جدلية السلطة والأسطورة: قراءة سيميائية وسوسيولوجية في رواية "ألواح الملك شمسمر"
إعداد الكاتب والناقد د. محروس عامر
القاهرة: 26/07/2026
إن رواية "ألواح الملك شمسمر" للكاتب والصحفي الكبير وليد حيدر تبتكر تاريخًا متخيَّلًا لتكشف من خلاله أنماطًا لا تزال فاعلة في المجتمعات الإنسانية. يبدو العمل للوهلة الأولى فانتازيا تاريخية، تحكي عن كشف أثري لبعثة هولندية عثرت في جبل "راهمو" بجزيرة "مارو" الإفريقية على اثني عشر لوحًا حجريًا منقوشًا تُسجل الاعترافات الأخيرة للملك شمسمر قبل موته. لكن الحيلة هنا ليست في المحاولة التاريخية، بل في إضفاء "سلطة الوثيقة التاريخية" على الحكاية. ويورطنا الكاتب في اللعبة ذاتها: هل نصدق الحجر لأنه يوافق ما ينبض في صدورنا، أم نكذبه حين يهدد أوهامنا المستقرة؟
يمكن قراءة العمل باعتباره رواية سياسية توضح آليات بناء السلطة، وصناعة الهيبة، وطرق إخضاع الشعوب؛ وعند قراءة الرواية يمكن أن تتبادر إلى ذهن القارئ الأفكار التي طرحها ميكافيلي في كتابه «الأمير». غير أن الرواية تتعدى هذا الإطار؛ لأنها تتجاوز فكرة الحاكم الفرد أو الحاكم المستبد إلى المجتمع الذي ينتج الحاكم، ويمنحه شرعيته، ثم يضفي على سلطته من الأساطير والطقوس ما لم يطلبه هو نفسه.
ومن هنا نجد أن الرواية تناقش مجموعة من القيم والمسارات التي كثيرًا ما توجد في كتب علم الاجتماع السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، وسيكولوجية الجماهير؛ وهذا يدل على العمق المعرفي للكاتب وإلمامه بكثير من العلوم الإنسانية التي ظهرت متدفقة في الرواية وفي حديث الملك شمسمر مع نفسه محاولًا تبرير أفعاله وتوقع رد فعل المجتمع. فقد وصف إميل دوركايم المقدس على أنه بناء اجتماعي تمنحه الجماعة شرعيتها عبر الممارسة والطقس، وهذا ما نجده واقعًا ماثلًا أمامنا في الرواية؛ إذ إنها تمنح المجتمع دورًا أصيلًا في إعادة إنتاج المقدس والدفاع عنه، حتى يصبح الناس أكثر تمسكًا بالأسطورة من صانعها الأول.
التحليل السميائي للرواية
العنوان:
يختار الكاتب لفظة «شمسمر»، وهي اسم لا ينتمي إلى أصل تاريخي معلوم؛ فلا هي فرعونية، ولا آشورية، ولا سريانية. ومع تصاعد الأحداث، يتفكك الغموض عن مركب يدمج بين قطبين فلكيين: (شمس) و(قمر)، وهما رَمزان للقوة والسلطة المطلقة؛ إذ رأى الملك أن جمعهما معًا يمنحه قدسية استثنائية، وكأنما اجتمعت فيه قوى الكون بزعمه أن الشمس أمه وأن القمر أبوه، مستمدًا بذلك القدسية والقدرة الكونية المطلقة.
الرقم 12:
إن بناء العمل على اثني عشر لوحًا يستدعي تفسيرات وأفكارًا مخزونة لدى القارئ؛ حيث يتماس الرقم 12 مع الأسباط الاثني عشر، والرسل الاثني عشر، وأبواب أورشليم السماوية. كما أن له بعدًا كونيًا؛ إذ يقترن بالأبراج الفلكية الاثنتي عشرة، وأشهر السنة الاثني عشر. ويعمل هذا التناص بوصفه شفرة إيحائية تزود السرد بمسحة من الكمال والقداسة؛ وكأن الملك — في أزمة الهوية التي مر بها في نهاية حياته — كتب الألواح بصورة قدسية مكتملة ليوحي بأن عمله ليس صنعًا بشريًا خالصًا، وفي هذا أيضًا تجسيد للازدواجية الفكرية والصراع النفسي الذي عاشه طوال حياته وصاحبه حتى القبر.
حيلة المترجم:
لا يبدأ الكاتب بصوت الراوي الخيالي التقليدي، بل يختفي خلف شخصية المترجم الذي يقدم للجمهور كشفًا أثريًا لبعثة هولندية في جبل "راهمو" بجزيرة "مارو" الإفريقية، ممهورًا باسمه الحقيقي: وليد حيدر. هنا يتنازل الكاتب عن كونه "المؤلف" ليكتسب صفة "المترجم"؛ لأن المترجم ناقل أمين وشاهد لا صانع للحدث. يضفي هذا التقديم صفة الوثيقة التاريخية على النص، ويورط القارئ في تجربة التلقي ذاتها التي يناقشها العمل: تصديق الوثيقة والسند المادي حين يوافق القناعة، أو التشكيك فيه حين يهدد البناء الفكري.
الحجر:
إن اختيار الألواح الحجرية بدلًا من البردي أو الجلد أو الألواح الطينية يحمل دلالة الثبات والخلود؛ فالحفر على الحجر يوحي بأن النص عصي على التبديل. وعلى الرغم من ذلك، تكشف الرواية أن الأسطورة المنقوشة في العقول أقوى وأكثر ثباتًا من المعلومات المكتوبة على الحجر.
كيفية تحقيق السلطة والعمق المعرفي في الرواية
شمسمر وميكافيلي:
تتقاطع الرواية مع طرح ميكافيلي، لكنها تتجاوز نطاق عمله؛ ففي كتاب «الأمير»، يدرس ميكافيلي آليات الحفاظ على الحكم وتثبيته بعد قيامه، أما وليد حيدر فيدرس اللحظة السابقة: اللحظة التي يُخلق فيها الأمير أصلًا. يفرض شمسمر شرعيته باحتكار المعنى؛ فهو لا يقول للناس: "أنا الأقوى فطيعوني"، بل يعلن: "أنا المختار فطيعوني". وعندما يصرح: "أنا شمسمر... ابن الشمس والقمر"، فإنه يؤسس نظامًا رمزيًا؛ فالشمس رمز القوة والوضوح، والقمر رمز السر والغموض، وهما الجرمان السماويان المسيطران على الأسطورة لدى الإنسان القديم، ولذلك استطاع أن يصور نفسه ككائن استثنائي (ابن إله ثم إله). كما يتوافق النص هنا مع رؤية ميكافيلي حول أهمية "الصورة الذهنية" التي يرسمها الحاكم لنفسه، لكنه يضيف إليها حاجة الجماعة لإنتاج هذه الصورة.
قابلية الانقياد عند غوستاف لوبون:
تتفق الرواية مع أطروحات لوبون في «سيكولوجية الجماهير»؛ حيث يرى أن الجماهير الواقعة تحت أزمة نفسية أو تاريخية لا تبحث عن الحرية بمفهومها الفلسفي المجرد، بل تبحث عن "سيد" أو "منقذ" يقدم لها اليقين ويبدد خوفها. كما يكشف شمسمر عن فهم عميق لسيكولوجية المحكومين حين يحلل طبائعهم: "عقول الناس تتسم بصفات لا تولد معهم ولكنهم يتعلمونها... الكراهية، الطمع، إراحة العقل من العمل، البحث عن أسباب الفشل... هي صفات المحكومين." إن الاستبداد يتغذى على ميل الجماهير لإراحة العقول من عناء التفكير، وإلقاء مسؤولية تحقيق أحلامهم على الكبير أو الحاكم بديلًا عن عناء إيجاد الحلول وتحمل مخاطر التجربة.
ثنائية الخوف والأمل:
اعتمد شمسمر على إدارة التناقض النفسي للجماعة عبر آلية مزدوجة: "صناعة العدو الوهمي وضخ الأمل المتجدد"؛ إذ يحدد هذه القاعدة السياسية بوضوح: "واصنع لهم عدوًا وهميًا قويًا لا يمكن لأحد الانتصار عليه إلا أنت." وكي لا يتحول الخوف إلى يأس يؤدي إلى الانفجار، يُرفق الحاكم الخوف بصناعة الأمل: "أن تعطيهم الأمل، وإن كان وهمًا، وقتها سينتظرون وسيصبرون حتى لو طال الزمن." هنا تتبدى معادلة السيطرة: الخوف يولد الحاجة إلى الحامي، والأمل يضمن استمرار الولاء، وبذلك يتحول الحاكم إلى المصدر الوحيد للداء والدواء في آن واحد. وهي نظرة عميقة وضعها الكاتب في مخيلة البطل ليوضح واحدة من أهم آليات التحكم في المجتمع وضمان استمرار انسياقه وراء قادته.
تحويل القانون إلى شريعة:
يدرك شمسمر أن القوانين الوضعية قابلة للمراجعة والنقد، أما حين يُنسب القانون إلى السماء، فإنه يتحول إلى عقيدة يُحظر مساءلتها: "أي قانون يُنسب إلى السماء غير قابل للنقاش." تتحول ديانة "الأموبية" التي ابتكرها شمسمر إلى نظام أيديولوجي للسيطرة؛ فهو لا يزعم الألوهية المباشرة التي قد ينقضها عجز جسده البشري، بل يعلن أنه "الابن المختار لإله صامت". إن اختيار "إله صامت" يمنح الملك احتكارًا مطلقًا للتفسير والترجمة؛ فالإله لا يتكلم، والملك هو صوته الوحيد، لتصبح معارضة الملك إلحادًا وخروجًا عن النظام الكوني. وهذه أيضًا واحدة من أهم الأفكار التي ناقشتها الرواية، والتي يُعتبر التطبيق العملي والعصري لها هو انفراد رجال الدين بالخطاب الديني واحتكارهم لتفسير النصوص.
