العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - مشروع "أنطولوجيا الملحون"... إلى متى يستمر التأجيل؟

لا يمكن الحديث عن المواطنة الثقافية بمعزل عن صيانة الذاكرة الأدبية والتراثية، باعتبارها أحد المرتكزات المؤسسة للهوية الوطنية والوجدان الجماعي. فالتراث ليس رصيدًا احتفاليًا يُستدعى في المناسبات الرسمية، وإنما يمثل مخزونًا حضاريًا واستراتيجيًا تتجسد فيه ذاكرة الأمة واستمرارية شخصيتها الثقافية. ومن ثم، فإن أي إخلال بحسن تدبيره أو توثيقه لا يقتصر أثره على الجانب الثقافي، بل يمتد إلى المساس بما يمكن تسميته بالأمن الثقافي، بما يحمله ذلك من انعكاسات على حفظ الهوية وصيانة الذاكرة الوطنية.
وقد شكل إدراج منظمة اليونسكو لشعر الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية محطة تاريخية بارزة، تُوجت بها عقود طويلة من جهود الشيوخ والرواة والباحثين الذين حافظوا على هذا التراث ونقلوه عبر الأجيال. وكان من المنتظر أن يشكل هذا الاعتراف الدولي منطلقًا لمرحلة جديدة تقوم على مأسسة البحث العلمي، وإرساء مشاريع توثيقية محكمة تستجيب للمعايير الأكاديمية في التحقيق والتصنيف والنشر.
غير أن الواقع يكشف استمرار اختلالات بنيوية في تدبير هذا الملف، إذ يلاحظ إسناد بعض المشاريع الكبرى إلى فاعلين لا يمتلكون التخصص العلمي الدقيق في شعر الملحون، بقدر ما يستند حضورهم إلى مواقعهم داخل البنيات الإدارية والثقافية. ويأتي مشروع "أنطولوجيا الملحون" ليطرح، مرة أخرى، أسئلة جوهرية حول معايير اختيار القائمين على المشروع، ومدى إشراك الباحثين المتخصصين وأهل الخبرة في مختلف مراحله.
البيروقراطية وتأجيل الاستحقاقات
تُرجع الجهات المشرفة تأخر صدور الأنطولوجيا إلى اعتبارات تنظيمية، من بينها الرغبة في تزامن إصدارها مع الاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيس أكاديمية المملكة المغربية سنة 2027. غير أن تتبع المسار الزمني للمشروع يبرز صورة مختلفة؛ إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن الإنجاز كان مرتقبًا في نهاية سنة 2024، ثم أُجل إلى سنة 2025، وبعدها إلى نهاية 2026، قبل أن يُربط بموعد جديد سنة 2027.
ويثير هذا التسلسل المتكرر للتأجيلات تساؤلات مشروعة حول أسباب التعثر، خاصة في ظل الإمكانات المالية والمؤسساتية المتاحة، وحول مدى ارتباط هذه التأجيلات بإشكالات منهجية أو تنظيمية حالت دون استكمال المشروع في آجاله الأولى.
وتزداد هذه التساؤلات إلحاحًا عند استحضار التجارب السابقة؛ فمشروع "معلمة الملحون" الذي أشرف عليه الراحل الأستاذ محمد الفاسي استطاع، رغم محدودية الوسائل التقنية آنذاك، أن يجمع عددًا كبيرًا من الدواوين وآلاف القصائد، بينما لا يزال المشروع الحالي، بعد سنوات من الاشتغال، يدور حول عدد محدود من النصوص، رغم توفر إمكانات لوجستية وتقنية أكبر بكثير.
ولا يبدو هذا التفاوت معزولًا عن طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير المشروع، إذ يلاحظ غياب واضح للكفاءات المتخصصة في البنية العروضية لشعر الملحون، وفي قضاياه الفنية الدقيقة، من قبيل القياس والمرامة وبناء القافية، وهي عناصر لا غنى عنها في أي مشروع يروم إنتاج مرجع علمي موثوق.
دروس لم تُستوعب من الموسوعة السابقة
لا تنفصل الإشكالات الحالية عن الملاحظات التي أثيرت عقب صدور "موسوعة الملحون"، والتي كانت موضوع بيان نقدي أصدره عدد من المهتمين سنة 2024، تضمن رصدًا لجملة من الاختلالات التوثيقية والمنهجية.
وكان المنتظر أن تشكل هذه الملاحظات منطلقًا لمراجعة منهجية شاملة قبل إطلاق مشروع الأنطولوجيا، غير أن مؤشرات عديدة توحي باستمرار المقاربة نفسها، مع محدودية إشراك المتخصصين في شعر الملحون.
سؤال التخصص
تطرح تجربة السنوات الأخيرة سؤالًا يتجاوز مشروع الأنطولوجيا نفسه، ويتعلق بموقع التخصص داخل المؤسسات الثقافية. فمن غير المألوف، في المشاريع العلمية الرصينة، أن يتولى إدارة ملف تراثي بالغ التعقيد أشخاص لا يمتلكون المعرفة الدقيقة بأصوله الفنية، بينما يُهمش الباحثون الذين راكموا خبرة طويلة في التحقيق والدراسة والتوثيق.
ولا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق بمبدأ علمي ثابت، مفاده أن لكل حقل معرفي أهله، وأن جودة المشاريع التراثية تقاس بمدى احترام قواعد الاختصاص، لا بحجم الحضور الإداري أو العلاقات المؤسساتية.
يقف مشروع "أنطولوجيا الملحون" اليوم أمام منعطف حاسم؛ فإما أن يصدر في صورة تليق بقيمة هذا التراث، مستندًا إلى تحقيق علمي رصين وإشراك حقيقي للمتخصصين، وإما أن يتحول إلى محطة أخرى تضاف إلى سجل المشاريع التي استنزفت الزمن والإمكانات دون أن تحقق الأثر العلمي المنشود.
إن الدفاع عن شعر الملحون ليس دفاعًا عن قصائد أو دواوين فحسب، بل هو دفاع عن جزء أصيل من الذاكرة الحضارية المغربية. فالتراث لا يحفظ بالشعارات، وإنما بالتحقيق الدقيق، والتوثيق الأمين، واحترام التخصص، وإسناد المسؤولية إلى أهل الخبرة والكفاءة. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحتفظ بأسماء من امتلكوا القرار الإداري، بل يخلد أعمال الذين تركوا إضافة علمية صادقة بقيت شاهدة على نزاهة البحث وصدق الالتزام.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى