د/محروس عامر - العودة من عتبات التيه إلى الاستنارة: قراءة نقدية في قصة «عودة» للكاتب سيد جعيتم

تمهيد:
تستمد القصة القصيرة قيمتها التأسيسية من قدرتها الفائقة على إنتاج أقصى طاقة دلالية بأقل قدر من الألفاظ، مراهنةً على امتداد أثرها الشعوري والفهمي في وعي المتلقي لما بعد لحظة القراءة. ومن هذا المنطلق، ترتقي قصة «عودة» للكاتب سيد جعيتم لتكون نصاً مكثفاً يمارس الاقتصاد اللغوي الصارم، مٌعيداً تشكيل تجربة الحرب لا كحدثٍ عسكري طارئ، بل بوصفها "محنة وجودية" ورحلة استعادة للمركز الروحي للإنسان.

أولاً: العتبة العنوانية..
ينفتح النص بعتبة عنوانية مجردة من التعريف: «عودة». وجاء هذا اختياراً قصدياً لمفردة نكرة تتسم بمرونتها الدلالية، فلا تُحدد مجرى العودة، ولا وجهتها، ولا شروطها.

تتحول هذه العتبة إلى بؤرة توليدية لأسئلة القراءة؛ أهي عودة جسدية من جحيم الحرب؟ أم عودة جغرافية إلى الوطن؟ أم إنسانية للأسرة؟ أم هي "عودة صوفية" للذات إلى بارئها بعد طول تيه وركام؟ لقد وظّف الكاتب العنوان بوصفه أداة لإرجاء المعنى وتأجيل الكشف، مشعِلاً أفق التوقع لدى القارئ الذي يستمر في تفكيك دلالة العودة حتى يكتشف في النهاية أنها تستوعب تلك الأبعاد جميعها في وحدة متماسكة.

ثانياً: الاستهلال وفاتحة التبدل الروحي
يستهل الكاتب نصَّه بعبارة تختزل المآل قبل المقدمات:

«عاد حامد بوجهٍ مختلفٍ عن ذلك الذي سافر به. زال عبوسه، وانبسطت أساريره.»

يعمد هذا الاستهلال إلى إحداث صدمة تأويلية؛ فهو يقدم النتيجة النفسية النهائية للشخصية مفارقةً للظرف الوقائعي القاسي، مما يُربك أفق توقع القارئ وتدفعه لتتبع أسباب هذا التحول. إن البنية السردية هنا لا تتكئ على نقل الحدث، بل على تنشيط فضول المتلقي عبر طرح تساؤلات مضمرة حول التحول الجذري في رمزية البطل وسيمائه، مِما يُعطي النص زخيماً درامياً منذ سطرِه الأول.

ثالثاً: البنية الزمنية والتوازي الدرامي
1. إزاحة السرد وتداخل الأزمنة:


تعتمد القصة بنية زمنية دائرية غير خطية؛ إذ تفتتح المشهد داخل الطائرة على مقربة ساعتين من أرض الوطن، ثم تنزاح حركة السرد نحو الماضي عبر تقنية الاسترجاع (Flashback). لا يقف الاسترجاع هنا عند حدود الحيلة الشكلية، بل يتخذ طابعاً نصوصياً يُماثل آلية الذاكرة الإنسانية التي تنتقي اللحظات الفاصلة وتتجاوز التفاصيل اليومية.

ويظهر التحكم الحرفي للكاتب في ضبط المسار الزمني عبر مفصل سردي محوري يُعيد ضبط البؤرة وإحكام الإيقاع:

«أخرجته المضيفة من سرحانه وهي تقدم له الطعام.»

تؤدي هذه الجملة وظيفة "كابح نصوصي" للإيقاع؛ ففي ظل استغراق البطل في تداعيات الذاكرة، تأتي هذه اللفتة لتعيد تموضعه هو والقارئ داخل الزمن الحاضر للقصة ومكانها الإطاري (الطائرة). كما تعمل هذه العبارة بمثابة "مفصل سردي" يقطع بين مرحلة زمنية استرجاعية وأخرى تالية، لتهيئة السرد للانطلاق نحو محطة زَمَكانيّة جديدة .

2. تصاعد البنية الدرامية:

تبلغ المفارقة الدرامية أوجها بقطع زماني حاد يلقي بالمتلقي مباشرة في أتون قسوة الصدمة الأولى:

«ملقى على رمال سيناء الحارقة، ينهش وجع الإصابة جسده، يئن.»