التحليل النفسي وأثر التنشئة
تبدأ مأساة شمسمر من التربية القاسية على قمة جبل "راهمو"؛ حيث زرعت الأم الشك كصفة أساسية في وجدانه، وأضعفت لديه مشاعر التعاطف والحب. فكانت تخاطبه مؤكسدةً للشخصية السلطوية: "لا تثق بأحد، حتى أنا!"، "لا تأمن لأحد ولو كان أمك، لا يرق قلبك لأحد." يقدم النص هنا إطارًا لما يُعرف في التحليل النفسي بـ "النرجسية المكتسبة الدفاعية"؛ فبدلًا من أن تربي الأم طفلًا معتدلًا ومتوافقًا نفسيًا وفكريًا، آثرت أن تصنع منه "آلة سيطرة"، فأنشأته في عزلة عن البشر، وغرست فيه أن الرحمة ضعف، وأن الاستحواذ على عقول الآخرين هو الطريق الوحيد لتفادي الافتراس.
كما أن مقارنة الأم بين الولد وأبيه، وإظهار الأب في صورة الضعيف المغلوب على أمره، يورث الطفل شعورًا بالعداء ورغبةً في الانتقام من المجتمع، مصحوبين بضعف داخلي؛ لأن مصدر القوة والاستقرار العاطفي بالنسبة له (الأب) قد تم تشويهه وصار في نظره صورة ضعيفة مهتزة. ومن هنا يترسخ لدى شمسمر احتقار الخصال الإنسانية الأساسية، كما ذكرت الرواية على لسان الأم: "كانت تربي ملكًا وليس جنديًا صغيرًا يتلعثم وهو يقف أمام قائده."
وتنعكس هذه التنشئة جليًا في اللوح الأول حين يعترف شمسمر بحقيقته الإنسانية: إنه لم يكن ابنًا للشمس والقمر، بل "ابن الخطيئة"؛ إذ لم يكن ادعاء الألوهية تعبيرًا عن القوة الذاتية المطلقة، بقدر ما كان حيلة دفاعية للهروب من الضعف البشري وعقدة الذنب والدونية المنغرسة في طفولته.
مأساة السلطة المطلقة
"لأهمية هذا المحور ولندرة تناوله آثرت ان افرد له فصلا مستقلا في هذه القراءة إذ إنه في نظري يشكل محور تميز قوي في الرواية. "
يكشف النص عن مأزق نادرًا ما تتطرق له الكتابات السياسية: مأساة من يملك كل شيء ولا يستطيع ممارسة أبسط حقوق البشرية. إن الحاكم صاحب السلطة المطلقة يجد نفسه مغتربًا عن ذاته؛ فهو محاط بالهيبة والتقديس، لكنه محروم من المتعة البسيطة والعفوية التي يمارسها أقل رعيته شأنًا. إنه لا يستطيع أن يحب بصدق، ولا أن يضعف، ولا أن يبكي، ولا أن يمارس حياته العادية دون أن يرتدي قناع "الإله" أو "الرمز المطلق".
تتجلى هذه المأساة عند دخول الحب حياته عبر شخصية "نونواه"؛ إذ أصبحت دعوة الحب الإنساني البشري في ذاتها تهديدًا وجوديًا لكونه إلهًا أو ابن إله. وهنا تأججت أزمته وحيرته بين احتياجه البشري لممارسة آدميته، وعدم قدرته في الوقت ذاته على التخلي عن السلطة؛ لأن التنازل عنها يعني السقوط أمام رعية لا تسامح "الإله" إذا تبين أنه مجرد إنسان عادي. يصف شمسمر هذا الاختناق الوجودي قائلاً: "ولكنني للمرة الأولى شعرت بثقل الألوهية! وقسوة الحصار بلا أسوار، وبقسوة المعتقل الذي وضعت نفسي فيه بإرادتي." وتتعاظم المأساة عندما يتعمد قتل الإناث اللواتي يحملن منه في محاولة يائسة لمحو الدليل المادي على إنسانيته.
إضافة إلى أنه كلما شعر الحاكم بحاجته أو حزنه أو ضعفه البشري (شخصيته الطبيعية)، سارع إلى رفع أسوار سلطته وقسوته ليدفن ذلك الضعف خوفًا من أن يتسرب إلى عيون الآخرين. هنا تصبح زيادة البطش والتقديس والطقوس وسيلة حماية لا ضد الرعية فحسب، بل ضد خروج الإنسان القابع في داخله.
وحتى ارتداء شمسمر لـ "القناع الذهبي" في مرحلة الشيخوخة لإخفاء التجاعيد لم يكن ليحجب نور الألوهية كما ادعى لرعيته، بل ليستر انكسار الجسد أمام حتمية الزمن، ويزيد من انعزاله وانفصاله عن واقعه وطبيعته. ومن هنا، ينتهي به المطاف إلى الانتحار في الكهف إقرارًا بهزيمة الإله المزيف الذي سُجن في العرش حتى الموت.
الأثر الممتد
ومن الجدير بالتعمق موقفُ المجتمع الذي عبر عنه المؤلف في الفصل الأخير؛ إذ يكشف المترجم اعترافات الألواح التي يهدم فيها شمسمر أسطورته ويعلن بشريته الخالصة، بينما لا تتقبل الجماعة هذه الحقيقة، بل تصدر رد فعل سوسيولوجي حاسم: تكذيب الوثيقة الحجرية والتمسك بالأسطورة. كما يلجأ المجتمع إلى نظرية المؤامرة وتخوين الرأي المخالف؛ فعندما يعجز عن دحض الدليل الأثري أو المنطقي أو العلمي، يتم تفعيل "نظرية المؤامرة" كآلية دفاع نفسية، فيتحول المترجم والبعثة الأثرية إلى أعداء يستهدفون هدم قيم الأمة ومقدساتها.
وهنا نلمس دعوة صريحة إلى إعادة إعمال العقل في كل ما يبدو لنا ثابتًا أو متعارفًا عليه؛ فلقد أثبتت العلوم تغير النظريات، وأثبتت الفلسفة خطأ بعض الطروحات السابقة أو عدم مناسبتها للعصر. لذلك وجب على الإنسان ( ولعل هذه هي الرسالة الأساسية للرواية ) استنهاض العقل النقدي، حتى لا يستمر أسيرًا لموروثه المعرفي.
ملاحظات نقدية على السرد.
رغم العمق الفلسفي والسوسيولوجي الذي تتمتع به الرواية، إلا أن المراجعة تفترض التوقف عند بعض الهنات الفنية في البناء السردي:
· اعتمد العمل على صيغة الراوي المتكلم (اعترافات شمسمر على الألواح)؛ بينما جاءت النصوص بمخزون معرفي وفلسفي عصري لا يتماشى مع شخص عاش قبل خمسة آلاف سنة. وإذا كان البطل قد بلغ قدرًا عاليًا من الذكاء والإدراك، فإن المفاهيم الاجتماعية والفلسفية التي أجراها المؤلف على لسانه تجعل القارئ ينتبه أن الكاتب يتحدث من خلفية ثقافية حديثة، وأنه أمام عمل روائي مصنوع، مما أقطع عليه حالة الغوص والعيش في زمن الرواية المفترض.
· وردت في الألواح عبارات ومفاهيم حديثة (مثل: "آلات بشرية"، "القارة"، والتعبير عن أفكار إدارة الجماهير بمفردات معاصرة). هذا التسرب اللغوي جرد النص من بعض خصائصه التاريخية والأسطورية المفترضة.
· وقع السرد في مقابلات وإسقاطات مباشرة مع الموروث الديني؛ مما قد يوهم القارئ غير المتعمق بأن الرواية في خصومة مع الخطاب الديني، في حين أن فكرة الرواية تتجه أساسًا نحو تفكيك آليات "تسييس المقدس واستغلال نزعة الإيمان الفطرية" لخدمة هيمنة السلطة، مع توجيه نقد حاسم ومركزي للوعي الجمعي واستمراء المجتمع للتقاليد الموروثة، بل ومساهمتهم في تغذية الأسطورة وإعادة إنتاجها.
الخاتمة
تتوج رواية "ألواح الملك شمسمر" للكاتب وليد حيدر نفسها بوصفها عملًا روائيًا يرتقي إلى مرتبة التفكيك الأنثروبولوجي والحضاري للبنيات الثابتة في الوعي البشري. إنها توضح كيف يسهم الانسان في تشييد قيوده بيده، وكيف يصنع طغاته من الخوف المستبد والأمل المفتعل، ثم يقضي عمره يدافع عن أسوار السجن الذي ساعد في بنائه بل ودخله مختارا.
لقد نجحت الرواية في تناول علاقة السلطة والمجتمع من الوجه السياسي و الاجتماعي كما ركزت علي جانب التنشئة و كيف يمكن أن تتحول عملية التنشئة الي صناعة ديكتاتور. كما تميزت الرواية في القاء الضوء على الأثر النفسي و العزلة الداخلية التي يعيشها محتكر السلطة والتي تمنعه سلطته في ممارسة حياته بشكل طبيعي ولعنا نرى هذا جليا في حياة المشاهير والرموز السياسية والاقتصادية في المجتمع وسعيهم الدؤوب الي ممارسة إنسانيتهم ولو في الخفاء.
كما أثبتت الرواية أن المأساة الحقيقية ليست في كذبة الحاكم، بل في تمسك المجتمع بالوهم؛ فالعقل الجمعي يفضل تكذيب الحقائق والوثائق المادية وتفعيل نظرية المؤامرة، ليحمي أسطورته التي أصبحت جزءًا من هويته، يخشى انهيارها.
لقد مات شمسمر في عزلة كهفه بعد أن أدرك أنه لم يكن سوى إنسان عاجز يهرب من خجل بشريته ووهن جسده، غير أن الأسطورة التي غرسها في أرض الخوف لم تمضِ معه إلى القبر، بل ظلت حية تتغذى على حاجة البشر الدائمة لـ "مخلص" يقيهم عناء الحرية ومسؤولية الاختيار.
إن "ألواح الملك شمسمر" صرخة نقدية تؤكد في جوهرها أطروحة كبرى: إن الطغاة يموتون ويتحولون إلى رفات، والألواح تعاني التآكل والاندثار، أما الأساطير فتظل حية فاعلة، ما دام في البشر من يتنازل عن حق التفكير النقدي، ويبادل حريته وفاعليته التاريخية بطمأنينة الوهم المريح.
إعداد الكاتب والناقد د. محروس عامر
القاهرة: 26/07/2026
إن رواية "ألواح الملك شمسمر" للكاتب والصحفي الكبير وليد حيدر تبتكر تاريخًا متخيَّلًا لتكشف من خلاله أنماطًا لا تزال فاعلة في المجتمعات الإنسانية. يبدو العمل للوهلة الأولى فانتازيا تاريخية، تحكي عن كشف أثري لبعثة هولندية عثرت في جبل "راهمو" بجزيرة "مارو" الإفريقية على اثني عشر لوحًا حجريًا منقوشًا تُسجل الاعترافات الأخيرة للملك شمسمر قبل موته. لكن الحيلة هنا ليست في المحاولة التاريخية، بل في إضفاء "سلطة الوثيقة التاريخية" على الحكاية. ويورطنا الكاتب في اللعبة ذاتها: هل نصدق الحجر لأنه يوافق ما ينبض في صدورنا، أم نكذبه حين يهدد أوهامنا المستقرة؟
يمكن قراءة العمل باعتباره رواية سياسية توضح آليات بناء السلطة، وصناعة الهيبة، وطرق إخضاع الشعوب؛ وعند قراءة الرواية يمكن أن تتبادر إلى ذهن القارئ الأفكار التي طرحها ميكافيلي في كتابه «الأمير». غير أن الرواية تتعدى هذا الإطار؛ لأنها تتجاوز فكرة الحاكم الفرد أو الحاكم المستبد إلى المجتمع الذي ينتج الحاكم، ويمنحه شرعيته، ثم يضفي على سلطته من الأساطير والطقوس ما لم يطلبه هو نفسه.
ومن هنا نجد أن الرواية تناقش مجموعة من القيم والمسارات التي كثيرًا ما توجد في كتب علم الاجتماع السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، وسيكولوجية الجماهير؛ وهذا يدل على العمق المعرفي للكاتب وإلمامه بكثير من العلوم الإنسانية التي ظهرت متدفقة في الرواية وفي حديث الملك شمسمر مع نفسه محاولًا تبرير أفعاله وتوقع رد فعل المجتمع. فقد وصف إميل دوركايم المقدس على أنه بناء اجتماعي تمنحه الجماعة شرعيتها عبر الممارسة والطقس، وهذا ما نجده واقعًا ماثلًا أمامنا في الرواية؛ إذ إنها تمنح المجتمع دورًا أصيلًا في إعادة إنتاج المقدس والدفاع عنه، حتى يصبح الناس أكثر تمسكًا بالأسطورة من صانعها الأول.
التحليل السميائي للرواية
العنوان:
يختار الكاتب لفظة «شمسمر»، وهي اسم لا ينتمي إلى أصل تاريخي معلوم؛ فلا هي فرعونية، ولا آشورية، ولا سريانية. ومع تصاعد الأحداث، يتفكك الغموض عن مركب يدمج بين قطبين فلكيين: (شمس) و(قمر)، وهما رَمزان للقوة والسلطة المطلقة؛ إذ رأى الملك أن جمعهما معًا يمنحه قدسية استثنائية، وكأنما اجتمعت فيه قوى الكون بزعمه أن الشمس أمه وأن القمر أبوه، مستمدًا بذلك القدسية والقدرة الكونية المطلقة.
الرقم 12:
إن بناء العمل على اثني عشر لوحًا يستدعي تفسيرات وأفكارًا مخزونة لدى القارئ؛ حيث يتماس الرقم 12 مع الأسباط الاثني عشر، والرسل الاثني عشر، وأبواب أورشليم السماوية. كما أن له بعدًا كونيًا؛ إذ يقترن بالأبراج الفلكية الاثنتي عشرة، وأشهر السنة الاثني عشر. ويعمل هذا التناص بوصفه شفرة إيحائية تزود السرد بمسحة من الكمال والقداسة؛ وكأن الملك — في أزمة الهوية التي مر بها في نهاية حياته — كتب الألواح بصورة قدسية مكتملة ليوحي بأن عمله ليس صنعًا بشريًا خالصًا، وفي هذا أيضًا تجسيد للازدواجية الفكرية والصراع النفسي الذي عاشه طوال حياته وصاحبه حتى القبر.
حيلة المترجم:
لا يبدأ الكاتب بصوت الراوي الخيالي التقليدي، بل يختفي خلف شخصية المترجم الذي يقدم للجمهور كشفًا أثريًا لبعثة هولندية في جبل "راهمو" بجزيرة "مارو" الإفريقية، ممهورًا باسمه الحقيقي: وليد حيدر. هنا يتنازل الكاتب عن كونه "المؤلف" ليكتسب صفة "المترجم"؛ لأن المترجم ناقل أمين وشاهد لا صانع للحدث. يضفي هذا التقديم صفة الوثيقة التاريخية على النص، ويورط القارئ في تجربة التلقي ذاتها التي يناقشها العمل: تصديق الوثيقة والسند المادي حين يوافق القناعة، أو التشكيك فيه حين يهدد البناء الفكري.
