١
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية هو
إميل حبيبي وثيودور هرتسل
هل قرأ إميل الترحمة العربية أو العبرية لرواية هرتسل وأخذ ينقضها؟
ثمة صراع خطابات -حرب على جبهة الأدب.لماذا فجروا غسان كنفاني؟
قال محمود درويش يخاطب فدوى طوقان :
نحن يا اختاه لا نكتب أشعارا
ولكنا نقاتل
لروح محمود درويش الطمأنينة ولروح إحسان عباس ومحمد القيسي وناجي العلي.
في آب اللههاب فقدنا كتابا عديدين
٢٠١٢
٢
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
محمود درويش في ذكراه :
نصوصه الحاضرة في حرب غزة
عادل الأسطة
حضر محمود درويش في الأشهر الأخيرة كما لم يحضر منذ رحيله في ٢٠٠٨ ، إذ منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ لم يمر يوم دون أن يقتبس الناشطون الفيسبوكيون قصيدة له أو مقطعا من قصيدة ليدرجوها في صفحاتهم أو ليضمنوها في منشوراتهم ، وقد حضرت النصوص التي كتبها في الأحداث الكبرى التي مر بها الفلسطينيون ، مثل حرب ١٩٦٧ وحرب ١٩٨٢ وانتفاضة ١٩٨٧ وانتفاضة ٢٠٠٠ أكثر مما حضرت أشعاره التي صدرت في مرحلة السلام ١٩٩٤ - ٢٠٠٠ وبعد العام ٢٠٠٤ . بل يمكن القول إن الأشعار التي راهن عليها لتكون صوته ، مثل " جدارية " و " سرير الغريبة " و " لا تعتذر عما فعلت " و " كزهر اللوز أو أبعد " ، لم تحضر إلا قليلا جدا .
علينا ألا ننسى أن بعض قصائد الدواوين المذكورة - مثل "درس من كاما سوطرا " / " انتظرها " و " فكر بغيرك " و " تنسى كأنك لم تكن " ومثلها قصيدة " لاعب النرد " التي ظهرت في آخر ديوان له - شاعت بعد وفاته ، وهو ما لفت نظر عباد يحيى فكتب عن الظاهرة في روايته " رام الله الشقراء " ( ٢٠١٣ ) تحت عنوان " في استغلال الغياب " متأثرا بعنوان كتاب الشاعر النثري " في حضرة الغياب " متسائلا عن سر الهوس الغريب تجاه قصيدة " درس من كاما سوطرا " والتعامل مع درويش كمشاع للجميع : " ولكن لا أفهم استخدامه وأشعاره في كل الأغراض وتحديدا الخسيسة بسفور واضح " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " .
أنا واحد ممن كتبوا يوميات عن الحرب الدائرة ، وقد حضرت أشعار الشاعر فيها حضورا جعلني أفكر في الظاهرة وأتساءل :
- لماذا لم تحضر قصائده التي راهن عليها شاعرا ، فيما حضرت أشعاره المرتبطة بالقضية الفلسطينية التي واكبت أبرز منعطفاتها وأخطر أحداثها ؟ ومثلها نصه النثري " صمت من أجل غزة " . أيعود السبب إلى تشابه الحالة ، فالشبيه يستحضر الشبيه ؟
ربما !
[ نادرا ما عدت في الحرب إلى " جدارية " و " لا تعتذر عما فعلت " و " كزهر اللوز أو أبعد " أو حتى إلى " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " وأيضا إلى يوميات " أثر الفراشة " و " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " ، وغالبا ما عدت إلى " آخر الليل " و " محاولة رقم ٧ " و " أعراس " و " مديح الظل العالي " و " ورد أقل " و " هي أغنية .. هي أغنية " و " حالة حصار " وأعدت وغيري نشر فقرات من نصه " صمت من أجل غزة " . هل هناك سبب آخر غير " الشبيه يستحضر الشبيه " ؟ مثلا أنني عشت مع الدواوين الأخيرة المذكورة أكثر من الدواوين الأخرى ؟
ربما ! ] .
في الأيام الأخيرة أعدت قراءة " أثر الفراشة " ، وكنت قرأت ، من قبل ، بعض قصائده وكتبت عنها مقالة نقدية رصينة ، وأعني قصيدة " اغتيال " . كما توقفت أمام قصيدته " إدمان الوحيد " ، واستحضرت ، في بداية الحرب ، قصيدته في هدى أبو غالية " البنت / الصرخة " ، ولا أتذكر أنني بعد استحضارها ضمنت يومياتي أي مقطع آخر من المجموعة ، بخلاف مجموعة " حالة حصار " الأكثر استحضارا واقتباسا .
ماذا لاحظت وأنا أعود إلى " أثر الفراشة " ؟ وماذا فعلت ؟
لقد لاحظت أن هناك يوميات عديدة منها تناسب ما نعيشه في الحرب ويمكن اقتباسها وإدراجها ؛ يوميات لم تناسب فترة ٢٠٠٧ - ٢٠٢٣ التي ناسبتها قصيدة من الديوان ظلت تتكرر بشكل لافت هي " أنت ، منذ الآن ، غيرك " التي كتبها إثر أحداث غزة في ٢٠٠٧ .
من هذه القصائد ، عدا قصيدة " البنت / الصرخة " التي استحضرت في حروب غزة المتعاقبة ، قصائد " نيرون " و " العدو " و " البيت قتيلا " . إنها تقول للمرء ، حين يقرؤها في هذه الأيام ، إن الشاعر حي كتبها في هذه الحرب .
آل مصير آلاف الأطفال في غزة إلى مصير هدى ، فصاروا بلا أهل . فقدوا العائلة ووجدوا أنفسهم دون أسرة .
وفي " العدو " ، في العام ٢٠٠٦ ، تذكر الشاعر العام ١٩٨٢ حيث " حدث لنا شيء مما يحدث الآن . حوصرنا وقتلنا وقاومنا ما يعرض علينا من جهنم . القتلى / الشهداء لا يتشابهون . لكل واحد منهم قوام خاص ، وملامح خاصة ، وعينان واسم وعمر مختلف " .
وفي ( نيرون ) يتساءل الشاعر عما يدور في باله وهو يتفرج على حريق لبنان وحريق العراق وحريق فلسطين وحريق العالم " " أنا صاحب القيامة " . ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير ، لأنه لا يريد لأحد أن يرى النار المشتعلة في أصابعه ، عند نهاية هذا الفيلم الأمريكي الطويل !" .
وفي " البيت قتيلا " تنتهي حياة بيت كاملة . البيت قتيلا هو أيضا قتل جماعي حتى لو خلا من سكانه " وهو ما آل إليه في هذه الحرب قطاع غزة كاملا . لقد صار القطاع كله بيتا قتيلا .
لماذا لم ننتبه من قبل كثيرا إلى قصائد مثل هذه ؟
ربما هي اللحظة التاريخية التي تستحضر نصوصا معينة لم يكن يحتفل بها في لحظة مختلفة !
( الخميس والثلاثاء والأربعاء ٢٥ و ٣٠ و ٣١ / ٧ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٤ آب ٢٠٢٤ ) .
٣
خفة الكائنات غير المحتملة 19:
الكائنات غير المحتملة لا تمل من التكرار،ولسوف تصبح أنت كائنا غير محتمل ﻷنك ستقع فيما وقعوا فيه وما زالوا يقعون .
مثلا لن يمل الآخرون من تكرار فكرة دراسة اﻷدب العربي في ألمانيا أو فكرة تخصصك :
- أأنت متخصص في النقد الحديث أم في اﻷدب الحديث أم في اﻷدب المقارن ، وفكرة الحصول على الترقية وعدد النقاط .
لقد مر على هذا كله ما لا يقل عن عقدين أو عن عقد من الزمان . وقد يتدخل الطلاب في اﻷمر مرسلين من الصغار أخلاقا وعلما الذين لا ينتجون إلا ما تنتجه ثقافتنا المتخلفة في الحارة والمخيم والقرية .
هل أنت مغرور حين تغيظهم :
- أعطوني أستاذا واحدا في جامعاتكم كلها ،في أقسام الأدبين العربي واﻷنجليزي ، وفوقها قسم الادب الفرنسي ، أنتج ما أنتجت ؟
أحيانا تقول في المحاضرات :
- لو وضعنا نتاج أساتذة أقسام اﻷدب العربي كلها ، في جامعاتنا في الضفة والقطاع ، في كفة ونتاج د.إحسان عباس - لا إحسان...- في كفة لرجح نتاج إحسان عباس كما ونوعا وتنوعا أيضا .
وغالبا ما تكرر وهم غالبا ما يكررون . لا يملون ، وحين تنظر في أمر من يتقنون لغة ما تتساءل :
- ماذا قدموا من نتاج أو من ترجمات .
هل تتقن اﻷنجليزية أو اﻷلمانية أو العبرية؟
لا تمل الكائنات من السؤال وهي لا تتقن في اﻷصل لغتها القومية .
اﻷجواء هذ الصباح ، الرابع من آب حارة وحارة جدا ومع ذلك لم تسأل إدارات جامعاتنا بعض من ذهبوا ليدرسوا تخصصا ما ، لم تسألهم :
- ماذا أنجزتم في تخصصكم ؟ ولماذا لا تدرسونه فيفيد الطلاب من علمكم الجم ؟
٢٠١٥
٤
خفة الكائنات غير المحتملة 20 :
ماذا تفعل في هذا الصباح القائظ ؟
الكل يشكو من اﻷجواء شديدة الحرارة .
حديث الناس في الضفة الغربية أكثره يدور حول أمرين هما جريمة المستوطنين وأجواء آب . آب اللهاب حقا . السائق الذي استقللت حافلته أراد أن يكرمك فطلب من الراكب الذي يجلس إلى جانبه أن يترك مقعده وأن يجلس في المقعد الخلفي . ستقول له :
- إن هي إلا دقائق ولا ضرورة لإحراج الشاب .
السائق لا يعرف الصمت ويحب أن يتكلم دائما . أحيانا يكون كلامه مشفرا وأحيانا يؤشر ويشبر .
أنت تضحك لتذاكيه وتقول له :
- لولا ذكاء العرب الزائد عن حده لكنا الآن خارج التاريخ وأسفل سافلين ولكن الله - جل وعلا - قدر وستر وأرادنا خير أمة .
الحديث ذو شجون وأنت تعرف إخوة السائق الذي يسألك إن كانوا يراعونك إذا ما اشتريت منهم فتجيبه بأنك تمر عليهم ، فيعترض عليك نحويا ويصححك :
- قصدك عندهم .
هل أخطات أنت وكان عليك أن تتعلم الفصحى لتخاطب بها السائق ؟
ماذا تقول للسائق ؟
تتذكر بيت الشعر :
" تمرون الديار ولا تعوجوا "
وتقول للسائق :
- ها هو الشاعر أسقط حرف الجر ،
ثم تسأله :
- هل تعرف تميم البرغوثي؟
هل تصغي إلى قصيدة في القدس؟
السائق يقول :
- هل هو ذو الشعر الطويل الملقى على كتفه .
وتجيبه :
- نعم هو .
ويرد السائق :
- هو الذي يقول :
" يا كاتب التاريخ " .
وتسأل السائق :
- وماذا يقول في مطلع القصيدة ؟
ولا يعرف السائق المتذاكي دائما . لا يعرف فتقرأ له بيت تميم :
" مررنا على دار الحبيب فردنا عن الدار قانون اﻷعادي وسورها ".
هل توقف السائق المتذاكي عن تذاكيه؟وتقول له :
- التكرار يعلم الحمار ، وبعض البشر لا يتعلمون .
٢٠١٥
٥
على هذه الأرض ما يستحق الحياة ، تردد أبريل ، رائحة الخبز في الفجر ، أراء امرأة في الرجال ، كتابات اسخيلوس ، أول الحب ، عشب على حجر ، أمهات تقفن على خيط ناي و .....
و ..............
وخوف الغزاة من الذكريات
( محمود درويش )
تمهيد لكتاب " حزيران الذي لا ينتهي :شظايا ذاكرة 1967-1982 " .
٦
أمشي كأنني واحد غيري :
( حزيران الذي لا ينتهي )
مقدمة كتابي الجديد "حزيران الذي لا ينتهي: شظايا ذاكرة 1967- 1982 " (2018 )
كثيرة هي الروايات التي يلجأ كتابها فيها إلى خدعة ما ، كأن يخترعوا ، مثلا ، شخصية وهمية يقولون ، من خلالها ، ما يريدون قوله ، وربما كانت المقامات ، في الأدب العربي القديم ، مثالا جيدا على هذا . لقد اخترع بديع الزمان الهمذاني راويا هو عيسى بن هشام وتركه يقص الحكايات / المقامات ، كما لو أنه يريد أن يدفع عنه أي اتهام ، أو أن يرد عنه أي أذى يمكن أن يلحق به ، لو تشابهت أحداث مقامة ما مع حدث معيش مشابه . وربما لم يكن هناك إمكانية لأن يبدأ صاحب المقامات كتابه بما يلجأ إليه الكتاب المعاصرون حين يصدرون رواياتهم التصدير المألوف ، درءا لأية إشكالية قد تلم بهم " أي تشابه بين شخصيات هذه الرواية وشخصيات في الواقع تحمل الاسم نفسه هو مجرد صدفة " .
هكذا أعفى صاحب المقامات نفسه من أية مساءلة ومن أية مسؤولية تترتب على تشابه ما في المقامة والمحيط ، ولم تكن فكرة المؤلف الضمني شائعة ومعروفة في حينه ، حتى يقال إن عيسى بن هشام هو المؤلف الضمني للمقامات ، وأما بديع الزمان فهو كاتبها ، وثمة اختلاف بين الكاتب الحقيقي والمؤلف الضمني .
والحقيقة أن فكرة المؤلف الضمني التي كتب عنها ( واين بوث ) في كتابه عن فن الرواية ، ما زالت موضع جدل بين النقاد ، وما زالت تثير أسئلة عديدة حولها ، بل وتثير جدلا حادا ، فمن ناقد يأخذ بها ويدافع عنها ، ومن ناقد يراها مجرد لعب فني ، وأنه لا فرق بين المؤلف الضمني والمؤلف الحقيقي ، ومن الأخيرين الناقد الجزائري عبد الملك مرتاض في كتابه " نظرية الرواية " 1998 .
شخصيا لم أرفض فكرة المؤلف الضمني ولم آخذ بها على أنها مقولة مسلم بها ، وقد ظللت أسائلها وأفكر فيها منذ سمعت بها ، وتحديدا في العام 1990 ، وكلما قرأت رواية أخذت أنظر في السارد واحدد طبيعته وأبحث عن كينونته الخاصة ، إن استطعت تحديدها ، وأخذت أنظر أيضا في الشخصيات الروائية وفي ملامحها الخاصة ، لأرى مدى اقترابها من المؤلف الروائي / الكاتب وابتعادها عنه ، وقادني هذا إلى كتابة دراسات تطبيقية في الموضوع ، تتبعت فيها ما أعرفه عن الكاتب وما ورد عن المؤلف الضمني في روايته ، بل وأخذت أنظر في الشخصيات الروائية نفسها ، لأطابق أو أمايز بين : الكاتب الروائي والسارد أو المؤلف الضمني والشخصية الروائية ، وهؤلاء الثلاثة قد يتطابقون ، فيكونون شخصية واحدة ، بخاصة في رواية السيرة ، وقد يختلفون ، فيكونون ثلاثة مختلفين ، لا صلة بينهم . وما ذهبت إليه كان نقاد سابقون توقفوا أمامه ، وربما تعود أهمية ما كتبت إلى أنني فتحت بابا في هذا الأمر في الأدب الفلسطيني ، في داخل فلسطين ، إذ لا أعرف من نقادنا من التفت إلى الأمر وتوسع فيه ، وكانت دراستي لرواية إميل حبيبي " خرافية سرايا بنت الغول : إشكالية المؤلف والراوي والشخصية ،" ( مجلة مشارف الحيفاوية ،حزيران ،ع16 1996 ) واحدة من تلك الدراسات .
وظل الموضوع يشغلني عموما ، وفي تناولي الأخير لرواية الكاتب اللبناني إلياس خوري " أولاد الغيتو،اسمي آدم " ( مقال الأحد ، آذار ونيسان وايار وحزيران وتموز وأب 2016 ) بحثت عن إلياس في روايته من خلال بطلها آدم ، وتساءلت عن الفارق بين الروائي وبطله ، وقادني هذا إلى كتاب الناقد السوري المعروف جورج طرابيشي الذي ألف كتابا عنوانه " الروائي وبطله ، مقاربة اللاشعور في الرواية العربية " 1995 ، وفيه لا يذهب إلى التوحيد بين البطل الروائي والكاتب . إنه يقارب لاشعور البطل باعتباره مستقلا عن خالقه .
وستظل فكرة المؤلف والمؤلف الضمني تلح علي ، وسأظل أسائلها واقاربها . هل شهرزاد هي المؤلف الضمني لكتاب " ألف ليلة وليلة " الذي لا نعرف مؤلفه الحقيقي؟ وعليها قس .
وأنا أكتب " حزيران الذي لا ينتهي " ، خلال أشهر حزيران وتموز وبدايات آب ، وجدتني أكتب بطريقة أبدو فيها كاتبا ساخرا ، بل وساخرا من الذات أيضا ، وهذ السخرية ليست طبعا أصيلا في ، فأنا شخص جاد ولا أميل إلى السخرية ، وهكذا وجدت فارقا بين طبيعتي وبين الشخص الذي يبدو في النص . كأنني واحد غيري .
وأنا أتراسل مع إحدى صديقات الفيس بوك ، لمدة ساعة ، وجهت لي نصائح وسألتني عن أحوالي . ووجدتني أكتب لها إنني أعيش أقسى درجات العزلة وأقصاها أيضا ، وإنني لم أعد أرى أفقا .إننا في ورطة في عالم العبث واللاجدوى الذي يعيشه العالم العربي ، وكانت كتابتي ردا على سؤال تسألني فيه عن قدرتي خلق قدر من الانسجام في حياتي ، وكيف أستطيع أن أعيش بقدر من الانسجام في ظل المحيط القاسي والمؤلم .
سأكتب لتلك الصديقة : إن ما يبدو في سلسلة " حزيران الذي لا ينتهي " لا يعكس شخصيتي أنا ، فأنا جاد ولست ساخرا ، ولكن روح شعبي تلبستني وأنا أكتب ، وهذه السخرية وتلك الدعابة التي في النص هما ما يبدوان لدى بعض أبناء شعبي ، وغالبا ما كنت ، وأنا أكتب ، استحضر شخصياتهم وروحهم .
هل ما سبق يوضح فكرة المؤلف الضمني ، لي ولغيري ، وهل أصبحت أكثر اقتناعا بأن المؤلف الضمني هو غير الكاتب ؟
هذه الكتابة هي شظايا ذاكرة ، وقد كنت كتبت بعضها في بعض قصصي ، وقد كنت شرعت في كتابتها في العام 1979 / 1980 ، فنشرت ثلاث رسائل ، في جريدة الفجر ، تحت عنوان " رسائل من المخيم ، وبقلم : عادل الراوي " ، وكنت يومها واقعا تحت تأثير رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " .
وكما كتب محمود درويش في إحدى قصائد " لا تعتذر عما فعلت " 2003 :
أنا ملك الصدى
لا عرش لي إلا الهوامش . والطريق
هو الطريقة ، ربما نسي الأوائل وصف
شيء ما أحرك فيه ذاكرة وحسا
**********
لما كتب إميل حبيبي روايته " المتشائل " لاحظ بعض قرائها أنه يقلد رواية ( فولتير ) " كنديد " ما دفعه لأن يرد عليهم في الجزء الثاني ، وكان هؤلاء القراء قالوا " تحفز الأستاذ ليشب ، فوقع دون كنديد مائتي عام " - أي أن إميل كتب بأسلوب القرن الثامن عشر ولم يأت بجديد .( انظر دراستي عنها في كتابي " أوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني " 2015 )
*****
هذه الكتابة كتبتها مباشرة على الفيس ، ولم أجر عليها تعديلات إلا فيما يمس الأسلوب والأخطاء الطباعية.
4 / 8 / 2016
٧
خليل النعيمي ومحمد شكري ٦ :
ما الذي يبقى من سيرة محمد شكري " الخبز الحافي " في الذاكرة الخداعة ؟
تعد " الخبز الحافي" حتى تاريخ صدورها أجرأ سيرة ذاتية في الأدب العربي ، فمؤلفها لم يخف ولم يوار وكتب عن حياته القريبة من حياة الصعاليك . كتب عن فقره وتشرده وبعض شذوذه ، وكتب عن قضاء ليال بلا مأوى حيث نام في المقابر ، وقد كتب هذا كله بلغة بسيطة سهلة شبه ركيكة لم ترق للروائي الطاهر وطار الذي رأى فيها نقيض ما رآه آخرون .
بكتب خليل النعيمي أيضا عن طفولته وجوعه وفقره وخوفه . يكتب عن التحاقه بالمدرسة التي كانت في الأصل اصطبل خيول ، ويكتب أيضا واصفا مشاعره التي تلم به حين يرى الآخرين يأكلون وهو ينظر إليهم ، ولا تخلو روايته " القطيعة " من مشاهد جنسية ومفردات تلحق بها . هنا يبدو النعيمي جريئا جدا ، ويكون سبق مجموعة من الكتاب والكاتبات الذين حفلت نصوصهم بتعبيرات جنسية ربما خلا منها الأدب العربي الذي كتبه طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف القعيد ويوسف ادريس وجمال الغيطاني وحنا مينه وغيرهم .
ربما تذكر المرء وهو يقرأ بعض المقاطع روايات كاتبات خليجيات ولبنانيات كتبن في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بجرأة كبيرة . ولسوف يتذكر المرء صبا الحرز " الآخرون " وسلوى النعيمي " برهان العسل " وعلوية صبح "مريم الحكايا " وزينب حفني " ملامح " ووردة عبد الملك " الأوبة " .
في بداية القسم الثاني من الرواية يقرأ المرء أربع صفحات تقريبا يصف فيها أنا المتكلم حالته وهو يتابع شخصا اسمه عمر الأخرش يأكل علب السردين ويتلمظ ويبلع ريقه ، فيم يتوق أنا المتكلم / خليل إلى علبة السردين عله يظفر بها فارغة ليحصل ولو على بقايا زيت منها يدهن به خبزه ، ولكن عمر يرمي على مرأى من خليل العلبة الفارغة في النهر ، فيغتاظ خليل ويكاد الاثنان يتعاركان .
وأنت تقرأ هذه الصفحات تتساءل إن كان هذا حدث ، ولا يزيل حيرتك إلا ما كنت تسمعه عن الفقر أيام السفربرلك حيث بحث الناس عن الشعير في روث الإبل .
إن كنت قرأت بدر شاكر السياب وقصائده الاجتماعية مثل " المومس العمياء " و" حفار القبور " فسوف تتذكرها وأنت تقرأ " القطيعة" ولسوف تتذكر أكثر قصيدة " أنشودة المطر " والسطر الدال فيها " ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " وحين تتابع القراءة عن الإقطاعي ابن جليوي الذي يملك كل شيء لدرجة التخمة، في حين يجوع الآخرون ، ستتذكر الغربان في القصيدة ؛ الغربان التي يؤول الخير كله لها .
في القسم الثاني من "القطيعة " تبدأ القراءة عن السياسة والوحدة والمظاهرات وأبوعمار ، ولكن أبو عمار هنا ليس أبو عمار الفلسطيني .
فيما يخص لغة "الخبز الحافي " ولغة "القطيعة " فإن هناك بونا شاسعا بينهما ؛ من لغة الواقع، اللغة البسيطة الخالية من الصنعة والزخرف والسجع والجناس إلى لغة تحفل بهذا كله وتبدو في كثير من مقاطعها خارجة من لغة التراث العربي القديم وتحديدا لغة المقامات والمعري .
٨
الست كورونا : مهن جديدة ويافا قبل الكورونا ( ٤٢ )
وأنت تسير في شوارع نابلس تلحظ فيها ظاهرة جديدة هي ظاهرة بيع الكمائم / الكمامات ، فالكمائم كانت من قبل انتشار الوباء تباع في الصيدليات أو في متاجر معينة ، وأمس أرسل إلي ابن الخالة Muneer Quqa شريطا قصيرا جدا لمتجر يبيع الكمائم فقط . مجسدات رؤوس بالعشرات عليها أشكال وأنواع متعددة من الكمائم ، ولما شاهدته قلت إن الحكاية طويلة وأطول من أغنية عبد الحليم حافظ الذي طلب منه الحضور إن يكرر مقطعا فأجاب " لسه طويلة " ، وثمة من أرسل إلي مقطعا فحواه أن الكورونا لن تنتهي قريبا وأنها قد تصيب ثلثي سكان العالم .
على الرغم من ارتفاع عدد الإصابات في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ ومناطق السلطة الفلسطينية إلا أن سكان المناطق الأخيرة غزوا حيفا ويافا مصرين على أن فلسطين هي فلسطين كما كتب عنها الشاعر أحمد دحبور :
" وفلسطين ليست فلسطين
إلا إذا طلبت كاملة " .
تسامح أبناء العمومة وتغاضوا عن التصاريح فسمحوا لمن يرغب بزيارة فلسطين بالدخول ، وبيع ساندويتش الشاورما ، كما أخبرني راكب في الحافلة ، بخمسين شيكلا ، ودخل إلى الخزينة الإسرائيلية ملايين الشواكل من فلسطينيي الضفة الغربية الذين يشكون باستمرار من قلة ما في اليد .
يبدو أن حب يافا وحيفا فوق أي اعتبار ؛ فوق الخوف من العدوى بالكورونا وفوق دفع فواتير الكهرباء والماء للبلدية .
يشكون من القلة وينفقون بسخاء وطز في فواتير الكهرباء والماء .
لقد كتبت من قبل إن قوة حب الحياة أقوى ، وصرنا مثل فلسطينيي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ كما كتبت عنهم Emtiaz Diab قبل أعوام في مجلة " الكرمل " ، صرنا مدينين للبنوك ، علما بأن ما ننفقه ينفق غالبا فشخرة وتباهيا وادعاء وتظاهرا - يعني نحن " عريانيين وبنضرط لحف " .
هل أخطأ محمود درويش أم أصاب حين كتب :
" ونحن نحب الحياة إذاما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين .. نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا " ؟
- نرقص بين موجتي كورونا خفيفة مازالت وثقيلة قادمة ... إلخ .
٤ آب ٢٠٢٠
٩
إنك لعلى خلق عظيم :
من الأقوال التي أرددها وأنا أنظر في سلوك كثيرين ، من البشر العاديين إلى المثقفين وحملة الشهادات العليا ، قوله تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ، وجل وعلا لم يتبعها بعبارة أخرى مثل " وإن كثيرين لعلى خلق قليل " ، علما بأن من يبحث في النص القرآني لن يجد صعوبة في العثور على آيات عن ذوي الخلق السيء .
لم يخل الشعر العربي القديم من أبيات كثيرة تذم ذوي الخلق السيء . وقصيدة ذو الإصبع العدواني واحدة من القصائد التي يمكن الاستشهاد بها ، ومثلها قصيدة المقنع الكندي .
" فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي ، بنيت لهم مجدا "
والرأي يجب أن يناقش حقا .
عندما أصدرت روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " في العام ١٩٩٣ صدرتها بفقرة من كتاب " رحلات هاينة في أوروبا " ( Reisebilder ) للكاتب الألماني ( هاينرش هاينة ) الذي يتشابه في تحوله من دين إلى دين ثان مع أحمد فارس الشدياق .
" أنا أكثر الناس تهذيبا في العالم "
و
" أعترف بأني لم أكن غليظا على ظهر هذه الأرض وفيها من السخفاء الذين لا يحتملون " .
وكثير من الناس سخفاء ، وليس هذا تكبرا على الإطلاق ، ولقد كتبت كثيرا عن " خفة الكائنات غير المحتملة " .
لا أريد أن أفسد على الناس فرحتهم ، فأمس احتفل أهالي الطلبة الناجحين في التوجيهي بنجاح أبنائهم ، وأظن - ويعتقد كثيرون مثلي - أن طرق الاحتفال كانت بدائية وغوغائية ومزعجة ولا أقول مرعبة ، فقد اعتدنا على هذه الطريقة الفجة والمزعجة في الاحتفال ، وكلما علا الصوت وكثر الضجيج ضاع العقل والمنطق و ... .
ما عاد التوجيهي يقدم أو يؤخر ، فالشهادة الجامعية الأولى - أي البكالوريوس ، لم تعد تسوى شيئا ، ومثلها شهادة الماجستير ، وأحيانا شهادة الدكتوراه ، وأن تحمل دكتوراه فلا يعني أنك على خلق عظيم ، وقد تكون على خلق وضيع .
هل أخطأ ( جان بول سارتر ) حين ردد عبارته " الآخرون هم الجحيم " ؟
بعض الناس ممن تعاملهم باحترام يدفعونك إلى مراجعة طريقة تعاملك معهم . إنهم أفظاظ سيئون لا يستحقون أدنى قدر من المعاملة الحسنة ، وكلما أحسنت إليهم اساؤوا إليك .
كم عصر تنوير نحتاج إليه ؟!
يقول مثلنا " العقل زينة واللي بدونه حزينة " ولطالما كررنا قول أحمد شوقي :
" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت "
وقد يسأل سائل :
- عن أي أخلاق تحدث أمير الشعراء ( - هل ثمة أمير ووزير وجندي وبطل في الشعر ؟) .
لا جديد . وفي كل عام في مثل يوم أمس تطلق الأيادي ، بلا حساب ، الألعاب النارية تعبيرا عن فرح مفترض ، وتنفق مئات آلاف الشواكل ، وربما ملايين ، من شعب لم يتحرر بعد ، شعب نصف سكانه ما زالوا في المنافي لاجئين فقراء بائسين .
الآن هدأت الجبهة الداخلية ولا بد ... .
لا بد مما ليس منه بد ، وصار كثيرون يفاضلون بين بقاء السلطة وعدم بقائها ، وربما لسان حال رجال السلطة " ما بتعرف خيري إلا لما تجرب غيري " . ودرجة الحرارة في هذه الأيام مرتفعة ، والكلام كثير !!
٤ آب ٢٠٢١.
١٠
يوميات غزة ( ٣٠٣ ) :
أنور السادات وعام الحسم
في صفحته كتب مهدي زلزلي يخاطب المتعجلين المنتظرين ضربة إيران للكيان الإسرائيلي بأن يصبروا قليلا - ثمانية وأربعين ساعة مثلا ، فقد صبروا منذ العام ١٩٤٨ وتأخر ردهم .
لم العجلة وفي التأني السلامة ومن تأنى نال ما تمنى ؟
هل تذكرون خطابات الرئيس المصري المرحوم أنور السادات في العامين ١٩٧١ و ١٩٧٢ عن عام الحسم ؟
حدد السادات العام ١٩٧١ عام حسم ، ومر العام دون حسم .
وعاد وكرر الخطاب ذاته في العام ١٩٧٢ ولم يكن العام عام حسم وصرنا نتندر . حال الضباب دون الحسم وحال وحال وصار الرئيس موضع سخرية وتهكم .
عندما وقعت حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣ لم نصدق ثم رأينا في الزعيم المصري ثعلبا مخادعا .
سهر كثيرون ليلة أمس حتى صاح الديك فملوا وذهبوا إلى فراشهم خائبين ، وأما أنا فعادت ذاكرتي إلى ما قبل حرب أكتوبر ١٩٧٣ .
قبل قليل قرأت عن انفجار في وسط البلاد وكتب أحد الإعلاميين النشيطين في صفحته بالحرف السميك على خلفية حمراء
تل أبيب
رحم الله الشاعر الأردني / الفلسطيني أحمد المصلح الذي تساءل في سنوات الحسم :
" يأتي أو لا يأتي ؟!
يأتي وتباركه الصحراء
في لحظة هدم وبناء " .
هل يتذكر أدباء رابطة الكتاب الأردنيين القدامى من نعتوه بالبعير الثقافي ؟
أما أنا فنسيت من هو ؟
٤ / ٨ / ٢٠٢٤
١١
يوميات غزة ( ٣٠٣ ) :
غزة تحترق
ما إن صحوت في الرابعة فجرا ، لأذهب إلى الحمام وأفحص نسبة السكر في الدم ، حتى وجدتني أبحث عن آخر أخبار الحرب .
رشقة صاروخية من جنوب لبنان نحو المستوطنات الإسرائيلية في الشمال الفلسطيني ، وغارات بالطائرات الإسرائيلية على خيام النازحين قرب مستشفى الأقصى في وسط قطاع غزة . كانت الخيام تحترق والمسعفون يسعفون من استطاعوا إسعافه . إنها محرقة ! إنها محرقة يا الله وإسرائيل تستعجل إرسال الفلسطينيين إلى الجنة ، وتصر ابتداء على أن تدخلهم إلى المطهر ف إن كل إلا واردها - أي النار .
و ( نيرون ) المعاصر . شمشون المعاصر قرر أن يهدم المعبد عليه وعلى أعدائه . لقد اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي قراره بالتخلي عن الأسرى الإسرائيليين ، لينفذ ما يتطلع إليه : غزة وقد ابتلعتها النيران لا البحر . بحر من النيران في خيام النازحين . يا الله ! ماذا يفعل مليونا مواطن غزاوي لا حول لهم ولا قوة ولا سلاح بأيديهم . مليونا مواطن لم يشعروا منذ ٣٠٠ يوم ويومين بلحظة أمان واحدة ؟!!