ثم تعود جملة المضيفة لتمارس دور الضابط الإيقاعي بين أجزاء القصة، ثم تبدأ بشائر الانفراج والكشف العرفاني عبر الرؤيا المنامية لبنت البطل، والتي تومئ إلى الآية الكريمة الدالة على الرجاء المطلق والمعية الإلهية: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، ليتكرس هنا مفهوم العرفان والتأييد الإلهي في أوقات المحن.

عقب ذلك، تتصاعد الصراعات والأسئلة الدرامية لتبلغ ذروتها في مشهد اللقاء غير المتوقع بين حامد ومعروف: «وجد حامد نفسه مندفعاً لاحتضانه، وتعجب من بكاء معروف...» إن هذا الاندفاع العاطفي المفاجئ والبكاء الشديد من طرف "معروف" يطرحان بؤرة جديدة من التساؤلات والتوتر الدرامي؛ حيث يرجئ الكاتب تفسير هذا الانفعال الشديد لتصل الحيرة التأويلية إلى أوجها.

ثم تكتمل الحركة الدرامية بالوصول إلى "لحظة الاستنارة" وتمام الكشف، حين يتجلى البعد العرفاني كاملاً على لسان الشيخ العارف: «مرحبًا بعودتك يا ولدي: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾.» وهنا تتجاوز الكلمة منطق الحوار العادي لتتحول إلى رسالة إلهية، وإشارة قدسية تُلتقط عبر وسيط روحي، فتفتح للبطل باباً واسعاً للطمأنينة والسكينة بعد طول انكسار.

رابعاً: اقتصاد المعرفة السردية وتوجيه الراوي
اعتمد الكاتب راوياً عليماً، إلا أنه مارس عليه نوعاً من "الضبط المعرفي"؛ فلم يمنحه كامل السلطة للكشف الإشعاري، بل قلّص معرفته لتتوازى مع نطاق معرفة الشخصية الرئيسية. إن هذا الأسلوب الفني يجعل القارئ شريكاً في استنباط الحقائق ومكابدة التحولات النفسية لا مجرد متلقٍ سلبي.

كما يتسم الحوار بالاقتصاد الشديد؛ فلا وجود للجمل المجانية، بل تحول الحوار القصير إلى أداة لتعميق البعد السمعي والوجداني.

خامسا : النسق الصوفي والرؤيا العرفانية
لا يحضر المكون الديني والروحي في القصة كقشرة ظاهرية أو خطاب وعظي مباشر، وإنما يتخلل البنية العميقة للنص بوصفه المحرك الأساسي للأحداث. تتجلى في النص سمات التجربة الصوفية والعرفانية عبر عدة مسارات:

الشهادة وفلسفة الفناء: تظهر السمة الصوفية مبكراً في مشهد احتضار شوقي الذي «ينطق الشهادتين ثم يموت»، ليكون الفناء في سبيل الحق أولى درجات الترقي الروحي.

التناص التاريخي والرمزية: يستدعي النص ثبات المؤمنين الأوائل من خلال صراخ بلال «أحد... أحد» ونداء النبي ﷺ: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة»؛ ليقيم تناصاً يربط بين الجهد المادي للمقاتل في سيناء والجهاد الروحي للإنسان الأعزل أمام الطغيان، محولاً الصمود في وجه التعذيب داخل الأسر إلى قيمة عرفانية سامية.

إشارات الحج والسلوك إلى الله: يتحول الانتقال من جهاد الدفاع إلى شعيرة الحج إلى رحلة لتزكية النفس؛ فالحج في النص هو رمز لخلع أدران الماضي والترقي في مراتب السلوك الصوفي.

فلسفة اللطائف والإشارات الإلهية: تتكامل الإشارة عبر الرؤيا ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ مع الكشف الظاهري على لسان الشيخ ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾؛ ليرسخ النص رؤية صوفية مفادها أن الحق سبحانه وتعالى يلطف بعباده عبر "شارات ولطائف" تتجلى في رؤيا، أو لسان عارف، أو خاطرة صدق.

سادسا: الأبعاد الإنسانية وشبكة العلاقات
يركز السرد على ندوب الحرب التي تتجاوز الجسد لتستقر في عمق الروح؛ إذ يبدو فقدان الجزء الجسدي (ذراع البطل) أمراً ثانوياً وهامشياً أمام الجرح الأكبر المتمثل في فقدان ابنته "خديجة". فالنص لا يقف طويلاً عند العاهة الجسدية، بل يغوص في مكابدة الفقد الإنساني المباشر.

