أمجد نجم الزيدي - من اللوحة إلى الذاكرة كيف أعاد محمد خضير اكتشاف السكيتش السردي؟

ينتمي مصطلح السكيتش (Sketch) في أصله إلى الفن التشكيلي، قبل أن ينتقل إلى الأدب في بدايات القرن التاسع عشر، ولا سيما مع الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفنغ في كتابه (The Sketch Book of Geoffrey Crayon, Gent.) الصادر عام 1819، ويشير المصطلح في أصله إلى الرسم الأولي أو التخطيط السريع غير المكتمل، الذي يسعى إلى القبض على جوهر المشهد أو الفكرة بأكثر قدر من التجريد، وعندما انتقل إلى السرد احتفظ بجانب كبير من هذا الأصل التشكيلي، فأصبح يدل على نص يقوم على رسم مشهد، أو مكان، أو شريحة اجتماعية، من خلال ملاحظات وصفية مكثفة، دون أن يخضع بالضرورة لبناء الحبكة التقليدية أو لتنامي الأحداث، ولا تتحدد قيمة السكيتشات، كما يذكر الأستاذ محمد خضير (بحجم أو مقياس أو معيار، أي لا تقدر أهميتها بدرجة العمل السردي الكامل، (القصة أو اللوحة أو الفيلم) وإنما بخصائصه التقريرية والشخصية)، (الأقلام، العدد 3، 2024، ص5).
وقد استعاد محمد خضير هذا المفهوم في عدد من تجاربه السردية، كما أفرد له أكثر من مقالة حاول فيها تأصيله، والكشف عن إمكاناته التعبيرية في الكتابة المعاصرة، وانطلاقًا من هذه المحاولة التأصيلية، نسعى إلى مقاربة أحد نصوصه من خلال العودة إلى أحد النماذج الكلاسيكية للسكيتش السردي، ممثلاً بنص "الشوارع صباحاً(The Streets – Morning) " لتشارلز ديكنز، الوارد في كتابه (Sketches by Boz)، حيث صدرت السلسلة الأولى منه والتي تحتوي على هذا النص عام 1836، علماً أن (Boz) هو الاسم المستعار الذي كان يوقّع به ديكنز كتاباته الأولى، وسنقارن هذا النص بسكيتش محمد خضير "ميترو 58"، المنشور في جريدة طريق الشعب عام 2022، في محاولة للكشف عن الكيفية التي أعاد بها خضير توظيف هذا المفهوم، محولاً إياه من لوحة وصفية ترصد المكان إلى بنية رمزية تستوعب الذاكرة والتاريخ والثقافة.
يفتتح ديكنز نصه بصورة بانورامية لمدينة لندن قبيل شروق الشمس، حيث تبدو الشوارع ساكنة وموحشة، وكأن الليل ما يزال يفرض سكونه عليها، حتى أنه يصفها بقوله (يخيم سكون الموت على الشوارع)، ومنذ هذه اللحظة الأولى، يقدم المدينة كمحور للرؤية السردية؛ إذ نراها من خلال عين تجوب أرجاءها، وترصد تحولاتها التدريجية من السكون إلى الحركة، ومن الفراغ إلى الازدحام، حتى تغدو المدينة الشخصية المركزية التي تنتظم حولها بقية العناصر السردية.
يلعب الزمن الطبيعي في نص ديكنز دوراً محورياً في تشكيل بنيته الداخلية؛ إذ يغدو تعاقب الساعات، الآلية التي تتكشف عبرها المدينة، فشروق الشمس، وافتتاح الأسواق، وخروج العربات، واستيقاظ العمال، وتدفق الموظفين إلى أعمالهم، كلها علامات على يقظة المكان واستعادت إيقاعه اليومي، لا مجرد إطار زمني وأحداث مستقلة، بالإضافة إلى أن الشخصيات التي يمر بها، تعبر عن نماذج اجتماعية عابرة، كالشرطي، والخادمة، وبائع الفطائر، وسائق العربة، والموظف، والصبي، والعامل، يدخلون المشهد ويغادرون، كضربات الفرشاة على سطح اللوحة، لتصبح عناصراً في التكوين البصري، لا وحدات فاعلة في بناء حبكة سردية، ليقترب أسلوب الكتابة من منطق الرسم أكثر من اقترابه من السرد، عن طريق السعي إلى إعادة تشكيل الإحساس بمدينة تستيقظ ببطء، وتسترد حياتها تدريجياً مع انبثاق النهار.