غزة تحترق ويبدو أن المعبد كله ستطاله النيران ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ! ( يوم يفر المرء من .... ) . هوذا الوضع في غزة .
فجر ٤ / ٨ / ٢٠٢٤
١٢
البطولة أيضا مثل المعلبات . لها تاريخ انتهاء صلاحية .
هل تتذكرون الأسطر التي نسبت إلى محمود درويش ؟ الأسطر التي غنتها المطربة اللبنانية كارول سماحة " ستنتهي الحرب ويتصافح القادة " وأثارت جدلا دفعني لأنفق أكثر من شهر أبحث عن قائلها ، فكتبت ست مفالات أحسن من كتاب ونشرتها في جريدة الأيام الفلسطينية ! ( آذار ونيسان ٢٠٢٣ ) .
لمحمود درويش قصيدة نثرية عنوانها " واجب شخصي " / يومية ، نشرها في يوميات " أثر الفراشة " ٢٠٠٨ ، وغالبا ما أخطيء في التاريخ فأكتب ٢٠٠٦ . " واجب شخصي " ليست بعيدة في فكرتها عن أسطر " ستنتهي الحرب " . إن روحها روحها . من خوطب في المعارك على أنه بطل ، وعاد مبتور اليد ، احتفل به ليوم ثم عاد يمارس حياته بلا يد ولم يجد ، بعد الاحتفال ، أحدا حوله ، فصار عليه أن يخدم نفسه . صارت بطولته منتهية الصلاحية مثل علبة معلبات .
ها هي القصيدة النثرية / الأصح اليومية .
محمود درويش :
" واجب شخصي "
هتفوا له : يا بطل ! واستعرضوه في
الساحات . نطت عليه قلوب الفتيات
الواقفات على الشرفات ، ورششنه بالأرز
والزنبق . وخاطبه الشعراء المتمردون على
القافية بقافية ضرورية لتهييج اللغة :
" يا بطل ! انت الأمل " . وهو ، هو
المرفوع على الأكتاف راية منتصرة ، كاد
أن يفقد اسمه في سبيل الأوصاف .
خجول كعروس في حفلة زفافها . " لم أفعل
شيئا . قمت بواجبي الشخصي ". في صباح
اليوم التالي ، وجد نفسه وحيدا يستذكر
ماضيا بعيدا يلوح له بيد مبتورة الأصابع
" يا بطل ! انت الأمل " . يتطلع حوله
فلا يرى أحدا من المحتفلين به البارحة .
يجلس في جحر العزلة . ينقب في
جسده عن آثار البطولة . ينزع الشظايا
ويجمعها في صحن تنك ، ولا يتألم ...
" ليس الوجع هنا . الوجع في موضع آخر .
لكن من يستمع الآن إلى استغاثة القلب "؟
أحس بالجوع . تفقد معلبات السردين والفول
فوجدهما منتهية الصلاحية . ابتسم وغمغم :
" للبطولة أيضا تاريخ انتهاء صلاحية ".
وأدرك أنه قام بواجبه الوطني " .
يوميات غزة ( ٣٠٣ )
١٣
غزة 668 :
مساعدات لذر الرماد في العيون
حسب ما قاله في هذا الصباح محمد الأسطل مراسل إذاعة أجيال فإن ما وصل إلى قطاع غزة من مساعدات ليس أكثر من لفتة إعلامية لذر الرماد في العيون وتبرئة ذمة الحكام والمسؤولين أمام شعوبهم . Mohamed Omran Astal
محمد حكى قصصا مروعة عن الباحثين عن مساعدات ورحلة الموت التي يقومون بها ، وأكثر هذه القصص تأثيرا قصة الطفل الذكر الوحيد بين سبع أخوات . ذهب الطفل ، ليحصل على كيس طحين أو رز ، ففقد حياته أمام إصراره ألا يعود إلى أخواته إلا ومعه ما يطعمهن . غالبا ما تكون قصة الذكر الوحيد بين سبع أخوات مأساوية ! غالبا وليس دائمآ !
أطرف شريط شاهدته أمس ، ولعله من إنتاج الذكاء الاصطناعي ، أرسله إلي من أمريكا نسيبي مصطفى عوينات Mustafa Yousef Owaynat وفيه يتحدث الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) إلى الصحافة . يتهم ترامب في الشريط إسرائيل بأنها مسؤولة عن قتل 60 الف فلسطيني وان عليها أن تدفع ثمن ذلك . هل برمج الشريط على غرار شريط الرئيس الذي خاطب فيه دول الخليج قائلا لهم أنتم أثرياء ونحن نحارب عنكم ويجب أن تدفعوا . You must pay ؟
ولله في ( ترامب ) شؤون !
أمس عرفت ان الكاتب الإسرائيلي ( دافيد غروسمان ) صاحب كتاب " الزمن الأصفر " الذي كتبه في الانتفاضة الأولى ووازن فيه بين مسنة فلسطينية ومعاناتها وبين جدته التي نجت من الهلوكست / الإبادة ، أمس عرفت أنه أقر أخيرا بأن ما يجري في غزة هو فعل إبادة كما الهولوكست ، وهو الموقف نفسه الذي تبناه الكاتب الإسرائيلي الشجاع ( جدعون ليفي ) " إن إنكار ما يجري في غزة ليس أقل حقارة من إنكار الهوالوكست " .
لا أحد يتعلم على ما يبدو . شوارع المدن الكبرى في العالم تزدحم بالمتظاهرين وشوارعنا فارغة من المتسوقين ، فالأزمة الاقتصادية والحصار لافتان ، وفي عالمنا العربي ينشغل الناس بالزواج والطلاق والفقر والمنسف والمقلوبة وحفلات التخرج . هكذا هي الدنيا و ...
حالة تعبانة يا ليلى !
٤ / ٨ / ٢٠٢٥
( لمن يرغب في قراءة رأي أبناء قطاع غزة في المساعدات عبر الجو أحيله إلى ما كتبه الأستاذ الدكتور Khader Tawfiq Khader )
١٤
غزة 668/ 2 :
كمائن الموت .
الهنود الحمر الفلسطينيون .
نسخة عالم مابعد الحداثة .
" خطبة الفلسطيني الحنطي ما قبل الأخيرة أمام الرجل الإسرائيلي " .
إنهم يقتلون باسم الرب المختار شعبه .
إن كان الروائي إلياس خوري ترك شخصيته الروائية مراد العلمي في رواية " أولاد الغيتو : اسمي آدم " ينطق :
" اختفوووو علينا كيف صرنا "
فمن حق الفلسطيني في غزة أن يبصق على هذا الكوكب الحقير ، والكوكب الحقير استعرتها من مؤمن مقداد .
الصورة أدرجها محمد العرجا Mohammed Alarja
٤ / ٨ / ٢٠٢٥
١٥
سليم النفار في كتابه النثري " غزة 2014 : تأملات ويوميات شاعر في حال المدينة الرهينة " الصادر في العام 2017 عن مكتبة كل شيء في حيفا :
يقع الكتاب في 85 صفحة من الحجم المتوسط ويحتوي على مقطوعات نثرية عديدة بلغ عددها أربع عشرة مقطوعة ، وهي بالفعل تأملات شاعر يكتبها بلغة شعرية عن مدينة غزة في العام 2014 ويبث فيها همومه ومشاعره ويقدم رؤاه أيضا وربما توحي عناوينها بمحتواها ، والعناوين هي : هل يزهر الملح / ريثما نعود / أريد بيتي الصغير / حصيدة خاسرة / هي الأرض ... / نداء ... / لا تقلقوا علينا / تأملات في واقع الحال صباحات مختلفة / كهرباء / دين / فصائل / تأملات ما بعد الكارثة / حنين / ليست تماما صورتي .
الاهداء كان " إليهم / هم وحدهم من يسكنون فوق الأرض وتحتها / إلى أبناء شعبي في غزة الشهداء والشهداء الأحياء / فهم أسطورة الصمود ، فولاذ الإرادة ، وعشق الحياة "
ولا أعرف ماذا كان سليم سيكتب لو امتد به العمر ولم يرتق وأسرته وأسرة أخيه كلهم معا تحت انقاض البناية ويمحون من السجلات المدنية .
هل يزهر الملح في هذه الأرض ؟
يتساءل سليم عن بلاد مثل عجوز تمشي بقانون الصدفة ، وبه فقط ما تزال تحيا ... فهل حياة مثل هذه حياة ؟
" هنا بجوار الموجة الحزينة لا تجد صيادا يمارس هوايته في مداعبة الأسماك ، بل تجد طفلا يبحث في مخلفات الموج ، كي يشتري بها فرحة اقتناء حبة شوكلاتة ، أو كيسا من الشيبس أو ... أو ... وربما تجد بعض الضجرين العاطلين عن الحياة يزرفون يومهم فوق رمل لا يزهر الملح فيه ... فإلى متى ؟؟"
إلى متى ؟
وكان طوفان الأقصى وكان ما كان وصار أهل غزة يحنون إلى تلك الأيام ؛ أهل غزة التي لا تمتلك نفطا ولا حتى أرضا " نزرع فيها ما يكفينا لأكل الخضار " غزة التي لا يمتلكون فيها حرية النوم والصحو ولا حرية التمتع بزرقة السماء أو البحر ، ولكنهم يمتلكون أن يكونوا براميل بارود في وجه ذواتهم أولا ، ويمتلكون قدرة غرائبية في تشويه ذواتهم أيضا وتدميرها كلما اقتضت ضرورة الحسبة عند أي باشا من باشاواتهم ، فهل يزهر الملح ؟
ثمة تحذير مبطن مما قد تصل إليه الأوضاع التي تلم بأهل غزة الآن ، ويبدو أن سليم لم يقو على الإفصاح أكثر .
ويكتب سليم في " ريثما نعود " عن هجرة أهله من يافا في العام ١٩٤٨ وتناسل هذه الهجرة . لقد ولد هو في غزة وهاجر منها قبل أن يعود إليها في ١٩٩٣ " فكم من مرحلة نحتاج كي نبلغ سن الرشد ، وكم من جلجلة ترانا نصعد ريثما نعود ؟؟ "
وارتقى سليم وعائلته ولم يعودوا ، وكان أبوه ارتقى شهيدا في العام ١٩٧٣ ، حيث قاتل في صفوف الثورة في ١٩٧٠ و ١٩٧٣ ، عندما كان سليم فتى يانعا . لقد كبر وكبر الأولاد في المنافي التي ضاقت بها الأمكنة ، وهو لا يريد سوى بيته الصغير " بيت صغير ... لم أره ، لم يراني ، لكن جدتي التي طرزته لي ذات مساء قالت : إنه يحفظني عن ظهر قلب ، كما التلاميذ تتلو النشيد " .
" هذا سؤال أقذفه بوجه الكون ، وأضيف ثلاثا من حلفاني : بالله وبيتي ودمي الغالي "
" يا الله تعبنا ... يا الله ارحمنا .. يا الله : لا تدخلنا تجربة أخرى "
وكم تجربة عاشها أهل غزة بعد العام 2014 ؟
هل نجا سليم النفار حين ارتقى في بداية هذه التجربة الأقسى ؟
" من ارتقى فقد نجا " صار أهل غزة منذ طوفان الأقصى يرددون .
و ... و ... .
٤ / ٨ / ٢٠٢٥
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية هو
إميل حبيبي وثيودور هرتسل
هل قرأ إميل الترحمة العربية أو العبرية لرواية هرتسل وأخذ ينقضها؟
ثمة صراع خطابات -حرب على جبهة الأدب.لماذا فجروا غسان كنفاني؟
قال محمود درويش يخاطب فدوى طوقان :
نحن يا اختاه لا نكتب أشعارا
ولكنا نقاتل
لروح محمود درويش الطمأنينة ولروح إحسان عباس ومحمد القيسي وناجي العلي.
في آب اللههاب فقدنا كتابا عديدين
٢٠١٢
٢
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
محمود درويش في ذكراه :
نصوصه الحاضرة في حرب غزة
عادل الأسطة
حضر محمود درويش في الأشهر الأخيرة كما لم يحضر منذ رحيله في ٢٠٠٨ ، إذ منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ لم يمر يوم دون أن يقتبس الناشطون الفيسبوكيون قصيدة له أو مقطعا من قصيدة ليدرجوها في صفحاتهم أو ليضمنوها في منشوراتهم ، وقد حضرت النصوص التي كتبها في الأحداث الكبرى التي مر بها الفلسطينيون ، مثل حرب ١٩٦٧ وحرب ١٩٨٢ وانتفاضة ١٩٨٧ وانتفاضة ٢٠٠٠ أكثر مما حضرت أشعاره التي صدرت في مرحلة السلام ١٩٩٤ - ٢٠٠٠ وبعد العام ٢٠٠٤ . بل يمكن القول إن الأشعار التي راهن عليها لتكون صوته ، مثل " جدارية " و " سرير الغريبة " و " لا تعتذر عما فعلت " و " كزهر اللوز أو أبعد " ، لم تحضر إلا قليلا جدا .
علينا ألا ننسى أن بعض قصائد الدواوين المذكورة - مثل "درس من كاما سوطرا " / " انتظرها " و " فكر بغيرك " و " تنسى كأنك لم تكن " ومثلها قصيدة " لاعب النرد " التي ظهرت في آخر ديوان له - شاعت بعد وفاته ، وهو ما لفت نظر عباد يحيى فكتب عن الظاهرة في روايته " رام الله الشقراء " ( ٢٠١٣ ) تحت عنوان " في استغلال الغياب " متأثرا بعنوان كتاب الشاعر النثري " في حضرة الغياب " متسائلا عن سر الهوس الغريب تجاه قصيدة " درس من كاما سوطرا " والتعامل مع درويش كمشاع للجميع : " ولكن لا أفهم استخدامه وأشعاره في كل الأغراض وتحديدا الخسيسة بسفور واضح " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " .
أنا واحد ممن كتبوا يوميات عن الحرب الدائرة ، وقد حضرت أشعار الشاعر فيها حضورا جعلني أفكر في الظاهرة وأتساءل :
- لماذا لم تحضر قصائده التي راهن عليها شاعرا ، فيما حضرت أشعاره المرتبطة بالقضية الفلسطينية التي واكبت أبرز منعطفاتها وأخطر أحداثها ؟ ومثلها نصه النثري " صمت من أجل غزة " . أيعود السبب إلى تشابه الحالة ، فالشبيه يستحضر الشبيه ؟
ربما !
[ نادرا ما عدت في الحرب إلى " جدارية " و " لا تعتذر عما فعلت " و " كزهر اللوز أو أبعد " أو حتى إلى " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " وأيضا إلى يوميات " أثر الفراشة " و " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " ، وغالبا ما عدت إلى " آخر الليل " و " محاولة رقم ٧ " و " أعراس " و " مديح الظل العالي " و " ورد أقل " و " هي أغنية .. هي أغنية " و " حالة حصار " وأعدت وغيري نشر فقرات من نصه " صمت من أجل غزة " . هل هناك سبب آخر غير " الشبيه يستحضر الشبيه " ؟ مثلا أنني عشت مع الدواوين الأخيرة المذكورة أكثر من الدواوين الأخرى ؟
ربما ! ] .
في الأيام الأخيرة أعدت قراءة " أثر الفراشة " ، وكنت قرأت ، من قبل ، بعض قصائده وكتبت عنها مقالة نقدية رصينة ، وأعني قصيدة " اغتيال " . كما توقفت أمام قصيدته " إدمان الوحيد " ، واستحضرت ، في بداية الحرب ، قصيدته في هدى أبو غالية " البنت / الصرخة " ، ولا أتذكر أنني بعد استحضارها ضمنت يومياتي أي مقطع آخر من المجموعة ، بخلاف مجموعة " حالة حصار " الأكثر استحضارا واقتباسا .
ماذا لاحظت وأنا أعود إلى " أثر الفراشة " ؟ وماذا فعلت ؟
لقد لاحظت أن هناك يوميات عديدة منها تناسب ما نعيشه في الحرب ويمكن اقتباسها وإدراجها ؛ يوميات لم تناسب فترة ٢٠٠٧ - ٢٠٢٣ التي ناسبتها قصيدة من الديوان ظلت تتكرر بشكل لافت هي " أنت ، منذ الآن ، غيرك " التي كتبها إثر أحداث غزة في ٢٠٠٧ .
من هذه القصائد ، عدا قصيدة " البنت / الصرخة " التي استحضرت في حروب غزة المتعاقبة ، قصائد " نيرون " و " العدو " و " البيت قتيلا " . إنها تقول للمرء ، حين يقرؤها في هذه الأيام ، إن الشاعر حي كتبها في هذه الحرب .
آل مصير آلاف الأطفال في غزة إلى مصير هدى ، فصاروا بلا أهل . فقدوا العائلة ووجدوا أنفسهم دون أسرة .
وفي " العدو " ، في العام ٢٠٠٦ ، تذكر الشاعر العام ١٩٨٢ حيث " حدث لنا شيء مما يحدث الآن . حوصرنا وقتلنا وقاومنا ما يعرض علينا من جهنم . القتلى / الشهداء لا يتشابهون . لكل واحد منهم قوام خاص ، وملامح خاصة ، وعينان واسم وعمر مختلف " .
وفي ( نيرون ) يتساءل الشاعر عما يدور في باله وهو يتفرج على حريق لبنان وحريق العراق وحريق فلسطين وحريق العالم " " أنا صاحب القيامة " . ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير ، لأنه لا يريد لأحد أن يرى النار المشتعلة في أصابعه ، عند نهاية هذا الفيلم الأمريكي الطويل !" .
وفي " البيت قتيلا " تنتهي حياة بيت كاملة . البيت قتيلا هو أيضا قتل جماعي حتى لو خلا من سكانه " وهو ما آل إليه في هذه الحرب قطاع غزة كاملا . لقد صار القطاع كله بيتا قتيلا .
لماذا لم ننتبه من قبل كثيرا إلى قصائد مثل هذه ؟
ربما هي اللحظة التاريخية التي تستحضر نصوصا معينة لم يكن يحتفل بها في لحظة مختلفة !
( الخميس والثلاثاء والأربعاء ٢٥ و ٣٠ و ٣١ / ٧ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٤ آب ٢٠٢٤ ) .
٣
خفة الكائنات غير المحتملة 19:
الكائنات غير المحتملة لا تمل من التكرار،ولسوف تصبح أنت كائنا غير محتمل ﻷنك ستقع فيما وقعوا فيه وما زالوا يقعون .
مثلا لن يمل الآخرون من تكرار فكرة دراسة اﻷدب العربي في ألمانيا أو فكرة تخصصك :
- أأنت متخصص في النقد الحديث أم في اﻷدب الحديث أم في اﻷدب المقارن ، وفكرة الحصول على الترقية وعدد النقاط .
لقد مر على هذا كله ما لا يقل عن عقدين أو عن عقد من الزمان . وقد يتدخل الطلاب في اﻷمر مرسلين من الصغار أخلاقا وعلما الذين لا ينتجون إلا ما تنتجه ثقافتنا المتخلفة في الحارة والمخيم والقرية .
هل أنت مغرور حين تغيظهم :
- أعطوني أستاذا واحدا في جامعاتكم كلها ،في أقسام الأدبين العربي واﻷنجليزي ، وفوقها قسم الادب الفرنسي ، أنتج ما أنتجت ؟
أحيانا تقول في المحاضرات :
- لو وضعنا نتاج أساتذة أقسام اﻷدب العربي كلها ، في جامعاتنا في الضفة والقطاع ، في كفة ونتاج د.إحسان عباس - لا إحسان...- في كفة لرجح نتاج إحسان عباس كما ونوعا وتنوعا أيضا .
وغالبا ما تكرر وهم غالبا ما يكررون . لا يملون ، وحين تنظر في أمر من يتقنون لغة ما تتساءل :
- ماذا قدموا من نتاج أو من ترجمات .
هل تتقن اﻷنجليزية أو اﻷلمانية أو العبرية؟
لا تمل الكائنات من السؤال وهي لا تتقن في اﻷصل لغتها القومية .
اﻷجواء هذ الصباح ، الرابع من آب حارة وحارة جدا ومع ذلك لم تسأل إدارات جامعاتنا بعض من ذهبوا ليدرسوا تخصصا ما ، لم تسألهم :
- ماذا أنجزتم في تخصصكم ؟ ولماذا لا تدرسونه فيفيد الطلاب من علمكم الجم ؟
٢٠١٥
٤
خفة الكائنات غير المحتملة 20 :
ماذا تفعل في هذا الصباح القائظ ؟
الكل يشكو من اﻷجواء شديدة الحرارة .
حديث الناس في الضفة الغربية أكثره يدور حول أمرين هما جريمة المستوطنين وأجواء آب . آب اللهاب حقا . السائق الذي استقللت حافلته أراد أن يكرمك فطلب من الراكب الذي يجلس إلى جانبه أن يترك مقعده وأن يجلس في المقعد الخلفي . ستقول له :
- إن هي إلا دقائق ولا ضرورة لإحراج الشاب .
السائق لا يعرف الصمت ويحب أن يتكلم دائما . أحيانا يكون كلامه مشفرا وأحيانا يؤشر ويشبر .
أنت تضحك لتذاكيه وتقول له :
- لولا ذكاء العرب الزائد عن حده لكنا الآن خارج التاريخ وأسفل سافلين ولكن الله - جل وعلا - قدر وستر وأرادنا خير أمة .
الحديث ذو شجون وأنت تعرف إخوة السائق الذي يسألك إن كانوا يراعونك إذا ما اشتريت منهم فتجيبه بأنك تمر عليهم ، فيعترض عليك نحويا ويصححك :
- قصدك عندهم .
هل أخطات أنت وكان عليك أن تتعلم الفصحى لتخاطب بها السائق ؟
ماذا تقول للسائق ؟
تتذكر بيت الشعر :
" تمرون الديار ولا تعوجوا "
وتقول للسائق :
- ها هو الشاعر أسقط حرف الجر ،
ثم تسأله :
- هل تعرف تميم البرغوثي؟
هل تصغي إلى قصيدة في القدس؟
السائق يقول :
- هل هو ذو الشعر الطويل الملقى على كتفه .
وتجيبه :
- نعم هو .
ويرد السائق :
- هو الذي يقول :
" يا كاتب التاريخ " .
وتسأل السائق :
- وماذا يقول في مطلع القصيدة ؟
ولا يعرف السائق المتذاكي دائما . لا يعرف فتقرأ له بيت تميم :
" مررنا على دار الحبيب فردنا عن الدار قانون اﻷعادي وسورها ".
هل توقف السائق المتذاكي عن تذاكيه؟وتقول له :
- التكرار يعلم الحمار ، وبعض البشر لا يتعلمون .
٢٠١٥
٥
على هذه الأرض ما يستحق الحياة ، تردد أبريل ، رائحة الخبز في الفجر ، أراء امرأة في الرجال ، كتابات اسخيلوس ، أول الحب ، عشب على حجر ، أمهات تقفن على خيط ناي و .....
و ..............
وخوف الغزاة من الذكريات
( محمود درويش )
تمهيد لكتاب " حزيران الذي لا ينتهي :شظايا ذاكرة 1967-1982 " .
٦
أمشي كأنني واحد غيري :
( حزيران الذي لا ينتهي )
مقدمة كتابي الجديد "حزيران الذي لا ينتهي: شظايا ذاكرة 1967- 1982 " (2018 )
كثيرة هي الروايات التي يلجأ كتابها فيها إلى خدعة ما ، كأن يخترعوا ، مثلا ، شخصية وهمية يقولون ، من خلالها ، ما يريدون قوله ، وربما كانت المقامات ، في الأدب العربي القديم ، مثالا جيدا على هذا . لقد اخترع بديع الزمان الهمذاني راويا هو عيسى بن هشام وتركه يقص الحكايات / المقامات ، كما لو أنه يريد أن يدفع عنه أي اتهام ، أو أن يرد عنه أي أذى يمكن أن يلحق به ، لو تشابهت أحداث مقامة ما مع حدث معيش مشابه . وربما لم يكن هناك إمكانية لأن يبدأ صاحب المقامات كتابه بما يلجأ إليه الكتاب المعاصرون حين يصدرون رواياتهم التصدير المألوف ، درءا لأية إشكالية قد تلم بهم " أي تشابه بين شخصيات هذه الرواية وشخصيات في الواقع تحمل الاسم نفسه هو مجرد صدفة " .
هكذا أعفى صاحب المقامات نفسه من أية مساءلة ومن أية مسؤولية تترتب على تشابه ما في المقامة والمحيط ، ولم تكن فكرة المؤلف الضمني شائعة ومعروفة في حينه ، حتى يقال إن عيسى بن هشام هو المؤلف الضمني للمقامات ، وأما بديع الزمان فهو كاتبها ، وثمة اختلاف بين الكاتب الحقيقي والمؤلف الضمني .
والحقيقة أن فكرة المؤلف الضمني التي كتب عنها ( واين بوث ) في كتابه عن فن الرواية ، ما زالت موضع جدل بين النقاد ، وما زالت تثير أسئلة عديدة حولها ، بل وتثير جدلا حادا ، فمن ناقد يأخذ بها ويدافع عنها ، ومن ناقد يراها مجرد لعب فني ، وأنه لا فرق بين المؤلف الضمني والمؤلف الحقيقي ، ومن الأخيرين الناقد الجزائري عبد الملك مرتاض في كتابه " نظرية الرواية " 1998 .
شخصيا لم أرفض فكرة المؤلف الضمني ولم آخذ بها على أنها مقولة مسلم بها ، وقد ظللت أسائلها وأفكر فيها منذ سمعت بها ، وتحديدا في العام 1990 ، وكلما قرأت رواية أخذت أنظر في السارد واحدد طبيعته وأبحث عن كينونته الخاصة ، إن استطعت تحديدها ، وأخذت أنظر أيضا في الشخصيات الروائية وفي ملامحها الخاصة ، لأرى مدى اقترابها من المؤلف الروائي / الكاتب وابتعادها عنه ، وقادني هذا إلى كتابة دراسات تطبيقية في الموضوع ، تتبعت فيها ما أعرفه عن الكاتب وما ورد عن المؤلف الضمني في روايته ، بل وأخذت أنظر في الشخصيات الروائية نفسها ، لأطابق أو أمايز بين : الكاتب الروائي والسارد أو المؤلف الضمني والشخصية الروائية ، وهؤلاء الثلاثة قد يتطابقون ، فيكونون شخصية واحدة ، بخاصة في رواية السيرة ، وقد يختلفون ، فيكونون ثلاثة مختلفين ، لا صلة بينهم . وما ذهبت إليه كان نقاد سابقون توقفوا أمامه ، وربما تعود أهمية ما كتبت إلى أنني فتحت بابا في هذا الأمر في الأدب الفلسطيني ، في داخل فلسطين ، إذ لا أعرف من نقادنا من التفت إلى الأمر وتوسع فيه ، وكانت دراستي لرواية إميل حبيبي " خرافية سرايا بنت الغول : إشكالية المؤلف والراوي والشخصية ،" ( مجلة مشارف الحيفاوية ،حزيران ،ع16 1996 ) واحدة من تلك الدراسات .
وظل الموضوع يشغلني عموما ، وفي تناولي الأخير لرواية الكاتب اللبناني إلياس خوري " أولاد الغيتو،اسمي آدم " ( مقال الأحد ، آذار ونيسان وايار وحزيران وتموز وأب 2016 ) بحثت عن إلياس في روايته من خلال بطلها آدم ، وتساءلت عن الفارق بين الروائي وبطله ، وقادني هذا إلى كتاب الناقد السوري المعروف جورج طرابيشي الذي ألف كتابا عنوانه " الروائي وبطله ، مقاربة اللاشعور في الرواية العربية " 1995 ، وفيه لا يذهب إلى التوحيد بين البطل الروائي والكاتب . إنه يقارب لاشعور البطل باعتباره مستقلا عن خالقه .
وستظل فكرة المؤلف والمؤلف الضمني تلح علي ، وسأظل أسائلها واقاربها . هل شهرزاد هي المؤلف الضمني لكتاب " ألف ليلة وليلة " الذي لا نعرف مؤلفه الحقيقي؟ وعليها قس .
وأنا أكتب " حزيران الذي لا ينتهي " ، خلال أشهر حزيران وتموز وبدايات آب ، وجدتني أكتب بطريقة أبدو فيها كاتبا ساخرا ، بل وساخرا من الذات أيضا ، وهذ السخرية ليست طبعا أصيلا في ، فأنا شخص جاد ولا أميل إلى السخرية ، وهكذا وجدت فارقا بين طبيعتي وبين الشخص الذي يبدو في النص . كأنني واحد غيري .
وأنا أتراسل مع إحدى صديقات الفيس بوك ، لمدة ساعة ، وجهت لي نصائح وسألتني عن أحوالي . ووجدتني أكتب لها إنني أعيش أقسى درجات العزلة وأقصاها أيضا ، وإنني لم أعد أرى أفقا .إننا في ورطة في عالم العبث واللاجدوى الذي يعيشه العالم العربي ، وكانت كتابتي ردا على سؤال تسألني فيه عن قدرتي خلق قدر من الانسجام في حياتي ، وكيف أستطيع أن أعيش بقدر من الانسجام في ظل المحيط القاسي والمؤلم .
سأكتب لتلك الصديقة : إن ما يبدو في سلسلة " حزيران الذي لا ينتهي " لا يعكس شخصيتي أنا ، فأنا جاد ولست ساخرا ، ولكن روح شعبي تلبستني وأنا أكتب ، وهذه السخرية وتلك الدعابة التي في النص هما ما يبدوان لدى بعض أبناء شعبي ، وغالبا ما كنت ، وأنا أكتب ، استحضر شخصياتهم وروحهم .
هل ما سبق يوضح فكرة المؤلف الضمني ، لي ولغيري ، وهل أصبحت أكثر اقتناعا بأن المؤلف الضمني هو غير الكاتب ؟
هذه الكتابة هي شظايا ذاكرة ، وقد كنت كتبت بعضها في بعض قصصي ، وقد كنت شرعت في كتابتها في العام 1979 / 1980 ، فنشرت ثلاث رسائل ، في جريدة الفجر ، تحت عنوان " رسائل من المخيم ، وبقلم : عادل الراوي " ، وكنت يومها واقعا تحت تأثير رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " .
وكما كتب محمود درويش في إحدى قصائد " لا تعتذر عما فعلت " 2003 :
أنا ملك الصدى
لا عرش لي إلا الهوامش . والطريق
هو الطريقة ، ربما نسي الأوائل وصف
شيء ما أحرك فيه ذاكرة وحسا
**********
لما كتب إميل حبيبي روايته " المتشائل " لاحظ بعض قرائها أنه يقلد رواية ( فولتير ) " كنديد " ما دفعه لأن يرد عليهم في الجزء الثاني ، وكان هؤلاء القراء قالوا " تحفز الأستاذ ليشب ، فوقع دون كنديد مائتي عام " - أي أن إميل كتب بأسلوب القرن الثامن عشر ولم يأت بجديد .( انظر دراستي عنها في كتابي " أوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني " 2015 )
*****
هذه الكتابة كتبتها مباشرة على الفيس ، ولم أجر عليها تعديلات إلا فيما يمس الأسلوب والأخطاء الطباعية.
4 / 8 / 2016
٧
خليل النعيمي ومحمد شكري ٦ :
ما الذي يبقى من سيرة محمد شكري " الخبز الحافي " في الذاكرة الخداعة ؟
تعد " الخبز الحافي" حتى تاريخ صدورها أجرأ سيرة ذاتية في الأدب العربي ، فمؤلفها لم يخف ولم يوار وكتب عن حياته القريبة من حياة الصعاليك . كتب عن فقره وتشرده وبعض شذوذه ، وكتب عن قضاء ليال بلا مأوى حيث نام في المقابر ، وقد كتب هذا كله بلغة بسيطة سهلة شبه ركيكة لم ترق للروائي الطاهر وطار الذي رأى فيها نقيض ما رآه آخرون .
بكتب خليل النعيمي أيضا عن طفولته وجوعه وفقره وخوفه . يكتب عن التحاقه بالمدرسة التي كانت في الأصل اصطبل خيول ، ويكتب أيضا واصفا مشاعره التي تلم به حين يرى الآخرين يأكلون وهو ينظر إليهم ، ولا تخلو روايته " القطيعة " من مشاهد جنسية ومفردات تلحق بها . هنا يبدو النعيمي جريئا جدا ، ويكون سبق مجموعة من الكتاب والكاتبات الذين حفلت نصوصهم بتعبيرات جنسية ربما خلا منها الأدب العربي الذي كتبه طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف القعيد ويوسف ادريس وجمال الغيطاني وحنا مينه وغيرهم .
ربما تذكر المرء وهو يقرأ بعض المقاطع روايات كاتبات خليجيات ولبنانيات كتبن في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بجرأة كبيرة . ولسوف يتذكر المرء صبا الحرز " الآخرون " وسلوى النعيمي " برهان العسل " وعلوية صبح "مريم الحكايا " وزينب حفني " ملامح " ووردة عبد الملك " الأوبة " .
في بداية القسم الثاني من الرواية يقرأ المرء أربع صفحات تقريبا يصف فيها أنا المتكلم حالته وهو يتابع شخصا اسمه عمر الأخرش يأكل علب السردين ويتلمظ ويبلع ريقه ، فيم يتوق أنا المتكلم / خليل إلى علبة السردين عله يظفر بها فارغة ليحصل ولو على بقايا زيت منها يدهن به خبزه ، ولكن عمر يرمي على مرأى من خليل العلبة الفارغة في النهر ، فيغتاظ خليل ويكاد الاثنان يتعاركان .
وأنت تقرأ هذه الصفحات تتساءل إن كان هذا حدث ، ولا يزيل حيرتك إلا ما كنت تسمعه عن الفقر أيام السفربرلك حيث بحث الناس عن الشعير في روث الإبل .
إن كنت قرأت بدر شاكر السياب وقصائده الاجتماعية مثل " المومس العمياء " و" حفار القبور " فسوف تتذكرها وأنت تقرأ " القطيعة" ولسوف تتذكر أكثر قصيدة " أنشودة المطر " والسطر الدال فيها " ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " وحين تتابع القراءة عن الإقطاعي ابن جليوي الذي يملك كل شيء لدرجة التخمة، في حين يجوع الآخرون ، ستتذكر الغربان في القصيدة ؛ الغربان التي يؤول الخير كله لها .
في القسم الثاني من "القطيعة " تبدأ القراءة عن السياسة والوحدة والمظاهرات وأبوعمار ، ولكن أبو عمار هنا ليس أبو عمار الفلسطيني .
فيما يخص لغة "الخبز الحافي " ولغة "القطيعة " فإن هناك بونا شاسعا بينهما ؛ من لغة الواقع، اللغة البسيطة الخالية من الصنعة والزخرف والسجع والجناس إلى لغة تحفل بهذا كله وتبدو في كثير من مقاطعها خارجة من لغة التراث العربي القديم وتحديدا لغة المقامات والمعري .
٨
الست كورونا : مهن جديدة ويافا قبل الكورونا ( ٤٢ )
وأنت تسير في شوارع نابلس تلحظ فيها ظاهرة جديدة هي ظاهرة بيع الكمائم / الكمامات ، فالكمائم كانت من قبل انتشار الوباء تباع في الصيدليات أو في متاجر معينة ، وأمس أرسل إلي ابن الخالة Muneer Quqa شريطا قصيرا جدا لمتجر يبيع الكمائم فقط . مجسدات رؤوس بالعشرات عليها أشكال وأنواع متعددة من الكمائم ، ولما شاهدته قلت إن الحكاية طويلة وأطول من أغنية عبد الحليم حافظ الذي طلب منه الحضور إن يكرر مقطعا فأجاب " لسه طويلة " ، وثمة من أرسل إلي مقطعا فحواه أن الكورونا لن تنتهي قريبا وأنها قد تصيب ثلثي سكان العالم .
على الرغم من ارتفاع عدد الإصابات في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ ومناطق السلطة الفلسطينية إلا أن سكان المناطق الأخيرة غزوا حيفا ويافا مصرين على أن فلسطين هي فلسطين كما كتب عنها الشاعر أحمد دحبور :
" وفلسطين ليست فلسطين
إلا إذا طلبت كاملة " .
تسامح أبناء العمومة وتغاضوا عن التصاريح فسمحوا لمن يرغب بزيارة فلسطين بالدخول ، وبيع ساندويتش الشاورما ، كما أخبرني راكب في الحافلة ، بخمسين شيكلا ، ودخل إلى الخزينة الإسرائيلية ملايين الشواكل من فلسطينيي الضفة الغربية الذين يشكون باستمرار من قلة ما في اليد .
يبدو أن حب يافا وحيفا فوق أي اعتبار ؛ فوق الخوف من العدوى بالكورونا وفوق دفع فواتير الكهرباء والماء للبلدية .
يشكون من القلة وينفقون بسخاء وطز في فواتير الكهرباء والماء .
لقد كتبت من قبل إن قوة حب الحياة أقوى ، وصرنا مثل فلسطينيي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ كما كتبت عنهم Emtiaz Diab قبل أعوام في مجلة " الكرمل " ، صرنا مدينين للبنوك ، علما بأن ما ننفقه ينفق غالبا فشخرة وتباهيا وادعاء وتظاهرا - يعني نحن " عريانيين وبنضرط لحف " .
هل أخطأ محمود درويش أم أصاب حين كتب :
" ونحن نحب الحياة إذاما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين .. نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا " ؟
- نرقص بين موجتي كورونا خفيفة مازالت وثقيلة قادمة ... إلخ .
٤ آب ٢٠٢٠
٩
إنك لعلى خلق عظيم :
من الأقوال التي أرددها وأنا أنظر في سلوك كثيرين ، من البشر العاديين إلى المثقفين وحملة الشهادات العليا ، قوله تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ، وجل وعلا لم يتبعها بعبارة أخرى مثل " وإن كثيرين لعلى خلق قليل " ، علما بأن من يبحث في النص القرآني لن يجد صعوبة في العثور على آيات عن ذوي الخلق السيء .
لم يخل الشعر العربي القديم من أبيات كثيرة تذم ذوي الخلق السيء . وقصيدة ذو الإصبع العدواني واحدة من القصائد التي يمكن الاستشهاد بها ، ومثلها قصيدة المقنع الكندي .
" فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي ، بنيت لهم مجدا "
والرأي يجب أن يناقش حقا .
عندما أصدرت روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " في العام ١٩٩٣ صدرتها بفقرة من كتاب " رحلات هاينة في أوروبا " ( Reisebilder ) للكاتب الألماني ( هاينرش هاينة ) الذي يتشابه في تحوله من دين إلى دين ثان مع أحمد فارس الشدياق .
" أنا أكثر الناس تهذيبا في العالم "
و
" أعترف بأني لم أكن غليظا على ظهر هذه الأرض وفيها من السخفاء الذين لا يحتملون " .
وكثير من الناس سخفاء ، وليس هذا تكبرا على الإطلاق ، ولقد كتبت كثيرا عن " خفة الكائنات غير المحتملة " .
لا أريد أن أفسد على الناس فرحتهم ، فأمس احتفل أهالي الطلبة الناجحين في التوجيهي بنجاح أبنائهم ، وأظن - ويعتقد كثيرون مثلي - أن طرق الاحتفال كانت بدائية وغوغائية ومزعجة ولا أقول مرعبة ، فقد اعتدنا على هذه الطريقة الفجة والمزعجة في الاحتفال ، وكلما علا الصوت وكثر الضجيج ضاع العقل والمنطق و ... .
ما عاد التوجيهي يقدم أو يؤخر ، فالشهادة الجامعية الأولى - أي البكالوريوس ، لم تعد تسوى شيئا ، ومثلها شهادة الماجستير ، وأحيانا شهادة الدكتوراه ، وأن تحمل دكتوراه فلا يعني أنك على خلق عظيم ، وقد تكون على خلق وضيع .
هل أخطأ ( جان بول سارتر ) حين ردد عبارته " الآخرون هم الجحيم " ؟
بعض الناس ممن تعاملهم باحترام يدفعونك إلى مراجعة طريقة تعاملك معهم . إنهم أفظاظ سيئون لا يستحقون أدنى قدر من المعاملة الحسنة ، وكلما أحسنت إليهم اساؤوا إليك .
كم عصر تنوير نحتاج إليه ؟!
يقول مثلنا " العقل زينة واللي بدونه حزينة " ولطالما كررنا قول أحمد شوقي :
" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت "
وقد يسأل سائل :
- عن أي أخلاق تحدث أمير الشعراء ( - هل ثمة أمير ووزير وجندي وبطل في الشعر ؟) .
لا جديد . وفي كل عام في مثل يوم أمس تطلق الأيادي ، بلا حساب ، الألعاب النارية تعبيرا عن فرح مفترض ، وتنفق مئات آلاف الشواكل ، وربما ملايين ، من شعب لم يتحرر بعد ، شعب نصف سكانه ما زالوا في المنافي لاجئين فقراء بائسين .
الآن هدأت الجبهة الداخلية ولا بد ... .
لا بد مما ليس منه بد ، وصار كثيرون يفاضلون بين بقاء السلطة وعدم بقائها ، وربما لسان حال رجال السلطة " ما بتعرف خيري إلا لما تجرب غيري " . ودرجة الحرارة في هذه الأيام مرتفعة ، والكلام كثير !!
٤ آب ٢٠٢١.
١٠
يوميات غزة ( ٣٠٣ ) :
أنور السادات وعام الحسم
في صفحته كتب مهدي زلزلي يخاطب المتعجلين المنتظرين ضربة إيران للكيان الإسرائيلي بأن يصبروا قليلا - ثمانية وأربعين ساعة مثلا ، فقد صبروا منذ العام ١٩٤٨ وتأخر ردهم .
لم العجلة وفي التأني السلامة ومن تأنى نال ما تمنى ؟
هل تذكرون خطابات الرئيس المصري المرحوم أنور السادات في العامين ١٩٧١ و ١٩٧٢ عن عام الحسم ؟
حدد السادات العام ١٩٧١ عام حسم ، ومر العام دون حسم .
وعاد وكرر الخطاب ذاته في العام ١٩٧٢ ولم يكن العام عام حسم وصرنا نتندر . حال الضباب دون الحسم وحال وحال وصار الرئيس موضع سخرية وتهكم .
عندما وقعت حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣ لم نصدق ثم رأينا في الزعيم المصري ثعلبا مخادعا .
سهر كثيرون ليلة أمس حتى صاح الديك فملوا وذهبوا إلى فراشهم خائبين ، وأما أنا فعادت ذاكرتي إلى ما قبل حرب أكتوبر ١٩٧٣ .
قبل قليل قرأت عن انفجار في وسط البلاد وكتب أحد الإعلاميين النشيطين في صفحته بالحرف السميك على خلفية حمراء
تل أبيب
رحم الله الشاعر الأردني / الفلسطيني أحمد المصلح الذي تساءل في سنوات الحسم :
" يأتي أو لا يأتي ؟!
يأتي وتباركه الصحراء
في لحظة هدم وبناء " .
هل يتذكر أدباء رابطة الكتاب الأردنيين القدامى من نعتوه بالبعير الثقافي ؟
أما أنا فنسيت من هو ؟
٤ / ٨ / ٢٠٢٤
١١
يوميات غزة ( ٣٠٣ ) :
غزة تحترق
ما إن صحوت في الرابعة فجرا ، لأذهب إلى الحمام وأفحص نسبة السكر في الدم ، حتى وجدتني أبحث عن آخر أخبار الحرب .
رشقة صاروخية من جنوب لبنان نحو المستوطنات الإسرائيلية في الشمال الفلسطيني ، وغارات بالطائرات الإسرائيلية على خيام النازحين قرب مستشفى الأقصى في وسط قطاع غزة . كانت الخيام تحترق والمسعفون يسعفون من استطاعوا إسعافه . إنها محرقة ! إنها محرقة يا الله وإسرائيل تستعجل إرسال الفلسطينيين إلى الجنة ، وتصر ابتداء على أن تدخلهم إلى المطهر ف إن كل إلا واردها - أي النار .
و ( نيرون ) المعاصر . شمشون المعاصر قرر أن يهدم المعبد عليه وعلى أعدائه . لقد اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي قراره بالتخلي عن الأسرى الإسرائيليين ، لينفذ ما يتطلع إليه : غزة وقد ابتلعتها النيران لا البحر . بحر من النيران في خيام النازحين . يا الله ! ماذا يفعل مليونا مواطن غزاوي لا حول لهم ولا قوة ولا سلاح بأيديهم . مليونا مواطن لم يشعروا منذ ٣٠٠ يوم ويومين بلحظة أمان واحدة ؟!!
غزة تحترق ويبدو أن المعبد كله ستطاله النيران ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ! ( يوم يفر المرء من .... ) . هوذا الوضع في غزة .
فجر ٤ / ٨ / ٢٠٢٤
١٢
البطولة أيضا مثل المعلبات . لها تاريخ انتهاء صلاحية .
هل تتذكرون الأسطر التي نسبت إلى محمود درويش ؟ الأسطر التي غنتها المطربة اللبنانية كارول سماحة " ستنتهي الحرب ويتصافح القادة " وأثارت جدلا دفعني لأنفق أكثر من شهر أبحث عن قائلها ، فكتبت ست مفالات أحسن من كتاب ونشرتها في جريدة الأيام الفلسطينية ! ( آذار ونيسان ٢٠٢٣ ) .
لمحمود درويش قصيدة نثرية عنوانها " واجب شخصي " / يومية ، نشرها في يوميات " أثر الفراشة " ٢٠٠٨ ، وغالبا ما أخطيء في التاريخ فأكتب ٢٠٠٦ . " واجب شخصي " ليست بعيدة في فكرتها عن أسطر " ستنتهي الحرب " . إن روحها روحها . من خوطب في المعارك على أنه بطل ، وعاد مبتور اليد ، احتفل به ليوم ثم عاد يمارس حياته بلا يد ولم يجد ، بعد الاحتفال ، أحدا حوله ، فصار عليه أن يخدم نفسه . صارت بطولته منتهية الصلاحية مثل علبة معلبات .
ها هي القصيدة النثرية / الأصح اليومية .
محمود درويش :
" واجب شخصي "
هتفوا له : يا بطل ! واستعرضوه في
الساحات . نطت عليه قلوب الفتيات
الواقفات على الشرفات ، ورششنه بالأرز
والزنبق . وخاطبه الشعراء المتمردون على
القافية بقافية ضرورية لتهييج اللغة :
" يا بطل ! انت الأمل " . وهو ، هو
المرفوع على الأكتاف راية منتصرة ، كاد
أن يفقد اسمه في سبيل الأوصاف .
خجول كعروس في حفلة زفافها . " لم أفعل
شيئا . قمت بواجبي الشخصي ". في صباح
اليوم التالي ، وجد نفسه وحيدا يستذكر
ماضيا بعيدا يلوح له بيد مبتورة الأصابع
" يا بطل ! انت الأمل " . يتطلع حوله
فلا يرى أحدا من المحتفلين به البارحة .
يجلس في جحر العزلة . ينقب في
جسده عن آثار البطولة . ينزع الشظايا
ويجمعها في صحن تنك ، ولا يتألم ...
" ليس الوجع هنا . الوجع في موضع آخر .
لكن من يستمع الآن إلى استغاثة القلب "؟
أحس بالجوع . تفقد معلبات السردين والفول
فوجدهما منتهية الصلاحية . ابتسم وغمغم :
" للبطولة أيضا تاريخ انتهاء صلاحية ".
وأدرك أنه قام بواجبه الوطني " .
يوميات غزة ( ٣٠٣ )
١٣
غزة 668 :
مساعدات لذر الرماد في العيون
حسب ما قاله في هذا الصباح محمد الأسطل مراسل إذاعة أجيال فإن ما وصل إلى قطاع غزة من مساعدات ليس أكثر من لفتة إعلامية لذر الرماد في العيون وتبرئة ذمة الحكام والمسؤولين أمام شعوبهم . Mohamed Omran Astal
محمد حكى قصصا مروعة عن الباحثين عن مساعدات ورحلة الموت التي يقومون بها ، وأكثر هذه القصص تأثيرا قصة الطفل الذكر الوحيد بين سبع أخوات . ذهب الطفل ، ليحصل على كيس طحين أو رز ، ففقد حياته أمام إصراره ألا يعود إلى أخواته إلا ومعه ما يطعمهن . غالبا ما تكون قصة الذكر الوحيد بين سبع أخوات مأساوية ! غالبا وليس دائمآ !
أطرف شريط شاهدته أمس ، ولعله من إنتاج الذكاء الاصطناعي ، أرسله إلي من أمريكا نسيبي مصطفى عوينات Mustafa Yousef Owaynat وفيه يتحدث الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) إلى الصحافة . يتهم ترامب في الشريط إسرائيل بأنها مسؤولة عن قتل 60 الف فلسطيني وان عليها أن تدفع ثمن ذلك . هل برمج الشريط على غرار شريط الرئيس الذي خاطب فيه دول الخليج قائلا لهم أنتم أثرياء ونحن نحارب عنكم ويجب أن تدفعوا . You must pay ؟
ولله في ( ترامب ) شؤون !
أمس عرفت ان الكاتب الإسرائيلي ( دافيد غروسمان ) صاحب كتاب " الزمن الأصفر " الذي كتبه في الانتفاضة الأولى ووازن فيه بين مسنة فلسطينية ومعاناتها وبين جدته التي نجت من الهلوكست / الإبادة ، أمس عرفت أنه أقر أخيرا بأن ما يجري في غزة هو فعل إبادة كما الهولوكست ، وهو الموقف نفسه الذي تبناه الكاتب الإسرائيلي الشجاع ( جدعون ليفي ) " إن إنكار ما يجري في غزة ليس أقل حقارة من إنكار الهوالوكست " .
لا أحد يتعلم على ما يبدو . شوارع المدن الكبرى في العالم تزدحم بالمتظاهرين وشوارعنا فارغة من المتسوقين ، فالأزمة الاقتصادية والحصار لافتان ، وفي عالمنا العربي ينشغل الناس بالزواج والطلاق والفقر والمنسف والمقلوبة وحفلات التخرج . هكذا هي الدنيا و ...
حالة تعبانة يا ليلى !
٤ / ٨ / ٢٠٢٥
( لمن يرغب في قراءة رأي أبناء قطاع غزة في المساعدات عبر الجو أحيله إلى ما كتبه الأستاذ الدكتور Khader Tawfiq Khader )
١٤
غزة 668/ 2 :
كمائن الموت .
الهنود الحمر الفلسطينيون .
نسخة عالم مابعد الحداثة .
" خطبة الفلسطيني الحنطي ما قبل الأخيرة أمام الرجل الإسرائيلي " .
إنهم يقتلون باسم الرب المختار شعبه .
إن كان الروائي إلياس خوري ترك شخصيته الروائية مراد العلمي في رواية " أولاد الغيتو : اسمي آدم " ينطق :
" اختفوووو علينا كيف صرنا "
فمن حق الفلسطيني في غزة أن يبصق على هذا الكوكب الحقير ، والكوكب الحقير استعرتها من مؤمن مقداد .
الصورة أدرجها محمد العرجا Mohammed Alarja
٤ / ٨ / ٢٠٢٥
١٥
سليم النفار في كتابه النثري " غزة 2014 : تأملات ويوميات شاعر في حال المدينة الرهينة " الصادر في العام 2017 عن مكتبة كل شيء في حيفا :
يقع الكتاب في 85 صفحة من الحجم المتوسط ويحتوي على مقطوعات نثرية عديدة بلغ عددها أربع عشرة مقطوعة ، وهي بالفعل تأملات شاعر يكتبها بلغة شعرية عن مدينة غزة في العام 2014 ويبث فيها همومه ومشاعره ويقدم رؤاه أيضا وربما توحي عناوينها بمحتواها ، والعناوين هي : هل يزهر الملح / ريثما نعود / أريد بيتي الصغير / حصيدة خاسرة / هي الأرض ... / نداء ... / لا تقلقوا علينا / تأملات في واقع الحال صباحات مختلفة / كهرباء / دين / فصائل / تأملات ما بعد الكارثة / حنين / ليست تماما صورتي .
الاهداء كان " إليهم / هم وحدهم من يسكنون فوق الأرض وتحتها / إلى أبناء شعبي في غزة الشهداء والشهداء الأحياء / فهم أسطورة الصمود ، فولاذ الإرادة ، وعشق الحياة "
ولا أعرف ماذا كان سليم سيكتب لو امتد به العمر ولم يرتق وأسرته وأسرة أخيه كلهم معا تحت انقاض البناية ويمحون من السجلات المدنية .
هل يزهر الملح في هذه الأرض ؟
يتساءل سليم عن بلاد مثل عجوز تمشي بقانون الصدفة ، وبه فقط ما تزال تحيا ... فهل حياة مثل هذه حياة ؟
" هنا بجوار الموجة الحزينة لا تجد صيادا يمارس هوايته في مداعبة الأسماك ، بل تجد طفلا يبحث في مخلفات الموج ، كي يشتري بها فرحة اقتناء حبة شوكلاتة ، أو كيسا من الشيبس أو ... أو ... وربما تجد بعض الضجرين العاطلين عن الحياة يزرفون يومهم فوق رمل لا يزهر الملح فيه ... فإلى متى ؟؟"
إلى متى ؟
وكان طوفان الأقصى وكان ما كان وصار أهل غزة يحنون إلى تلك الأيام ؛ أهل غزة التي لا تمتلك نفطا ولا حتى أرضا " نزرع فيها ما يكفينا لأكل الخضار " غزة التي لا يمتلكون فيها حرية النوم والصحو ولا حرية التمتع بزرقة السماء أو البحر ، ولكنهم يمتلكون أن يكونوا براميل بارود في وجه ذواتهم أولا ، ويمتلكون قدرة غرائبية في تشويه ذواتهم أيضا وتدميرها كلما اقتضت ضرورة الحسبة عند أي باشا من باشاواتهم ، فهل يزهر الملح ؟
ثمة تحذير مبطن مما قد تصل إليه الأوضاع التي تلم بأهل غزة الآن ، ويبدو أن سليم لم يقو على الإفصاح أكثر .
ويكتب سليم في " ريثما نعود " عن هجرة أهله من يافا في العام ١٩٤٨ وتناسل هذه الهجرة . لقد ولد هو في غزة وهاجر منها قبل أن يعود إليها في ١٩٩٣ " فكم من مرحلة نحتاج كي نبلغ سن الرشد ، وكم من جلجلة ترانا نصعد ريثما نعود ؟؟ "
وارتقى سليم وعائلته ولم يعودوا ، وكان أبوه ارتقى شهيدا في العام ١٩٧٣ ، حيث قاتل في صفوف الثورة في ١٩٧٠ و ١٩٧٣ ، عندما كان سليم فتى يانعا . لقد كبر وكبر الأولاد في المنافي التي ضاقت بها الأمكنة ، وهو لا يريد سوى بيته الصغير " بيت صغير ... لم أره ، لم يراني ، لكن جدتي التي طرزته لي ذات مساء قالت : إنه يحفظني عن ظهر قلب ، كما التلاميذ تتلو النشيد " .
" هذا سؤال أقذفه بوجه الكون ، وأضيف ثلاثا من حلفاني : بالله وبيتي ودمي الغالي "
" يا الله تعبنا ... يا الله ارحمنا .. يا الله : لا تدخلنا تجربة أخرى "
وكم تجربة عاشها أهل غزة بعد العام 2014 ؟
هل نجا سليم النفار حين ارتقى في بداية هذه التجربة الأقسى ؟
" من ارتقى فقد نجا " صار أهل غزة منذ طوفان الأقصى يرددون .
و ... و ... .
٤ / ٨ / ٢٠٢٥