تتجلى قيمة "الزمالة" كرباط روحي يتجاوز الأطر المهنية؛ فمحاولة حامد إنقاذ رفيقه، تُقابل لاحقاً بوفاء أصدقائه الذين أدرجوا اسمه في قرعة الحج دون علمه. كما يبرز حضور "الأسرة" بوصفها الحاضن الروحي والنفسي الذي يشكل القوام الكلي للإنسان، ويؤدي اقتلاعها إلى اجتثاث كينونته من جذورها.

يرصد النص المحنة الإنسانية للبطل عبر متوالية من الفقد والصدمات: الإصابة الجسدية، الأسر، وفقدان الزوجة والأسرة. تتجلى إنسانية السرد في عدم تقديم البطل ككائن حديدي، بل كإنسان هش تداعى أمام جرحه الروحي العميق، فلجأ إلى الخمر هرباً من وطأة الذهول والصدمة. إن هذا السقوط المؤقت لم يُطرح كمنظور أخلاقي تحذيري، بل كاستجابة طبيعية لانجراف الذات تحت تأثير الفقد المريع. لكن النص يُعيد تشكيل هذه الذات عبر محفزات إيمانية كامنة؛ فالشفاء لم يكن مجرد صدفة خارجية، بل رحلة كشف داخلي ساعد عليه المخزون الإيماني الأصيل للشخصية.

سابعاً: مقولة النص وفق منظور "الأثر الممتد"
وفق رؤية مدرسة "الأثر الممتد"، لا تنتهي قيمة العمل الأدبي ولا تتوقف طاقته التأثيرية عند حد إغلاق الصفحة الأخيرة، بل يبدأ فعلياً حين يتغلغل النص في وعي المتلقي، ويحرضه على إعادة تفكيك وتأمل المفاهيم الإنسانية والوجودية الكبرى. وتنجح قصة «عودة» في ترك هذا الأثر المتجاوز لأنها:

كشف ويلات الحرب وتنتصر لقيم السلام: فبرغم ما تشهده الملاحم العسكرية من شجاعة وبطولة، إلا أن النص يرصد آثارها التدميرية على الفرد والمجتمع، معلناً رغبة مضمرة في السلام والسكينة. كما ينفذ النص إلى كشف السلوك غير الإنساني للعدو، والمتجلي في الانتهاكات الممنهجة للأسرى والحرمان من الرعاية الطبية، وهي سمة متكررة تكشف جشاعة العدوان ومأساويته.

تُرَسّخ قيمة الزمالة والوفاء الإنساني: تؤكد القصة أن طوق النجاة في أوقات الانكسار قد يأتي في هيئة يد صديق أو لفتة وفاء غير متوقعة؛ وهو ما تجسد في المحاولة الباسلة للبطل لإنقاذ رفيقه "شوقي"، وتجلى ردّاً للجميل حين بادر رفاقه إلى إدراج اسمه في قرعة الحج دون علمه، ليتسامى مفهوم الزمالة من مجرد رابطة عمل إلى أفق أخلاقي ممتد.

تُعلي من مفهوم المعية الإلهية والتأييد العرفاني: تغرس القصة في وعي القارئ أن اليأس ليس مصيراً حتمياً للإنسان، وأن العناية الإلهية حاضرة ومتبدية في أعمق لحظات الابتلاء وأكثرها عتمة، ليغدو الإيمان هو الملاذ الأعظم الذي يُعيد ترقيع الذات المتشظية.

الخاتمة
استطاع الكاتب سيد جعيتم عبر قصة «عودة» أن يبني نصاً رصيناً تتكامل فيه صنعة السرد مع البعد العرفاني والجمالي. فلم تكن الحرب في هذا العمل هي البطل، بل كان الإنسان بما يحمله من ضعف، وأمل، وانكسار، ويقين هو جوهر النص ومحوره.

لقد استحالت العودة في نهاية المطاف من مجرد وصول جسدي إلى الوطن، إلى "رجوع روحي" واستعادة للطبيعة الفطرية والإنسانية، ليظل الأثر الممتد للنص هامساً في أذن القارئ: إن الانتصار الحقيقي ليس في النجاة من الحرب، بل في نجاة الروح من اليأس، وعودة القلب إلى سكينته الأولى.

د/محروس عامر ، القاهرة : 20/07/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى