ليال الحربي - السدة...

ـ إلى أين؟

ـ إلى الداخل


توقفت سيارة لاند كروز أمام الفرقة الحزبية في قطاع 49، كانوا قد جاءوا به من الاستخبارات العسكرية. فتحوا الباب الخلفي وأنزلوه، يداه مقيدتان خلف ظهره. لم يكن يقاوم. لم يكن ينظر إلى أحد.

أجلسوه على كرسي إلى جانب الغرفة. بعد وقت قصير حضر الأب والأم والإخوة. رجال ونساء. يبدو أن أحدا ذهب إليهم وأخبرهم أن يحضروا فورا. دخلوا مرتبكين بملابس البيت التي حضروا بها، فأهل المدينة اعتادوا الخروج بثياب البيت لكن الخوف كان واضحا في وجوههم. كانوا يعرفون أن سقوط فرد من العائلة في قبضة الاستخبارات يكفي لجرّ العائلة كلها إلى الفرقة الحزبية.

خالد مطأطئ الرأس، محدقا في الأرض. الغرفة امتلأت بكل الذين عبروا حياته، الأم التي دفعت رشوة إلى المدرسة لينجح من الصف الخامس الابتدائي والأب الذي انتشله من الدراسة ليلتحق بالخدمة العسكرية والزوجة التي بكت ليلة ارتدى البدلة العسكرية. وقفوا جميعا في جانب واحد من الغرفة لكن أحدا لم يقترب منه. كان الصمت حاضرا مع الجميع.

وقفوا حوله. لم يقترب أحد منه. الأيدي متشابكة، الأعين إلى الأرض، الخوف من قول كلمة غير مناسبة ورجال باللون الزيتوني يراقبون كل شيء.

أمروه أن يقف: يلا

وقف ببطء. ثم التفت إلى يساره وانحنى نحو رأس أمّه. خرج بكاؤها بحشرجة مكتومة وضع شفتيه على رأسها وراح يُقبّله. عندها التفت ذراعاها حول كتفيه ورقبته ووجهه راحت يداها تتحسسانه كأنها تريد أن تحفظ ملامحه باللمس. ظل يقبلها وهي تبكي بصمت.

وفي الخلفية بقي الصوت نفسه، مستعجلا مثل من يريد إنهاء المشهد بسرعة: يلا

قبّل رأس أبيه واحتضن زوجته ثم أخواته المتشحات بالسواد؛ سواد البيت اليومي الذي لا يثير شبهة الحداد. مضى بينهم من اليسار إلى اليمين بينما ظلوا صامتين عدا نشيج الأم. وقبل أن يبتعد عاد إلى أمّه مرة أخرى. انحنى وقبل يديها.
بقي الأب ثابتا وقفته مثل رجل يحاول أن يحتفظ بجزعه داخل صدره.

قادوه إلى الخارج. خرج جسده من عتمة الفرقة الحزبية إلى شمس الشارع. كانت هناك جموع تنتظره ولم يكن بينها وجه غريب. الوجوه نفسها التي يراها كل يوم، بائع الخضار الذي يشتري منه أسبوعيا، القصاب الذي نادرا ما يقصده، الجار الأصلع الذي يحمل له ضغينة قديمة بسبب طابة، ورفاق الحي الذين شاركهم يوما سرقة حبال الغسيل وطرقَ أبواب الجيران ثم الهرب راكضين.

على بعد نحو مئة متر ارتفع التراب فيما يسمّونه “السدّة”.
اقتادوه إليها ببطء. إلى اليسار ماء راكد بلون باهت، ليس نهرا تماما ولا مستنقعا شيءٌ بينهما ساكن، واصلوا السير نحو اليمين إلى التراب المكشوف وقعُ أقدام، صريرُ أحذية ترتطم بالتراب، صوت من يتنخع ويبصق على الأرض، السماء مغبّرة، شاحبة بلا زرقة حقيقية ذلك اللون الذي يجعل النهار نفسه يبدو مريضا وأصوات متعجلة: يلا… يلا


رأى خالد جمهرة في مقدمتها وقف رجال الحزب، ثلاثون رجلا بالبزات الزيتونية وخلفهم رجال الاستخبارات العسكرية بقبعات البيريه الحمراء واقفين بصرامة باردة بنادقهم مسندة عند أقدامهم وأعينهم موجّهة نحو الخشبة. الخشبة متقاطعة الأذرع على هيئة صليب مغروس في التراب، بدا المكان مهيأ منذ وقت سابق؛ فقد ثُبت العمود مسبقا وغرست الخشبتان المتقاطعتان في الأرض الترابية بعد حفر حفرة وصبها بالإسمنت.


توقفوا.

أحدهم أخرج قطعة قماش سوداء وعصب بها عينيّ خالد،
رجل آخر فكّ قيد يديه للحظة قصيرة ثم أعادهما إلى الخلف وربطهما بالخشبة. شدّوا ذراعيه بالحبال حتى التصق ظهره بالعمود، اخترق صوتٌ صمتَ الجموع، صوت رجل حزبي:

ـ فليعش الرفيق المناضل صدام حسين، رجل الأمة… فليعش…

أجابته الجمهرة بصوت واحد:

ـ ياااا

ـ يعيش!

ـ ياااا

ارتفع تصفيق جماهيري كثيف وصوتُ رجل قصير القامة يهتف في الميكروفون: متخاذل، جبان، فار من الخدمة العسكرية.. مصير يستحقه..عار لا شرف له. يصمت فيعود التصفيق حتى صار الصوت يغطي سكون المدينة كله. أكمل خطبته وارتفعت أهازيج غنائية متداخلة ثم فجأة عمّ الصمت. خلف الأغاني والهتافات التي تمجد القائد بفرح هستيريّ ((سيدي// شگد أنت رائع//سيدي))، كان ثمة شبحُ صمت يخيم على المكان، يحول الأرواح إلى هيئات ذات إطلالة جنائزية فيما الأجساد واقفة كالمشيعين في جنازة لا تنتهي.

التفت أحد الحزبيين نحو النساء وقال بصوت آمر: ما إن تنطلق الرصاصات حتى تُطلقن الزغاريد.

وجهوا أنظارهم إلى المصلوب وبقيت العيون معلقة به فيما كانت البنادق تُهيأ لإطلاق الرصاص. ظل الصمت الجنائزي مستمرا حتى انكسر بصوت واحد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

دوى صوت سحب مزاليج الكلاشينكوف. بعد لحظة قصيرة انطلقت الرصاصات دفعة واحدة. ارتطم الصوت بالماء الراكد. ارتفعت الزغاريد. الأم، التي بقيت صامتة طوال الوقت، بدأت تزغرد. كان صوتها يخرج متقطعا مع البكاء. الأب يصفق بسرعة. الجمهرة كلها أخذت تصفق. كان التصفيق يستمر بإيقاع ثابت ومحموم كأنه صادر عن أجساد شُدّت بمحرك خفي اسمه الخوف. صاح حزبي فيهم: الموت لأعداء صدام حسين.. يعيش؟

فتجيب الجمهرة:

ـ ياااا

ـ يعيش

ـ ياااا

اقترب الطبيب من جثة خالد وضع إصبعه على رقبته ثم هز رأسه إشارة بالنفي، بعدها تقدم ضابط الاستخبارات وأطلق رصاصة في رأسه.

انحنى أحدهم فوق الجثة، نفث دخان سيجارته باتجاه الوجه الملطخ بالدم ثم التفت إلى رفيقه ضاحكا. آخر يتمخط ويبصق على الأرض. الأم جامدة الملامح فيما الدموع تسيل من عينيها.

بعد قليل اقتادوا العائلة إلى مقدمة التجمهر حيث وقف رجال الحزب. بدأ أحدهم بإعطاء التعليمات: ممنوع إقامة عزاء، ممنوع البكاء، ممنوع اللطم، ممنوع استقبال المعزين. ثم طلب ثمن الرصاصات التي أُطلقت.
أخذ المال، خمسة وعشرون ألف دينار. خمسة آلاف لكل رصاصة ثمن إزهاق روح .ثم التفت نحو الناس وقال:

ـ ممنوع أحد يذهب لتعزيتهم

بدأ الناس يغادرون ببطء. أصوات الأحذية العسكرية ابتعدت تدريجيا. بقي دخان السجائر في الهواء للحظات ثم اختفى هو أيضا. كانت هناك ضحكات قصيرة تأتي من بعيد كلما ابتعد رجال الحزب أكثر. بعد ذلك لم يبقَ في المكان إلا العائلة والجثة. تركوه مربوطا بالعمود. كان رأسه متدليا على صدره وذراعاه مرتخيتين. بدا جسده أخف مما يجب أن يكون عليه جسد إنسان.

في الظهيرة، غادرت العائلة البيت على عجل. حشروا ملابسهم في حقائب قليلة، وحمل كل واحد ما استطاع حمله دون كلام زائد. عند الباب الخارجي للمنزل أوقفهم الرفيق وسأل الأب:

ـ إلى أين ستذهبون؟

أجابه الأب:

ـ العمارة

وصلوا إلى مدينتهم الجديدة. نزلوا فيها ونزل معهم الرجل الحزبي الذي كان ينتظرهم عند الباب متجها إلى أقرب فرقة حزبية. قال للرجل الحزبي الآخر في الفرقة :هذه عائلة لديها معدوم. والآخر حرك رأسه فقط.

بعد صلاة الفجر بقليل، دخلت الجرافات قطاع ٤٩. توقفت أمام منزل خالد ثم انهار البيت تحت فم الحديد، رُفعت الأنقاض وسُوِّي المكان بالأرض.


بعد سنوات، لم يبقَ من البيت أثر. صارت الأرض الخالية ملعبًا للأطفال أما خالد، فلم يبقَ منه سوى شهادة وفاة في درج قديم.
في خانة الملاحظات كُتبت كلمة واحدة من الحزب:

جبان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...