أ. د. عادل الاسطة - خربشات ٢٣ تموز من كل عام

أتذكر قول نزار قباني :

" لا يبوس السلاطين شعري
وأولى بالسلاطين أن يبوسوا قدميه "
أفكر في البيت وأتذكره وأنا أرى بعض معارفي يقومون بحركات صبيانية بذيئة مثلهم فأحور في البيت .
أولى بكم أن تلعقوا حذائي .
٢٠١٢

٢
العام الماضي لم أكتب أي بحث محكم
العام الماضي لم أشارك في أي مؤتمر
العام الماضي لم أتعاون مع القسم والكلية
العام الماضي لم أتعاون مع الطلاب فقيموا أدائي تقييما سلبيا
العام الماضي لم أتقدم في التكنولوجيا
العام الماضي ... الخ .. الخ
العام الماضي كم كتابا قرأ الطلاب ؟
- المقررات فقط .
العام الماضي كم بحثا أنجز العميد ؟
- منذ خمسة عشر عاما لم ينجز أي بحث وما زال برتبة أستاذ مساعد .
العام الماضي ألقى المسؤؤل 20 كلمة في افتتاح المؤتمرات
العام الماضي ..
العام الماضي
نأمل أن يكون نتاجك العام المقبل مثمرا
أنا برتبة أستاذ دكتور ولما كنت أنجز لم تحترم الجامعة إنجازي فلماذا أنجز إذن ؟
هل سأل المسؤؤل نفسه هذا السؤال ؟
هكذا كتب لي ظالم المعلم من جامعة المريخ فماذا اقول له إن جاء يسألني ؟
صباح الخير يا وطن ...
٢٠١٢

٣
عزيزي الدكتور م .. :

تحية طيبة وبعد ،

أيضا أستاذ الأدب المقارن لم يترق منذ 15 عاما ، ولم يكتب أي بحث محترم في الأدب المقارن ، ومثله من غدا قبل عامين عميدا .
لقد كافأتم من لم ينجزوا ومن لم يكتبوا فآثرت أن أحذو حذوهم . لقد اكتشفت أن " القاري والخاري " واحد ، بل إن " القاري " عوقب برفع عبئه الاكاديمي إلى 12 ساعة أسبوعيا ولم يرفع نصاب من لم يترق ولم يكتب أبحاثا .

تحياتي لك .
ظالم المعلم \ جامعة المريخ
٢٠١٢

٤
صباح الخير يا أيها الرئيس جمال عبد لناصر :

أكرر مع مظفر النواب ما قاله :
" أنا لست بالناصري
ولكنهم ألقوا القبض ميتا عليه وعري من كفن غزلته قرى مصر من دمعتيها " .
مع انني لست بالناصري إلا أنني أقول :
صباح الخير يا جمال عبد الناصر
٢٠١٣

٥
العام الأكاديمي المنصرم :

ماذا أنجزت في العام الأكاديمي المنصرم 2018 / 2019 ؟
شاركت في مؤتمر علمي في مجمع القاسمي / باقة الغربية بورقة علمية عن الروائي العربي اللبناني الياس خوري حول إشكالية تجنيس روايته " أولاد الغيتو " التي صدر منها جزءان عنوانهما " أولاد الغيتو: اسمي آدم " و " أولاد الغيتو 2 : نجمة البحر " .
- كتبت عن رواية " أولاد الغيتو 2 : نجمة البحر " دراسة مطولة نشرتها على حلقات .
- أنجزت دراسة مطولة عن رواية الكاتبة العمانية جوخة الحارثي " سيدات القمر " التي فازت بجائزة مان بوكر للرواية العالمية المترجمة الإنجليزية أو التي كتبها كاتب يكتب بالانجليزية .
- كتبت أسبوعيا المقال الأدبي النقدي في زاويتي في جريدة الأيام الفلسطينية " دفاتر الأيام " .
- ألقيت أكثر من ندوة . في ذكرى غسان كنفاني في نابلس في 13 تموز في مكتبة بلدية نابلس .
في مناقشة كتب الكاتب الاسرائيلي ( ايلان بابيه ) في نابلس في 18 / 12/ 2018 في مسرح الطفل / مكتبة بلدية نابلس ، بحضور المؤلف نفسه والمؤرخ الفلسطيني جوني منصور .
- شاركت في ملتقى الرواية العربية الثاني في رام الله بمداخلة عنوانها " احتضار النقد وتسويق الأعمال الأدبية " .
- كان يفترض ان أشارك في مؤتمر النقد الأدبي في جامعة بيت لحم ولكن ... .
- شاركت في ندوة عقدتها نسوة نابلس / لجان المرأة ، عن ايلان بابيه وكتابه " التطهير العرقي " .
- شاركت في ندوة التكريم التي خصصت لي في النادي الأرثوذكسي العربي في مدينة " حيفا " في 15 / 11 /2018.
- كتبت مداخلة عن الروائي باسم الخندقجي لأشارك فيها في النادي الأرثوذكسي العربي في مدينة حيفا ولم أتمكن من السفر بسبب الأعياد اليهودية . آذار 2019.
- شاركت في ندوة عقدتها جامعة القدس ووزارة الثقافة في جامعة القدس " القدس في الرواية العربية " .
٢٣تموز ٢٠١٩ .

٦
الاكاديمي الفصيح 10 :

يشكو الأكاديمي الفصيح من مؤسسته وزملائه فيها . يتحدث عن أمور المؤسسة وأوضاع زملائه البائسة علميا ، فيرد عليه هؤلاء متهمينه أخلاقيا - قد يكونون أسوأ منه في هذا .
أقل ما يفعلونه أنهم يستخدمون الطلاب للإيقاع به .
" لا أخلاق لدى كثيرين " يقول .
يحاولون الإيقاع به من خلال تسخير فتاة تغويه او تزعم أنه يتحدث عن زملائه كلهم في المؤسسة . والمؤسسة تريد توظيف شخص أوصى به مسؤول كبير له صلة برئيس المؤسسة . هكذا جاء طلب التعيين من فوق وقيل للعميد :
- أوجدوا لصاحب الطلب هذا وظيفة .
والقسم ليس بحاجة لتخصص صاحب الطلب . هكذا يقول البرنامج .
والزملاء يلفلفون أيضا .
كل يخضع لمن هو أعلى .
يشكو الأكاديمي الفصيح من زملائه علميا ، والمؤسسة تعرف هذا ، فلماذا يكرر الكلام؟ أليس هذا ضربا من العبث ؟
وهو يلحظ ضعف مستوى زملائه حين يحكم أبحاثا او حين يناقش رسائل ماجستير ، ويدرك ان الأمر معروف .
يلص بعض زملائه أبحاثهم ، وهي ضعيفة ولا تستحق أن تقرأ .
وماذا عن تدريس اللغة العربية؟
يتذكر الأكاديمي الفصيح رأي توفيق الحكيم في أساتذة اللغة العربية :
- إنهم يسيئون إليها إساءة بالغة ، فهم لا يعرفون معنى اللغة على الإطلاق ، وتدريسهم لها تدريس بائس .
والأكاديمي الفصيح يحصي ثمانية أخطاء في ثلاث أوراق أسئلة امتحان ، وضعها ثمانية أساتذة ، بعضهم حملة دكتوراه ، ومنهم متخصصون في النحو ايضا ، والطريف أن هؤلاء يقيمونه أكاديميا ، وهو غير متخصص في النحو ، ولكنه يصوبهم .
الأكاديمي الفصيح قال هذا منذ عشرين سنة ، فلماذا يكرر الكتابة؟
هو لا يدري ، وثمة فساد من الرأس ، ولا تفسد السمكة إلا بفساد رأسها .
هل يدعي الأكاديمي الفصيح؟
هل يزعم؟
هل يسيء إلى زملائه وإلى المؤسسة ؟والأكاديمي الفصيح لديه الدليل والأدلة ؟
خربشات قديمة عمرها عشرون عاما

٧
هولوكستهم و هولوكوستنا ،
محرقتهم و محرقتنا :

لن أنكر محرقتهم ولن أنكر أنهم حرقوا بأفران الغاز . أنا زرت ( داخاو ) في ميونيخ ﻷبصر آثار المحرقة . رأيت فرن الغاز وغرفته أيضا وأبصرت اﻷسرة التي ناموا عليها . شاهدت أفلاما في برلين تري كيف ذبحوا بعد أن اقتيدوا إلى معسكرات اﻷبادة . كانت سنوات حكم هتلر قصيرة 12 عاما وانتهت ، وأما نحن ..
ماذا يجري الآن في غزة المحاصرة منذ 8 سنوات ؟
ماذا جرى ويجري في الشجاعية وأماكن أخرى من غزة ؟
هل أباد هتلر اليهود بالمدفعية والطائرات ؟هل قصفهم برا وبحرا وجوا ؟
هل أعدم أطفالهم ؟
لا أقلل مما جرى في الهولوكست ولكن اﻷمور نسبية أيضا .
تعذبوا 12عاما وأما نحن ، وأما أهل غزة فمنذ 1948 وهم يدفعون الثمن .
كم ( آن فرانك ) الآن في غزة ؟
لعلهن يكتبن مذكراتهن ولكن ... لكن القوات اﻷسرائيلية تبيد وتقتل عائلات بأكملها حتى لا تبقى ( آن فرانك ) فلسطينية تكتب مذكراتها . هدى مثلا ماذا كتبت ؟
هل حقا كتبت ( آن فرانك ) مذكراتها أم أن الوكالة اليهودية كلفت ( اسحق ب . سنجر ) لكتابتها ؟
هل سيقدم كاتب فلسطيني غزي على كتابة مذكرات ( آن فرانك ) غزية ؟
يا لوحشة المشهد !
يا لقسوة التاريخ ومكره !
ها هم أحفادك يا ( آن فرانك ) يفعلون بنا ما فعله النازيون بكم هناك . هل أبالغ ؟
خربشات بعد متابعة نشرة الجزيرة
٢٠١٥

٨
خفة الحياة غير المحتملة 9 :

الحياة ، حين تصغي إلى نشرات اﻷخبار ، تبدو غير محتملة . هذا إذا كنت تقيم في فلسطين المحتلة أو في العالم العربي .
هل النخب التي تحيا في أحياء خاصة مصيبة ؟
مرة كتب محمود درويش :
" في كل يوم لنا جثة
وفي كل يوم لهم أوسمة " .
أخبار الصباح عما يجري في العالم العربي غدت معتادة حتى أن الحياة على إيقاعها غدت غير محتملة ، ولكن كل شيء غدا عادة ، وماذا يقول ( جورج بوش ) وهو يشاهد ما يجري في العراق ؟
ربما لا يشاهد ( بوش ) ما يجري . إنه من النخب التي تؤثر العزلة .
ولكن ما الذي جرى هذا الصباح حتى بدت الحياة غير محتملة ؟
حرارة الجو أم حرارة دم جنود الاحتلال ؟
أعتقد أن الفلسطينيين لهم يوم القيامة وضع خاص . لقد احتملوا وساخات احتلالات عديدة - وما زالوا - واحتملوا فوق هذا كله وساخات كثيرين منهم .
الاحتلال خفيف الظل ، ﻷنه أرحم احتلال ، يواصل عاداته :
يطلق الرصاص هذا الصباح ، في بيت أمر ، على مواطن ، وحين يهم والد المواطن بمساعدة ابنه الجريح ، يطلق الجنود النار على اﻷب ويقتلونه .
المذيع قال :
- بدم بارد .
ومنذ 1948 وهم يقتلوننا بدم بارد . فكيف لو كان دمهم حارا مثل دمنا .
" احصدوهم ".
هكذا خاطب الضابط ( شدمي ) جنوده في 1956في قرية كفر قاسم .
قتل 49 مواطنا ودفع غرامة مقدارها قرش وخرج .
49مواطنا عربيا بقرش .
أبناء العم يحاولون غالبا أن يبدوا ظرفاء وخفيفي دم . ربما يريدون أن يجعلوا الحياة محتملة . ربما .
الحياة في العالم العربي وتحت الاحتلال الإسرائيلي غير محتملة ، ويبدو أن كائنات هذين العالمين أيضا غير محتملة ، وأنا عشت هنا وهناك . أنا أيضا كائن غير محتمل ، فمن عاشر القوم أربعين يوما صار منهم .
٢٠١٥

٩
محمود شقير " مديح لنساء العائلة " : دال العنوان 2 :

أول ما خطر ببالي وأنا أنظر إلى عنوان رواية شقير هذه هو : رواية ( يوسا ) " في مديح زوجة اﻷب " وقد تساءلت :
- هل تأثر شقير ب( يوسا ) ودخل في علاقة مناص معه ؟ ولم تخطر ببالي قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي" علما بأنني أعرف قصيدة درويش منذ كتابتها - أي قبل 30 سنة من قراءة رواية ( يوسا ) .
ترى أي النصين كان حاضرا في ذهن شقير وهو يختار عنوان روايته أم أن أيا منهما لم يكن حاضرا في ذهنه ؟
هل العنوان يعني ما تقوله المفردات ؟
وهل الرواية بالتالي هي رواية مديح لنساء العائلة ؟
وما موجب مديحهن أصلا ؟
ولكن العنوان قد يكون يقصد شيئا آخر معاكسا - أي قد يقصد عكسه - أي الهجاء ، فالسخرية في إحدى تعريفاتها هي أن تقول شيئا وتقصد عكسه ؟
إن اتضاح دلالة العنوان لن تتم إلا بعد قراءة النص وفهم مراميه ، الظاهر يقول إن الرواية ستمدح نساء العائلة ولكن قد تقول الرواية شيئا مغايرا ، ولو أصغينا إلى شقير يقرأ عنوان روايته وتابعنا ملامح وجهه ، فقد نتوصل إلى شيء مغاير مختلف .
اتكاء على ما سبق لا بد من قراءة العنوان والنص معا والانتظار حتى قراءة الصفحة اﻷخيرة من الرواية .
وأعتقد أن على قاريء النص القيام بإحصاء عدد نساء العائلة وملاحظة إن كن متشابهات أو إن كان هناك نماذج مختلفة متغايرة . إن العنوان يوحي بأنهن متشابهات ولهذا يستحققن المديح ، ولكن المتن يقول شيئا آخر ، فنساء العائلة كثيرات وهن مختلفات ، بخاصة حين يتزوج أبناء العائلة من غريبات عن العشيرة ويخلفن . إنهن هنا يصبحن من العائلة . رسمية اللاجئة تغدو من العائلة حين يتزوجها فليحان ، وجيزيل البرازيلية تغدو من العائلة حين يتزوجها عطوان ، وهاتان تغدوان موضع سخرية وشتيمة من نساء العائلة وذلك لتحررهن واختلاف حياتهما عن حياة بقية نسوة العائلة . ثم من هو الذي سيكيل المديح لنساء العائلة ؟ هل هو المحافظ من اﻷبناء أم هو المتحرر ؟
إن هناك اختلافا واضحا بينا بين الإخوة في أشياء كثيرة ومنها المرأة . هناك المحافظ وهناك المتحرر وهناك ... ، ثم هل كل ما تقوم به نساء العائلة وما تمارسه يستحق المديح ؟ ألا يوجد ما يستحق الهجاء ؟ وماذا عن معتقدات بائسة وعادات وتقاليد متخلفة جدا لا تستحق الا الهجاء ، وشقير نفسه يحاربها ويهجوها .
ثم ما هو موقف القاريء ؟ القاريء أيضا متعدد ومختلف وبالتالي ما يمدحه قاريء يذمه آخر.
نساء العائلة يسخرن من رسمية وجيزيل وينزلن في ساحتهما ، ﻷنهما متحررتان ، وموقف عطوان زوج جيزيل،وهو يقيم في البرازيل ، وموقف فليحان زوج رسمية ،موقف هذين من المرأة ولباسها وتحررها يختلف عن مواقف آخرين .
هل أراد شقير أن يمدح هؤلاء وهؤلاء ، هو الذي يرى أن المرأة في مجتمعنا ضحية وهي تستحق الاحترام والتقدير ، وموقف شقير هذا يبرز في الرواية على لسان إحدى الشخصيات .
الموضوع بحاجة إلى تعمق أكثر ولا بد من إحصاء نساء العائلة وإبداء خصائصهن ، ولا بد أيضا من معرفة الجهة التي تصدر الحكم من الرجال .

١٠
محمود شقير " مديح لنساء العائلة " شهادة كاتب على ثلاثة عقود وأكثر 3 :

هل يمكن القول إن " مديح لنساء العائلة " هي في النهاية رؤية محمود شقير لمرحلة عاشها وكان شاهدا عليها وامتدت من بدايات 50 ق20 حتى 80 ق 20 ، ومن ينظر في تاريخ الرسائل التي كان عطوان يرسلها ﻷهله يؤكد الزمن الروائي للرواية ، علما بأن المرء ليس بحاجة لمتابعة تاريخ الرسائل ، فالساردون المتعددون غالبا ما يحددون الفترة الزمنية التي يعيشون فيها ؟
إن دوال مثل النكبة والانتخابات البرلمانبة وهزيمة حزيران تحضر بكثرة في الرواية ، ما يعني أن الزمن الروائي يفصح عن نفسه ، وهو زمن يسير على أية حال سيرا تعاقبيا .
كأن " مديح لنساء العائلة " سيرة ذاتية /جماعية - إن جاز هذا - ، إنها تؤرخ لمرحلة زمنية كان الكاتب شاهدا عليها وفاعلا فيها ، وأعتقد أن ما يرد في الرواية من أسماء كتاب وكتب وكتابة عن القراءة وفوائدها وأهميتها ليس سوى آراء شقير نفسه . بل إن ما يورده الروائي على لسان إحدى الشخصيات التي تفكر بإنتاج فيلم سينمائي من حديث عن لغة الفيلم ليس سوى رأي محمود شقير في قضية اللغة في الكتابة .
ولا أدري إن كان شقير أبدى رأيه في مقابلات أجريت معه عن مشاهداته ﻷفلام السينما المصرية في مرحلة الستينيات ، ورأيه في الممثلين وأيهم أحب إلى قلبه ؟ إن كان فعل هذا فلا شك أن هذا سيساعدنا على التأكد مما ذهبنا إليه من أن شقير حاضر في نصه وأنه يوزع أفكاره وأراءه ومفاهيمه وثقافته على شخوصه .
وكما ذهبت فإنني أعتقد أن الرواية هي شهادة على الفترة التي عاشها المؤلف / شهادة سيرية ذاتية / جماعية . وتبدو فيها الهموم السياسية والاجتماعية واضحة . ويبدو فيها الزمن مكثفا بشكل كبير ، وليس ثمة وقفات مطولة متأنية أمام الطعام والشراب ووصف البيوت ، بل إن الحوار بين الشخوص يكاد ينعدم ، فقد حلت محله ظاهرة السارد الذي يقول ويروي وغابت عن الرواية المشاهد الحوارية . ثمة كثافة سردية واضحة ، بل وثمة كثافة في عدد الشخصيات حتى لترهق هذه القاريء . وقد يحتاج هذا إلى تركيز شديد وهو يتابع مصائر الشخصيات .
مرة أخرى أكرر - لعلني مخطيء - إن الرواية تبدو شهادة شقير على المرحلة التي كتب عنها .

١١
تجربة جديدة في الكتابة :

لا أدري إن كنت ساوفق في هذه التجربة الجديدة في الكتابة : وأنا أقرأ العمل أكتب ملاحظاتي النقدية .
في الأسابيع الأخيرة كتبت على الجهاز مباشرة عن الاعمال التالية :
- ربعي المدهون ،السيدة من تل أبيب
- سامح خضر ،يعدو بساق واحدة
- نديم عبد الهادي ، الآخرون نحن
- محمود شقير ،مديح لنساء العائلة .
إنها محاولة على أية حال .

١٢
" دنيا " قديمة :

ماذا ألم بدور السينما في بعض مدن الضفة ؟
أمس مررت بداري ( سينما ) " العاصي " و" استوديو " العاصي في مدينة نابلس . لقد غدتا أثرا بعد عين .
عرفت أربع دور سينما في نابلس منها الداران المذكورتان و " سينما " غرناطة و" سينما ريفولي " - الفاء v - وحتى اللحظة لا أعرف سبب تسمية الأخيرة . قد تذكر غرناطة بغرناطة في الأندلس/ اسبانيا ، وسينما العاصي تعود إلى آل العاصي في نابلس . لماذا سميت رvولي بهذا الاسم ؟
في قصة أكرم هنية الجديدة " شارع فرعي في رام الله " يأتي على دور السينما في رام الله ويكتب تحت عنوان " دنيا " قديمة عن علاقة بطل قصته المهندس ماجد بدور السينما الثلاث في رام الله .
الجرافات جرفتها وله فيها ذكريات " إن الذكريات الجميلة القديمة تبدو ملاذا وتعويضا عن غياب واقع جميل ، فقط للعاجزين عن صنع ذكريات جميلة ..."
كانت السينما جزءا من عالم انقرض ..
ما رأي المهندس ماجد بقول محمود درويش : " وخوف الغزاة من الذكريات ؟ ".
ربما ما يستحق أن يدرس هو حضور الذاكرة في الأدب الفلسطيني .
قصة أكرم هنية الجديدة شارع فرعي في رام الله قصة يتكرر فيها دال ذاكرة ومشتقات الفعل ذكر بشكل واضح وملحوظ.
23/ 7 /2017

١٣
" أم الحروب " :

زمن صدام حسين الرئيس العراقي الذي حكم العراق منذ 1974 تقريبا حتى سقوط بغداد 2003 ، زمن صدام سمعنا ب" أم المعارك ".
هل كتب محمود درويش قبل شيوع عبارة صدام عن أم البدايات وأم النهايات : " كانت تسمى فلسطين ، صارت تسمى فلسطين " ؟ ( " على هذه الأرض "1986 )
المصريون يرددون رأيهم في مصر " أم الدنيا " .
وحواء أم الأمهات .
حتى الأمريكان تحدثوا عن أم ال....فسمعنا عن " أم القنابل ".
" دوشونا " بالأمهات ، ف " الجنة تحت أقدام الأمهات " ، و " أمك ثم أمك ثم أمك " .
لم أنتبه جيدا لنشرة الأخبار فقد صحوت على وجع قدمي وجفاف حلقي . ربما نسبة السكر في الدم مرتفعة ، ولكني أرجح أن مذيعة الجزيرة نقلت على لسان مسؤول إيراني - أظنه الرئيس الإيراني حسن روحاني - يقول إن الحرب مع إيران للحد من نفوذها الإقليمي في المنطقة سيؤدي إلى " أم الحروب " .
أرجو ألا تكون " أم الحروب " مثل " أم المعارك " و " أم الدنيا "و " أم البدايات والنهايات "معا . كل أمهات الأشياء والأشخاص عانى شعب من تحدث عنها من كوارث .
الحمد لله أنني لم أقل إن أمي هي " أم الأمهات " ، و أرجح أنها لذلك ماتت ميتة هادئة ولم تتخردق ولم تعان كثيرا .
الله يرحمك يا أمي . اشكري ربك أنني لم أنعتك ب " أم الأمهات ".
23 تموز 2018

١٤
مسيرات العودة :

لو كان غسان كنفاني يعيش الآن في غزة ولو كتب روايته " رجال في الشمس " فهل سيترك أبطاله يقرعون جدران الخزان ؟ - أعني هل سيؤيد مسيرات العودة أم أنه سيطلب من الماشين في المسيرات العودة إلى بيوتهم الصفيحية والموت في خزانها بصمت ؟
في الندوة التي أقيمت في عصيرة الشمالية في 18 تموز أصغيت إلى كلام يمثل قائله فصيل الجبهة :
- " لا بد من دق جدران الخزان " - يعني إن غسان يؤيد المسيرات .
أعتقد شخصيا أن القضية لا تتمثل في تحديد موقف يتمثل في التأييد أو المعارضة . إن واقع غزة واقع مأساوي ولسوف ينفجر إن ليس اليوم فغدا ، وسواء ترك غسان شخصياته تدق الجدران وتشارك في المسيرات أو جعلها تموت بصمت فإن الأمر سيان .
حصار غزة وما سيؤدي إليه فوق اجتهادات الأفراد بل وفوق قرارات القيادات هنا وهناك .
الروائي يصف والروائي يثير اسئلة وهو لا يملك تصورا يقينيا للعالم، والتصور اليقيني الذي امتلكته الواقعية الاشتراكية آل إلى كتابة بلا معنى وكان ( جورج لوكاش ) في كتابه " معنى الواقعية المعاصرة " أشار إلى تصور ذهني وحلول عقلية ليس لها نصيب في الواقع .
ماذا لو قرأ أدباء ثورة اكتوبر 1917 نتاجاتهم السابقة الآن حيث لم تنتصر الاشتراكية ؟ كل العالم الذي بشروا به لم يتحقق ، وماذا سيقول ناظم حكمت عن أجمل الأيام وأجمل الأطفال ؟
23 تموز 2018

١٥
في وداع بسام الشكعة :

اليوم تم دفن جثمان المناضل بسام الشكعة .
كانت الجنازة تليق بشخص بترت قدماه في ٢/ ٦ / ١٩٨٠ لمواقفه الوطنية ضد الاحتلال ، حيث فجرت سيارات رؤساء البلديات في حينه لمواقفهم المؤيدة لخط م . ت . ف .
لم يكن تفجير السيارات سلوكا جديدا تسلكه الدولة العبرية ، فلطالما سلكته منذ بدايات المشروع الصهيوني ، ولن ينسى الفلسطينيون مجازر دير ياسين وقبية وغيرهما ، ولن ينسوا أيضا تفجير سيارة الكاتب غسان كنفاني .
على هامش الجنازة سألتني أكاديمية فلسطينية :
- أنت اليوم وطني لا أكاديمي .
أجبتها :
- بعين الله .
كأن المرء لا يكون وطنيا إن كان أكاديميا أو العكس .
كانت الجنازة تليق بالمرحوم ، وقد تذكرت الأيام التي تلت حادث تفجير سيارة أبي نضال الشكعة .
منذ انتخب أبو نضال رئيسا لبلدية نابلس صار ، في حينه ، الوجه الأبرز ، ويوم ذهب إلى العالم العربي ليتعالج ودعته المدينة إلى الجسر بموكب مهيب حالت القوات الإسرائيلية دون إكمال مرافقته إلى الجسر .
يومها كنت في إحدى السيارات التي سارت في الموكب ، وقبل أن نصل إلى الباذان أوقفت سيارتنا دورية عسكرية إسرائيلية ونظرت في هوياتنا وقالت لنا :
- عودوا من حيث جئتم .
وعدنا .
اليوم سرت في الجنازة لدفن جثمان الرجل .
كان الدفن بدأ في ٢ حزيران ١٩٨٠ ، واليوم ، بعد ٣٩ عاما وخمسين يوما اكتمل .
أذكر أنني في ٢حزيران ١٩٨٠ كنت في بيت خالتي أم نبيل الجوهري أنتظر اللحظة المناسبة للعودة إلى بيتنا شرقي المدينة ، وفي هذه الأثناء جاءت سيارة وهبط منها رجال بيدهم كيس بلاستيكي فيه قدما بسام الشكعة ، وقاموا بدفنها ، وقد شاركت يومها في الدفن ، وصرت أحلم بعدها بعشب ينمو على قدمي ، فكتبت قصة "الأقدام المورقة " التي نشرتها في مجلة "الجديد " الحيفاوية ، ثم أعدت نشرها تحت عنوان آخر هو " مكان آخر للعشب " .
حين صرت محاضرا في الجامعة علمت إحدى بنات أبي نضال مساق اللغة العربية وكنت غالبا ما اسألها عن أبيها ، ولم تواصل ابنته تعليمها في الجامعة ، وعلمت أنها سافرت إلى أميركا .
في الجنازة اليوم رأيت فتاة تشبه ابنة المرحوم . هل هي حفيدته ؟
كانت الحشود التي سارت في الموكب تليق بالمرحوم وبتاريخه .
واليوم شاركت في إتمام عملية الدفن . تصوروا الأمر !
تصوروا أن يدفن جزء منا قبل ٣٩ وثلاثين عاما ثم يكتمل الدفن بعدها !
آثر أبو نضال الثبات على مواقفه ولذلك عاش في الظل ولم يقع أسير الشهرة التي تتطلب غالبا تقديم تنازلات وتبدل مواقف باستمرار تتناسب وتغير المواقف السياسية.
قليلة جدا هي المرات التي زرته فيها في بيته . ربما زرته مرة مرتين ليس أكثر ، ولكني كنت باستمرار أقدر ثباته على مواقفه التي اقتنع بها .
اليوم في الجنازة قلت لأحد المرافقين إن الرجل يحترم لأنه ظل صامدا على مواقفه ولم يبدل جلده حسب المتغيرات ، وقليلون هم الذين يبقون محافظين على قناعاتهم ولا يبدلونها لمصالح فردية ومكاسب شخصية وعائلية .
اليوم عدت بذاكرتي إلى العام ١٩٨٢ وربما لمحت ابنته التي علمتها : امرأة نحيفة ترتدي السواد حدادا ومعها شابة تشبه هناء التي علمتها شهرا فقط تقريبا .
اليوم عرفت أنه مر على الحادثة الحزيرانية ٣٩ عاما .
وداعا بسام الشكعة !!

١٦

أنا والجامعة : تجديد عقود العمل لمن بلغوا سن التقاعد ( ٤٣ ) :

مرة كتبت مقالة عنوانها " مثل غريغوري ، هكذا أنا في الخامسة والستين " استوحيتها من مآل زميل لي بلغ الخامسة والستين من عمره ، وأنهت الجامعة عمله فيها ولم تجدد له عقده ، واتفق أن كان مريضا ، فتذكرت قصة( فرانز كافكا ) " المسخ / التحول " وبطلها ( جريجوري ) .
كان ( جريجوري ) قويا فاحترمه صاحب العمل ووالده ووالدته ولما تحول إلى حشرة ، وهذا له مدلول رمزي ، فقد تخلى عنه الجميع ؛ صاحب العمل ووالده ووالدته ، فأنت بمقدار ما تعطي تأخذ وحين تعجز عن العطاء لا يلتفت إليك .
طبعا من حق إدارة الجامعة أن تتعامل بقانون الأخذ والعطاء ، ولكن السن وحدها ليست المحدد الرئيس ، فهناك القدرة على العطاء وعدمها ، وكم من شخص بلغ الخامسة والستين وهو في قمة عطائه ، وكم من شخص لا يعطي أبدا وإن كان في الثلاثين من العمر . هنا لا أقلل شخصيا من عامل السن وأن الشباب هم الأكثر قدرة على العمل والانتباه وربما قوة الذاكرة والتركيز ، وإن كان ثمة من حقل يمكن أن يشذ عن القاعدة فهو الحقل الأكاديمي ، ولهذا فإن الجامعات تسمح لأعضاء هيئة التدريس بمواصلة عملهم حتى السبعين ، وأحيانا حتى سن الخامسة والسبعين ، إن كانت صحتهم جيدة .
في الجانب الأكاديمي هناك الخبرة والتأليف والكفاءة - هكذا يفترض - وهناك برامج الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه ، وهذه البرامج تحتاج إلى من هم برتبة أستاذ دكتور ليدرسوا وليشرفوا على الرسائل العلمية وليناقشوها .
في الأسبوع الأخير تناقلت وسائل الإعلام خبرا مفاده أن الجامعة الأردنية فصلت ٢١ عضو هيئة التدريس ممن لم يكتبوا خلال السنوات الأخيرة أبحاثا ، وإن صح الخبر فإن الجامعة تسير في الطريق الصحيح ، لأن عضو هيئة تدريس لا يكتب أبحاثا لا يستحق أن يظل على رأس عمله في جامعة ، ولا أظن أن جامعة من جامعات الأرض المحتلة قامت بفصل أحد أعضاء هيئة تدريسها لهذا السبب ، لأنها لو فعلت هذا فإنها ستفصل العديدين وأولهم بعض رؤساء الجامعات .
في جامعة النجاح الوطنية لا أعرف معيارا علميا صارما اعتمد عليه في التعامل مع من بلغوا سن الخامسة والستين ، فهناك من بلغه ومدد عقد عمله ، وهناك من بلغه ولم يجدد له ، ما جعلني مرارا أكتب " محمد يرث ومحمد لا يرث " وكنت أصغي إلى حكايات التمديد والتجديد التي لا تصب في صالح إدارة الجامعة .
لكي يكون كلامي السابق مقنعا فإنني هنا سأتحدث عن تجربتي وتجربة قسمي وقسم اللغة الإنجليزية .
ليس هناك برنامج دكتوراه في قسم اللغة الإنجليزية ، ومع ذلك فقد مدد مرة عقد عمل أستاذة تمديدا كاملا لسنوات ، وكانت الحجة أن القسم بحاجة إلى تخصصها ، وهذا سبب مقنع ، وفيما بعد صارت الجامعة تمدد لأعضاء هيئة التدريس في القسم ، علما بأن قسما منهم لم يكتب خلال عقود أي بحث ، وظل يدرس ما يقارب ال ١٨ ساعة أسبوعيا . كان حملة الدكتوراه في القسم قليلين عددا ، وكانت بعض المساقات تتطلب أن يدرسها حملة الدكتوراه ، ومع مرور الأيام كثر حملة الدكتوراه ، ومع ذلك فإن الجيل المؤسس ظل يدرس ويدرس ونادرا ما كتب أبحاثا . لقد تعين برتبة أستاذ مساعد ونادرا ما بلغ رتبة أستاذ مشارك ، وحين بلغ الخامسة والستين مددت له إدارة الجامعة عقد عمله .
اختلف الأمر في قسم اللغة العربية ، فمع أن اكثر أعضاء هيئة التدريس فيه ترقوا وحصلوا على رتبة أستاذ دكتور ، إلا أن إدارة الجامعة لم تمدد لأي من حملة هذه الدرجة عقده ، وخيرته بين إنهاء عمله أو التدريس الإضافي ، وظل الأمر على هذا الحال حين افتتح برنامج الدكتوراه .
ثمة في الأمر مفارقة لا شك ، إذ أن الذي يفترض أن تتمسك إدارة الجامعة بحملة درجة الأستاذية للتدريس والإشراف في برنامجي الماجستير والدكتوراه .
حسب ما أعرف فإن عدد طلاب برنامج الدكتوراه هو ٢٥ طالبا ، وهؤلاء يحتاجون إلى مشرفين متمرسين أكفاء ، ولا أظن أن القسم بمن تبقى من أعضاء هيئة التدريس فيه قادر على القيام بهذه المهمة ، ولطالما كتبت عن المستوى العلمي لبعض مدرسيه تحت عنوان " إعادة دكترة الدكاترة " ، فلا ثقافتهم تمكنهم من التدريس والإشراف ولا منهجيتهم أيضا ، بالإضافة إلى فقر نتاجهم العلمي .
ولكي أكون أكثر إقناعا فإنني أحيل إلى أبحاثهم ورسائل الماجستير التي أشرفوا عليها أو ناقشوها أو ناقشتها مع قسم منهم وإلى الأبحاث الكثيرة التي أرسلت إلي لتحكيمها . إنها تدل على هزال معرفي وفقر منهجي وتكرار في الكتابة أو الموضوعات .
الطريف طبعا أن إدارة الجامعة مددت عقد زميل لم يحصل على أية رتبة منذ عين - أي منذ سبعة وثلاثين عاما ، وذهب ليدرس الأدب المقارن ، وحين عاد لم يدرس المساق إلا مرات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة .
عندنا مثل شعبي يقول " لاقيني ولا تغديني " وأظن أن الإدارة عملت بمثل قريب منه يقول " قرد موالف ولا غزال مخالف " ، فلكي ترضى عنك الإدارة وتمدد عقدك عليك أن تكون قردا موالفا ، وعليك ألا تنتقد سياستها ، وعليك أن تصفق لرأيها السديد دائما وتمدح إنجازاتها مهما كانت وكيف كانت .
في الحلقة السابقة عقب قاريء على ما كتبته متسائلا :
- لماذا يا دكتور لم تكتب هذا قبل أن تنهي عملك ؟
وكنت استمعت إلى الرأي نفسه من الصديق المدير المالي رشيد الكخن Rashid Kukhun وصرت كلما قرأت في ذاكرة الفيس بوك نقدا لإدارة الجامعة كتبته خلال السنوات السبع الأخيرة ، صرت أرسله إليه . وأما من عقب متسائلا فأجبته بأنني وأربعة من زملائي تجرأنا ورفعنا قضية ضد قرار رئيس الجامعة ، حين كان الرئيس رئيس وزراء .
ما أود أن أخلص إليه في هذه الحلقة التي قد تكون الأخيرة هو أن إدارة الجامعة في سياسة تمديد العقود ما كانت تعتمد معايير علمية مقنعة . إن الولاء والولاء فقط هو المعيار ، وقد كتبت من قبل إن إدارة الجامعة لا تريد كفاءات قدر ما تريد ولاءات .
في العام الأخير - أي بعد تقاعدي - عرفت أن الجامعة لن تجدد عقد أي ممن بلغوا سن الخامسة والستين ، وأن هناك استثناء واحدا فقط ، ولست متأكدا من الاستثناء - ، فهل هي مصيبة في قرارها ؟
أنا واحد ممن كانوا ينادون بذلك لفسح المجال أمام الأجيال الجديدة حتى تأخذ فرصتها ، علما بأنني كثيرا ما انتقدت ممن بلغ هذا السن ، حيث كانوا ينادون بالعمل بمبدأ الكفاءة المهنية والخبرة وأن هناك مهنا يمكن أن يظل أصحابها يعملون بكفاءة حتى سن متأخرة .
هل كانت خربشاتي التي كنت أنتقد فيها ما أراه سلبيات أشبه بما نادى به غسان كنفاني في روايته " رجال في الشمس " على لسان بطله " أبو الخيزران " - أي الدق على جدران الخزان " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ " .
٢٠٢٠

١٧
الست كورونا : حقوق المؤلف ( ٣٠ )

كم مليون دولار ربحت من وراء طباعة كتبي ؟
بالاتفاق مع دار نشر " خطوط وظلال " في الأردن لطباعة كتابي الأخير " الست كورونا " فإنني سوف أحصل على مردود مقداره عشرون نسخة ، وأغلب الظن أنها لن تصل إلى نابلس إلا إذا عادت المياه في العالم ، بسبب الست كورونا ، إلى مجاريها ، والطريف أن المياه نادرا ما تعود إلى مجاريها ، وإنما تعود إلى المجاري ، فنحن عندما نشربها نحولها إلى ما قد يضر أكثر مما يشفي ، لافتقاده خصائص بول البعير الشافي والكافي ؛ بول البعير الذي كان " كلاس " منه - أي كوب ، مع ( كلاسين ) - أي مع كوبين - من الحليب ، تكفي للشفاء من الست المذكورة .
وبخصوص الوصفات التي ادعى أصحابها فيها أنها خير علاج للفايروس كوفيد ١٩ ، فإنها كلها مشتركة لم تقدم ، فأعداد المصابين والمصابات بارتفاع ، وهو في فلسطين بمتوالية هندسية .
هكذا لم يفلح الثوم والليمون والشلولو وحبة البركة واليانسون - وال يتذكرون - هكذا لم تفلح جميعها بالتخلص من الوباء / الجائحة ، أو التقليل من حرية حركته التي قللت من حرية حركتنا .
آخر أخبار اللقاح أنه سيكون من إنتاج روسي ، أو من إنتاج شركتي أدوية أميركية - ألمانية ، ومن بلاد الكفار يأتي الخبر ويأتي الخير اليقين ، بعدما جاء من بلادهم الفايروس والشر اللعين .
في السوق اليوم ، في مدخل موقف سيارات طولكرم القديم الذي كان كذلك قبل ثلاثة عقود وأكثر ، كان الشاب يحذر اصحابه التجار من الشرطي ورفيقاته الشرطيات الحاثين الناس على وضع الكمامة ، ولا أعرف إن كان الشرطي كتب مخالفات لعدم مرتدي الكمامات تقليدا لدولة أبناء العمومة .
بدأت أجواء المدينة تذكر بأجواء العيد ، فحركة البيع والشراء تنشط بشكل لافت .
في نشرات الأخبار تستمع إلى إحصائيات المصابين والمتعافين والداخلين إلى غرف العلاج بالأجهزة . القدس تتميز بارتفاع أعداد مصابيها ، مثلها مثل إيران التي لم تحل العتبات المقدسة فيها وفي كربلاء بطرد الفايروس ، ويبدو أن المؤمنين أشد بلوى فهم الأكثر صبرا .
هل أنكر أنني أمشي في الأسواق وأنا شبه متوجس ، فآخر ما قرأته عن الست من أخبار أنها يمكن أن تنتقل بواسطة الهواء ومن خلاله وعبره أيضا ، وأنه ليس بالضرورة أن تصاب بها لمخالطتك شخصا " مكورنا " .
الأجواء تموزية حارة وعوضا عن أن يختفي الفايروس بسبب الحر ، كما أشيع عنه في أيام الربيع ، فإنه تنامى وتكاثر وازداد .
هل هزم الطاعون في عكا نابليون وجنوده ؟
بم يا ترى ستهزم إسرائيل وكمامة ( نتنياهو ) وكمامة ( هرتسل ) ؟
٢٣ تموز ٢٠٢٠

١٨
ذكرى اغتيال ناجي العلي ال ٣٤ :

أمس صادفت الذكرى الرابعة والثلاثون لاغتيال فنان الكاريكاتير الفلسطيني الأشهر ناجي العلي ، وصرنا مؤخرا حين نسأل :
- ماذا ستكتب اليوم ؟
نجيب :
- أكتب وصيتي .
متكئين على كاريكاتير مشهور لناجي . وصارت كتابة الوصية تلح على الذاكرة منذ اغتيال نزار بنات .
هناك من حذر الشاعر Zakaria Mohammed ، فكتب مقالا فيه ، وهناك من أخذ يلمح لي أن انتبه لنفسك . وهناك من طلب منا أن نلتفت إلى ما يجري في غزة أيضا ، فما يجري هناك من قمع لا يقل عما يجري في الضفة .
كان لي صديق نشط هو عبد الله أبو شرخ سجن في غزة قبل عام وخرج ولم يعد يرغب في متابعة صفحتي ، ولا أعرف لماذا ، علما بأنه كان من متابعيها ، كما كنت من متابعي صفحته ، وحين اعتدت ، قبل عامين تقريبا ، حركة حماس في غزة على الروائي عاطف ابوسيف كتبت شخصيا واقفا إلى جانبه ، وكنت أتوقع أن يعلن موقفا مما جرى مع نزار بنات ، ولكن إعلان الموقف جاء من وزير الثقافة الفلسطينية الأسبق الدكتور إيهاب بسيسو ، فكان أن كوفيء من السيد رئيس السلطة بإقالته من منصبه .
غالبا ما أستشهد بسطر شعري ورد في قصيدة محمود درويش " الكتابة على ضوء بندقية " لأقول إننا ننشد وطنا يحترم فيه الإنسان .
" نحن لا ندفع هذا الدم الغالي لكي يزداد هذا الوطن الضاري حجرا " .
ولا أظن أن الذين دفعوا دمهم ضريبة لتحرير فلسطين دفعوه لتكون فلسطين المحررة دولة مثل كثير من دول القمع العربية .
قبل مقتل نزار بنات كان الشاعر زكريا محمد حين يقارن ، من حيث هامش حرية الرأي ، بين الأوضاع في مناطق السلطة الفلسطينية والأوضاع في العالم العربي ، ينحاز إلى السلطة الفلسطينية ، فهي تمنحنا هامشا واسعا في التعبير عن آرائنا ولا تضيق ذرعا بما نكتب ، ولا أعرف لماذا ضاق صدرها بالأصوات المعارضة فارتكبت ما ارتكبت ووقفت في وجه المحتجين .
ترى لو كان ناجي العلي الآن حيا ويقيم في مناطق السلطة الفلسطينية ، فما هو المصير الذي سيؤول إليه ؟
لم يعد اللاجئون الفلسطينيون إلى وطنهم الأصلي ولم تقم الدولة الفلسطينية حتى على ٢٢ بالمائة من أرض فلسطين ، بل وازداد الحصار وصرنا نعيش ليلا أشد سوادا تنبأ به محمود درويش في ديوانه " ورد أقل " ١٩٨٦ حين كتب قصيدته " هنالك لبل أشد سوادا ، هنالك ورد أقل " .
- مقالك اليوم عن الديموقراطية عجبني كثير . شو عم تكتب لبكرة ؟
- أكتب وصيتي .
هل كان الصديق Ziad Ameireh حين تحدث لي عن مخاوف صديقه من رفاق الجبهة الديموقراطية من حركة فتح يخاطبني أو يلمح إلي ؟
لا نملك عموما خيارا آخر إلا الكتابة والتعبير عن آرائنا ، وليس أمام السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة حماس في قطاع غزة إلا أن يتسع صدرهما للأصوات المعارضة ، والذين دفعوا دمهم ثمنا لتحرير فلسطين " لم يدفعوا هذا الدم الغالي " ليزداد عدد الدول العربية دولة لا تختلف عن بقية الدول .
في الذكرى الرابعة والثلاثين لإطلاق النار على ناجي العلي ليس أمامنا إلا أن ننحني لشجاعته ، وليس أمامنا إلا أن نواصل نهجه حتى لو صوبت الرصاصة في شارع نابلس أو في شارع من شوارع ما تبقى من وطن ، فلقد هتفنا في طفولتنا في المدارس :
- عائدون . عائدون .
٢٣ تموز ٢٠٢١

١٩
الفلسطيني والحنين إلى زمن البراءة
" وطأة اليقين " للسوري هوشنك أوسي

عادل الاسطة

في روايته " وطأة اليقين ، محنة السؤال وشهوة الخيال " ( ٢٠١٦ ) يأتي الكاتب السوري الكردي هوشنك أوسي على نماذج بشرية من الشرق البائس ويخوض في حياتها منذ كانت في بلادها إلى ما صارت إليه في الغرب ، ومن ضمنها يكون للفلسطيني حضور أيضا ، وقد لاحظنا له في الروايات العربية التي صورت نماذج لحياته في الغرب صورا مختلفة ؛ من إيجابية في المطلق كما في " النبيذة " لإنعام كجه جي " إلى صورة وسطية تجمع بين السلبي والإيجابي كما في " سيقان ملتوية " لزينب حفني و" عواطف وزوارها " للحبيب السالمي .
يكتب هوشنك أوسي عن فلسطيني قتل أبوه ، من الخلف ، وهو يقاتل في حرب العام ١٩٨٢ ، قتل برصاصة صديقه خليل أبوالوفا ، لا لخيانته أو تعاونه مع الإسرائيليين ، وإنما لطمع الصديق القاتل في زوجته .
يلتحق درغام ابن الشهيد ، بعد أن تتزوج أمه من قاتل زوجها ، بحركة فتح ليواصل طريق أبيه ، دون أن يعرف الحقيقة .
تتحول حياة أرملة الشهيد مع زوجها الجديد إلى جحيم ، وفي أثناء الخصام والمشاحنات يعلمها أنه هو من قتل زوجها ، وتصل العلاقة بين الطرفين إلى الانفصال ، فيتخلى الزوج عن زوجته وقد تركها وأبناءها في مهب الريح ، ما جعلها ، وهي تحتضر ، تتصل بابنها درغام ليرعى إخوته ولتعلمه بحقيقة مقتل أبيه ، وهنا يقرر الانتقام والثار ، ويتمكن من خليل أبو الوفا الذي صار مسؤولا كبيرا في مخيم عين الحلوة ويقتله ،
ولكي يتمكن من الهروب من المخيم إلى دمشق لا يتردد في ترك حركته والالتحاق بالجبهة الشعبية - القيادة العامة وسرعان ما يتركها لأنها مرتبطة بالنظام السوري ، فيتصل بياسر عرفات ويحصل على شهادة براءة وعدم ملاحقة ، والتفاصيل كثيرة .
بقي درغام / أبو ياسر في مخيم عين الحلوة حتى ٢٠٠٨ وبعد أن مل من مشاكل الفلسطينيين ، بحث عن اللجوء في أوروبا . لقد ترك زوجته وأولاده وهرب إلى تركيا ، وهناك عمل في تهريب البشر ، عبر البحر والبر إلى اليونان " من فدائي ومناضل يدافع عن قضية إلى مهرب ؟! وصار يرسل قسما مما يحصل عليه من الأموال إلى أسرته في المخيم ، وقسم يصرفه على البارات والملاهي والنساء . أصيب بالقرف من هذه الحياة أيضا ، هرب إلى اليونان ، ومنها إلى ألمانيا . أعادوه إلى اليونان بسبب بصماته ، لأن اليونانيين اعتقلوه أكثر من مرة ، وها هو الآن في بلجيكا منذ ٢٠٠٨ " .
هل شعر درغام وهو في بلجيكا بالرضا والاستقرار والطمانينة ؟
في بلجيكا صار يدخن الماريغوانا وصارت الحياة له لا تساوي سيجارة ، فقد اشتاق لأولاده وزوجته وللمخيم و " لسنوات البراءة الثورية حين كانت الأغاني والقصائد وحمل السلاح يشعرنا بالهيبة وأننا نمتلك طاقة معنوية رهيبة ، بإمكانها إزالة إسرائيل من الوجود وتحرير ألف فلسطين . اشتقت إلى تلك الأوهام والخرافات والأحلام الثورية المنادية بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، أمام هذا الواقع القذر . " ، ويتساءل في النهاية :
" - من المسؤول عن كل هذا الخراب الذي نعيشه ؟! من ؟! "
وتغرورق عيناه بالدموع وهو ينهي جملته الأخيرة :
" اشتقت لرؤية ولدي ياسر وتقبيله واستنشاق رائحته " .
ولا يفعل شيئا سوى الشتيمة والكفر برب البلجيكيين ، كونهم رفضوا منحه الإقامة ، بحجة أنه أتى من مخيمات لبنان لا من مخيمات غزة ، فوضع مخيمات لبنان جيد ؟؟؟؟ !!!! .
كان درغام ولد في الخامس من حزيران ١٩٦٧ لأب فلسطيني لجأ في ١٩٤٨ من الجليل تزوج في سن متأخرة من مسيحية لبنانية ، ما جعله وهو يقص حكايته في بلجيكا يقصها ضاحكا :
"- كان عليهم تسميتي : هزيمة ، خيبة ، فشل ، إحباط ، يأس ، استسلام ... وليس درغام " .
كان أبو ياسر يكرر حكايته بحيث حفظها اصدقاؤه عن ظهر قلب ، وصاروا يذكرونه ببعض التفاصيل التي يسهو عنها أحيانا ، إلا أنه في كل مرة يضيف إليها جديدا " وكأنها رواية تجدد نفسها ، مقدر لها ألا تنتهي ، وبإمكان جلسائه إعادة سردها ، مضيفين إليها من خيالهم ، لكثرة ما سمعوها ، ولم يملوا منها " .
يجب أن ننظر إلى صورة الفلسطيني في هذه الرواية في ضوء صورته في روايات الكاتب الأخرى ، ففي روايته اللاحقة " أوهام حفلة مفتوحة " ( ٢٠١٨ ) يختار شخصية فلسطينية مختلفة .
يذهب أحمد إلى باكستان ليواصل دراسته الجامعية ويقع في حب طالبة ، ولكنه يؤثر أن يلبي نداء الثورة على مطمحه الفردي ويصبح طيارا لياسر عرفات ، ويستشهد في أثناء سقوط طائرة الرئيس في الصحراء الليبية في العام ١٩٩٢ . كان أحمد نموذجا إيجابيا للفلسطيني المحبوب المنتمي .
وإن نظرنا إلى صورة الفلسطيني في الرواية الأولى فإننا سرعان ما نستحضر شخصية " أبو الخيزران " في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " ١٩٦٣ ، فأبو الخيزران قاتل في حرب ١٩٤٨ قبل أن يتحول إلى مهرب فلسطينيين في صهريجه إلى الكويت . كما تذكرنا أيضا برواية سامية عيسى " حليب التين " ( ٢٠١١ ) ، بخاصة حين يقص درغام عن مراهقته وتلصصه على خالته وهي في الحمام وممارسته العادة السرية .
وليست شخصية درغام ، في تحوله من مقاتل إلى مدخن ماريغوانا وسكير ، استثناء في الرواية العربية ، فهي تذكرنا بالشخصية الفلسطينية في رواية السوري فواز حداد " المترجم الخائن " ، فالفدائي فيها الذي أسر قلب الفتاة السورية ، ببدلة الفدائيين ، وفضلته على غيره من أقاربها ومن السوريين ، تحول بعد الخروج من بيروت والاستقرار في تونس إلى سكير يقضي وقته في الحانات .
لقد تحول الثائر الفلسطيني حين ترك الخندق ، والأصح حين أجبر على تركه ، إلى لاجيء في هذا البلد أو ذاك ، وإلى سكير ، يعيش حياة الفراغ ، والفراغ مفسدة ، ويحن إلى زمن البراءة الثورية .
ربما ما يلفت النظر في " وطأة اليقين " أنها تأتي على شخصيات أوروبية ، وشخصيات يهودية أصولها جزائرية ، لها موقف من الثورة الفلسطينية . فاليهودي الجزائري كان يتحدث مع الفلسطينيين باللغة العربية ويقول لهم كلاما قاسيا .
يكتب الكاتب فصلا عنوانه " كاترين دو وينتر " ، وهي امرأة بلجيكية أنفقت خمس سنوات من عمرها في سوريا وأحبتها وتعلمت فيها العربية ، وتعرفت في حياتها على شخصيات عربية منها التونسي والمغربي والمصري ، بل إنها تسمع بادوارد سعيد وبياسر عرفات .
" - أليس ذلك الشخص ، هو ياسر عرفات ؟!
- أين ؟!
- إلى اليمين ، الطاولة قبل الأخيرة . رجل يرتدي عقالا والشماخ العربي . معه على الطاولة أربعة رجال وسيدة .
- نعم ، هو . ما هذه الصدفة ؟! ولكن ، من أين تعرفينه ؟!
- ألم أقل لك إنني صرت يسارية ، وتربطني علاقات جيدة مع فلسطينيين . تعرفت على أستاذ في جامعة كولومبيا يدعى ادوارد سعيد . حضرت له عدة محاضرات ، وقرأت له الكثير من المقالات والكتب . إنه رجل مثقف ، وناشط سياسي فلسطيني ، مؤيد لحل مشترك للقضية الفلسطينية . تعجبني أفكاره ... ! "
وتطلب كاترين من صديقها التونسي أن يقدمها إلى ياسر عرفات ، وتتقدم منه وتصافحه وتشعر بالفخر لحديثها معه ولمصافحته ، فهو كما تراه زعيم فلسطيني مناضل .
ويذهب تفكير كاترين بعد اغتيال غسان كنفاني إلى الانضمام إلى الثورة الفلسطينية التي تقاتل إسرائيل ، ولكنها تجاوزت الفكرة " بسبب عمبية ميونيخ في شهر أيلول من نفس العام واحتجاز الفريق الرياضي الإسرائيلي " .
كان رأي كاترين في العرب يعتمد على تجربتها مع كل منهم ، فهي لا تتبنى في نظرتها إلى الشعوب مواقف مسبقة . إنها ذات تفكير يساري وعليه فهي لا تنطلق من نظرة وطنية متعصبة أو من نظرة قومية .
كانت كاترين مع الثورة الفلسطينية ، ولكنها ضد سياستها في اختطاف الطائرات ، فهذا الفعل يشوه القضية ولا يخدمها ويظهر الفلسطينيين كارهابيين والإسرائيليين كضحايا ، بل ويزيد ذلك من تعاطف العالم مع إسرائيل .
ما لا يجب أن يغض الطرف عنه في استنطاق صورة الفلسطينيين في الرواية الكتابة عن الفصائل وخلافاتها . إن الصورة التي قدمتها تبدو صورة سلبية تسيء إلى الفلسطينيين عموما ، وهي صورة برزت أحيانا في الأدبيات الفلسطينية في القرن الماضي .
( مقال الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية الموافق ٢٥ تموز ٢٠٢١ متوسعا فيه )
الجمعة
٢٣ تموز ٢٠٢١