تكشف لنا هذه المقاربة مدى التحول الذي أحدثه الأستاذ محمد خضير في بنية السكيتش السردي، حيث يمكننا بسهولة أن ندعي بأنه لم يفعل شيئاً سوى أنه قد استعار التسمية من الأدب الغربي، لكن القراءة الدقيقة لما كتبه تقودنا إلى رؤية أكثر تعقيداً، فبدل أن يستعيد الشكل فقط، سعى إلى استعادة الفكرة الكامنة خلفه، وأعاد بناءها وفق منطق مختلف تماماً، ففي نصه الذي جنسه بسكيتش سردي، ورغم أنه ابتدأ من مكان محدد، كما فعل ديكنز (خلال جولات منتصف الليل في مترو جمهورية 1958)، إلا أن مكانه هذا لا يؤدي الوظيفة نفسها، كما هي شوارع لندن في نص ديكنز، والذي مثلت فيه المدينة "لندن" واقعاً مرئياً مدركاً، بينما مثل الميترو استعارة كبرى، أو فضاء يحتشد بداخله تاريخ طويل، وما يبدو ظاهرياً وسيلة نقل، هو بالحقيقة تحول تدريجي إلى بناء مجازي، لأحلام جيل وانكسارات مرحلة كاملة.
ويتجسد الاختلاف بين الكاتبين، كما أعتقد، في زاوية النظر، حيث يمثل المكان/ المدينة لدى ديكنز صورة مرئية، كما أسلفنا، بينما مكان محمد خضير هو ذكرى، والفرق كبير، برأيي على أقل تقدير، بين أن ترى وبين أن تتذكر، بين أن تكتب ما تراه العين، وأن تكتب ما أعادت الذاكرة تشكيله، تتحرك عين ديكنز في الحاضر "زمن النص"، ترصد التفاصيل الصغيرة، وهي تتشكل أمامها، بينما تتحرك ذاكرة محمد خضير في الماضي، تستدعي الوقائع، وقد اختلط فيها التاريخ بالأسطورة، والحدث بالرمز، والواقع بالتأويل، ليصبح الميترو وسيلة لعبور الأزمنة، داخل فضاء النص، دون أن يشعرك، كقارئ، أنه قد غادر وحدته الداخلية.
يتحرك الزمن في سكتش ديكنز وفق إيقاع طبيعي كرونولوجي، ساعة بعد ساعة، لتبلغ المدينة ذروة نشاطها عند الظهيرة، كما قد أوضحنا سابقاً، بينما يتكثف الزمن في "ميترو 58" داخل الذاكرة التاريخية، إذ تمثل الأحداث ورغم تواليها وتعاقبها بهذا الترتيب، أجزاء من تجربة واحدة في وعي الكاتب، لذلك يظهر الانتقال بين تلك الحوادث، أو الوقائع، استجابة لمنطق داخلي يحكم حركة الذاكرة أكثر مما يحكم حركة التاريخ، ليصبح هذا الميترو وسيلة لنقل الذاكرة العراقية، بكل ما تختزنه من وقائع، وأصوات، وخيبات.
تظهر لنا من هذه المقارنة البسيطة، أن سكتش ديكنز هو رسم للمكان بوساطة الزمن، بينما عند محمد خضير فهو رسم للزمن بواسطة المكان، وهذا ربما يمثل ملخصاً فعلياً لاختلاف الرؤيتين، لذلك أميل، ربما، إلى الاعتقاد بأنه قد نقل مصطلح السكيتش إلى أفق جمالي جديد، ولم يكتف بإعادة إحيائه داخل السرد العربي، حين تحول الوصف لديه إلى بنية تأويلية، وأصبح المشهد مدخلاً إلى التاريخ، وصار المكان أداة لإنتاج المعنى، لا إطاراً يحتضن الأحداث فقط، لذا تكمن أهمية هذه التجربة، بأنه أعاد تعريف هذا المصطلح، وجعله مختبراً تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ، ليصبح النص مفتوحا للتأويل، بالإضافة الى إظهار قدرة السرد العربي على إعادة ابتكار الأشكال الأدبية، لا الاكتفاء باستعارتها فقط.
#أمجد_نجم_الزيدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى