حسن الصعيب - قراءة في كتاب السيرة الذاتية للفيلسوف الماركسي الراحل :لويس ألتوسير "المستقبل يدوم طويلا"

تقديم: بعد خروجي من السجن سنة 1994، كنت قد قررت قراءة جملة من الكتب الماركسية الجديدة، بخلفية استيعاب فشل " الإشتراكية الفعلية" فرغم النقاشات الكثيرة مع رفاق الدرب، حول أسباب هذا الفشل، لم تقنعني الاجابات المقدمة، بما فيها تلك التي كانت تعبر عن مستوى نظري رفيع، وأقصد بذلك كتابات الرفيق الراحل ابرهام سرفاتي. لكن طريقة اقتنائي هذا الكتاب بمكتبة بشارع محمد الخامس، وكذلك الطريقة التي انتزع مني إلى الأبد، تحتاج إلى سرد قصصي: أولا لم أستطع اقتناء الكتاب لأن ثمنه كان يفوق 100درهم، فوليت راجعا، خاوي الوفاض، وبعد لحظة قصيرة، جاء عندي أحد المستخدمين ، وطلب مني أن أمنحه فقط 50 درهم من أجل شرائه، لم أتردد في ذلك، رغم أن العملية غير أخلاقية ، ولكنني فضلت أخذه بتلك الطريقة ، بسبب حاجتي الماسة إليه.
أما كيف انتزع مني، فهذه مسألة أخرى، بينما أتصفحه بمقهى ليزاركاد، انتبه إليه أحد الزبناء، وهو بالمناسبة مناضل اتحادي، وتحت الحاحه للاطلاع عليه سلمته له ، على أمل أن ٱخذه في اليوم التالي، ومنذ تلك الفترة ضاع مني الى الأبد.
ومن أجل البحث عنه من جديد، تسجلت بمكتبة ٱل سعود، ونسخت فصوله في كل زيارة، ثم قرأته كاملا، ونتج عن قراءته اصدار كتاب حول " ماركسية التوسير" وأنا اليوم بعد أن اطلعت على مجموع كتبه القديمة والحديثة، والقراءات المرافقة لتلك الكتب، قررت توسيع كتابه واضافة فصول جديدة، أتمنى أن يسعفني الزمن لأكمل هذا المشروع.
قراءة ممتعة:
بعد وفاته سيصدر كتابه "السيرة الذاتية" l'avenir dure long temps
ليكسر الصمت الذي لازمه منذ مأساة نوفمبر 1980 ، (كان أن أقدم على خنق زوجته HELINE في ظروف نفسية معقدة) وسيبدد الاعتقاد الذي ساد زمنا طويلا بأن الفيلسوف كف عن الإنتاج النظري بسبب عزلته عن العالم وتردده على المصحات العقلية من أجل الاستشفاء والعلاج.والحال أن النوبات العصبية التي كانت تنتابه ظلت ملازمة لحياته، حتى في أعز أيام عطائه كفيلسوف ماركسي متميز في القارة الأوروبية بعد الحربين.
" المستقبل يدوم طويلا"
هو العنوان الذي اختاره ل"سيرته الذاتية" وقد اقتبسه من جملة سبق للجنرال دوكول أن قالها ذات يوم حول مستعمرات فرنسا:"المستقبل يدوم طويلا إذا كنت مستعمرا"(يفتح الميم) وهو كناية عن مفهوم عميق للأمل ،يتقاطع في مضمونه مع مسارات فلسفية مغايرة ومبدعة،ويتغذى من نفس المعين الفكري الذي دشنه قبله كل من أنطونيو غرامشي(تفاؤل الإرادة وتشاؤم الفكر) وإرنست بلوخ (الإعلاء من شأن اليوتوبيا كميلاد أخير للبشرية) ويواصله اليوم يورعن هابر ماس سليل مدرسة فرانكفورت النقدية (مشروع الحداثة لم يكتمل ومبادئ الأنوار ينبغي إعادة بناؤها).
"كتابة ذات نكهة خاصة"
تبدو فصول الكتاب شيقة ومتنوعة ،بحيث يمتزج التحليل النفسي بالتحليل الفلسفي وهذا الأخير بالتحليل السياسي،وما يسترعي الانتباه في الفصول الأولى هو الحديث عن طفولته ومراهقته ثم شبابه ،إذ تسلط الأضواء على تلك المنطقة المعتمة من حياة لويس،بحيث يسرد صفحات طويلة عن العذاب الأليم الذي تجرعه وهو ما يزال طفلا صغيرا ،إذ تم اغتصاب طفولته البريئة ورغباته الحميمية في وسط محافظ.جعلته يصوغ ذلك في إحدى عباراته الجميلة التي لا تخلو من مغزى نظري عميق:" يجب القول حاليا ،بعد الجروحات النرجسية الثلاثة للبشرية( تلك المرتبطة بغالي لي وداروين وباللاشعور) أن هناك جرحا أكثر إيلاما ،لأن تجليه هو بالمطلق غير مستساغ لأي أحد( أن العائلة تبقى في جميع الظروف ،المجال لاحتضان المقدس،السلطة والدين) فالحقيقة التي لا تقبل التجاهل الخاصة بالعائلة هي ظهورها كأعظم قوة للأجهزة الإيديولوجية للدولة"
غير أن الفصل الشيق في الكتاب هو الذي يقدم فيه مرافعة قانونية رفيعة المستوى ،للدفاع عن نفسه متكئا على ترسانة من المعطيات المرتبطة بملفه الجنائي كما كتبته وصرحت به الصحافة المحلية (فرنسا) والدولية عند متابعة جنايته بمحكمة الجنايات بفرنسا،مبرزا النواقص الكبرى التي تنخر الجهاز القضائي الفرنسي وضحالة الفكر القانوني الذي يستند إليه.إن هذا الفصل وحده يحتاج إلى دراسة معمقة لإبراز العلاقات المتشابكة والملتبسة بين الفلسفة والقانون والحق ومقارنتها بالدراسة القيمة لميشيل فوكو من خلال كتابه الرائع "المراقبة والعقاب" الذي يعالج نفس الموضوع ،لكن من زاوية أخرى ومنهجية مختلفة .
فيما تبقى من الفصول الأخرى كانت مكرسة للتحولات الفكرية والسياسية لأوروبا خلال فترة الثمانينات.
أعلى