٢٠
" وصرت وزير يا دايان " :

ودايان هو موسى ديان أو موشيه وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب الأيام الستة وكانت بينه وبين بعض الفلسطينيين قبل العام ١٩٤٨ بعض صلات بحكم قرب المستعمرة التي كان يقيم فيها من القرى العربية ، حيث كان يسهر أحيانا مع قسم منهم في قراهم . هذا ما فهمته مما كتبه الكاتب المرحوم سلمان ناطور في كتابه " ذاكرة " وأعاد نشره في كتابه " ستون عاما : رحلة الصحراء " .
ظل الفلسطيني الذي كان موسى دايان يجلس معه في الأمسيات راعيا فيما صار دايان وزير الدفاع في الجيش الإسرائيلي . " بعد قيام الدولة الإسرائيلية زار دايان ، مع حاشية كبيرة ، القرية . وقف أهل القرية في صف طويل لاستقباله ومعهم الشيخ الذي نتحدث عنه ، ولما اقترب منه الوزير وصافحه اقترب منه الشيخ وهمس في أذنه :
- صرت وزير يا ديان ؟
فأجابه وهو يبتسم لمستشاريه :
- غصب عنك . خليك أنت راعي !
وخشي القروي أن يقول له ما قاله لنفسه :
- حتى من هاي النعمة حرمتونا ... أي هو بقي أرض نرعى فيها ؟! " .

"- صرت وزير يا ديان " .
تذكرت هذه الجملة أمس وأنا أقرأ القصة الفولكلورية لتوفيق زياد " كيف أصبح الحمار شيخا للعسكر " .

رحم الله الكاتب سلمان ناطور . إنه أفضل من كتب النثر الفلسطيني في الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ ولم ينل حظه من التقدير ، وقد أنصفه أحد طلابي ، بعض الشيء ، حين كتب عنه رسالة ماجستير ، وهو السيد Yaser Jawabreh .
٢٣ / ٧ / ٢٠٢٣ .

٢١
" ومن يفعل المعروف مع غير أهله يندم " شعر جاهلي
محمود درويش في " حالة حصار " ٢٠٠٣ :

" سيمتد هذا الحصار إلى أن نعلم أعداءنا / نماذج من شعرنا الجاهلي "

ايلان بابيه الفلسطينيون المنسيون يافا
" لكنهم استقبلوا بحفاوة ، أولا في يافا حيث أقلتهم قوارب صغيرة من سفنهم إلى اليابسة ، وهناك أخذ كل منهم يبحث عن أول مسكن مؤقت له أو عن قطعة أرض . وفي معظم الحالات وفر السكان المحليون الفلسطينيون لاؤلئك القادمين الجدد بعض وسائل الراحة من مبيت وطعام ، لم يكتفوا بذلك بل قدموا لهم أيضا النصائح في مسائل الزراعة والحراثة ؛ وكانت معرفة أهل صهيون بهذا الموضوع ضئيلة إن لم تكن معدومة لأنهم منعوا قرونا عديدة من أن يكونوا مزارعين أو أصحاب أراض في مواطنهم الأولى .
لم يقابل المستوطنون تلك المعاملة بالمثل ؛ ففي المساء - أي وقت انصرافهم لكتابة مدوناتهم الأولى في دفاتر يومياتهم على ضوء الشموع ، أشاروا إلى المواطنين الفلسطينيين كغرباء يجولون في الأرض التي هي ملك للشعب اليهودي ، وطلع بعضهم بفكرة فحواها أن الأرض كانت خالية ؛ وزعموا أن السكان الذين وجدوهم هناك ليسوا سوى غزاة أجانب ... " .( ص١١ و ١٢ )
كنفاني عائد إلى حيفا
الاشباح
ايفرات كوشين القادم الجديد إلى حيفا :
" وربما سمع أصوات الرصاص منذ أن خرج من ميناء حيفا في نهاية أول أسبوع من آذار ١٩٤٨ ، فإنه لم يفكر كثيرا في أن شيئا مرعبا كان يحدث انذاك ، وهو - على كل حال - لم يقابل شخصا عربيا في حياته كلها ، بل إنه صادف أول عربي في حيفا نفسها بعد احتلالها كلها بحوالي عام ونصف العام . وقد جعله ذلك الأمر يحتفظ طوال الأيام الحرجة بصورة فريدة وغامضة عما كان يجري حقا . صورة أسطورية جاءت ملائمة تماما لما كان يتصوره في وارسو وفي ميلان طوال ٢٥ عاما من عمره ، ولذلك كانت المعارك التي يسمع أصواتها ثم يقرأ أخبارها في " بالستاين بوست " كل صباح ، إنما تجري بين بشر وبين أشباح ، ليس إلا . "
ماذا يجري في غزة منذ عشرة أشهر

٢٢
غزة 656 :
غزة في زمن الاشتباك

عن صفحة دكتور بسام سعيد أدرجت شريط الفيديو وقرأت الكتابة :
" إذا لم تسرق فستموت جوعا .
قانون الحرب " .
غزة تعيش زمنين معا ؛ زمن الحرب وزمن الاشتباك ، وفي الزمنين تنعدم الفضيلة ؛ لأن الفضيلة الأولى هي البقاء على قيد الحياة ، فإن انعدمت الحياة لا وجود للفضيلة . هكذا تعلمنا من قصة غسان كنفاني " الصغير يذهب إلى المخيم / زمن الاشتباك " ، ولطالما كتبت عنها والفرق بين الزمنين .
٢٣ / ٧ / ٢٠٢٥

٢٣
هوامش من وحي ما يجري في غزة : الخراب الأسري

عادل الأسطة

في صفحة الناشط الصحفي الغزاوي محمد الذهبي نقرأ ، في ٢٢ تموز ، المنشور الآتي مدرجا مع شارة الشعور بالحزن :
" هذه شهادة لأحد المجوعين عن مجوع آخر ..
بالأمس أيضا قرأت شهادة أخرى تتحدث عن رجل في أحد خيام النزوح اعتدى على زوجته بالضرب بعد أن طالبته بتوفير الطعام لصغارهم ، ثم طلقها !
هذا الصباح أحد الجيران اعتدى على زوجته بالضرب أيضا ، وقبل يومين عنف جار آخر زوجته جسديا لأسباب لا أعرفها ..
مع اشتداد قسوة التجويع ، وازدياد ضيق الحال في غزة ، بات النسبج الاجتماعي الأسري مهددا بالانهيار ؛
فيا أهلنا وأحبابنا ، رفقا بنسائكم فإنهن مثلكم وأكثر ، وليس لهن ذنب فيما أنتم فيه . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ..
ويدرج محمد الشهادة من صفحة Ahmad G Adwan . متابعة ونصها :
" طلعت ع الشارع قبل شوي وهي رجعتي من برا
بدور ع اشي
وأنا مروح أقسم بالله شب دبح مرتو من الكتل في الشارع
وقعد يكفر
رحت بحكيلو اتقي الله حرام عليك ؛ رد عليا ومش حرام اللي بيصير فينا
مديت ايدي أعطيه اللي فيه نصيب ، قلي بديش مصاري بدي آكل
مرتو بتقلو خد من الشاب واشتريلنا أكل
طلقها ؛ أقسم بالله طلقها ومشى ".
أما سماهر الخزندار فتنشر في الأول من اب صورة كف يد امرأة غزاوية ذبلت وتكتب عنها ومنه :
" هذه الكف لسيدة كان لها ركنها الخاص في منزلها تشرب قهوتها مع قطعة الحلوى .. أصبحت تجلس في خيمة... تنظر لأطفالها ، فتتخيلهم يحترقون حولها ، فتضيق نفسها ، وبدلا من احتضانهم تتشاجر معهم ؛ لأنهم لا يفهمون لم هي حزينة .. "
عندما قرأت ما سبق تذكرت قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " ، وتذكرت ثلاث روايات لغسان كنفاني قرأت فيها قصصا مشابهة لما كتب عنه محمد وما أدرجه .
تعد قصة سميرة التي توفيت في الثامن من اب ١٩٦٧ ، مثالا جيدا لانعكاس نكبة ١٩٤٨ على المجتمع الفلسطيني . ففيها نقرأ عن فياض الحاج علي الذي يفقد كرامته بعد أن فقد أرضه وتقرأ عن البغي والوغد واللص . وما يهمنا هنا هو الحاج فياض الذي صار يستلم الإعاشة ليبيعها ويسكر بثمنها ، تاركا زوجته وأطفاله الخمسة جوعى ، ولما اعترضت زوجته وحاولت منعه ضربها فماتت ، لينفق بقية عمره في السجن وليتشرد أطفاله .
في الرواية الأولى من روايات كنفاني " رجال في الشمس " يترك والد الطفل مروان أربعة أطفال ويطلق زوجته بلا أي سبب " ثم يتزوج من تلك الامرأة الشوهاء .. .... لأنها تمتلك بيتا من ثلاث غرف في طرف البلد " . أراد الرجل أن يستقر في شيخوخته لا أن يجد نفسه مجبرا على إطعام نصف دزينة من الأفواه المفتوحة .. " ألم يقل ذلك ؟" وحتى الأخ الأكبر زكريا الذي سافر إلى الكويت لينفق على أمه واخوته انقطعت أخباره لأنه أراد أن يلتفت إلى نفسه ، فطلب من أمه أن يترك أخوه مروان المدرسة ليسافر إلى الكويت ويعمل هناك وينفق على أمه وإخوته .
وفي الثانية " ما تبقى لكم " يجن جنون زكريا عندما تعلمه زوجته الثانيه أنها حامل ، فيصرخ في وجهها غير مستسيغ ما قالته ، وكان ما يزال يأمل في أن تتخلص من الجنين بطريقة ما ، فهو يرى في المولود القادم قطعة صراخ جهنمية ستجعل من مريم " زجاجة حليب بشرية ليس أكثر " .
وفي الثالثة " أم سعد " نقرأ ما تقصه عن زوجها في زمن اللجوء الأول وعن سوء تصرفاته في بيته معها . " وحين كان يتعطل عن العمل كان يزداد فظاظة ، ويأخذ في الذهاب إلى القهوة حيث يشرب شايا ويلعب الطاولة وينهر على كل الناس ، وإذ يعود إلى البيت لا يطاق ، وكان ينام واضعا كفيه الكبيرتين الخشنتين اللتين تملؤهما آثار الاسمنت والتراب ، تحت رأسه ، ويأخذ بالشخير عاليا ، وفي الصباح يشاجر خياله ، ويترك أم سعد تحضر أشياءها الفقيرة لتمضي إلى شغلها تحت سياط نظرات حانقة لا تفسر ، وذات يوم شمت أم سعد ، مع لهاثه ، رائحة الخمر .
ترى أم سعد أن سبب ذلك يعود إلى الفقر :
"- الفقر يا ابن العم الفقر .. الفقر يجعل الملاك شيطانا ويجعل الشيطان ملاكا ، ما كان بوسع أبو سعد أن يفعل غير أن يترك خلقه يطلع ويفشه بالناس وبي وبخياله ؟ كان أبو سعد مدعوسا ، مدعوسا بالفقر ومدعوسا بالمقاهرة ومدعوسا بكرت الإعاشة ومدعوسا تحت سقف الزينكو ومدعوسا تحت بسطار الدولة .. فماذا كان بوسعه أن يفعل " .
هل أكتب شيئا عن مخيمنا ؛ مخيم عسكر القديم عرفت فيه قصصا مشابهة ؛ قصة الضرير مؤذن الجامع أو قصة أبو محمد الذي وظف خادما للجامع ؟ هل أكتب عن ... ؟
النكبة مستمرة وقد بلغت ذراها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ .
حالة تعبانة يا ليلى ورحم الله زياد الرحباني !! هل ما زال مغني الأغنية جوزيف صقر على قيد الحياة ؟

( الأربعاء الخميس والجمعة والسبت ٢٣ و ٣١ تموز / ١ و ٢ اب / ٢٠٢٥ )

٢٤
غزة 656 :
ولاء الجعبري وزوجها وأطفالها وجنينها :

أمس كتبت ولاء الجعبري في صفحتها :
" أنا مش خايفة نموت من الجوع . خايفة من كسرة الخاطر لو ما وقفت هالحرب المجنونة !
واليوم قرأت في صفحة أحمد ناصر Ahmed Nasser الآتي :
" ارتقت مع زوجها وأطفالها فجر اليوم "
وفي صفحة مؤمن مقداد :
" أمس " مسيرة في تل أبيب ضد تجويع غزة "
عارفين المثل يلي بيقول " حاله يصعب على الكافر "
حالنا صعب على الكافر ، وما صعب على العرب والمسلمين .
لنا الله " .
وفي صفحته نفسها صورة للحاخام شموئيل إلياهو يبارك جنديا ويقول :
أذكر أنني كنت في قاعدة تسئيليم يوم السبت ، حين وصل جنود عائدون من غزة في ليلة السبت لأخذ قسط من الراحة .
كانوا لا يزالون يحملون غبار المعارك على بدلاتهم العسكرية ، وتمنيت لو يلتصق بي شيء من ذلك الغبار المقدس .
شعرت حينها بجلال وروحانية عظيمة ، وكأن هناك اتصالا مباشرا بالنور الإلهي الأعلى عبر ذلك الغبار .. هؤلاء جنود الملك داود ، الحضور الإلهي كان واضحا هناك " .
عندما كتبت في ٤ / ٧ / ٢٠٢٥ : " غزة 637 / 2 :
نص غزة الغائب " أدرجت الناشطة نوال الستيتي رابطا ل محمد الهامي نصا كتبه عن استشهاد القائد أبي زكي محمد حمد يحكي فيه أيضا عن كرامات شهدائنا .
في قصيدته " طال الشتات " كتب مريد البرغوثي :
" وطلبنا جرعة الماء فقالوا :
نحن شئنا لكن الماء أبى
وطلبنا الخبز قالوا قد عجنا
وغفلنا فنسينا الحطبا
وطلبنا في انقطاع الضوء شمعا
نصحونا أن نضيء الكهرباء
وطلبنا سيفهم قالوا اعذرونا
كل سيف بين أيدينا نبا
غير أنا عندما جئنا إليهم
عن طريق البحر ، صاحوا مرحبا !
عجبا ! .."
٢٣ / ٧ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى