أحمد عبدالله إسماعيل - الثّمن...

في يومي الأول، تعبقت الصيدلية برائحةِ "الفينول" الصارمة، هدوءٌ يسبقُ عواصفَ المرضى التي لا تهدأ. قطع هذا الصمتَ دخولُه؛ رجلٌ يجرُّ خلفه خطواتٍ رصاصية، كأنما يحملُ فوق كاهله أثقالَ المدينةِ قاطبة. توقف أمام الرخامةِ الباردة، وبعينينِ غائرتين، ألقى بقائمةِ أدويةٍ بدت كأنها طوقُ نجاةٍ أخير.
طلبَ كمياتٍ مهولة من صنفٍ نادر، صنفٍ شحّ في السوق حتى صار "عُملةً طبيةً" صعبة.
-هذا الدواء "ناقص" يا سيدي، كأنما ابتلعتهُ الأرض.
قلتها ببرودٍ مهنيّ، لكنه لم يتراجع. ألحّ بعينين تفيضانِ بتوسلٍ غريب، يدعوني لفعلِ "أي شيء". في تلك اللحظة، تأملتُ ملامحه المنهكة ففسرتها طمعًا، ورأيتُ إلحاحه جشعًا. تمتمتُ بكلماتٍ خافتة ألعنُ فيها تجار الأزمات، أولئك الذين يقتاتون على أنينِ المرضى ويحبسون الدواء في غرفِ الاحتكار ليبيعوه بوزنه ذهبًا.
حين عاود الرجاء، قررتُ أن ألقنه درسًا بأسلوبه. اتصلتُ بمخزنٍ سريّ، وبعد دقائق، وضع مندوبُ التوزيع كرتونةً مغلقة بين يدي. نظرتُ إليه بعين "المنتصر" وقلتُ رقمًا يصعقُ الآذان: ثلاثة أضعاف الثمن.
تصلبت ملامحه، واندلع غضبٌ صامت في عينيه، شرارةٌ كادت تحرقُ المسافة بيننا. لكنه، وبصمتٍ جنائزي، أخرج بطاقة الدفع، فاعتذرت له عن العطل في ماكينة الدفع الإلكتروني. دفع الثمن كاملاً، ثم فعل ما لم أتوقعه.. انحنى يشكرني لدقيقتين بامتنانٍ كاد يفتتُ صلفي.
حين انصرف، تاركًا خلفه رنينًا موحشًا للمال في جيبي، خرج الصيدلي العجوز من غرفته الخلفية. سألني بنبرةٍ هادئة: أعطيتَهُ ما أراد؟
أومأتُ بزهوٍ زائف، فتابع العجوز: هذا الطبيبُ قديسٌ بزيّ أحد العامة. يقتطعُ كل ليلةٍ من إيراد عيادته ليشتري دواءً يوزعه بالمجان في المستشفى العام صباحًا. يطاردُ الموتَ في أجسادِ الفقراء بماله الخاص.
سقطت الكلماتُ عليّ كحجرٍ صلدٍ في بئرٍ فارغة. شعرتُ بالنقود في جيبي كأنها جمرٌ يلسعُ فخذي. غبارُ ظنوني السيئة أعماني، وحوّلني في لحظةٍ من "مداوٍ" إلى "مقامر" بشرفِ المهنة.
تلمستُ الأوراق المالية، كانت خشنةً ومنفرة. قبضتُ عليها بقوة، وغرقتُ في لجةٍ من الضيق، قبل أن تبرز من بين ركام الخجل فكرةٌ هزيلة، حاولتُ بها ترميم تهشمي النفسي:
"سأردها له في المرة القادمة. سأغلفها باعتذارٍ يليقُ به."
لكن صوتًا خفيًا في أعماقي همس: "وهل يغسلُ الاعتذارُ دناءةَ الظن، أم يعيدُ للمال طُهرَه بعدما تلوثَ بوهمِ الجشع؟ وهل أتخلى عن مبدأ "أفيد وأستفيد" الذي جعلني أدعي كذبًا بتعطل ماكينة الدفع الإلكتروني؟!"
ظلت النقودُ في جيبي، ثقيلةً. أثقل بكثير مما كانت عليه حين استلمتها.الثّمن
في يومي الأول، تعبقت الصيدلية برائحةِ "الفينول" الصارمة، هدوءٌ يسبقُ عواصفَ المرضى التي لا تهدأ. قطع هذا الصمتَ دخولُه؛ رجلٌ يجرُّ خلفه خطواتٍ رصاصية، كأنما يحملُ فوق كاهله أثقالَ المدينةِ قاطبة. توقف أمام الرخامةِ الباردة، وبعينينِ غائرتين، ألقى بقائمةِ أدويةٍ بدت كأنها طوقُ نجاةٍ أخير.
طلبَ كمياتٍ مهولة من صنفٍ نادر، صنفٍ شحّ في السوق حتى صار "عُملةً طبيةً" صعبة.
-هذا الدواء "ناقص" يا سيدي، كأنما ابتلعتهُ الأرض.
قلتها ببرودٍ مهنيّ، لكنه لم يتراجع. ألحّ بعينين تفيضانِ بتوسلٍ غريب، يدعوني لفعلِ "أي شيء". في تلك اللحظة، تأملتُ ملامحه المنهكة ففسرتها طمعًا، ورأيتُ إلحاحه جشعًا. تمتمتُ بكلماتٍ خافتة ألعنُ فيها تجار الأزمات، أولئك الذين يقتاتون على أنينِ المرضى ويحبسون الدواء في غرفِ الاحتكار ليبيعوه بوزنه ذهبًا.
حين عاود الرجاء، قررتُ أن ألقنه درسًا بأسلوبه. اتصلتُ بمخزنٍ سريّ، وبعد دقائق، وضع مندوبُ التوزيع كرتونةً مغلقة بين يدي. نظرتُ إليه بعين "المنتصر" وقلتُ رقمًا يصعقُ الآذان: ثلاثة أضعاف الثمن.
تصلبت ملامحه، واندلع غضبٌ صامت في عينيه، شرارةٌ كادت تحرقُ المسافة بيننا. لكنه، وبصمتٍ جنائزي، أخرج بطاقة الدفع، فاعتذرت له عن العطل في ماكينة الدفع الإلكتروني. دفع الثمن كاملاً، ثم فعل ما لم أتوقعه.. انحنى يشكرني لدقيقتين بامتنانٍ كاد يفتتُ صلفي.
حين انصرف، تاركًا خلفه رنينًا موحشًا للمال في جيبي، خرج الصيدلي العجوز من غرفته الخلفية. سألني بنبرةٍ هادئة: أعطيتَهُ ما أراد؟
أومأتُ بزهوٍ زائف، فتابع العجوز: هذا الطبيبُ قديسٌ بزيّ أحد العامة. يقتطعُ كل ليلةٍ من إيراد عيادته ليشتري دواءً يوزعه بالمجان في المستشفى العام صباحًا. يطاردُ الموتَ في أجسادِ الفقراء بماله الخاص.
سقطت الكلماتُ عليّ كحجرٍ صلدٍ في بئرٍ فارغة. شعرتُ بالنقود في جيبي كأنها جمرٌ يلسعُ فخذي. غبارُ ظنوني السيئة أعماني، وحوّلني في لحظةٍ من "مداوٍ" إلى "مقامر" بشرفِ المهنة.
تلمستُ الأوراق المالية، كانت خشنةً ومنفرة. قبضتُ عليها بقوة، وغرقتُ في لجةٍ من الضيق، قبل أن تبرز من بين ركام الخجل فكرةٌ هزيلة، حاولتُ بها ترميم تهشمي النفسي:
"سأردها له في المرة القادمة. سأغلفها باعتذارٍ يليقُ به."
لكن صوتًا خفيًا في أعماقي همس: "وهل يغسلُ الاعتذارُ دناءةَ الظن، أم يعيدُ للمال طُهرَه بعدما تلوثَ بوهمِ الجشع؟ وهل أتخلى عن مبدأ "أفيد وأستفيد" الذي جعلني أدعي كذبًا بتعطل ماكينة الدفع الإلكتروني؟!"
ظلت النقودُ في جيبي، ثقيلةً. أثقل بكثير مما كانت عليه حين استلمتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...