أطروحة الدكتوراه .
أعادتني اﻷسئلة إلى نصوص العائدين التي قرأتها وإلى نصوص أخرى لم أقرأها ، و وجدتني أجيب عن اﻷسئلة ، ثم أتوسع في الإجابة ، ووجدتني أنشر الإجابات في جريدة " اﻷيام " الفلسطينية على أربع حلقات ، ما إن انتهت حتى وجدتني أتابع الكتابة في الموضوع على مدار عشرين أسبوعا وأسبوع .
وسأركز على النثر بالدرجة اﻷولى : الرواية والقصة القصيرة والسيرة وأدب الشهادة ، مع إضاءات شعرية تكاد تقتصر على شعراء قليلين منهم محمود درويش وأحمد دحبور . وسأتوقف أمام نثر محمود درويش وكتابه " حيرة العائد " ﻷخوض في موضوع العودة وما كتبه
فيه الشاعر .
موضوع العودة كان المحرك اﻷساس ، وكان في أدب العائدين تحديدا ، وسينفتح هذا الموضوع على موضوعين آخرين أكثر من غيرهما : صورة اليهود والوقوف على اﻷطلال . ﻷول مرة يلتقي كثير من العائدين باليهود مباشرة ، وستلفت الكتابة عن اليهود نظرهم ، كما ستلفت الكتابة عنهم أيضا أدباء آخرين عرفوا اليهود ورأوهم وعاشوا معهم ، مثل محمود درويش ومحمود شقير وخليل السواحري ، خلافا لمريد البرغوثي وغسان زقطان وحسن خضر . والموضوع الثاني هو الوقوف على اﻷطلال : أطلال البروة وزكريا وحيفا ، وأطلال بيوت أقاموا فيها في رام الله ودير غسانة ، ورؤية المكان ، كالقدس ، وما طرأ عليه من تغيرات وتبدلات . وسيقف شاعر مثل محمود درويش على اﻷطلال ، بعد أن كان هاجم في بداية حياته الشعرية امرأ القيس لوقوفه على اﻷطلال . وسيخصص قسم من هؤلاء الكتاب مساحة لا بأس بها من كتابتهم لتذكر اﻷمكنة والناس ، وسيقارنون ، غالبا ، بين زمنين وبين مكان واحد في زمنين مختلفين ، وما جرى عليه من تغيرات وتبدلات ، وهو ما بدا في كتاب محمود شقير " ظل آخر للمدينة " وكتاب مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وكتاب فاروق وادي " منازل القلب " .
في كتابي " أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " تناولت أشعار محمود درويش ومريد البرغوثي وأحمد دحبور من الشعراء العائدين ، ورواية يحيى يخلف " نهر يستحم في البحيرة " ( 1997 ) ، ولم تنقطع كتابتي . وكنت أكتب دون أن أميز بين كاتب عائد وكاتب مقيم ، ولهذا ضم كتابي أيضا كتابات عن علي الخليلي والمتوكل طه وعبد اللطيف عقل وآميل حبيبي وسحر خليفة . وسأخص أكرم هنية بقراءات قصصية عن مجموعتيه اللتين أصدرهما بعد عودته " أسرار الدوري " ( 2001 ) و " دروب جميلة " ( 2007 ) ، وسأكتب عن نصوص محمود درويش ومحمود شقير وزكريا محمد ....
هذا الكتاب " أدب العائدين : تساؤلات وقراءات " يختص بأدب العائدين فقط ، ولا يدرس أي كاتب أو شاعر كان مقيما في فلسطين قبل أوسلو ، وهو كتاب يتكون من قسمين ؛ اﻷول يضم عشرين مقالة ومقالة ، والثاني يعد قراءات تفصيلية لقصائد أو كتب ﻷدباء عادوا أو ﻷدباء عائدين أصدروا نصهم اﻷول في فلسطين ، وهو أيضا يضم كتابات عن أدباء زائرين ، مثل رشاد أبو شاور وربعي المدهون وفيصل حوراني ، فهؤلاء عادوا وسرعان ما رجعوا إلى المنفى ولكنهم أتوا على تجربة العودة ودونوها .
لا أزعم أنني درست النصوص كلها التي أنجزها العائدون ، فهناك أسماء لم أتمكن من الحصول على أعمالها ، وربما تكون قالت أشياء لافتة في الموضوع ، وهناك جوانب لم أركز عليها ، مع أنها قد تكون مهمة ،ولكني أزعم أنني اطلعت على قدر لا بأس به من نصوص العائدين وعالجتها ، منذ العام 2000 تقريبا ، وهي لا تبتعد عن عنوان الكتاب .
وأخيرا فإنني لا أدعي الكمال . لقد اجتهدت وقدمت إجاباتي على أسئلة مهمة ، وأثرت أسئلة لعلها تحفل بإجابات اخرى
21 / 2 / 2016
٤
سكن الطلاب :
أحيانا تعود بي الذاكرة إلى الغرف التي أقمت فيها طالبا ؛ في الأردن وفي ألمانيا ، ولا مجال للمقارنة .
وعلى الرغم من أن غرف الطلاب في الجامعات الألمانية أفضل بكثير منها في الأردن - على الأقل في الفترة التي درست فيها ، وهي 70 و 80 ق 20 - إلا أنني الآن أتساءل :
كيف احتملت تلك الغرف ؟
أصغي إلى بعض فلسطينيي المهجر ممن يعملون في دول الخليج يتحدثون عن الإقامة في أستوديو في الأبراج ، مادحين ما فيه من امتيازات ، فأشعر بالاكتئاب وأحن إلى رائحة التراب وإلى الحديقة .
كل صباح أحمل مكنستي و أجدني أنظف الدرج والساحة بفرح ولا يجد الاكتتاب إلى نفسي طريقا .
كل صباح أنظر في الأشجار وأتذكر حنين اللاجئين الفلسطينيين إلى بياراتهم .
هل أخطأت أم سعد في رواية غسان كنفاني حين تحدثت عن جحيم المنفى ؟
رحم الله الشيوعي الفلسطيني توفيق زياد . كتب " هنا باقون " وخاطب أهل المنفى : " عودوا أنى كنتم " ، و " أناديكم " ، ولكن هيهات !
ثمة جسور كثيرة أولها جسور الاحتلال وليس آخرها .
خربشات 21 / 2 / 2018
٥
Impact Factor
قصة جامعاتنا مع النشر في مجلات ال
Impact Factor
تدعو للرثاء والسخرية .
لماذا ؟
حين تسألني إدارة للجامعة سأوضح لها المسخرة بالدليل .
خربشات 21 / 2 / 2018
٦
( أمنون نيومان ) بعد 70 عاما :
بعد سبعين عاما ونصف يعترف ( أمنون نيومان ) الذي شارك في حرب 1948 ، يعترف بأننا كنا " طيبين وسذجا " ، وأنه ورفاقه اقترف في الحرب مجازر بحق الشعب الفلسطيني وقراه ومدنه .
طردوا الفلسطينيين ودمروا قراهم ولم يكن الفلسطينيون يملكون إلا بنادق عتيقة من زمن العثمانيين ، في حين امتلك الصهيونيون أسلحة حديثة .
طبعا علينا ألا ننسى فضائل بريطانيا العظمى التي وقفت بالباع والدراع إلى جانبهم .
بعد سبعين عاما يصحو الضمير .
علينا أن ننتظر 70 عاما ليبدي (نتنياهو ) رأيه في السلطة الفلسطينية ومجازر غزة .
اللهم مد في عمره وعمر أبي مازن واسماعيل هنية ومحمود الزهار كمان .
آمين .
خربشات 21 شباط 2019
٧
الياس خوري " نجمة البحر " 18 :
حيفا بين ثلاثة روائيين
السؤال الذي ظل يراودني وأنا أقرأ الرواية هو :
ما الفارق بين صورة حيفا في الرواية التي كتبها روائي لم تطأ قدماه المدينة وصورتها في روايات عاش كتابها في حيفا عقودا ورصدوا فيما كتبوا التحولات التي طرأت على المدينة ؟
لم ير الياس خوري حيفا إلا من خلال نصوص أدبية ومن خلال وسائل تكنولوجية حل من خلالها على المكان ، وهذا ربما يذكرنا بعلي بدر الروائي العراقي صاحب " مصابيح أورشليم : رواية عن ادوارد سعيد " 2006 ، فقد كتب عن القدس معتمدا على المصادر والمراجع وصور غوغل والروايات العبرية للكتاب الإسرائيليين .
رأى الياس حيفا ويافا من خلال ال ( سكايب ) أغلب الظن ، وربما تجول في المدينتين بواسطته وقد يكون جلس على شاطيء البحر ودخل إلى المطاعم وصعد إلى الكرمل بهذه الطريقة .
بالإضافة إلى ما سبق فإنه أصغى إلى عشرات الفلسطينيين من يافا وحيفا يروون حكاياتهم ، وأغلب الظن أنه وظف ما قالوه كما أصغى إليه موظفا خبرته في الكتابة الروائية ، وما يدعم ما سبق هو توظيف اللهجة المحلية لأبناء المدينتين ، فأنت وأنت تقرأ الرواية تقرأ لهجة أهل حيفا إلى حد كبير .
هناك روائيان فلسطينيان كتبا عن حيفا وهما مقيمان فيها ، والطريف أنهما لم يوظفا لهجة أهلها في أثناء الكتابة وإنما كتبا بلغة عربية فصيحة مؤسلبين إلى حد كبير لغة الشخوص . إنها حقا لمفارقة ألا يوظف اميل حبيبي اللهجة الحيفاوية في روايته " اخطية " وهي رواية عن حيفا في حيفا ، وأن يوظف الياس خوري لهجة حيفا وهي رواية الغائب عن حيفا عن حيفا .
ربما تتطلب المقارنة بين الروايات الثلاثة حيزا أكبر بكثير من هذا الحيز ، بل إنها تتطلب ذلك .
كتب حبيبي روايته عن حيفا في زمنين ؛ زمن الكتابة 1984 وزمن الطفولة وهو ما قبل 1948 ، وكتب سلمان ناطور عن حيفا في ثمانينيات القرن الماضي ثم عاد وكتب عنها في بداية القرن الحادي والعشرين مظهرا ما ألم بالمدينة من تحولات ، فماذا عن الياس خوري ؟
يترك الياس بطله آدم يروي عن حياته في حيفا في ستينيات القرن الماضي . يروي بعد أن غادر المدينة إلى نيويورك وفيها يبدأ يتذكر أيامه التي عاشها في نجمة البحر ولا يرصد لنا صورة عن حيفا في مرحلة لاحقة لنرصد التطورات التي شهدتها المدينة .
تبقى هذه الكتابة خطاطة لكتابة تحتاج إلى تأمل وتوسع .
21 شباط 2019
٨
ادوارد سعيد ورحلات ( جيلفر ) ثانية :
عن الفقر المدقع والثراء الفاحش :
عادل الاسطة
من يومين تقريبا وأنا أقرأ عن ( كريستيانو رونالدو ) وصديقته ( جورجينا رودريغيرز ) وما خصصه شهريا لها .
لقد خصص ( كريستيانو ) ل ( جورجينا ) مبلغ 96 ألف دولار نفقة شهرية . صحتين وعافيه .
أمس ، وأنا أسير في السوق ، قالت لي امرأة مسنة :
- لا أريد منك أي شيء . فقط أريد أن تشحن لي " كرت " الكهرباء .
وغالبا ما يطلب المتسولون النقود ، ونادرا ما يطلبون ثمن كيلو خبز . مرة كانت فتاة مع أخيها وسألتني أن أساعدها بخمسة شواكل ثمن صحن حمص ، فقد أضاعت الشواكل الخمسة وتخاف ان تعود إلى البيت فأبوها سوف يضربها ، ومرة طلب مني طفل أجرة مواصلات من عمان إلى الزرقاء وتكرر هذا الطلب من شابين في الثلاثينيات من عمرهما وثالثة استدان مني صديق ٢٠٠ شيكل ليكمل قسط ابنته ولم يعدهم و .. و ..
في الأشهر الأخيرة سألني كثيرون عن قيمة المكافأة التي حصلت عليها من جامعة النجاح .
درست في الجامعة ٣٧ عاما وحصلت على مكافأة تعادل راتب أربعة أشهر من النفقة التي أقرها ( رونالدو ) لصديقته .
في قراءة ادوارد سعيد ل ( رحلات جيلفر ) ذهب إلى أن الرواية ذات بعد رمزي ، فالعمالقة أجسادا هم العالم الرأسمالي ، والأقزام هم الفقراء . ( رونالدو ) وصديقته ينتمون إلى العمالقة ، والمرأة ، مع أنها ضخمة الجسم ، تنتمي إلى الأقزام ، وأما أنا ...
رزقكم في السماء وما توعدون .
الحمد لله !
خربشات ٢١ شباط ٢٠٢٠ .
٩
الفلسطيني في الرواية العربية
" المثقف الفلسطيني : ادوارد سعيد مثالا "
( مقالي اليوم ٢٣ /٢ / ٢٠٢٠ ، في جريدة الايام الفلسطينية ، وهو هنا موسع )
في روايته " مصابيح أورشليم ، رواية عن ادوارد سعيد " ( 2006 ) يظهر الروائي علي بدر صورة إيجابية مشرقة للمثقف الفلسطيني فيختار ادوارد سعيد ليكون الشخصية التي تدور الرواية حولها ، وهو ما يفصح عنه العنوان الفرعي " رواية عن ادوارد سعيد " ، كما لو أن الرواية رواية شخصية ، علما بأن العنوان هو " مصابيح أورشليم " ومصابيح اورشليم هم الأنبياء والعظماء والمفكرون وادوارد سعيد منهم .
ويستطيع المرء أن يتوقف أمام فقرة دالة تختصر صورة الفلسطيني ادوارد سعيد فيها ، وهي :
" بعد عام تقريبا من هذا الحدث جاءني صوت زينب نصري مختنقا على التلفون:
- هل تعرف ... مات ادوارد سعيد .
شعرت بحزن كبير ، شعرت بأن الأرض مادت تحت قدمي وتخلخلت ، لقد تذكرت تلك الأيام التي عصفت بنا : نظريات ادوارد سعيد و أفكاره ، صوره وكتبه ، مقالاته ومناظراته ، حروبه وانتقاداته ، لقد كان سعيد يمثل ما كان يمثله كارل ماركس للجيل القديم ، وسارتر نسبة للجيل الستيني في العراق ، وكان يمكن أن يكون أكبر بكثير لولا التحولات السربعة والمتلاحقة ، ولولا خلو أفكاره من الرموز والشهداء " .
الفلسطيني إذن ، مجسدا في ادوارد سعيد ، كان يمكن أن يوضع إلى جانب كبار الفلاسفة والمفكرين في العالم ، لولا خلو كتابته من الرموز والشهداء . ورغم ذلك فإننا نجد صاحب المخطوط أيمن المقدسي - ومن ورائه علي بدر - حين يأتي على علاقة ادوارد سعيد بالقدس وزيارته لها بعد عقود من تركها بسبب أحداث ١٩٤٨ ، نجده يقارن ادوارد برموز أدبية عالمية حققت شهرة وما زالت في الأدب العالمي .
في أكثر من مكان هناك ربط بين ادوارد وجيمس جويس وبين القدس ودبلن وعودة كل من الشخصيتين إلى مدينته .
في بداية الرواية يأتي السارد على أيمن المقدسي ويقول عنه إنه يكره الأيديولوجيا ويؤمن بالتغيير والتحول " وهو ذاته تغير وتحول أكثر من مرة في حياته ، كمآ تحول وتغير إدوارد سعيد في حياته أكثر من مرة " وأنه منذ زمن بعيد مهتم اهتماما شديدا برواية " يوليسيز لجيمس جويس ، وقد أخبر أيمن مرة السارد بأنه يريد أن يصنع من إدوارد سعيد يوليسيز ومن أورشليم .. دبلن ، ولكنه فشل واخفق إخفاقا ذريعا " ذلك أن إدوارد سعيد لم يكن يوليسيز مطلقا ، كما أن أورشليم لم تكن دبلن أبدا .
الفكرة السابقة التي وردت في القسم الأول يتكرر حضورها في نهاية القسم الثاني من الرواية / المخطوط :
" عوليس في أورشليم ... قال إدوارد .
كان يمكنه أن يلعب هذه اللعبة ، إدوارد هو عوليس ... أورشليم هي دبلن ... يائيل هو ستيفن ديدالوس ... ايستير هي ميللي بلوم .
............
............
إدوارد سعيد مثل عوليس دبلن استاء وذراعاه متكئتان على محجر السلم .. " .
والرواية في قسمها الثاني ، وهي تتشكل من ثلاثة أقسام ، تصف لنا ابن القدس الذي عاد إليها زائرا بجواز سفره الأميركي ، بعد أن حرم من العيش فيها منذ النكبة ، حيث هجر وأهله ، وعندما عاد رأى قدسا أخرى تقوم على أنقاض القدس الغربية التي عاش طفولته فيها .
عاد سعيد ليبعث القدس التي عرفها وليفكك الرواية الصهيونية التي عملت على محو الرواية الفلسطينية والقدس العربية لتحل محلها قدس أخرى تلغي ما كان قائما .
إن رسم صورة مفصلة لسعيد في الرواية يبدو عبثا ، فالرواية كلها تتمحور حوله وأي اقتباس يعني اجتزاء يخل بالصورة ، ومع ذلك فإن الوقوف أمام الفصل الأول في خطوطه الرئيسة يمكن أن يجزي ويعطي صورة حسنة ومقبولة .
سارد الرواية هو كاتب عراقي يحصل على مخطوط رواية عن ادوارد سعيد كتبه فلسطيني اسمه أيمن المقدسي ، وقد ربطته علاقة صداقة مع السارد ومع شاب عراقي ثان اسمه علاء خليل ، وكانت الصداقة تقوم على الجدل والحوار ، فلم يكن الثلاثة متوافقين في رؤاهم ، ولهذا كثر الجدل بينهم والنقاش .
كان أيمن المولود في العراق معجبا بادوارد سعيد وقرر أن يدرس معه الدكتوراه في الأدب المقارن .
على النقيض من أيمن كان العراقي علاء خليل المتأمرك والمتؤورب الكاره لثقافته العربية وللعرب والمعجب بكل ما هو غربي والطامح ، مثل أبيه ، أن يصبح كاتبا كبيرا يكتب رواية على غرار الروايات الأوروبية يصور فيها حياة الغربيين لا العرب ، ولم ينكسر طموحه هذا إلا بعد احتلال العراق وتهافت الادعاءات الأميركية وتهافت منظري سياساتها الكبار وعلى رأسهم برنارد لويس وكنعان مكية . وحين يرى ما ألم بالعراق ، وحين يقابل كبار منظري الاستشراق الأميركي ، يشعر بخيبته من الغرب ، وكما فشل أبوه في أن يصبح كاتبا كبيرا أخفق هو أيضا .
على النقيض من علاء يبدو السارد الذي يأخذ على عاتقه نشر رواية أيمن ، ويتطابق السارد وهو عراقي أيضا ، مع المقدسي ، ويكون ادوارد سعيد مثالا له ، ونخلص بعد قراءة الفصل الأول إلى أن ادوارد وأيمن والسارد يتشابهون في مواقفهم ورؤاهم ، وهكذا يكون ادوارد سعيد ملهما للفلسطيني المنفي وللعراقي المنفي في وطنه والذي أجبر على أن يشارك في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام ، بل ويشارك في حرب الخليج الثانية ويرى احتلال القوات الأميركية لعاصمة العراق .
في القراءة عن حياة أيمن في العراق نقرأ عن الفلسطيني المنفي الذي كان موضع غيرة وحسد من قسم من العراقيين ، فالنظام العراقي أعز الفلسطينيين وأكرمهم فوقفوا إلى جانبه ، وهذا ما لم يرق لعلاء خليل المعارض للنظام ، ما جعله يغار من أيمن ويحسده ، وتزداد الغيرة ويكبر الحسد حين يتنافسان على حب زينب نصري العراقية التي تدرس الأدب المقارن وتعود من أميركا لتدرس في بغداد .
يكمل أيمن دراساته العليا في أميركا ولا يذهب إلى الجبهة ، وهو ما لا يتحقق لعلاء وللسارد ، وهنا يشعر علاء أن الفلسطيني حل محله وأخذ فرصته .
في أثناء رسم السارد صورة أيمن نقرأ عن فلسطيني إيجابي منتم إلى قضيته ويدافع عنها ويبدو مثقفا ثقافة واسعة وكتلة نشاط ، وهو بذلك يترسم خطى أستاذه ، فقد " كانت تتجمع في ذهنه أفكار ادوارد سعيد ، حياته ، مسيرته ، الأشعار التي كان يحفظها وهو طفل ، صوره ، ويدمجها في حياة المدينة القديمة ، يدمجها في الأحداث التاريخية ، وصور الامبرطوريات المتعاقبة... " ، وأعتقد جازما أن الصورة التي رسمها علي بدر لهذا الفلسطيني تنطبق عليه وعلى سارده ، إن فصلنا بينهما .
تبدو الفقرات التي ترسم هذه الصورة المشرقة للفلسطيني ، من خلال ادوارد وأيمن ، كثيرة ، ولسوف أكتفي بفقرة أو فقرتين دالتين .
الفقرة الأولى تصف أيمن على النحو الآتي :
" كان غامضا وحالما ومفعما بالنبل والعمق ، طراز غامض وحزين وبعيد عن هذه الأجواء التي كان علاء يحبها ، وفي الوقت الذي تصرف أيمن المقدسي بحذر ، بتكتم شديد وهو ما يصم ويميز المنفي والغريب واللاجيء .. كان علاء خليل يدور بكل ألفة حول المكان ، بثقة الساكن المتجذر والمواطن الأبدي .. "
والفقرة الثانية تخص الجهد الذي بذله أيمن لتأليف روايته :
" كان يعمل من الصباح إلى المساء كي يجمع كل شيء عنها : كتابات تاريخية ، خرائط عتيقة ، نقودا قديمة ، وثائق ، مذكرات ، شهادات أحياء ، كان يحاول أن يسأل عنها كل من يعرفها ، أو قرأ عنها ، أو رآها ، أو عاش فيها ، أحيانا يتصل بالتلفون بأناس عديدين ، بشخصيات مهتمة بها ، في أميركا في إسرائيل في العالم العربي ، ومن مختلف الناس : أجانب ، مسلمون ، مسيحيون ، يهود ، كان يجمع الكاتالوجات السياحية ، مخططات المدينة ، دعاياتها ، إعلاناتها ، خطوط باصاتها ، قصصها ... الخ "
فأي فلسطيني هو هذا ؟
إنه في النهاية ادوارد سعيد ، وهو أيضا الروائي العراقي علي بدر المعجب بادوارد سعيد .
هذه الصورة للفلسطيني تذكرنا بصورة الفلسطيني في روايات جبرا وهي الصورة التي تبرزها أيضا له العراقية أنعام كجه جي في روايتها الأخيرة " النبيذة " ، فمنصور البادي فيها مقدسي مثقف ولاجيء يستقر في فنزويلا ويغدو أستاذا جامعيا مقربا من الرئيس الفنزويلي الراحل ( شافيز ) يؤثر فيه ويكون له هاديا ونبراسا .
ليست " مصابيح أورشليم " الرواية العربية الوحيدة التي يحضر فيها ادوارد سعيد ، فهو يحضر في رواية الياس خوري " أولاد الغيتو: اسمي آدم " ( ٢٠١٦ ) ، وكنت توقفت أمامه في كتابي " أسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو ، اسمي آدم " ( دار الآداب ، بيروت ٢٠١٨ ) .
على أن أهم ما في الرواية هو سؤال الهوية ، فهل حين نكتب عن إدوارد سعيد ، ونحن نكتب عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية ، نعده فلسطينيا ونكتب عنه كشخصية فلسطينية ؟
في الصفحات الأخيرة من الرواية يتوقف صاحب المخطوط أمام هوية سعيد ، فيكتب :
" وقد كان إدوارد سعيد لاجئا ولكنه لم يعان قط مصير أي لاجيء تعيس ، إنه فلسطيني في أميركا ، وأميركي في فلسطين ، ومسيحي بين المسلمين ، وعربي بين الأميركيين ، وكان طفلا أميركيا باسم عربي واضح ، وكان يرتدي ملابس مدرسة بريطانية في مدرسة أميركية ، وكان انجلوفونيا في مجتمع فرانكفوني . لقد كان ببساطة فلسطينيا وأميركيا وعربيا ومسيحيا وهو عالم بأكمله ... " ( ٢٧٥ ).
ثمة ملاحظة تجدر الإشارة إليها في تتبع صورة ادوارد سعيد في الرواية والحياة عدا انفتاحه على عوالم الآخرين ومحاورتهم والتحدث معهم ، وهذا تحفل به الرواية التي تأتي على علاقاتها باليهود ومصاحبتهم ، وهي المظهر الخارجي له ، وكل من شاهده عن قرب يعرف مقدار أناقته .
تصف الرواية بيته على النحو الآتي :
" في الواقع إن ما جذب ماريبو عند دخوله المنزل في تلك اللحظة هو مظهر ادوارد سعيد ، ذلك العازف الساحر بشحوبه وأناقته وقد حافظ على مظهر ارستقراطي خجول ذي طابع متوحش ، أما ملابسه فقد كانت في غاية الأناقة ، وقد انبعث منه عطر راق يتجول بخفة مع الألحان العذبة في فضاء الصالة " .
تنتهي رواية " مصابيح أورشليم ، رواية عن ادوارد سعيد " بالسطر الآتي :
" الملاحظات كثيرة ، واخترت منها هذا القدر فقط " ويبدو أن هذا السطر هو الأنسب لإنهاء الكتابة عن الفلسطيني في رواية علي بدر ، فالكتابة كثيرة وما كتبته عن ادوارد سعيد وأيمن المقدسي غيض من فيض " الملاحظات كثيرة " وأكتفي بما كتبت وليس للقاريء إلا أن يعود إلى الرواية .
الجمعة ٢١ شباط ٢٠٢٠
١٠
الست كورونا : تطعيم ١٠٠،٠٠٠ عامل فلسطيني ( 198 )
دولة أبناء العمومة الرؤوفة بالفلسطينيين تقرر تطعيم مائة ألف عامل فلسطيني يعملون في مصانعها وورشاتها . يعني خمسة أضعاف ما سيقدم عليه الفلسطيني المدعوم من الإمارات محمد دحلان .
ما قررته الدولة ذكرني بما جرى في العام ١٩٤٨ في حيفا . طردت العصابات الصهيونية سكان المدينة العرب تحت أنظار القوات البريطانية وبمساعدتها أيضا وبقي من العرب بضعة آلاف رفضوا الهجرة ، وحين اتصل قائد المعركة برئيس الوزراء الاسرائيلي ( بن غوريون ) يخبره بما جرى طلب منه ( بن غوريون ) طرد البقية ، فلم يلب القائد طلب رئيسه . لماذا ؟ لأنه دونهم لن يجد الاسرائيليون من ينظف الشوارع ويخبز الخبز و ... وقد قرأت هذا في كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) " التطهير العرقي " ، وكان الروائي اميل حبيبي في روايته " المتشائل " ترك بطله سعيد يرد على الضابط الذي اقتاده إلى السجن وأخذ يعايره بأن اليهود يعمرون والعرب يخربون ، فيقول له : إن هذا الخضار والعمار هو من صنع أيادي العرب الباقين .
وأنا ذاهب إلى المدينة كان الوضع في مخيمي عسكر القديم وبلاطة يوحي بأن الإغلاق غير ناجح ، فالحياة تسير كما في كل يوم : المحلات مفتوحة والناس تبيع وتشتري وسيارات العمومي أكثر من الهم على القلب ومثلها السيارات الخاصة .
سائق العمومي الصديق أبو علي قال عندما رأى الحياة في المخيمين طبيعية :
- نحن أهالي المخيمات محصنون ضد الكورونا .
وأنا قلت :
- ربما أدار الفايروس لهم ظهره قائلا : يكفي ما هم فيه . فقر وغربة وبيوت متلاصقة و ... .
في نابلس كان الوضع مختلفا . المحلات مغلقة ولكن الناس في الشوارع وبعض أصحاب المحلات يعرض بضاعته أمام أبواب محله المغلقة .
أشرطة الفيديو التي وصلتني لم يكن لها علاقة بالكورونا . أول أمس تمحورت الأشرطة حول الثلج الذي كسا بعض المناطق ، وأمس كان الشريط اللافت هو الشريط الذي أرسله إلي الأستاذ عمر القزق من قرية دوما حيث قوة الأمطار وغزارتها والثلوج أوجدت شلالات تذكر بشلالات عالمية معروفة . هل ستصبح بعض الأودية أنهارا ؟
كل شيء في زمن الكورونا ممكن ؛ الزواج بصمت والموت بصمت والعيش بصمت والتسليم بصمت والتعليم بصمت و ... .
وعلى الرغم من قلة الدخل والأعمال وتراجع الاقتصاد إلا أن الفتيات يحلمن ببدلة العرس المكلفة وحفل الزواج في الصالة وكان الله في عون الشباب .
خربشات ٢١ شباط ٢٠٢١
١١
أقرأ في " لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " لخالد خليفة :
اقرأوا المقطع الآتي عن واقع أساتذة الجامعات والمدارس في الجامعات السورية .
طبعا النص يأتي على جان عبد المسيح الذي عاد من سويسرا ليقيم مع أمه المريضة ، وأخذ يعلم اللغة الفرنسية ، وضاق ذرعا بالإصغاء إلى نشيد الحزب والإشادة بالقائد ، فلم يردد النشيد مع زملائه ، فوشوا به ، وفصل من عمله .
" أسرها صمته وابتسامته الرقيقة ، تحاشى اصطدامه مع حزبيين حاولوا استفزازه أكثر من مرة ، لم يجد فرع الحزب معلمي لغة فرنسية حزبيين بعد هجرة أغلب الأساتذة المرموقين وفصل البقية بحجة عدم الولاء ، في حملة تطهير لم تترك في المدارس والجامعات إلا الحزبيين ، تغاضوا عن وجوده ، أصبح منسيا بين أساتذة حزبيين ، بعضهم يفاخرون قبل دخولهم الصف بوضع مسدسات مكرويف روسية وزعت عليهم أثناء أحداث الثمانينيات تحت قمصانهم ، يزعقون طوال اليوم بولائهم ، يتفننون بأساليب المزاودة وادعاء القرابة بضباط أجهزة الامن،" ( ص44 ، 45 )
هل سنصل ذات يوم في فلسطين إلى هذه الدرجة ؟
في أكثر الدول العربية لا تعين في أية جامعة إلا إذا وافقت المخابرات على ملفك وعليك ، وأعتقد أن الأمور في جامعاتنا لم تصل إلى ما هو مكتوب في الرواية ، ولكن إن غضب عليك من إدارة جامعتك ، فقد تمنع من السفر للمشاركة في مؤتمر ، وهذا مؤشر خطير يقول لنا إننا إن امتلكنا دولة حكمها فرد متسلط فسنصل إلى ما هو موجود في العالم العربي .
الحمد لله لم يبق لي أكثر من خمس سنوات خدمة ، وأنا عموما من الآن مش ، وأكرر بالعامية ، مش سائل ،
خربشات 21 / 2 / 2014
١٢
الأستاذ رامي قواريق : أشكرك :
هل وافق الألمان أخيرا على ختم شهادتي ؟
الأردن لم تختم شهادتي البكالوريوس والماجستير أو أنا لم أختمهما .
ما حاجتي إلى الشهادات ؟
أحيانا أشعر بالخجل حين يقال لي دكتور .
لماذا ؟
أعتقد أن كتبي ودراساتي التي أنجزتها بعد الحصول على الدكتوراه هي شهاداتي التي أفخر بها . ندواتي . مؤتمراتي التي اشارك بها . مقال الأسبوع في الأيام . محاضراتي وملاحظة ردود أفعال الطلاب وسرورهم .
" ذو الوعي يشقى "
قال المتنبي .
إنه الشقاء المحبوب .
قال محمود درويش على لسان ( اوديب ) :
" ماحاجتي للمعرفة ؟ "
أنا أقول :
ما حاجتي للشهادة ؟
أحيانا تكون الشهادات عبئا يتطلب من صاحبها الكثير الكثير ..
حين عاد الشاعر أحمد دحبور إلى الوطن وقارنت ما هو عليه من ثقافة بما عليه كثييرون من حملة الأستاذية لا الدكتوراه - قلت : المطلوب مني أن أكون ندا .
وتذكرت غسان كنفاني :
" لا تمت قبل ان تكون ندا ".
وسأحاول أن أكون ندا له ولمحمود درويش .
هل غدوت ندا ؟
يكفي أن درويش كتب :
" إلى ناقد "
وكتب :
" أثر الفراشة " .
أعتقد أنني غدوت ندا ، وهذا أهم من الشهادات .
لست بحاجة إلى الختم والشهادة .
تحياتي
21 / 2 / 2013
١٣
مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ٢٦ / ٢ / ٢٠٢٣
الكاتب والمكان :
حول الكتابة عن القدس في الأدب
لم أقرأ كتاب ( غاستون باشلار ) الذي ترجمه غالب هلسا . قرأت الاقتباسات الكثيرة التي استقاها منه الدارسون وهم يخوضون في عنصر المكان ، وقرأت ما كتبه عن الكتاب الناقد المغربي حسن نجمي في كتابه " شعرية الفضاء : المتخيل والهوية في الرواية العربية " ( ٢٠٠٠ ) . لم ترق ترجمة هلسا التي كانت عن لغة وسيطة هي الإنجليزية ، لنجمي ، ولغة الكتاب الأولى هي الفرنسية .
المكان الأليف والمكان المعادي والمكان المحايد والمكان المغلق والمكان المفتوح والمكان ... والمكان ... هي مصطلحات عديدة استخدمها الدارسون وهم يكتبون عن المكان في النص الأدبي . وقليلون منهم من ميز بين الفضاء والمكان اللذين ميز بينهما نجمي .
ربما أثرى ( الن روب غرييه ) في كتابه " نحو رواية جديدة " معلوماتي عن المكان والوصف في الرواية والفرق بين الأخير - أي الوصف - في الرواية الكلاسيكية التقليدية والوصف في الرواية الحديثة ، بخاصة حين كتب عن الوصف الذي يجعل القاريء يرى تأثير الزمن على المكان والأشياء وعن الوصف الذي لا وظيفة له ؛ الوصف الذي يكون لمجرد الوصف فقط .
وأنا أكتب عن القدس في الأدب الفلسطيني والعربي ، وأيضا في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " توسعت في الكتابة عن علاقة الكاتب ، وهو يكتب عن القدس ، بالمدن الأخرى وتساءلت إن كان يكتب عنها كما رآها أو كما قرأ عنها في الكتب أو كما يتخيلها . ( رأى هرتسل القدس ، كما قرأ عنها ، مدينة من ذهب ، وحين زارها أحبط فلم تكن كذلك ، ولكنه رسم لها صورة متخيلة جميلة لما ستكون عليه .
هكذا كتبت عن مدن راشد حسين ومدن مظفر النواب ومدن أمل دنقل ومدن محمود درويش ومدن أحمد دحبور : القدس في ضوء مدن الشاعر التي كتب عنها .
عندما قرأت قصيدة عز الدين المناصرة " القدس عاصمة السماء " كتبت عنها ولم أمدحها ، فقد لاحظت أن الشاعر يفتعل الكتابة . لقد كتب عن القدس لأن الكتابة عنها منذ كتب تميم البرغوثي قصيدته التي ذاعت وانتشرت صارت موضة أو صارت جواز سفر للشهرة .
ثمة منهج يقرأ الجزء في ضوء علاقته بالكل ، فلكي نعرف مكانة مدينة ما في نظر شاعر علينا أن ننظر في علاقته بالمدن الأخرى ومكانتها لديه . أهو المنهج الجشطالتي ؟
لم تكن القدس المدينة الأولى لأي من الشعراء المذكورين ، وحين كتب تميم كتب عن تجربة مر بها وقبله فعل الشيء نفسه محمود درويش .
مدينة درويش هي حيفا وهي أيضا مدينة دحبور ، ومدينة دنقل هي المدينة المقاومة ( السويس ) لا القاهرة ، ومدينة مظفر النواب هي دمشق وبغداد وكتابته عن القدس جاءت ليعلن موقفا سياسيا ومثله دنقل .
ربما كانت القدس مدينة فوزي البكري الأولى والوحيدة وهي بالتأكيد مكانه الأليف كما لم تكن لغيره ممن زارها أو كتب عنها عن بعد ، وحين كتب عنها لم يفتعل الكتابة ولم يكتب لأن المناسبة اقتضت ذلك . كان البكري يكتب حياته في القدس قبل أن تكثر الكتابة عنها وقبل أن تعقد المؤتمرات العربية والإسلامية لأجلها وقبل أن تعلن عاصمة للثقافة العربية ، وظني أن أكثر القصائد التي كتبت عنها في بداية الألفية الثالثة كتبت عنها بدافع الخوف على ضياعها وضرورة التركيز عليها للحفاظ على طابعها العربي والفلسطيني والإسلامي والمسيحي . ( في القصة والرواية والمذكرات أذكر السواحري وشقير وهنية مثالا )
طبعا ينبغي ألا ننسى أن بعض الأدباء والشعراء العرب ممن يقيمون في المنافي قد تربطهم علاقة روحية بالقدس فكتبوا عنها من هذا المنطلق ، هنا أعني الأدباء والشعراء ذوي التوجه الديني ، ومع ذلك فقد كان هؤلاء نادرين قبل ١٩٦٧ .
وأنا أكتب عن حضور المدينة في الشعر الفلسطيني لاحظت أن شاعرا فلسطينيا هو المتوكل طه لم يكتب عنها قبل العام ٢٠٠٠ الكثير ، ولكنه بعد هذا العام أفرط في الكتابة إفراطا لافتا ، علما بأنه كان يعمل فيها قبل العام ١٩٨٧ وتيسر له في حينه التجوال فيها بحرية ، بخلاف الفترة التي تلت العام المشار إليه .
في العام ٢٠٠٩ مثلا أصدر المتوكل كتابا أنيق الإخراج عنوانه " نصوص ايلياء ويبوس " ، وهو كتاب يجمع فيه نصوصا نثرية وشعرية ، ولكنه في حدود ما أعرف لم يتلق تلقي قصائد درويش وقصيدة تميم على مستويي الإصغاء إلى صوت الشاعر وكتابة دراسات نقدية حوله . لقد كتبت حول قصائد درويش وتميم دراسات عديدة . ومع ذلك لم يتوقف المتوكل في الكتابة عن القدس ، إذ عاد وخصها بقصائد جديدة كلاسيكية البناء ومنها قصيدة " القدس اسم عاشقة " وقصيدة " القدس مطلع عيدنا " ، ولكن عبثا اشتهرتا اشتهار قصيدتي الشاعرين المذكورين وحظيتا بدراسات عديدة من دارسين مختلفين ، علما بأن محمد حور قال عن المتوكل في كتابه " تجليات القدس في الشعر المعاصر " بأنه كان في الأولى مختلفا عن بقية الشعراء ( صفحة ١١٨ ) .
يستطيع القاريء أن يتأكد من آرائي التي أذهب إليها بالعودة إلى ما كتب من دراسات أو متابعة الفيديوهات التي تشاهد ويصغى إليها بصوت الشعراء .
هنا يجب البحث عن السبب : أيعود إلى أسبقية الكتابة أم إلى جماليات القصيدة أم إلى صدور الكتابة عن تجربة أم إلى قدرة صاحبها على الإنشاد أم إلى كاريزما الشاعر أو موقف سياسي ووطني منه ؟
إن عدنا إلى كتاب عبدالله الخباص " القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن "(١٩٩٥) فسنقرأ إحصائية بأسماء عشرات الشعراء الذين ذكروا القدس في قصائدهم ، وقد أضفت إليهم شعراء آخرين كتبوا بعد انتهاء الخباص من دراسته ، وأضاف إلى الدراستين محمد حور في كتابه أسماء جديدة ذكرت القدس في قصائد كتبتها بعد ١٩٩٨ .
صارت الكتابة عن القدس مفرطة لدرجة لا نلوم فيها من يكرر أسطر محمود درويش في العام ١٩٧٣ :
" يا أيها الشعراء لا تتكاثروا
ليست جراحي منبرا " .
لعلني مخطيء !!
الكتابة تطول والمساحة محدودة
٢١ و ٢٢ و ٢٣ / ٢ / ٢٠٢٣
( مقالة الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٦ / ٢ / ٢٠٢٣ ) .
١٤
كتابة قصائد القدس :
تذكرت وأنا أقرأ كتاب الدكتور محمد حور " تجليات القدس في الشعر المعاصر " وألاحظ كم القصائد وعدد الشعراء الذين كتبوا قصائد في القدس وأيضا عدد الدراسات العلمية والكتب والأبحاث حولها ، تذكرت قصيدة محمود درويش في ديوانه " محاولة رقم ٧ " ( ١٩٧٣ ) " الخروج من ساحل المتوسط " .
في القصيدة يقول إن الرثاء تعب من الضحايا وإن الضحايا جمدت أحزانها " أواه ! من يرثي المراثي "
ولكثرة قصائد الرثاء ، وكان هو نفسه بعد خروجه من الأرض المحتلة تحول إلى شاعر رثاء ، فإنه خاطب الشعراء بالآتي :
" يا أيها الشعراء لا تتكاثروا
ليست جراحي دفترا
يا أيها الزعماء .. لا تتكاثروا !
ليست عظامي منبرا " .
مات الشاعر في العام ٢٠٠٨ ، ومنذ وفاته تكاثر الشهداء والزعماء والشعراء والكتاب و ... وكثرت الكتابة عن القدس أيضا التي لم يخصها هو وأحمد دحبور بما خصا به مدينة حيفا .
ماذا لو امتد به العمر وقرأ القصائد التي تكتب في القدس والدراسات التي تناولتها وتناولت ما كتبه شخصيا عن المدينة المذكورة ؟
لست شخصيا ضد أن يكتب أي شاعر أو أي دارس عن القدس ، ولكني أتمنى من هؤلاء وهؤلاء أن ينظروا في نتاج من سبقوهم وأن يسائلوه وبعد ذلك يمكن أن يكتبوا - يعني أن يبنوا نتاجهم على النتاج السابق .
هل أحور في سطر محمود درويش بعد أن أورده أولا :
" يا أيها الشعراء الذين يكتبون قصائد قدس : لا تتكاثروا "
و
" يا أيها الدارسون لا تتكاثروا إلا إذا أضفتم للدراسات السابقة شيئا جديدا !"
أعتقد أنه ليس من حقي .
خربشات ٢١ / ٢ / ٢٠٢٣ .
١٥
فجر اليوم ( ١٣٨ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
عائلات بأكملها تباد
ما إن انتهيت من إدراج قصيدة الشاعر نزار قباني " متى يعلنون وفاة العرب ؟ " حتى أعلمني صديق أن جارهم في حي الجنينة شرق رفح الدكتور ناصر أبو النور ارتقى وعائلته قبل نصف ساعة ، والدكتور أصلا من مخيم الشابورة غادره يوم تحسنت أوضاعه المادية . لجأ والده في العام ١٩٤٨ من قرية حتا بين غزة والخليل .
ارتقى الدكتور ناصر وزوجته مجدة يحيى وأبناؤهما نور ومنى وآيات وعبد الرحمن ، وحفيدتهما كنزي عبد الرحمن جمعة .
درس الدكتور بالمعمداني وأكمل دراسة التمريض في أمريكا وحصل على الدكتوراه ، وقد ارتقى أبوه في العام ١٩٥٦ ، وهو وحيد أمه التي لم تتزوج حتى تربيه ، فكانت تبيع في الأسواق وكانت ملكة جمال في كل شيء .
هل بدأ فايز الدويري يدرك الحقيقة حين قال مؤخرا إن الهدف من العدوان هو إبادة الفلسطينيين ؟
منذ البداية قالها الإسرائيليون : لنعتبر المخطوفين قتلى حرب ونضرب غزة بالنووي .
هكذا كتب إلي الصديق ، وما كتبه كان شاعرنا إبراهيم طوقان قاله في ثلاثينيات القرن ٢٠ :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة " ؟
كم مرة ، في هذه المقتلة ، كررت هذا البيت ؟!
تصبحين على خير يا غزة !!
لك الله .
خربشات ٢١ / ٢ / ٢٠٢٤ .
١٦
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
يوميات مقتلة غزة وإبادتها وإهلاكها جوعا
لا أعرف إن كان هناك من كتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ؛ يوما يوما صباح مساء ، ولا أرجح أن من يكتب اليوميات أو يصدر كتابا تحت عنوان " يوميات " كتبها يوما يوما ، ولنا في الأدب الفلسطيني نماذج من خليل السكاكيني " يوميات السكاكيني " مرورا ب " يوميات الحزن العادي " لمحمود درويش و" يوميات غزة " لمعين بسيسو ، والأول هو أكثر من كتب اليوميات يوما يوما .
كنت أتابع صفحات عديدة لكتاب غزة المقيمين فيها لأقرأ يوميات ، فلم تشف غليلي باستثناء ما كتبه عاطف ابوسيف الذي عاش أجواء الحرب حتى يومها الخامس والثمانين ، ثم خرج من معبر رفح .
ولكي أكون أكثر صدقا فإن الصفحات التي تابعتها هي ل عثمان حسين و نعمة حسن و طلعت قديح و محمود جودة و عمر حمش و مريم قوش و شجاع الصفدي وخضر محجز ود.آلاء القطراوي ، وهناك إبراهيم خشان الذي لم أقرأ له من قبل . لقد كتب هؤلاء ، ومنهم من كتب يوميا ، ولكن نصوصهم كانت قصيرة غالبا ، وغالبا ما غلب عليها الطابع الإخباري ، ولا يعني هذا أن قسما منهم لم يكتب نصوصا تنفلت من السمة الإخبارية ؛ نصوصا لا تخلو من جماليات ما .
هل كان لسان حالهم هو قول محمود درويش في " حالة حصار " ( ٢٠٠٣ ) :
" الشهيد يعلمني : لا جمالي خارج حريتي " ؟
عندما كنت أحيانا قليلة ألتفت إلى خطأ لغوي أو نحوي - قد أقع أنا أيضا فيه - رد علي بعض الكتاب أن هذا ليس وقته .
كان أبو سيف بصفته الروائية يكتب موظفا قدرته اللافتة في السرد . كان يكتب في ظروف صعبة قاسية ، واللافت هو اهتمامه بالتفاصيل التي خلت منها كتابات الآخرين ، وعندما سألته كيف يكتب ما يكتب في هذه الأجواء ، أجابني بأنه يعاني كثيرا في الحصول على النت وشحن اللابتوب ، وأنه يستغل أماكن ، يرتادها في ساعات محددة ، تخلو من البشر .
وأنا أتصفح بقية ما كتبه غيره لاحظت أن أغلب كتاباتهم أقرب إلى المقطوعات القصيرة التي تصف ، وتعبر عن مشاعر آنية لحظية ، نادرا ما حفلت ببعد معرفي مستمد من كتابات سابقة ، وغالبا ما كان سبب ذلك الحالة النفسية وانقطاع الكهرباء والنت وعدم توفر أجواء القراءة والكتابة في ظل الاكتظاظ السكاني في الأماكن التي يقيمون فيها .
ومما لاحظته أيضا أن نصوص أدباء غزة في حروبها السابقة لم تستحضر ، فالحرب هذه هي استمرار لحروب عديدة عاشها القطاع من قبل ، من ١٩٥٦ و ١٩٦٧ حتى ٢٠٢١ وهذه الحرب ، وهذا دفعني إلى التساؤل عن السبب :
- أهو الظرف الذي يمرون به أم هو انقطاعهم عن قراءة النصوص السابقة أم عدم بقائها في ذاكرتهم ، إن هم قرأوها ؟
هذه الحرب هي استمرار لحروب سابقة ، وما يتردد فيها من حديث عن تهجير وإبادة كتب عنه إبراهيم طوقان ، وما يقال عن تهجير وتوطين في سيناء كتب عنه معين بسيسو في كتابيه " دفاتر فلسطينية " و " يوميات غزة " عن خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن ٢٠ ، وبالتالي يفترض أن تستحضر ذاكرة الكاتب تجارب سابقة ليبني عليها .
عندما بدأت أكتب يوميات غزة في هذه المقتلة ، وكنت كتبت يوميات حرب ٢٠٢١ ، وجدتني أعيش الحرب وأعيش أيضا الحروب السابقة ، كما كتب عنها كتاب كثر سابقون ، غير طوقان وبسيسو ، وأبرزهم محمود درويش وهارون هاشم رشيد وغريب عسقلاني ومريد البرغوثي وفدوى طوقان وزياد عبد الفتاح ... و .. ولعل ما ساعدني في ذلك هو ذاكرة ممتلئة بالنصوص السابقة ، ومكتبة تحفل بها كتب أصحابها ، وترف وقت لم يتوفر لكتاب غزة المقيمين فيها ، وقلق اللحظة قلقا إيجابيا لا قلقا سلبيا ، وتفرغ تام للكتابة تفرغا لم يحفزني لقراءة كتاب أو موضوع خارج محيط المقتلة ، وربما لأول مرة منذ عقود لم أقرأ كتابا جديدا أو أشاهد مبارة كرة قدم أو ... .
غير أن الذاكرة والنصوص السابقة وترف اللحظة والحالة لم تكن كلها وراء ما كتبت ، فهناك نشرات الأخبار وأشرطة الفيديو وقراء الصفحة وملاحظاتهم وهم لا بأس بهم ، وما أسمعه في الحافلة وفي الشارع أيضا على قلته ، ثم الأصدقاء الذين أمطروني بأشرطة فيديو ومقالات وحوارات بيننا عبر الماسنجر غالبا أو عبر الهاتف ، وكنت أصوغ بعض هذه الحوارات لتثري النص المكتوب ، كما كنت أتكيء على التعليقات أحيانا في كتابة موضوع استوحيته منها .
في حوار مع إحدى الفضائيات سألتني المحاورة إن كانت كتابة اليوميات مرهقة فأجبت بأنها تستهلك مني وقتي كله ، ولكن ما قيمة هذا أمام ما يعانيه المواطنون الغزيون !!
كتابتي هي كتابة من خارج مكان المقتلة . هكذا يجب أن ينظر إليها ولا أظنها مختلفة اختلافا كليا عن تلك اليوميات التي كتبتها في العام ٢٠٢١ .
في العام المذكور بدأت أكتب سلسلة يوميات تحت عنوان " ذاكرة أمس " واخترت لها أولا مدينة نابلس وشارع النصر في البلدة القديمة منها ، ثم اندلعت الحرب في غزة فشعلتني عن الشارع وما فيه ، وعندما بلغ عدد اليوميات مائة وجمعها لي الصديق المغربي مهدي ناقوس فكرت أن أصدرها في كتاب طلبه مني صاحب مكتبة دار الشامل في نابلس ، وتعذر إصداره . لقد اخترت للكتاب عنوان " يوميات شارع النصر وحرب غزة " .
في الحرب الدائرة حاليا اتصل بي الروائي زياد عبد الفتاح المقيم في مصر واقترح علي أن نصدر معا كتابا يحوي ما كتبه وقسما مما كتبت وهو ما كان ، فقد صدر الكتاب في هذا العام عن دار ميريت المصرية . وأظن أنه سيمكن القراء من التمييز بين شكلين من الكتابة ، وإذا قرأ المرء كتاب عاطف ابوسيف فسوف يرى الفارق واضحا بين الكتابة عن الحدث من غزة ومن الضفة الغربية ومن القاهرة .
والخلاصة أن كتابة يومياتي ما كان ليتم على ما كانت عليه لولا رفد الآخرين لي بمواد واقتراحات وأشرطة . إنها يومياتي ويومياتهم ويوميات غزة .
الأربعاء والخميس ٢١ و ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٤
( مقال لدفاتر الأيام الفلسطينية ٣ / ٣ / ٢٠٢٤ )
١٧
مساء اليوم ( ١٣٨ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
إشاعات ... إشاعات :
وأنا جالس في مقهى الهموز في نابلس في الأجواء المشمسة في هذا النهار أصغيت إلى حلقة عما نقلته وكالة أنباء إيلاف السعودية اعتمادا على مصادر إسرائيلية . موصوع الحلقة هو أن يحيى السسنوار ترك قطاع غزة مع الأسرى الإسرائيليين ، وهو الآن في سيناء .
قبل حوالي أسبوعين تكلم أبو حمزة الناطق باسم سرايا القدس وقال إن الجيش الإسرائيلي لو فتش غزة كلها ذرة ذرة فلن يعثر على الأسرى ، فتساءلت :
- هل صار الأسرى الآن في إيران ؟
المخيلة تشت وتشط أيضا ، ونحن الآن في اليوم ١٣٨ من بداية ٧ أكتوبر ، ولم تحرر القوات الإسرائيلية سوى اثنين من ١٣٦ والأوضاع تزداد قسوة وسوءا والكنيست الإسرائيلي صوت اليوم بالأغلبية الواضحة ضد إقامة دولة فلسطينية .
هل يمكن أن يكون السسنوار غادر ؟ وهل تخطر الفكرة أصلا في ذهنه ؟
أنا كاتب قرأ روايته " الشوك والقرنفل " ( ٢٠٠٤ ) وكتب عنها ، وعندما طلب مني أن أتحدث عن التشبث بالوطن في الرواية الفلسطينية لم أغفل ما ورد فيها بهذا الموضوع .
إن إبراهيم الذي تضيق به سبل الحياة في قطاع غزة يرفض الهجرة ويصر على البقاء فيها ولو عاش على " الرغيف وحبة الزيتون " وفي الرواية يرتقي .
هل يمكن تخيل خروج " أبو إبراهيم " من غزة ؟
شخصيا أرجح أنه لن يخرج حتى لو أسر أو ارتقى أو ... ؟
المدينة تسعى والحصار يشتد ولكن ما نحن فيه وعليه لا يكاد يذكر ، بل إنه لا يذكر ، أمام ما يعيشه أهل غزة .
إن كان محمود درويش في " حالة حصار " ترك يهوددي " تاجر البنندقية " ( شايلللوك )يتساءل :
" أليس لليهوودي قلب ؟
فإن ما يجري في غزة يقول :
- ليس للصهيوني قلب !!
لم يكن وزير الحرب الإسرائيلي يهدد حين قال :
- لا كهرباء لا ماء لا بنزين وسولار ولا طعام .
وكان يجب أن نتأمل ملامحه ونسترجع ملامح ( أدولف ) وهو يخطب ضد اليهود .
هل انحدر ( يوآف غالانت ) من أصول ألمانية جرمانية ؟؟!!
( والداه يهوديان بولنديان هاجرا إلى يافا في العام ١٩٤٨ ) .
٢١ / ٢ / ٢٠٢٤
١٨
غزة : شعب بسبعة أرواح
للتو قرأت في صفحة د. هيا فريج منشورا تصف فيه شعبنا الفلسطيني بأنه بسبعة أرواح ، وتقترح على الإسرائيليين أن يحلوا مشاكلهم معه حلا عشائريا - أي من خلال عطوة من تحت الفراش ، وكنت في إحدى خربشاتي تذكرت الحاج معزوز المصري والشيخ محمد علي الجعبري ووزير الدفاع الإسرائيلي ( موشه دايان ) وقلت : لو كانوا موجودين فلربما حلت الأمور بطريقة ودية ( عن حلول بوس اللحى ١٦ / ٦ / ٢٠١٧ ) . هل كنت جادا أم كنت ساخرا ؟!
تقيم هيا وأهلها الآن في شقة قريب لهم في حي الرمال ، ولولا كرمه لأقاموا في خيمة أو مخزن مستأجر .
بالقرب من مكان إقامتها تلاحظ هيا جيرانا هيأوا بيتا مهدما ونصبوا فيه خيمة لإقامة عرس أحد أبنائهم ، وهذا يدل على قوة الحياة لدى شعبنا .
ذكرني وصفها شعبنا بأنه بسبعة أرواح بقصيدة للشاعر توفيق زياد عنوانها " عمان في أيلول : قصيدة مقطوعة الرأس عن شعب بسبعة أرواح " يمهد لها بتهليلة هي " للذين يرفضون أن يموتوا ويرفضون أن يستسلموا " ويختتمها بتذييل : " يا حادي العيس ، سلم لي على القدس وقل لها : لو نسيتك قطعي رأسي "
في مجموعة زياد نفسه قصيدة أخرى عنوانها " نماذج عادية عن شعب غير عادي " ويأتي فيها على نماذج فلسطينية مقاومة ... .
هل حقا نحن شعب غير عادي ؟
في الحرب تداول ناشطون كثر افتتاحية كانت نشرتها صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية تسبغ فيها علينا صفات كهذه .
اليوم حكى أبو يائير من مخيم طولكرم ليسجل انتصارا علينا !
معلش على رأي وائل الدحدوح !
٢١ / ٢ / ٢٠٢٥
٢١ / ٢ / ٢٠٢٦
" الحب كده خصام ووصال "
حبيبها لما يوعدها تبات الدنيا ضاحكالها
ولما وصله يسعدها بتفكر علي يجرالها
ينسيها الوجود كله ولا يخطر على بالها
ولما طبعه يتغير وقلبها يبقى متحيرمع اﻷفكار تبات في نار وفي حيرة تبكيها ياه "
والله الواحد من كثر ما عاش حروبا وحروبا أهلية وانتفاضات وشاهد دما عربيا - عربيا يسيل نسي أن هناك حبا في هذه الدنيا .
في العام 1996 كنت في ( بون ) وبدأت أكتب شعرا رديئا ، ومما كتبته :
" هل مات فيك الإحساس ؟
لا تشعر بالحب ولا بالوحدة تشعر
هل مات فيك الإحساس
أم صار القلب يباس ؟ "
وأنا أدرس اﻷدب الفلسطيني أتوقف أمام الاتهام الذي يوجه له وأمام قصة أكرم هنية " سحر الحب " وديوان محمود درويش " سرير الغريبة " وأمام مقطع من " حالة حصار " يقول فيه درويس :
" كتبت عن الحب عشرين سطرا
لما تراجع هذا الحصار عشرين مترا "
ولم أعد أذكر النص بالضبط .
أم كلثوم تغني " الحب كده " و ... و ...
خربشات .
٢
لما تمطر بعد :
اﻷجواء شبه عادية ولما تمطر السماء ، علما بأن اﻷجواء بدأت تتغير منذ مساء أمس .
مطر سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان متواصل منذ سنوات . عندنا بعض رذاذ ، خلافا للأعوام 2000 - 2006 .
لماذا كانت أمهاتنا يفضلن عدم بقاء الرجل في البيت ؟
كن نسوة حكيمات أحيانا ، فقد أدركن بتجربتهن أن ليس أسوأ من رجل بلا عمل يشغلهن عن أعمالهن ويتدخل في مملكتهن /منزلهن .
وكن يطلبن منا ألا نظل في البيت ، لأن بقاءنا فيه سيعني مشاكل مع أخواتنا ، فالبنت للبيت والولد للشارع .
كن يخلفن كثيرا والبيت ضيق ولهذا كان الشارع أو النادي منزلنا الثاني ، ولم يكن يخجلن بطلبهن منا أن نخرج إلى الشارع ، فالبيت للبنات .
وحين كبرت أو وعيت جابهتهن بحقيقة اﻷمر :
- لا ضرورة ل 12ولدا وبنتا كل 6 في غرفة .
هل كن حكيمات أم كن جاهلات وهل الجنة حقا تحت أقدامهن ؟
هل الحديث مؤكد ؟وهل ثمة بقية له؟ وهل ... ؟
ليست أمهاتنا دائما على صواب . هذه حقيقة .
خربشات21 / 2 / 2016
٣
أدب العائدين : تمهيد
شغلتني نصوص العائدين منذ العام 1997 ، و وجدتني أكتب عنها مقالات نقدية أنشرها في جريدتي " اﻷيام " و " البلاد " ، وجمعت كثيرا من تلك الكتابات في كتاب صدر في طبعتين ؛ اﻷولى في غزة ( 1998 ) والثانية في دمشق ( 2008 ) . وقد راق الكتاب لدور نشر ولباحثين شباب رأوا أن يتخذوا منه نقطة ارتكاز لكتابة أطروحاتهم الجامعية ، ويبدو أن عبارة الشاعر أحمد دحبور في المقدمة التي كتبها للطبعة اﻷولى : " سيختلف الكثيرون مع هذا الكتاب وصاحبه ، وسيعطيه كثيرون أصواتهم ..... وليس إلا أن يتخفف القاريء من الآراء المسبقة ، ويشتبك مع أسئلة المؤلف وإجاباته ، حتى يكتشف لذة النص في كتاب إشكالي وغير مسبوق " ، يبدو أنها ساعدت على انتشار الكتاب وإعادة طباعته و توجيه الدارسين لدراسة اﻷدباء العائدين وأدبهم .
في بداية العام 2015 سيتصل بي الباحث أنس العيلة ، طالبا مني أن أجيب على أسئلة حول أدب العودة الذي يعد عنه أطروحة دكتوراه في جامعة ( السوربون ) ، عل مشرفه يقتنع أكثر وأكثر بأهمية الموضوع وجدوى دراسته ، وأعلمني أنس أن إجابات اﻷسئلة ستترجم إلى الفرنسية ، وستنشر ملحقا مع أطروحة الدكتوراه .
أعادتني اﻷسئلة إلى نصوص العائدين التي قرأتها وإلى نصوص أخرى لم أقرأها ، و وجدتني أجيب عن اﻷسئلة ، ثم أتوسع في الإجابة ، ووجدتني أنشر الإجابات في جريدة " اﻷيام " الفلسطينية على أربع حلقات ، ما إن انتهت حتى وجدتني أتابع الكتابة في الموضوع على مدار عشرين أسبوعا وأسبوع .
وسأركز على النثر بالدرجة اﻷولى : الرواية والقصة القصيرة والسيرة وأدب الشهادة ، مع إضاءات شعرية تكاد تقتصر على شعراء قليلين منهم محمود درويش وأحمد دحبور . وسأتوقف أمام نثر محمود درويش وكتابه " حيرة العائد " ﻷخوض في موضوع العودة وما كتبه
فيه الشاعر .
موضوع العودة كان المحرك اﻷساس ، وكان في أدب العائدين تحديدا ، وسينفتح هذا الموضوع على موضوعين آخرين أكثر من غيرهما : صورة اليهود والوقوف على اﻷطلال . ﻷول مرة يلتقي كثير من العائدين باليهود مباشرة ، وستلفت الكتابة عن اليهود نظرهم ، كما ستلفت الكتابة عنهم أيضا أدباء آخرين عرفوا اليهود ورأوهم وعاشوا معهم ، مثل محمود درويش ومحمود شقير وخليل السواحري ، خلافا لمريد البرغوثي وغسان زقطان وحسن خضر . والموضوع الثاني هو الوقوف على اﻷطلال : أطلال البروة وزكريا وحيفا ، وأطلال بيوت أقاموا فيها في رام الله ودير غسانة ، ورؤية المكان ، كالقدس ، وما طرأ عليه من تغيرات وتبدلات . وسيقف شاعر مثل محمود درويش على اﻷطلال ، بعد أن كان هاجم في بداية حياته الشعرية امرأ القيس لوقوفه على اﻷطلال . وسيخصص قسم من هؤلاء الكتاب مساحة لا بأس بها من كتابتهم لتذكر اﻷمكنة والناس ، وسيقارنون ، غالبا ، بين زمنين وبين مكان واحد في زمنين مختلفين ، وما جرى عليه من تغيرات وتبدلات ، وهو ما بدا في كتاب محمود شقير " ظل آخر للمدينة " وكتاب مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وكتاب فاروق وادي " منازل القلب " .
في كتابي " أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " تناولت أشعار محمود درويش ومريد البرغوثي وأحمد دحبور من الشعراء العائدين ، ورواية يحيى يخلف " نهر يستحم في البحيرة " ( 1997 ) ، ولم تنقطع كتابتي . وكنت أكتب دون أن أميز بين كاتب عائد وكاتب مقيم ، ولهذا ضم كتابي أيضا كتابات عن علي الخليلي والمتوكل طه وعبد اللطيف عقل وآميل حبيبي وسحر خليفة . وسأخص أكرم هنية بقراءات قصصية عن مجموعتيه اللتين أصدرهما بعد عودته " أسرار الدوري " ( 2001 ) و " دروب جميلة " ( 2007 ) ، وسأكتب عن نصوص محمود درويش ومحمود شقير وزكريا محمد ....
هذا الكتاب " أدب العائدين : تساؤلات وقراءات " يختص بأدب العائدين فقط ، ولا يدرس أي كاتب أو شاعر كان مقيما في فلسطين قبل أوسلو ، وهو كتاب يتكون من قسمين ؛ اﻷول يضم عشرين مقالة ومقالة ، والثاني يعد قراءات تفصيلية لقصائد أو كتب ﻷدباء عادوا أو ﻷدباء عائدين أصدروا نصهم اﻷول في فلسطين ، وهو أيضا يضم كتابات عن أدباء زائرين ، مثل رشاد أبو شاور وربعي المدهون وفيصل حوراني ، فهؤلاء عادوا وسرعان ما رجعوا إلى المنفى ولكنهم أتوا على تجربة العودة ودونوها .
لا أزعم أنني درست النصوص كلها التي أنجزها العائدون ، فهناك أسماء لم أتمكن من الحصول على أعمالها ، وربما تكون قالت أشياء لافتة في الموضوع ، وهناك جوانب لم أركز عليها ، مع أنها قد تكون مهمة ،ولكني أزعم أنني اطلعت على قدر لا بأس به من نصوص العائدين وعالجتها ، منذ العام 2000 تقريبا ، وهي لا تبتعد عن عنوان الكتاب .
وأخيرا فإنني لا أدعي الكمال . لقد اجتهدت وقدمت إجاباتي على أسئلة مهمة ، وأثرت أسئلة لعلها تحفل بإجابات اخرى
21 / 2 / 2016
٤
سكن الطلاب :
أحيانا تعود بي الذاكرة إلى الغرف التي أقمت فيها طالبا ؛ في الأردن وفي ألمانيا ، ولا مجال للمقارنة .
وعلى الرغم من أن غرف الطلاب في الجامعات الألمانية أفضل بكثير منها في الأردن - على الأقل في الفترة التي درست فيها ، وهي 70 و 80 ق 20 - إلا أنني الآن أتساءل :
كيف احتملت تلك الغرف ؟
أصغي إلى بعض فلسطينيي المهجر ممن يعملون في دول الخليج يتحدثون عن الإقامة في أستوديو في الأبراج ، مادحين ما فيه من امتيازات ، فأشعر بالاكتئاب وأحن إلى رائحة التراب وإلى الحديقة .
كل صباح أحمل مكنستي و أجدني أنظف الدرج والساحة بفرح ولا يجد الاكتتاب إلى نفسي طريقا .
كل صباح أنظر في الأشجار وأتذكر حنين اللاجئين الفلسطينيين إلى بياراتهم .
هل أخطأت أم سعد في رواية غسان كنفاني حين تحدثت عن جحيم المنفى ؟
رحم الله الشيوعي الفلسطيني توفيق زياد . كتب " هنا باقون " وخاطب أهل المنفى : " عودوا أنى كنتم " ، و " أناديكم " ، ولكن هيهات !
ثمة جسور كثيرة أولها جسور الاحتلال وليس آخرها .
خربشات 21 / 2 / 2018
٥
Impact Factor
قصة جامعاتنا مع النشر في مجلات ال
Impact Factor
تدعو للرثاء والسخرية .
لماذا ؟
حين تسألني إدارة للجامعة سأوضح لها المسخرة بالدليل .
خربشات 21 / 2 / 2018
٦
( أمنون نيومان ) بعد 70 عاما :
بعد سبعين عاما ونصف يعترف ( أمنون نيومان ) الذي شارك في حرب 1948 ، يعترف بأننا كنا " طيبين وسذجا " ، وأنه ورفاقه اقترف في الحرب مجازر بحق الشعب الفلسطيني وقراه ومدنه .
طردوا الفلسطينيين ودمروا قراهم ولم يكن الفلسطينيون يملكون إلا بنادق عتيقة من زمن العثمانيين ، في حين امتلك الصهيونيون أسلحة حديثة .
طبعا علينا ألا ننسى فضائل بريطانيا العظمى التي وقفت بالباع والدراع إلى جانبهم .
بعد سبعين عاما يصحو الضمير .
علينا أن ننتظر 70 عاما ليبدي (نتنياهو ) رأيه في السلطة الفلسطينية ومجازر غزة .
اللهم مد في عمره وعمر أبي مازن واسماعيل هنية ومحمود الزهار كمان .
آمين .
خربشات 21 شباط 2019
٧
الياس خوري " نجمة البحر " 18 :
حيفا بين ثلاثة روائيين
السؤال الذي ظل يراودني وأنا أقرأ الرواية هو :
ما الفارق بين صورة حيفا في الرواية التي كتبها روائي لم تطأ قدماه المدينة وصورتها في روايات عاش كتابها في حيفا عقودا ورصدوا فيما كتبوا التحولات التي طرأت على المدينة ؟
لم ير الياس خوري حيفا إلا من خلال نصوص أدبية ومن خلال وسائل تكنولوجية حل من خلالها على المكان ، وهذا ربما يذكرنا بعلي بدر الروائي العراقي صاحب " مصابيح أورشليم : رواية عن ادوارد سعيد " 2006 ، فقد كتب عن القدس معتمدا على المصادر والمراجع وصور غوغل والروايات العبرية للكتاب الإسرائيليين .
رأى الياس حيفا ويافا من خلال ال ( سكايب ) أغلب الظن ، وربما تجول في المدينتين بواسطته وقد يكون جلس على شاطيء البحر ودخل إلى المطاعم وصعد إلى الكرمل بهذه الطريقة .
بالإضافة إلى ما سبق فإنه أصغى إلى عشرات الفلسطينيين من يافا وحيفا يروون حكاياتهم ، وأغلب الظن أنه وظف ما قالوه كما أصغى إليه موظفا خبرته في الكتابة الروائية ، وما يدعم ما سبق هو توظيف اللهجة المحلية لأبناء المدينتين ، فأنت وأنت تقرأ الرواية تقرأ لهجة أهل حيفا إلى حد كبير .
هناك روائيان فلسطينيان كتبا عن حيفا وهما مقيمان فيها ، والطريف أنهما لم يوظفا لهجة أهلها في أثناء الكتابة وإنما كتبا بلغة عربية فصيحة مؤسلبين إلى حد كبير لغة الشخوص . إنها حقا لمفارقة ألا يوظف اميل حبيبي اللهجة الحيفاوية في روايته " اخطية " وهي رواية عن حيفا في حيفا ، وأن يوظف الياس خوري لهجة حيفا وهي رواية الغائب عن حيفا عن حيفا .
ربما تتطلب المقارنة بين الروايات الثلاثة حيزا أكبر بكثير من هذا الحيز ، بل إنها تتطلب ذلك .
كتب حبيبي روايته عن حيفا في زمنين ؛ زمن الكتابة 1984 وزمن الطفولة وهو ما قبل 1948 ، وكتب سلمان ناطور عن حيفا في ثمانينيات القرن الماضي ثم عاد وكتب عنها في بداية القرن الحادي والعشرين مظهرا ما ألم بالمدينة من تحولات ، فماذا عن الياس خوري ؟
يترك الياس بطله آدم يروي عن حياته في حيفا في ستينيات القرن الماضي . يروي بعد أن غادر المدينة إلى نيويورك وفيها يبدأ يتذكر أيامه التي عاشها في نجمة البحر ولا يرصد لنا صورة عن حيفا في مرحلة لاحقة لنرصد التطورات التي شهدتها المدينة .
تبقى هذه الكتابة خطاطة لكتابة تحتاج إلى تأمل وتوسع .
21 شباط 2019
٨
ادوارد سعيد ورحلات ( جيلفر ) ثانية :
عن الفقر المدقع والثراء الفاحش :
عادل الاسطة
من يومين تقريبا وأنا أقرأ عن ( كريستيانو رونالدو ) وصديقته ( جورجينا رودريغيرز ) وما خصصه شهريا لها .
لقد خصص ( كريستيانو ) ل ( جورجينا ) مبلغ 96 ألف دولار نفقة شهرية . صحتين وعافيه .
أمس ، وأنا أسير في السوق ، قالت لي امرأة مسنة :
- لا أريد منك أي شيء . فقط أريد أن تشحن لي " كرت " الكهرباء .
وغالبا ما يطلب المتسولون النقود ، ونادرا ما يطلبون ثمن كيلو خبز . مرة كانت فتاة مع أخيها وسألتني أن أساعدها بخمسة شواكل ثمن صحن حمص ، فقد أضاعت الشواكل الخمسة وتخاف ان تعود إلى البيت فأبوها سوف يضربها ، ومرة طلب مني طفل أجرة مواصلات من عمان إلى الزرقاء وتكرر هذا الطلب من شابين في الثلاثينيات من عمرهما وثالثة استدان مني صديق ٢٠٠ شيكل ليكمل قسط ابنته ولم يعدهم و .. و ..
في الأشهر الأخيرة سألني كثيرون عن قيمة المكافأة التي حصلت عليها من جامعة النجاح .
درست في الجامعة ٣٧ عاما وحصلت على مكافأة تعادل راتب أربعة أشهر من النفقة التي أقرها ( رونالدو ) لصديقته .
في قراءة ادوارد سعيد ل ( رحلات جيلفر ) ذهب إلى أن الرواية ذات بعد رمزي ، فالعمالقة أجسادا هم العالم الرأسمالي ، والأقزام هم الفقراء . ( رونالدو ) وصديقته ينتمون إلى العمالقة ، والمرأة ، مع أنها ضخمة الجسم ، تنتمي إلى الأقزام ، وأما أنا ...
رزقكم في السماء وما توعدون .
الحمد لله !
خربشات ٢١ شباط ٢٠٢٠ .
٩
الفلسطيني في الرواية العربية
" المثقف الفلسطيني : ادوارد سعيد مثالا "
( مقالي اليوم ٢٣ /٢ / ٢٠٢٠ ، في جريدة الايام الفلسطينية ، وهو هنا موسع )
في روايته " مصابيح أورشليم ، رواية عن ادوارد سعيد " ( 2006 ) يظهر الروائي علي بدر صورة إيجابية مشرقة للمثقف الفلسطيني فيختار ادوارد سعيد ليكون الشخصية التي تدور الرواية حولها ، وهو ما يفصح عنه العنوان الفرعي " رواية عن ادوارد سعيد " ، كما لو أن الرواية رواية شخصية ، علما بأن العنوان هو " مصابيح أورشليم " ومصابيح اورشليم هم الأنبياء والعظماء والمفكرون وادوارد سعيد منهم .
ويستطيع المرء أن يتوقف أمام فقرة دالة تختصر صورة الفلسطيني ادوارد سعيد فيها ، وهي :
" بعد عام تقريبا من هذا الحدث جاءني صوت زينب نصري مختنقا على التلفون:
- هل تعرف ... مات ادوارد سعيد .
شعرت بحزن كبير ، شعرت بأن الأرض مادت تحت قدمي وتخلخلت ، لقد تذكرت تلك الأيام التي عصفت بنا : نظريات ادوارد سعيد و أفكاره ، صوره وكتبه ، مقالاته ومناظراته ، حروبه وانتقاداته ، لقد كان سعيد يمثل ما كان يمثله كارل ماركس للجيل القديم ، وسارتر نسبة للجيل الستيني في العراق ، وكان يمكن أن يكون أكبر بكثير لولا التحولات السربعة والمتلاحقة ، ولولا خلو أفكاره من الرموز والشهداء " .
الفلسطيني إذن ، مجسدا في ادوارد سعيد ، كان يمكن أن يوضع إلى جانب كبار الفلاسفة والمفكرين في العالم ، لولا خلو كتابته من الرموز والشهداء . ورغم ذلك فإننا نجد صاحب المخطوط أيمن المقدسي - ومن ورائه علي بدر - حين يأتي على علاقة ادوارد سعيد بالقدس وزيارته لها بعد عقود من تركها بسبب أحداث ١٩٤٨ ، نجده يقارن ادوارد برموز أدبية عالمية حققت شهرة وما زالت في الأدب العالمي .
في أكثر من مكان هناك ربط بين ادوارد وجيمس جويس وبين القدس ودبلن وعودة كل من الشخصيتين إلى مدينته .
في بداية الرواية يأتي السارد على أيمن المقدسي ويقول عنه إنه يكره الأيديولوجيا ويؤمن بالتغيير والتحول " وهو ذاته تغير وتحول أكثر من مرة في حياته ، كمآ تحول وتغير إدوارد سعيد في حياته أكثر من مرة " وأنه منذ زمن بعيد مهتم اهتماما شديدا برواية " يوليسيز لجيمس جويس ، وقد أخبر أيمن مرة السارد بأنه يريد أن يصنع من إدوارد سعيد يوليسيز ومن أورشليم .. دبلن ، ولكنه فشل واخفق إخفاقا ذريعا " ذلك أن إدوارد سعيد لم يكن يوليسيز مطلقا ، كما أن أورشليم لم تكن دبلن أبدا .
الفكرة السابقة التي وردت في القسم الأول يتكرر حضورها في نهاية القسم الثاني من الرواية / المخطوط :
" عوليس في أورشليم ... قال إدوارد .
كان يمكنه أن يلعب هذه اللعبة ، إدوارد هو عوليس ... أورشليم هي دبلن ... يائيل هو ستيفن ديدالوس ... ايستير هي ميللي بلوم .
............
............
إدوارد سعيد مثل عوليس دبلن استاء وذراعاه متكئتان على محجر السلم .. " .
والرواية في قسمها الثاني ، وهي تتشكل من ثلاثة أقسام ، تصف لنا ابن القدس الذي عاد إليها زائرا بجواز سفره الأميركي ، بعد أن حرم من العيش فيها منذ النكبة ، حيث هجر وأهله ، وعندما عاد رأى قدسا أخرى تقوم على أنقاض القدس الغربية التي عاش طفولته فيها .
عاد سعيد ليبعث القدس التي عرفها وليفكك الرواية الصهيونية التي عملت على محو الرواية الفلسطينية والقدس العربية لتحل محلها قدس أخرى تلغي ما كان قائما .
إن رسم صورة مفصلة لسعيد في الرواية يبدو عبثا ، فالرواية كلها تتمحور حوله وأي اقتباس يعني اجتزاء يخل بالصورة ، ومع ذلك فإن الوقوف أمام الفصل الأول في خطوطه الرئيسة يمكن أن يجزي ويعطي صورة حسنة ومقبولة .
سارد الرواية هو كاتب عراقي يحصل على مخطوط رواية عن ادوارد سعيد كتبه فلسطيني اسمه أيمن المقدسي ، وقد ربطته علاقة صداقة مع السارد ومع شاب عراقي ثان اسمه علاء خليل ، وكانت الصداقة تقوم على الجدل والحوار ، فلم يكن الثلاثة متوافقين في رؤاهم ، ولهذا كثر الجدل بينهم والنقاش .
كان أيمن المولود في العراق معجبا بادوارد سعيد وقرر أن يدرس معه الدكتوراه في الأدب المقارن .
على النقيض من أيمن كان العراقي علاء خليل المتأمرك والمتؤورب الكاره لثقافته العربية وللعرب والمعجب بكل ما هو غربي والطامح ، مثل أبيه ، أن يصبح كاتبا كبيرا يكتب رواية على غرار الروايات الأوروبية يصور فيها حياة الغربيين لا العرب ، ولم ينكسر طموحه هذا إلا بعد احتلال العراق وتهافت الادعاءات الأميركية وتهافت منظري سياساتها الكبار وعلى رأسهم برنارد لويس وكنعان مكية . وحين يرى ما ألم بالعراق ، وحين يقابل كبار منظري الاستشراق الأميركي ، يشعر بخيبته من الغرب ، وكما فشل أبوه في أن يصبح كاتبا كبيرا أخفق هو أيضا .
على النقيض من علاء يبدو السارد الذي يأخذ على عاتقه نشر رواية أيمن ، ويتطابق السارد وهو عراقي أيضا ، مع المقدسي ، ويكون ادوارد سعيد مثالا له ، ونخلص بعد قراءة الفصل الأول إلى أن ادوارد وأيمن والسارد يتشابهون في مواقفهم ورؤاهم ، وهكذا يكون ادوارد سعيد ملهما للفلسطيني المنفي وللعراقي المنفي في وطنه والذي أجبر على أن يشارك في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام ، بل ويشارك في حرب الخليج الثانية ويرى احتلال القوات الأميركية لعاصمة العراق .
في القراءة عن حياة أيمن في العراق نقرأ عن الفلسطيني المنفي الذي كان موضع غيرة وحسد من قسم من العراقيين ، فالنظام العراقي أعز الفلسطينيين وأكرمهم فوقفوا إلى جانبه ، وهذا ما لم يرق لعلاء خليل المعارض للنظام ، ما جعله يغار من أيمن ويحسده ، وتزداد الغيرة ويكبر الحسد حين يتنافسان على حب زينب نصري العراقية التي تدرس الأدب المقارن وتعود من أميركا لتدرس في بغداد .
يكمل أيمن دراساته العليا في أميركا ولا يذهب إلى الجبهة ، وهو ما لا يتحقق لعلاء وللسارد ، وهنا يشعر علاء أن الفلسطيني حل محله وأخذ فرصته .
في أثناء رسم السارد صورة أيمن نقرأ عن فلسطيني إيجابي منتم إلى قضيته ويدافع عنها ويبدو مثقفا ثقافة واسعة وكتلة نشاط ، وهو بذلك يترسم خطى أستاذه ، فقد " كانت تتجمع في ذهنه أفكار ادوارد سعيد ، حياته ، مسيرته ، الأشعار التي كان يحفظها وهو طفل ، صوره ، ويدمجها في حياة المدينة القديمة ، يدمجها في الأحداث التاريخية ، وصور الامبرطوريات المتعاقبة... " ، وأعتقد جازما أن الصورة التي رسمها علي بدر لهذا الفلسطيني تنطبق عليه وعلى سارده ، إن فصلنا بينهما .
تبدو الفقرات التي ترسم هذه الصورة المشرقة للفلسطيني ، من خلال ادوارد وأيمن ، كثيرة ، ولسوف أكتفي بفقرة أو فقرتين دالتين .
الفقرة الأولى تصف أيمن على النحو الآتي :
" كان غامضا وحالما ومفعما بالنبل والعمق ، طراز غامض وحزين وبعيد عن هذه الأجواء التي كان علاء يحبها ، وفي الوقت الذي تصرف أيمن المقدسي بحذر ، بتكتم شديد وهو ما يصم ويميز المنفي والغريب واللاجيء .. كان علاء خليل يدور بكل ألفة حول المكان ، بثقة الساكن المتجذر والمواطن الأبدي .. "
والفقرة الثانية تخص الجهد الذي بذله أيمن لتأليف روايته :
" كان يعمل من الصباح إلى المساء كي يجمع كل شيء عنها : كتابات تاريخية ، خرائط عتيقة ، نقودا قديمة ، وثائق ، مذكرات ، شهادات أحياء ، كان يحاول أن يسأل عنها كل من يعرفها ، أو قرأ عنها ، أو رآها ، أو عاش فيها ، أحيانا يتصل بالتلفون بأناس عديدين ، بشخصيات مهتمة بها ، في أميركا في إسرائيل في العالم العربي ، ومن مختلف الناس : أجانب ، مسلمون ، مسيحيون ، يهود ، كان يجمع الكاتالوجات السياحية ، مخططات المدينة ، دعاياتها ، إعلاناتها ، خطوط باصاتها ، قصصها ... الخ "
فأي فلسطيني هو هذا ؟
إنه في النهاية ادوارد سعيد ، وهو أيضا الروائي العراقي علي بدر المعجب بادوارد سعيد .
هذه الصورة للفلسطيني تذكرنا بصورة الفلسطيني في روايات جبرا وهي الصورة التي تبرزها أيضا له العراقية أنعام كجه جي في روايتها الأخيرة " النبيذة " ، فمنصور البادي فيها مقدسي مثقف ولاجيء يستقر في فنزويلا ويغدو أستاذا جامعيا مقربا من الرئيس الفنزويلي الراحل ( شافيز ) يؤثر فيه ويكون له هاديا ونبراسا .
ليست " مصابيح أورشليم " الرواية العربية الوحيدة التي يحضر فيها ادوارد سعيد ، فهو يحضر في رواية الياس خوري " أولاد الغيتو: اسمي آدم " ( ٢٠١٦ ) ، وكنت توقفت أمامه في كتابي " أسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو ، اسمي آدم " ( دار الآداب ، بيروت ٢٠١٨ ) .
على أن أهم ما في الرواية هو سؤال الهوية ، فهل حين نكتب عن إدوارد سعيد ، ونحن نكتب عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية ، نعده فلسطينيا ونكتب عنه كشخصية فلسطينية ؟
في الصفحات الأخيرة من الرواية يتوقف صاحب المخطوط أمام هوية سعيد ، فيكتب :
" وقد كان إدوارد سعيد لاجئا ولكنه لم يعان قط مصير أي لاجيء تعيس ، إنه فلسطيني في أميركا ، وأميركي في فلسطين ، ومسيحي بين المسلمين ، وعربي بين الأميركيين ، وكان طفلا أميركيا باسم عربي واضح ، وكان يرتدي ملابس مدرسة بريطانية في مدرسة أميركية ، وكان انجلوفونيا في مجتمع فرانكفوني . لقد كان ببساطة فلسطينيا وأميركيا وعربيا ومسيحيا وهو عالم بأكمله ... " ( ٢٧٥ ).
ثمة ملاحظة تجدر الإشارة إليها في تتبع صورة ادوارد سعيد في الرواية والحياة عدا انفتاحه على عوالم الآخرين ومحاورتهم والتحدث معهم ، وهذا تحفل به الرواية التي تأتي على علاقاتها باليهود ومصاحبتهم ، وهي المظهر الخارجي له ، وكل من شاهده عن قرب يعرف مقدار أناقته .
تصف الرواية بيته على النحو الآتي :
" في الواقع إن ما جذب ماريبو عند دخوله المنزل في تلك اللحظة هو مظهر ادوارد سعيد ، ذلك العازف الساحر بشحوبه وأناقته وقد حافظ على مظهر ارستقراطي خجول ذي طابع متوحش ، أما ملابسه فقد كانت في غاية الأناقة ، وقد انبعث منه عطر راق يتجول بخفة مع الألحان العذبة في فضاء الصالة " .
تنتهي رواية " مصابيح أورشليم ، رواية عن ادوارد سعيد " بالسطر الآتي :
" الملاحظات كثيرة ، واخترت منها هذا القدر فقط " ويبدو أن هذا السطر هو الأنسب لإنهاء الكتابة عن الفلسطيني في رواية علي بدر ، فالكتابة كثيرة وما كتبته عن ادوارد سعيد وأيمن المقدسي غيض من فيض " الملاحظات كثيرة " وأكتفي بما كتبت وليس للقاريء إلا أن يعود إلى الرواية .
الجمعة ٢١ شباط ٢٠٢٠
١٠
الست كورونا : تطعيم ١٠٠،٠٠٠ عامل فلسطيني ( 198 )
دولة أبناء العمومة الرؤوفة بالفلسطينيين تقرر تطعيم مائة ألف عامل فلسطيني يعملون في مصانعها وورشاتها . يعني خمسة أضعاف ما سيقدم عليه الفلسطيني المدعوم من الإمارات محمد دحلان .
ما قررته الدولة ذكرني بما جرى في العام ١٩٤٨ في حيفا . طردت العصابات الصهيونية سكان المدينة العرب تحت أنظار القوات البريطانية وبمساعدتها أيضا وبقي من العرب بضعة آلاف رفضوا الهجرة ، وحين اتصل قائد المعركة برئيس الوزراء الاسرائيلي ( بن غوريون ) يخبره بما جرى طلب منه ( بن غوريون ) طرد البقية ، فلم يلب القائد طلب رئيسه . لماذا ؟ لأنه دونهم لن يجد الاسرائيليون من ينظف الشوارع ويخبز الخبز و ... وقد قرأت هذا في كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) " التطهير العرقي " ، وكان الروائي اميل حبيبي في روايته " المتشائل " ترك بطله سعيد يرد على الضابط الذي اقتاده إلى السجن وأخذ يعايره بأن اليهود يعمرون والعرب يخربون ، فيقول له : إن هذا الخضار والعمار هو من صنع أيادي العرب الباقين .
وأنا ذاهب إلى المدينة كان الوضع في مخيمي عسكر القديم وبلاطة يوحي بأن الإغلاق غير ناجح ، فالحياة تسير كما في كل يوم : المحلات مفتوحة والناس تبيع وتشتري وسيارات العمومي أكثر من الهم على القلب ومثلها السيارات الخاصة .
سائق العمومي الصديق أبو علي قال عندما رأى الحياة في المخيمين طبيعية :
- نحن أهالي المخيمات محصنون ضد الكورونا .
وأنا قلت :
- ربما أدار الفايروس لهم ظهره قائلا : يكفي ما هم فيه . فقر وغربة وبيوت متلاصقة و ... .
في نابلس كان الوضع مختلفا . المحلات مغلقة ولكن الناس في الشوارع وبعض أصحاب المحلات يعرض بضاعته أمام أبواب محله المغلقة .
أشرطة الفيديو التي وصلتني لم يكن لها علاقة بالكورونا . أول أمس تمحورت الأشرطة حول الثلج الذي كسا بعض المناطق ، وأمس كان الشريط اللافت هو الشريط الذي أرسله إلي الأستاذ عمر القزق من قرية دوما حيث قوة الأمطار وغزارتها والثلوج أوجدت شلالات تذكر بشلالات عالمية معروفة . هل ستصبح بعض الأودية أنهارا ؟
كل شيء في زمن الكورونا ممكن ؛ الزواج بصمت والموت بصمت والعيش بصمت والتسليم بصمت والتعليم بصمت و ... .
وعلى الرغم من قلة الدخل والأعمال وتراجع الاقتصاد إلا أن الفتيات يحلمن ببدلة العرس المكلفة وحفل الزواج في الصالة وكان الله في عون الشباب .
خربشات ٢١ شباط ٢٠٢١
١١
أقرأ في " لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " لخالد خليفة :
اقرأوا المقطع الآتي عن واقع أساتذة الجامعات والمدارس في الجامعات السورية .
طبعا النص يأتي على جان عبد المسيح الذي عاد من سويسرا ليقيم مع أمه المريضة ، وأخذ يعلم اللغة الفرنسية ، وضاق ذرعا بالإصغاء إلى نشيد الحزب والإشادة بالقائد ، فلم يردد النشيد مع زملائه ، فوشوا به ، وفصل من عمله .
" أسرها صمته وابتسامته الرقيقة ، تحاشى اصطدامه مع حزبيين حاولوا استفزازه أكثر من مرة ، لم يجد فرع الحزب معلمي لغة فرنسية حزبيين بعد هجرة أغلب الأساتذة المرموقين وفصل البقية بحجة عدم الولاء ، في حملة تطهير لم تترك في المدارس والجامعات إلا الحزبيين ، تغاضوا عن وجوده ، أصبح منسيا بين أساتذة حزبيين ، بعضهم يفاخرون قبل دخولهم الصف بوضع مسدسات مكرويف روسية وزعت عليهم أثناء أحداث الثمانينيات تحت قمصانهم ، يزعقون طوال اليوم بولائهم ، يتفننون بأساليب المزاودة وادعاء القرابة بضباط أجهزة الامن،" ( ص44 ، 45 )
هل سنصل ذات يوم في فلسطين إلى هذه الدرجة ؟
في أكثر الدول العربية لا تعين في أية جامعة إلا إذا وافقت المخابرات على ملفك وعليك ، وأعتقد أن الأمور في جامعاتنا لم تصل إلى ما هو مكتوب في الرواية ، ولكن إن غضب عليك من إدارة جامعتك ، فقد تمنع من السفر للمشاركة في مؤتمر ، وهذا مؤشر خطير يقول لنا إننا إن امتلكنا دولة حكمها فرد متسلط فسنصل إلى ما هو موجود في العالم العربي .
الحمد لله لم يبق لي أكثر من خمس سنوات خدمة ، وأنا عموما من الآن مش ، وأكرر بالعامية ، مش سائل ،
خربشات 21 / 2 / 2014
١٢
الأستاذ رامي قواريق : أشكرك :
هل وافق الألمان أخيرا على ختم شهادتي ؟
الأردن لم تختم شهادتي البكالوريوس والماجستير أو أنا لم أختمهما .
ما حاجتي إلى الشهادات ؟
أحيانا أشعر بالخجل حين يقال لي دكتور .
لماذا ؟
أعتقد أن كتبي ودراساتي التي أنجزتها بعد الحصول على الدكتوراه هي شهاداتي التي أفخر بها . ندواتي . مؤتمراتي التي اشارك بها . مقال الأسبوع في الأيام . محاضراتي وملاحظة ردود أفعال الطلاب وسرورهم .
" ذو الوعي يشقى "
قال المتنبي .
إنه الشقاء المحبوب .
قال محمود درويش على لسان ( اوديب ) :
" ماحاجتي للمعرفة ؟ "
أنا أقول :
ما حاجتي للشهادة ؟
أحيانا تكون الشهادات عبئا يتطلب من صاحبها الكثير الكثير ..
حين عاد الشاعر أحمد دحبور إلى الوطن وقارنت ما هو عليه من ثقافة بما عليه كثييرون من حملة الأستاذية لا الدكتوراه - قلت : المطلوب مني أن أكون ندا .
وتذكرت غسان كنفاني :
" لا تمت قبل ان تكون ندا ".
وسأحاول أن أكون ندا له ولمحمود درويش .
هل غدوت ندا ؟
يكفي أن درويش كتب :
" إلى ناقد "
وكتب :
" أثر الفراشة " .
أعتقد أنني غدوت ندا ، وهذا أهم من الشهادات .
لست بحاجة إلى الختم والشهادة .
تحياتي
21 / 2 / 2013
١٣
مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ٢٦ / ٢ / ٢٠٢٣
الكاتب والمكان :
حول الكتابة عن القدس في الأدب
لم أقرأ كتاب ( غاستون باشلار ) الذي ترجمه غالب هلسا . قرأت الاقتباسات الكثيرة التي استقاها منه الدارسون وهم يخوضون في عنصر المكان ، وقرأت ما كتبه عن الكتاب الناقد المغربي حسن نجمي في كتابه " شعرية الفضاء : المتخيل والهوية في الرواية العربية " ( ٢٠٠٠ ) . لم ترق ترجمة هلسا التي كانت عن لغة وسيطة هي الإنجليزية ، لنجمي ، ولغة الكتاب الأولى هي الفرنسية .
المكان الأليف والمكان المعادي والمكان المحايد والمكان المغلق والمكان المفتوح والمكان ... والمكان ... هي مصطلحات عديدة استخدمها الدارسون وهم يكتبون عن المكان في النص الأدبي . وقليلون منهم من ميز بين الفضاء والمكان اللذين ميز بينهما نجمي .
ربما أثرى ( الن روب غرييه ) في كتابه " نحو رواية جديدة " معلوماتي عن المكان والوصف في الرواية والفرق بين الأخير - أي الوصف - في الرواية الكلاسيكية التقليدية والوصف في الرواية الحديثة ، بخاصة حين كتب عن الوصف الذي يجعل القاريء يرى تأثير الزمن على المكان والأشياء وعن الوصف الذي لا وظيفة له ؛ الوصف الذي يكون لمجرد الوصف فقط .
وأنا أكتب عن القدس في الأدب الفلسطيني والعربي ، وأيضا في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " توسعت في الكتابة عن علاقة الكاتب ، وهو يكتب عن القدس ، بالمدن الأخرى وتساءلت إن كان يكتب عنها كما رآها أو كما قرأ عنها في الكتب أو كما يتخيلها . ( رأى هرتسل القدس ، كما قرأ عنها ، مدينة من ذهب ، وحين زارها أحبط فلم تكن كذلك ، ولكنه رسم لها صورة متخيلة جميلة لما ستكون عليه .
هكذا كتبت عن مدن راشد حسين ومدن مظفر النواب ومدن أمل دنقل ومدن محمود درويش ومدن أحمد دحبور : القدس في ضوء مدن الشاعر التي كتب عنها .
عندما قرأت قصيدة عز الدين المناصرة " القدس عاصمة السماء " كتبت عنها ولم أمدحها ، فقد لاحظت أن الشاعر يفتعل الكتابة . لقد كتب عن القدس لأن الكتابة عنها منذ كتب تميم البرغوثي قصيدته التي ذاعت وانتشرت صارت موضة أو صارت جواز سفر للشهرة .
ثمة منهج يقرأ الجزء في ضوء علاقته بالكل ، فلكي نعرف مكانة مدينة ما في نظر شاعر علينا أن ننظر في علاقته بالمدن الأخرى ومكانتها لديه . أهو المنهج الجشطالتي ؟
لم تكن القدس المدينة الأولى لأي من الشعراء المذكورين ، وحين كتب تميم كتب عن تجربة مر بها وقبله فعل الشيء نفسه محمود درويش .
مدينة درويش هي حيفا وهي أيضا مدينة دحبور ، ومدينة دنقل هي المدينة المقاومة ( السويس ) لا القاهرة ، ومدينة مظفر النواب هي دمشق وبغداد وكتابته عن القدس جاءت ليعلن موقفا سياسيا ومثله دنقل .
ربما كانت القدس مدينة فوزي البكري الأولى والوحيدة وهي بالتأكيد مكانه الأليف كما لم تكن لغيره ممن زارها أو كتب عنها عن بعد ، وحين كتب عنها لم يفتعل الكتابة ولم يكتب لأن المناسبة اقتضت ذلك . كان البكري يكتب حياته في القدس قبل أن تكثر الكتابة عنها وقبل أن تعقد المؤتمرات العربية والإسلامية لأجلها وقبل أن تعلن عاصمة للثقافة العربية ، وظني أن أكثر القصائد التي كتبت عنها في بداية الألفية الثالثة كتبت عنها بدافع الخوف على ضياعها وضرورة التركيز عليها للحفاظ على طابعها العربي والفلسطيني والإسلامي والمسيحي . ( في القصة والرواية والمذكرات أذكر السواحري وشقير وهنية مثالا )
طبعا ينبغي ألا ننسى أن بعض الأدباء والشعراء العرب ممن يقيمون في المنافي قد تربطهم علاقة روحية بالقدس فكتبوا عنها من هذا المنطلق ، هنا أعني الأدباء والشعراء ذوي التوجه الديني ، ومع ذلك فقد كان هؤلاء نادرين قبل ١٩٦٧ .
وأنا أكتب عن حضور المدينة في الشعر الفلسطيني لاحظت أن شاعرا فلسطينيا هو المتوكل طه لم يكتب عنها قبل العام ٢٠٠٠ الكثير ، ولكنه بعد هذا العام أفرط في الكتابة إفراطا لافتا ، علما بأنه كان يعمل فيها قبل العام ١٩٨٧ وتيسر له في حينه التجوال فيها بحرية ، بخلاف الفترة التي تلت العام المشار إليه .
في العام ٢٠٠٩ مثلا أصدر المتوكل كتابا أنيق الإخراج عنوانه " نصوص ايلياء ويبوس " ، وهو كتاب يجمع فيه نصوصا نثرية وشعرية ، ولكنه في حدود ما أعرف لم يتلق تلقي قصائد درويش وقصيدة تميم على مستويي الإصغاء إلى صوت الشاعر وكتابة دراسات نقدية حوله . لقد كتبت حول قصائد درويش وتميم دراسات عديدة . ومع ذلك لم يتوقف المتوكل في الكتابة عن القدس ، إذ عاد وخصها بقصائد جديدة كلاسيكية البناء ومنها قصيدة " القدس اسم عاشقة " وقصيدة " القدس مطلع عيدنا " ، ولكن عبثا اشتهرتا اشتهار قصيدتي الشاعرين المذكورين وحظيتا بدراسات عديدة من دارسين مختلفين ، علما بأن محمد حور قال عن المتوكل في كتابه " تجليات القدس في الشعر المعاصر " بأنه كان في الأولى مختلفا عن بقية الشعراء ( صفحة ١١٨ ) .
يستطيع القاريء أن يتأكد من آرائي التي أذهب إليها بالعودة إلى ما كتب من دراسات أو متابعة الفيديوهات التي تشاهد ويصغى إليها بصوت الشعراء .
هنا يجب البحث عن السبب : أيعود إلى أسبقية الكتابة أم إلى جماليات القصيدة أم إلى صدور الكتابة عن تجربة أم إلى قدرة صاحبها على الإنشاد أم إلى كاريزما الشاعر أو موقف سياسي ووطني منه ؟
إن عدنا إلى كتاب عبدالله الخباص " القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن "(١٩٩٥) فسنقرأ إحصائية بأسماء عشرات الشعراء الذين ذكروا القدس في قصائدهم ، وقد أضفت إليهم شعراء آخرين كتبوا بعد انتهاء الخباص من دراسته ، وأضاف إلى الدراستين محمد حور في كتابه أسماء جديدة ذكرت القدس في قصائد كتبتها بعد ١٩٩٨ .
صارت الكتابة عن القدس مفرطة لدرجة لا نلوم فيها من يكرر أسطر محمود درويش في العام ١٩٧٣ :
" يا أيها الشعراء لا تتكاثروا
ليست جراحي منبرا " .
لعلني مخطيء !!
الكتابة تطول والمساحة محدودة
٢١ و ٢٢ و ٢٣ / ٢ / ٢٠٢٣
( مقالة الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٦ / ٢ / ٢٠٢٣ ) .
١٤
كتابة قصائد القدس :
تذكرت وأنا أقرأ كتاب الدكتور محمد حور " تجليات القدس في الشعر المعاصر " وألاحظ كم القصائد وعدد الشعراء الذين كتبوا قصائد في القدس وأيضا عدد الدراسات العلمية والكتب والأبحاث حولها ، تذكرت قصيدة محمود درويش في ديوانه " محاولة رقم ٧ " ( ١٩٧٣ ) " الخروج من ساحل المتوسط " .
في القصيدة يقول إن الرثاء تعب من الضحايا وإن الضحايا جمدت أحزانها " أواه ! من يرثي المراثي "
ولكثرة قصائد الرثاء ، وكان هو نفسه بعد خروجه من الأرض المحتلة تحول إلى شاعر رثاء ، فإنه خاطب الشعراء بالآتي :
" يا أيها الشعراء لا تتكاثروا
ليست جراحي دفترا
يا أيها الزعماء .. لا تتكاثروا !
ليست عظامي منبرا " .
مات الشاعر في العام ٢٠٠٨ ، ومنذ وفاته تكاثر الشهداء والزعماء والشعراء والكتاب و ... وكثرت الكتابة عن القدس أيضا التي لم يخصها هو وأحمد دحبور بما خصا به مدينة حيفا .
ماذا لو امتد به العمر وقرأ القصائد التي تكتب في القدس والدراسات التي تناولتها وتناولت ما كتبه شخصيا عن المدينة المذكورة ؟
لست شخصيا ضد أن يكتب أي شاعر أو أي دارس عن القدس ، ولكني أتمنى من هؤلاء وهؤلاء أن ينظروا في نتاج من سبقوهم وأن يسائلوه وبعد ذلك يمكن أن يكتبوا - يعني أن يبنوا نتاجهم على النتاج السابق .
هل أحور في سطر محمود درويش بعد أن أورده أولا :
" يا أيها الشعراء الذين يكتبون قصائد قدس : لا تتكاثروا "
و
" يا أيها الدارسون لا تتكاثروا إلا إذا أضفتم للدراسات السابقة شيئا جديدا !"
أعتقد أنه ليس من حقي .
خربشات ٢١ / ٢ / ٢٠٢٣ .
١٥
فجر اليوم ( ١٣٨ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
عائلات بأكملها تباد
ما إن انتهيت من إدراج قصيدة الشاعر نزار قباني " متى يعلنون وفاة العرب ؟ " حتى أعلمني صديق أن جارهم في حي الجنينة شرق رفح الدكتور ناصر أبو النور ارتقى وعائلته قبل نصف ساعة ، والدكتور أصلا من مخيم الشابورة غادره يوم تحسنت أوضاعه المادية . لجأ والده في العام ١٩٤٨ من قرية حتا بين غزة والخليل .
ارتقى الدكتور ناصر وزوجته مجدة يحيى وأبناؤهما نور ومنى وآيات وعبد الرحمن ، وحفيدتهما كنزي عبد الرحمن جمعة .
درس الدكتور بالمعمداني وأكمل دراسة التمريض في أمريكا وحصل على الدكتوراه ، وقد ارتقى أبوه في العام ١٩٥٦ ، وهو وحيد أمه التي لم تتزوج حتى تربيه ، فكانت تبيع في الأسواق وكانت ملكة جمال في كل شيء .
هل بدأ فايز الدويري يدرك الحقيقة حين قال مؤخرا إن الهدف من العدوان هو إبادة الفلسطينيين ؟
منذ البداية قالها الإسرائيليون : لنعتبر المخطوفين قتلى حرب ونضرب غزة بالنووي .
هكذا كتب إلي الصديق ، وما كتبه كان شاعرنا إبراهيم طوقان قاله في ثلاثينيات القرن ٢٠ :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة " ؟
كم مرة ، في هذه المقتلة ، كررت هذا البيت ؟!
تصبحين على خير يا غزة !!
لك الله .
خربشات ٢١ / ٢ / ٢٠٢٤ .
١٦
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
يوميات مقتلة غزة وإبادتها وإهلاكها جوعا
لا أعرف إن كان هناك من كتب يوميات المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ؛ يوما يوما صباح مساء ، ولا أرجح أن من يكتب اليوميات أو يصدر كتابا تحت عنوان " يوميات " كتبها يوما يوما ، ولنا في الأدب الفلسطيني نماذج من خليل السكاكيني " يوميات السكاكيني " مرورا ب " يوميات الحزن العادي " لمحمود درويش و" يوميات غزة " لمعين بسيسو ، والأول هو أكثر من كتب اليوميات يوما يوما .
كنت أتابع صفحات عديدة لكتاب غزة المقيمين فيها لأقرأ يوميات ، فلم تشف غليلي باستثناء ما كتبه عاطف ابوسيف الذي عاش أجواء الحرب حتى يومها الخامس والثمانين ، ثم خرج من معبر رفح .
ولكي أكون أكثر صدقا فإن الصفحات التي تابعتها هي ل عثمان حسين و نعمة حسن و طلعت قديح و محمود جودة و عمر حمش و مريم قوش و شجاع الصفدي وخضر محجز ود.آلاء القطراوي ، وهناك إبراهيم خشان الذي لم أقرأ له من قبل . لقد كتب هؤلاء ، ومنهم من كتب يوميا ، ولكن نصوصهم كانت قصيرة غالبا ، وغالبا ما غلب عليها الطابع الإخباري ، ولا يعني هذا أن قسما منهم لم يكتب نصوصا تنفلت من السمة الإخبارية ؛ نصوصا لا تخلو من جماليات ما .
هل كان لسان حالهم هو قول محمود درويش في " حالة حصار " ( ٢٠٠٣ ) :
" الشهيد يعلمني : لا جمالي خارج حريتي " ؟
عندما كنت أحيانا قليلة ألتفت إلى خطأ لغوي أو نحوي - قد أقع أنا أيضا فيه - رد علي بعض الكتاب أن هذا ليس وقته .
كان أبو سيف بصفته الروائية يكتب موظفا قدرته اللافتة في السرد . كان يكتب في ظروف صعبة قاسية ، واللافت هو اهتمامه بالتفاصيل التي خلت منها كتابات الآخرين ، وعندما سألته كيف يكتب ما يكتب في هذه الأجواء ، أجابني بأنه يعاني كثيرا في الحصول على النت وشحن اللابتوب ، وأنه يستغل أماكن ، يرتادها في ساعات محددة ، تخلو من البشر .
وأنا أتصفح بقية ما كتبه غيره لاحظت أن أغلب كتاباتهم أقرب إلى المقطوعات القصيرة التي تصف ، وتعبر عن مشاعر آنية لحظية ، نادرا ما حفلت ببعد معرفي مستمد من كتابات سابقة ، وغالبا ما كان سبب ذلك الحالة النفسية وانقطاع الكهرباء والنت وعدم توفر أجواء القراءة والكتابة في ظل الاكتظاظ السكاني في الأماكن التي يقيمون فيها .
ومما لاحظته أيضا أن نصوص أدباء غزة في حروبها السابقة لم تستحضر ، فالحرب هذه هي استمرار لحروب عديدة عاشها القطاع من قبل ، من ١٩٥٦ و ١٩٦٧ حتى ٢٠٢١ وهذه الحرب ، وهذا دفعني إلى التساؤل عن السبب :
- أهو الظرف الذي يمرون به أم هو انقطاعهم عن قراءة النصوص السابقة أم عدم بقائها في ذاكرتهم ، إن هم قرأوها ؟
هذه الحرب هي استمرار لحروب سابقة ، وما يتردد فيها من حديث عن تهجير وإبادة كتب عنه إبراهيم طوقان ، وما يقال عن تهجير وتوطين في سيناء كتب عنه معين بسيسو في كتابيه " دفاتر فلسطينية " و " يوميات غزة " عن خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن ٢٠ ، وبالتالي يفترض أن تستحضر ذاكرة الكاتب تجارب سابقة ليبني عليها .
عندما بدأت أكتب يوميات غزة في هذه المقتلة ، وكنت كتبت يوميات حرب ٢٠٢١ ، وجدتني أعيش الحرب وأعيش أيضا الحروب السابقة ، كما كتب عنها كتاب كثر سابقون ، غير طوقان وبسيسو ، وأبرزهم محمود درويش وهارون هاشم رشيد وغريب عسقلاني ومريد البرغوثي وفدوى طوقان وزياد عبد الفتاح ... و .. ولعل ما ساعدني في ذلك هو ذاكرة ممتلئة بالنصوص السابقة ، ومكتبة تحفل بها كتب أصحابها ، وترف وقت لم يتوفر لكتاب غزة المقيمين فيها ، وقلق اللحظة قلقا إيجابيا لا قلقا سلبيا ، وتفرغ تام للكتابة تفرغا لم يحفزني لقراءة كتاب أو موضوع خارج محيط المقتلة ، وربما لأول مرة منذ عقود لم أقرأ كتابا جديدا أو أشاهد مبارة كرة قدم أو ... .
غير أن الذاكرة والنصوص السابقة وترف اللحظة والحالة لم تكن كلها وراء ما كتبت ، فهناك نشرات الأخبار وأشرطة الفيديو وقراء الصفحة وملاحظاتهم وهم لا بأس بهم ، وما أسمعه في الحافلة وفي الشارع أيضا على قلته ، ثم الأصدقاء الذين أمطروني بأشرطة فيديو ومقالات وحوارات بيننا عبر الماسنجر غالبا أو عبر الهاتف ، وكنت أصوغ بعض هذه الحوارات لتثري النص المكتوب ، كما كنت أتكيء على التعليقات أحيانا في كتابة موضوع استوحيته منها .
في حوار مع إحدى الفضائيات سألتني المحاورة إن كانت كتابة اليوميات مرهقة فأجبت بأنها تستهلك مني وقتي كله ، ولكن ما قيمة هذا أمام ما يعانيه المواطنون الغزيون !!
كتابتي هي كتابة من خارج مكان المقتلة . هكذا يجب أن ينظر إليها ولا أظنها مختلفة اختلافا كليا عن تلك اليوميات التي كتبتها في العام ٢٠٢١ .
في العام المذكور بدأت أكتب سلسلة يوميات تحت عنوان " ذاكرة أمس " واخترت لها أولا مدينة نابلس وشارع النصر في البلدة القديمة منها ، ثم اندلعت الحرب في غزة فشعلتني عن الشارع وما فيه ، وعندما بلغ عدد اليوميات مائة وجمعها لي الصديق المغربي مهدي ناقوس فكرت أن أصدرها في كتاب طلبه مني صاحب مكتبة دار الشامل في نابلس ، وتعذر إصداره . لقد اخترت للكتاب عنوان " يوميات شارع النصر وحرب غزة " .
في الحرب الدائرة حاليا اتصل بي الروائي زياد عبد الفتاح المقيم في مصر واقترح علي أن نصدر معا كتابا يحوي ما كتبه وقسما مما كتبت وهو ما كان ، فقد صدر الكتاب في هذا العام عن دار ميريت المصرية . وأظن أنه سيمكن القراء من التمييز بين شكلين من الكتابة ، وإذا قرأ المرء كتاب عاطف ابوسيف فسوف يرى الفارق واضحا بين الكتابة عن الحدث من غزة ومن الضفة الغربية ومن القاهرة .
والخلاصة أن كتابة يومياتي ما كان ليتم على ما كانت عليه لولا رفد الآخرين لي بمواد واقتراحات وأشرطة . إنها يومياتي ويومياتهم ويوميات غزة .
الأربعاء والخميس ٢١ و ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٤
( مقال لدفاتر الأيام الفلسطينية ٣ / ٣ / ٢٠٢٤ )
١٧
مساء اليوم ( ١٣٨ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
إشاعات ... إشاعات :
وأنا جالس في مقهى الهموز في نابلس في الأجواء المشمسة في هذا النهار أصغيت إلى حلقة عما نقلته وكالة أنباء إيلاف السعودية اعتمادا على مصادر إسرائيلية . موصوع الحلقة هو أن يحيى السسنوار ترك قطاع غزة مع الأسرى الإسرائيليين ، وهو الآن في سيناء .
قبل حوالي أسبوعين تكلم أبو حمزة الناطق باسم سرايا القدس وقال إن الجيش الإسرائيلي لو فتش غزة كلها ذرة ذرة فلن يعثر على الأسرى ، فتساءلت :
- هل صار الأسرى الآن في إيران ؟
المخيلة تشت وتشط أيضا ، ونحن الآن في اليوم ١٣٨ من بداية ٧ أكتوبر ، ولم تحرر القوات الإسرائيلية سوى اثنين من ١٣٦ والأوضاع تزداد قسوة وسوءا والكنيست الإسرائيلي صوت اليوم بالأغلبية الواضحة ضد إقامة دولة فلسطينية .
هل يمكن أن يكون السسنوار غادر ؟ وهل تخطر الفكرة أصلا في ذهنه ؟
أنا كاتب قرأ روايته " الشوك والقرنفل " ( ٢٠٠٤ ) وكتب عنها ، وعندما طلب مني أن أتحدث عن التشبث بالوطن في الرواية الفلسطينية لم أغفل ما ورد فيها بهذا الموضوع .
إن إبراهيم الذي تضيق به سبل الحياة في قطاع غزة يرفض الهجرة ويصر على البقاء فيها ولو عاش على " الرغيف وحبة الزيتون " وفي الرواية يرتقي .
هل يمكن تخيل خروج " أبو إبراهيم " من غزة ؟
شخصيا أرجح أنه لن يخرج حتى لو أسر أو ارتقى أو ... ؟
المدينة تسعى والحصار يشتد ولكن ما نحن فيه وعليه لا يكاد يذكر ، بل إنه لا يذكر ، أمام ما يعيشه أهل غزة .
إن كان محمود درويش في " حالة حصار " ترك يهوددي " تاجر البنندقية " ( شايلللوك )يتساءل :
" أليس لليهوودي قلب ؟
فإن ما يجري في غزة يقول :
- ليس للصهيوني قلب !!
لم يكن وزير الحرب الإسرائيلي يهدد حين قال :
- لا كهرباء لا ماء لا بنزين وسولار ولا طعام .
وكان يجب أن نتأمل ملامحه ونسترجع ملامح ( أدولف ) وهو يخطب ضد اليهود .
هل انحدر ( يوآف غالانت ) من أصول ألمانية جرمانية ؟؟!!
( والداه يهوديان بولنديان هاجرا إلى يافا في العام ١٩٤٨ ) .
٢١ / ٢ / ٢٠٢٤
١٨
غزة : شعب بسبعة أرواح
للتو قرأت في صفحة د. هيا فريج منشورا تصف فيه شعبنا الفلسطيني بأنه بسبعة أرواح ، وتقترح على الإسرائيليين أن يحلوا مشاكلهم معه حلا عشائريا - أي من خلال عطوة من تحت الفراش ، وكنت في إحدى خربشاتي تذكرت الحاج معزوز المصري والشيخ محمد علي الجعبري ووزير الدفاع الإسرائيلي ( موشه دايان ) وقلت : لو كانوا موجودين فلربما حلت الأمور بطريقة ودية ( عن حلول بوس اللحى ١٦ / ٦ / ٢٠١٧ ) . هل كنت جادا أم كنت ساخرا ؟!
تقيم هيا وأهلها الآن في شقة قريب لهم في حي الرمال ، ولولا كرمه لأقاموا في خيمة أو مخزن مستأجر .
بالقرب من مكان إقامتها تلاحظ هيا جيرانا هيأوا بيتا مهدما ونصبوا فيه خيمة لإقامة عرس أحد أبنائهم ، وهذا يدل على قوة الحياة لدى شعبنا .
ذكرني وصفها شعبنا بأنه بسبعة أرواح بقصيدة للشاعر توفيق زياد عنوانها " عمان في أيلول : قصيدة مقطوعة الرأس عن شعب بسبعة أرواح " يمهد لها بتهليلة هي " للذين يرفضون أن يموتوا ويرفضون أن يستسلموا " ويختتمها بتذييل : " يا حادي العيس ، سلم لي على القدس وقل لها : لو نسيتك قطعي رأسي "
في مجموعة زياد نفسه قصيدة أخرى عنوانها " نماذج عادية عن شعب غير عادي " ويأتي فيها على نماذج فلسطينية مقاومة ... .
هل حقا نحن شعب غير عادي ؟
في الحرب تداول ناشطون كثر افتتاحية كانت نشرتها صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية تسبغ فيها علينا صفات كهذه .
اليوم حكى أبو يائير من مخيم طولكرم ليسجل انتصارا علينا !
معلش على رأي وائل الدحدوح !
٢١ / ٢ / ٢٠٢٥
٢١ / ٢ / ٢٠٢٦