الحجر:
إن اختيار الألواح الحجرية بدلًا من البردي أو الجلد أو الألواح الطينية يحمل دلالة الثبات والخلود؛ فالحفر على الحجر يوحي بأن النص عصي على التبديل. وعلى الرغم من ذلك، تكشف الرواية أن الأسطورة المنقوشة في العقول أقوى وأكثر ثباتًا من المعلومات المكتوبة على الحجر.
كيفية تحقيق السلطة والعمق المعرفي في الرواية
شمسمر وميكافيلي:
تتقاطع الرواية مع طرح ميكافيلي، لكنها تتجاوز نطاق عمله؛ ففي كتاب «الأمير»، يدرس ميكافيلي آليات الحفاظ على الحكم وتثبيته بعد قيامه، أما وليد حيدر فيدرس اللحظة السابقة: اللحظة التي يُخلق فيها الأمير أصلًا. يفرض شمسمر شرعيته باحتكار المعنى؛ فهو لا يقول للناس: "أنا الأقوى فطيعوني"، بل يعلن: "أنا المختار فطيعوني". وعندما يصرح: "أنا شمسمر... ابن الشمس والقمر"، فإنه يؤسس نظامًا رمزيًا؛ فالشمس رمز القوة والوضوح، والقمر رمز السر والغموض، وهما الجرمان السماويان المسيطران على الأسطورة لدى الإنسان القديم، ولذلك استطاع أن يصور نفسه ككائن استثنائي (ابن إله ثم إله). كما يتوافق النص هنا مع رؤية ميكافيلي حول أهمية "الصورة الذهنية" التي يرسمها الحاكم لنفسه، لكنه يضيف إليها حاجة الجماعة لإنتاج هذه الصورة.
قابلية الانقياد عند غوستاف لوبون:
تتفق الرواية مع أطروحات لوبون في «سيكولوجية الجماهير»؛ حيث يرى أن الجماهير الواقعة تحت أزمة نفسية أو تاريخية لا تبحث عن الحرية بمفهومها الفلسفي المجرد، بل تبحث عن "سيد" أو "منقذ" يقدم لها اليقين ويبدد خوفها. كما يكشف شمسمر عن فهم عميق لسيكولوجية المحكومين حين يحلل طبائعهم: "عقول الناس تتسم بصفات لا تولد معهم ولكنهم يتعلمونها... الكراهية، الطمع، إراحة العقل من العمل، البحث عن أسباب الفشل... هي صفات المحكومين." إن الاستبداد يتغذى على ميل الجماهير لإراحة العقول من عناء التفكير، وإلقاء مسؤولية تحقيق أحلامهم على الكبير أو الحاكم بديلًا عن عناء إيجاد الحلول وتحمل مخاطر التجربة.
ثنائية الخوف والأمل:
اعتمد شمسمر على إدارة التناقض النفسي للجماعة عبر آلية مزدوجة: "صناعة العدو الوهمي وضخ الأمل المتجدد"؛ إذ يحدد هذه القاعدة السياسية بوضوح: "واصنع لهم عدوًا وهميًا قويًا لا يمكن لأحد الانتصار عليه إلا أنت." وكي لا يتحول الخوف إلى يأس يؤدي إلى الانفجار، يُرفق الحاكم الخوف بصناعة الأمل: "أن تعطيهم الأمل، وإن كان وهمًا، وقتها سينتظرون وسيصبرون حتى لو طال الزمن." هنا تتبدى معادلة السيطرة: الخوف يولد الحاجة إلى الحامي، والأمل يضمن استمرار الولاء، وبذلك يتحول الحاكم إلى المصدر الوحيد للداء والدواء في آن واحد. وهي نظرة عميقة وضعها الكاتب في مخيلة البطل ليوضح واحدة من أهم آليات التحكم في المجتمع وضمان استمرار انسياقه وراء قادته.
تحويل القانون إلى شريعة:
يدرك شمسمر أن القوانين الوضعية قابلة للمراجعة والنقد، أما حين يُنسب القانون إلى السماء، فإنه يتحول إلى عقيدة يُحظر مساءلتها: "أي قانون يُنسب إلى السماء غير قابل للنقاش." تتحول ديانة "الأموبية" التي ابتكرها شمسمر إلى نظام أيديولوجي للسيطرة؛ فهو لا يزعم الألوهية المباشرة التي قد ينقضها عجز جسده البشري، بل يعلن أنه "الابن المختار لإله صامت". إن اختيار "إله صامت" يمنح الملك احتكارًا مطلقًا للتفسير والترجمة؛ فالإله لا يتكلم، والملك هو صوته الوحيد، لتصبح معارضة الملك إلحادًا وخروجًا عن النظام الكوني. وهذه أيضًا واحدة من أهم الأفكار التي ناقشتها الرواية، والتي يُعتبر التطبيق العملي والعصري لها هو انفراد رجال الدين بالخطاب الديني واحتكارهم لتفسير النصوص.
التحليل النفسي وأثر التنشئة
تبدأ مأساة شمسمر من التربية القاسية على قمة جبل "راهمو"؛ حيث زرعت الأم الشك كصفة أساسية في وجدانه، وأضعفت لديه مشاعر التعاطف والحب. فكانت تخاطبه مؤكسدةً للشخصية السلطوية: "لا تثق بأحد، حتى أنا!"، "لا تأمن لأحد ولو كان أمك، لا يرق قلبك لأحد." يقدم النص هنا إطارًا لما يُعرف في التحليل النفسي بـ "النرجسية المكتسبة الدفاعية"؛ فبدلًا من أن تربي الأم طفلًا معتدلًا ومتوافقًا نفسيًا وفكريًا، آثرت أن تصنع منه "آلة سيطرة"، فأنشأته في عزلة عن البشر، وغرست فيه أن الرحمة ضعف، وأن الاستحواذ على عقول الآخرين هو الطريق الوحيد لتفادي الافتراس.
كما أن مقارنة الأم بين الولد وأبيه، وإظهار الأب في صورة الضعيف المغلوب على أمره، يورث الطفل شعورًا بالعداء ورغبةً في الانتقام من المجتمع، مصحوبين بضعف داخلي؛ لأن مصدر القوة والاستقرار العاطفي بالنسبة له (الأب) قد تم تشويهه وصار في نظره صورة ضعيفة مهتزة. ومن هنا يترسخ لدى شمسمر احتقار الخصال الإنسانية الأساسية، كما ذكرت الرواية على لسان الأم: "كانت تربي ملكًا وليس جنديًا صغيرًا يتلعثم وهو يقف أمام قائده."
وتنعكس هذه التنشئة جليًا في اللوح الأول حين يعترف شمسمر بحقيقته الإنسانية: إنه لم يكن ابنًا للشمس والقمر، بل "ابن الخطيئة"؛ إذ لم يكن ادعاء الألوهية تعبيرًا عن القوة الذاتية المطلقة، بقدر ما كان حيلة دفاعية للهروب من الضعف البشري وعقدة الذنب والدونية المنغرسة في طفولته.
مأساة السلطة المطلقة
"لأهمية هذا المحور ولندرة تناوله آثرت ان افرد له فصلا مستقلا في هذه القراءة إذ إنه في نظري يشكل محور تميز قوي في الرواية. "
يكشف النص عن مأزق نادرًا ما تتطرق له الكتابات السياسية: مأساة من يملك كل شيء ولا يستطيع ممارسة أبسط حقوق البشرية. إن الحاكم صاحب السلطة المطلقة يجد نفسه مغتربًا عن ذاته؛ فهو محاط بالهيبة والتقديس، لكنه محروم من المتعة البسيطة والعفوية التي يمارسها أقل رعيته شأنًا. إنه لا يستطيع أن يحب بصدق، ولا أن يضعف، ولا أن يبكي، ولا أن يمارس حياته العادية دون أن يرتدي قناع "الإله" أو "الرمز المطلق".
تتجلى هذه المأساة عند دخول الحب حياته عبر شخصية "نونواه"؛ إذ أصبحت دعوة الحب الإنساني البشري في ذاتها تهديدًا وجوديًا لكونه إلهًا أو ابن إله. وهنا تأججت أزمته وحيرته بين احتياجه البشري لممارسة آدميته، وعدم قدرته في الوقت ذاته على التخلي عن السلطة؛ لأن التنازل عنها يعني السقوط أمام رعية لا تسامح "الإله" إذا تبين أنه مجرد إنسان عادي. يصف شمسمر هذا الاختناق الوجودي قائلاً: "ولكنني للمرة الأولى شعرت بثقل الألوهية! وقسوة الحصار بلا أسوار، وبقسوة المعتقل الذي وضعت نفسي فيه بإرادتي." وتتعاظم المأساة عندما يتعمد قتل الإناث اللواتي يحملن منه في محاولة يائسة لمحو الدليل المادي على إنسانيته.
إضافة إلى أنه كلما شعر الحاكم بحاجته أو حزنه أو ضعفه البشري (شخصيته الطبيعية)، سارع إلى رفع أسوار سلطته وقسوته ليدفن ذلك الضعف خوفًا من أن يتسرب إلى عيون الآخرين. هنا تصبح زيادة البطش والتقديس والطقوس وسيلة حماية لا ضد الرعية فحسب، بل ضد خروج الإنسان القابع في داخله.
وحتى ارتداء شمسمر لـ "القناع الذهبي" في مرحلة الشيخوخة لإخفاء التجاعيد لم يكن ليحجب نور الألوهية كما ادعى لرعيته، بل ليستر انكسار الجسد أمام حتمية الزمن، ويزيد من انعزاله وانفصاله عن واقعه وطبيعته. ومن هنا، ينتهي به المطاف إلى الانتحار في الكهف إقرارًا بهزيمة الإله المزيف الذي سُجن في العرش حتى الموت.
الأثر الممتد
ومن الجدير بالتعمق موقفُ المجتمع الذي عبر عنه المؤلف في الفصل الأخير؛ إذ يكشف المترجم اعترافات الألواح التي يهدم فيها شمسمر أسطورته ويعلن بشريته الخالصة، بينما لا تتقبل الجماعة هذه الحقيقة، بل تصدر رد فعل سوسيولوجي حاسم: تكذيب الوثيقة الحجرية والتمسك بالأسطورة. كما يلجأ المجتمع إلى نظرية المؤامرة وتخوين الرأي المخالف؛ فعندما يعجز عن دحض الدليل الأثري أو المنطقي أو العلمي، يتم تفعيل "نظرية المؤامرة" كآلية دفاع نفسية، فيتحول المترجم والبعثة الأثرية إلى أعداء يستهدفون هدم قيم الأمة ومقدساتها.
وهنا نلمس دعوة صريحة إلى إعادة إعمال العقل في كل ما يبدو لنا ثابتًا أو متعارفًا عليه؛ فلقد أثبتت العلوم تغير النظريات، وأثبتت الفلسفة خطأ بعض الطروحات السابقة أو عدم مناسبتها للعصر. لذلك وجب على الإنسان ( ولعل هذه هي الرسالة الأساسية للرواية ) استنهاض العقل النقدي، حتى لا يستمر أسيرًا لموروثه المعرفي.
ملاحظات نقدية على السرد.
رغم العمق الفلسفي والسوسيولوجي الذي تتمتع به الرواية، إلا أن المراجعة تفترض التوقف عند بعض الهنات الفنية في البناء السردي:
· اعتمد العمل على صيغة الراوي المتكلم (اعترافات شمسمر على الألواح)؛ بينما جاءت النصوص بمخزون معرفي وفلسفي عصري لا يتماشى مع شخص عاش قبل خمسة آلاف سنة. وإذا كان البطل قد بلغ قدرًا عاليًا من الذكاء والإدراك، فإن المفاهيم الاجتماعية والفلسفية التي أجراها المؤلف على لسانه تجعل القارئ ينتبه أن الكاتب يتحدث من خلفية ثقافية حديثة، وأنه أمام عمل روائي مصنوع، مما أقطع عليه حالة الغوص والعيش في زمن الرواية المفترض.
· وردت في الألواح عبارات ومفاهيم حديثة (مثل: "آلات بشرية"، "القارة"، والتعبير عن أفكار إدارة الجماهير بمفردات معاصرة). هذا التسرب اللغوي جرد النص من بعض خصائصه التاريخية والأسطورية المفترضة.
· وقع السرد في مقابلات وإسقاطات مباشرة مع الموروث الديني؛ مما قد يوهم القارئ غير المتعمق بأن الرواية في خصومة مع الخطاب الديني، في حين أن فكرة الرواية تتجه أساسًا نحو تفكيك آليات "تسييس المقدس واستغلال نزعة الإيمان الفطرية" لخدمة هيمنة السلطة، مع توجيه نقد حاسم ومركزي للوعي الجمعي واستمراء المجتمع للتقاليد الموروثة، بل ومساهمتهم في تغذية الأسطورة وإعادة إنتاجها.
الخاتمة
تتوج رواية "ألواح الملك شمسمر" للكاتب وليد حيدر نفسها بوصفها عملًا روائيًا يرتقي إلى مرتبة التفكيك الأنثروبولوجي والحضاري للبنيات الثابتة في الوعي البشري. إنها توضح كيف يسهم الانسان في تشييد قيوده بيده، وكيف يصنع طغاته من الخوف المستبد والأمل المفتعل، ثم يقضي عمره يدافع عن أسوار السجن الذي ساعد في بنائه بل ودخله مختارا.
لقد نجحت الرواية في تناول علاقة السلطة والمجتمع من الوجه السياسي و الاجتماعي كما ركزت علي جانب التنشئة و كيف يمكن أن تتحول عملية التنشئة الي صناعة ديكتاتور. كما تميزت الرواية في القاء الضوء على الأثر النفسي و العزلة الداخلية التي يعيشها محتكر السلطة والتي تمنعه سلطته في ممارسة حياته بشكل طبيعي ولعنا نرى هذا جليا في حياة المشاهير والرموز السياسية والاقتصادية في المجتمع وسعيهم الدؤوب الي ممارسة إنسانيتهم ولو في الخفاء.
كما أثبتت الرواية أن المأساة الحقيقية ليست في كذبة الحاكم، بل في تمسك المجتمع بالوهم؛ فالعقل الجمعي يفضل تكذيب الحقائق والوثائق المادية وتفعيل نظرية المؤامرة، ليحمي أسطورته التي أصبحت جزءًا من هويته، يخشى انهيارها.
لقد مات شمسمر في عزلة كهفه بعد أن أدرك أنه لم يكن سوى إنسان عاجز يهرب من خجل بشريته ووهن جسده، غير أن الأسطورة التي غرسها في أرض الخوف لم تمضِ معه إلى القبر، بل ظلت حية تتغذى على حاجة البشر الدائمة لـ "مخلص" يقيهم عناء الحرية ومسؤولية الاختيار.
إن "ألواح الملك شمسمر" صرخة نقدية تؤكد في جوهرها أطروحة كبرى: إن الطغاة يموتون ويتحولون إلى رفات، والألواح تعاني التآكل والاندثار، أما الأساطير فتظل حية فاعلة، ما دام في البشر من يتنازل عن حق التفكير النقدي، ويبادل حريته وفاعليته التاريخية بطمأنينة الوهم المريح.