أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٩ آب من كل عام

١
محمود درويش و "عصافير بلا أجنحة :

في آب نتذكر رحيل الشاعر محمود درويش ، كما نتذكر في تموز غسان كنفاني . اختار الأول لرثاء الثاني العنوان اللافت " غزال يبشر ببركان " فبم بشر محمود درويش غزال الشعر الفلسطيني والعربي ؟

" والوحي حظ المهارة إذ تجتهد "

اقرأوا الأحد مقالي في الأيام الفلسطينية عن الشاعر وديوانه الأول الذي حذفه " عصافير بلا أجنحة " .
لا يولد المرء دفعة واحدة ، إنما يولد على دفعات . لسنا مثل الشاعر الفرنسي ( رامبو ) .
٢٠١٣/ ٢٠١٢

٢
خفة الكائنات غير المحتملة21 :

تزورك الكائنات أو تلتقي بك في الحافلة أو في السوق وتحاورك حوارا فيه من المدلولات البعيدة أكثر مما يقوله ظاهر الكلام . كأن عليك أن تبقى متقد الذهن كل لحظة ومع كل مخلوق ، فالمخلوقات كلها ذكية وذات عقل راجح . إنها محور الكون وفيها من المركزية أكثر مما يعتقده اﻷوروبيون في المركزية اﻷوروبية . ولكي تحافظ على وظيفتك فعليك أن تلبي لكل واحد من هذه الكائنات مطالبه ، وعليك أن تطيعه وتتبنى رؤياه لﻷشياء وإلا فسيطردك من وظيفتك التي غدت تحت تصرفه .
عليك مثلا أن توافق على ما جاءت السيدة ﻷجله - السيدة تريدك وقد رشحها لك فصيل أو جهة ما . وحين يخيب أملها وتوقعها تقول لك :
- مع السلامة .
عليك مثلا أن تهبط من الحافلة قرب بيت محدد لتذهب إلى سكانه وتطلب يد ابنتهم وإلا فالسائق سيقول لك :
- مع السلامة .
وعليك أن تلبي ﻷخيك أو ﻷختك طلباتهما فإن خيبت أملهما قالا :
- مع السلامة .
وعليك أن تشتم هذا اﻷديب أمام عدوه من اﻷدباء وإلا :
- مع السلامة .
مع أنصار فدا عليك أن تكون فدويا - لا فدائيا - وإلا فمع السلامة ، وكذلك اﻷمر مع فتح وحماس والجبهتين ؛الدنمركية والشيوعية الماركسية الماوية ال ..
ببساطة حتى تحافظ على وظيفتك عليك أن تكون إمعة ومنافقا ؛ أن تكون أردنيا في اﻷردن ومخابراتيا ، وأن تكون فتحاويا في الضفة وحمساويا في غزة ، وعليك أن تمدح الدولة العبرية حتى تزور حيفا ويافا ، وأن تشيد بإنجازات أبناء العمومة وأن تطبع . وإلا ف :
- مع السلامة .
وأنت تريد أن تكون أنت ولهذا تجد نفسك تقول لهم :
- يلعن أبوكم كلكم وأبو الوظيفة وأمها والجوائز كلها ؛ من جائزة ياسر عرفات إلى جائزة الملك عبدالله فجائزة الملك فيصل فجائزة....محمود درويش .
٢٠١٥

٣
خفة الكائنات غير المحتملة 22 :

" شتائم أمي "

ماتت أمي في 15 / 7 /2011. ولم تكن تشتم أحدا على الإطلاق . كانت امرأة هادئة ومسالمة ، وأحيانا قليلة كانت " مش قليلة " ، فقد فعلت ما لم يرق لي . كنت أحب طالبة وأردت أن أخطبها ، ولم تكن أمي تعرفها ولم تكن رأت صورتها ، وما كان منها ، دون استشارتي ، إلا أن ذهبت إلى الجامعة لتراها . ولم ترق الفتاة ﻷمي فأرعدت وأزبدت ، ولكنها في نهاية اﻷمر خضعت لخياري ، وكانت أم الفتاة أيضا مثل أمي : لم أرق أنا لها .
وكان أن افترقنا ، ولم تجد مساءات يوم الثلاثاء نفعا .
كنا مساء كل ثلاثاء نتعشى معا . ما علينا !
لم تكن الفتاة كائنا محتملا ﻷمي ولم أكن أنا كائنا محتملا ﻷم الفتاة . وكنا أنا والفتاة نشكل رقم عشرة ، مثل نعجة ونخلة معمرة .
الليلة كانت أمي تشتمني . كانت تحاول الاتصال بي وأنا لم أكن أرد . ربما كنت منشغلا بأمر ما . ربما كان هاتفي في وضع " صامت " وربما كان مغلقا . لست متأكدا وربما كان مزاجي سيئا ، فهل علي دائما أن أجيب بسرعة ؟ هل تدخل عدم الإجابة الفورية في باب العصيان وعدم الطاعة ؟
جن جنون أمي . أخذت أمي تصرخ وتقول على مسمع الآخرين :
- هذا الحيوان الدكتور عادل لا يرد . لقد رننت عليه هذا الحيوان عشر مرات ولم يرد .
ثم فجأة أخذت أمي تصرخ على أخي وتقول له :
- اتصل بهذا الحيوان عادل واسأله لماذا لا يرد علي .
وواصلت أمي شتائمها .
أبي كان مختلفا . كان أبي يقول لي :
- لا تفكر حالك دكتور . أنت نزلت من هذا ، ويشير بيده إلى سلاحه الذكري ويضحك . هذا أنجب دكتورا ويضحك .
مات أبي في15 / 7 / 2006 وماتت أمي في15/ 7 / 2011.
وأنا...أنا ما زلت أموت يوميا حتى أنني صدرت نصي " ليل الضفة الطويل " 1993 بقصيدة من ديوان محمود درويش " ورد أقل " يقول فيها " ستروى أساطير عني " و
" ستزعم أكثر من فتاة أني تزوجتها ولكني لا أرى القبر بعد " ، والكلام على لسان درويش .

٤
" لا القوة انتصرت
ولا العدل الشريد "
منذ أيام وأنا أفكر في بعض أسطر لمحمود درويش لأصوغ منها مقالا عن الشعور العميق بالخيبة بعد أوسلو .
هذا الشهر سأعود إلى قصائد قديمة لسميح القاسم و عبد اللطيف عقل ومحمود درويش.
هل انتصر الإسرائيليون علينا ؟
هل أقررنا بالواقع ؟
هل انهزمنا ؟
" لا القوة انتصرت
ولا العدل الشريد "
9/8/2017

٥
زمن الرواية :

" زمن الرواية " عنوان كتاب للناقد المصري جابر عصفور .
هذا الصباح قرأت أن القاص محمود شقير سيصدر روايته الثالثة " ظل آخر للعائلة " فعقبت :
- " مبارك .
هجر الشعراء الشعر إلى الرواية
وهجر كتاب القصة القصيرة القصة القصيرة إلى الرواية
وهجر الأكاديميون الأبحاث إلى الرواية ".
أمس قرأت أن جامعة بيت لحم أشهرت جائزة لفن الرواية ، وما لم يرق لي في الإعلان أن أعضاء لجنة الجائزة أكثرهم لا صلة لهم بفن الرواية .
يطلب قسم لغة عربية أستاذا متخصصا في النقد العربي القديم فيعين أستاذ في الأدب الحديث .
راجعوني إن صارت الجامعات العربية جامعات محترمة علميا ومنها جامعاتنا الفلسطينية .
9 آب 2018

٦
خليل النعيمي وعبد الرحمن منيف " القطيعة " و"شرق المتوسط" ١٠ :

في رواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط " ١٩٧٥ تقريبا لا تحضر شخصية الأب حضورا قويا لافتا ، وكل ما نعرفه عن والد رجب نعرفه من خلال الزوجة .
تطلب والدة رجب من ابنها أن يكون رجلا وأن يصمد وألا يضعف . تطلب منه أن يحتمل كما تحمل أبوه الذي لم يشك حين وقع وصبر .
تكون الأم ذات حضور لافت في "شرق المتوسط " وعندما تموت ينهار عالم رجب وتسهم أخته في انهياره "لو بقيت أمي على قيد الحياة " لسان حال رجب "لصمدت " .
في "القطيعة" لا نعرف أيضا الكثير عن والد خليل النعيمي ، ولكننا في المقابل نعرف الكثير عن أمه وعلاقته بها، وغالبا ما يتوجه إليها بالنداء:"يا يمة " وتموت الأم في غيابه كما ماتت أم رجب .
تدفن والدة خليل في منطقة تسمى "العالية " ويصير موتها موتين : " عالية ابن جليوي. عالية ابن الكلب. لا.لا أريد أن أراها. أن أراها. " ما يدعو إلى الاستغراب من إحدى معارفه " يا يمة خليل خلاك. يا يمة خليل ما عاد يريدك. يا يمة خليل زعلان.."
لماذا لا يريد خليل زيارة قبر أمه؟ ببساطة لأن قبرها في عالية ابن جليوي الذي يحقد خليل عليه .
وحين تطلب منه قريبته زيارة قبر أمه خوفا من كلام الناس يرد عليها:
" الناس؟ الناس؟ من هم هؤلاء الكلاب الذين سيفرضون علي بعد اليوم فعل أمر لا أرغب بفعله؟ من هم؟ من هم؟ من هم ؟" .
أول ما خرج رجب من السجن ذهب لزيارة قبر أمه . كما لو أنه يريد أن يعاتبها:" لماذا مت؟ " .
تغير رجب بعد موت أمه وتغير أيضا خليل.
" أمك ماتت وهي تهذي بك. تهذي! تهذي وأم ملك الذي هلك، هي الأخرى تهذي، فلتهذ في القبر كما هذت في الصبر. لا ، لم أعد أريد أن..وملأتني بنظرتها الهوجاء: أمك ماتت غما. كانت تعرف أنهم أخذوك " .
كان رجب قد نشط سياسيا وأخذ خليل وهو في الثانوية يشارك في المظاهرات .
٢٠١٩

٧
الست كورونا : احتفالات فلسطينية بأعراس يهودية ( ٤٧ )

لطالما كرر المسؤولون الفلسطينيون وعلى رأسهم رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية ووزيرة الصحة الدكتورة مي كيلة أن أهم أسباب انتشار الكورونا في مناطق السلطة الفلسطينية ، وبخاصة الخليل ، يعود إلى حفلات الأفراح ومناسبات الأتراح ، حيث لا يتحقق التباعد الجسدي ويختلط طحين المحتفلين والمصابين بزيت المهنئين والمعزين ، ولهذا جهدت السلطة على منع إقامة الاحتفالات في الصالات واقتصار العزاء على قلة قليلة .
ولطالما كرر المسؤولون أن أكثر الإصابات يعود إلى عمال الضفة الغربية في مصانع وورشات الاحتلال الإسرائيلي ؛ في المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ وفي المستوطنات ، فلجأت السلطة إلى فحص العائدين من تلك المصانع والورش وفرضت أحيانا الحجر الصحي عليهم .
مجهودات السلطة كلها ذهبت سدى ، فحكومة الاحتلال الإسرائيلي سمحت لأهل " نابلس الأبية " ، والوصف لمنقذ إسرائيلي على شاطيء تل أبيب ، بالسباحة على شاطيء يافا من خلال فتحات في السور ودون تصاريح ، واختلط العرب الفلسطينيون النابلسيون ، وغير النابلسيين أيضا ، بأبناء العمومة وبلغ الأمر ذروته فأعادوا إلى الأذهان الليالي الملاح التي عاشتها يافا قبل العام ١٩٨٧ - أي الانتفاضة الأولى .
قبل العام ١٩٨٧ كانت صالات الأعراس في يافا وعكا وحيفا تشهد اختلاط الفلسطينيين والإسرائيليين ، وقد شاركت مرة في عرس أقارب حضره مواطنون يهود - كتبت عن هذا في شهادة لي عن تصور الآخر في ذهني . في تلك الأعراس غنى اليهود والفلسطينيون من غير اليهود معا ورقصوا معا ، وأمس على الشاطيء ....
الشريط الذي شاهدته أمس عن سياحة أهلنا في يافا وعلى شاطئها شريط احتفل فيه النابلسيون ، وغير النابلسيين من سكان الضفة الغربية ، بعروسين يهوديين من يهود " الفلاشا " ، فغنوا ورقصوا وأقاموا زفة فلسطينية واندمج العروسان والمحتفلون لدرجة أن مواطنا فلسطينيا في نهاية الحفل طالب المحتفلين ب " تنقيط " العروسين .
شخصيا تذكرت كتاب " الاعتبار " لأسامة بن منقذ ، وغالبا ما أتذكر الشاعر ابن القيسراني وأنا أقرأ عن ريتا ومحمود درويش .
في فترات الحروب تسود فترات هدوء ويتخللها عزف موسيقي وأغان .
نسي الفلسطينيون أعراس الخليل والكورونا واحتفلوا بعرس على الشاطيء و " طق " و" موت " يا أيها المسؤول الفلسطيني . هل هذه هي رسالة الاحتلال للسلطة .
ربما الأمر ليس بتلك البساطة وعشق البحر أقوى و " نحن نحب الحياة اذا ما استطعنا إليها سبيلا " وشاعرنا الوطني محمود درويش هو من قال ذلك ، واليوم ذكرى رحيله ١٢ .
بلا كورونا بلا بطيخ أصفر ، وهذا هو لسان حال المحتفلين .
٩ / ٨ / ٢٠٢٠

٨
محمود درويش في " خارج النص "

شاهدت في لحظة متأخرة من ليلة أمس برنامج الجزيرة " خارج النص " الذي تمحور حول محمود درويش .
كان الصديق

Omar Alhamdan

لفت نظري مبكرا إلى الموعد ولكني غفلت عنه ، ولما سألني عن رأيي وجب أن أشاهد الحلقة التي شارك فيها الناقد المغربي سعيد يقطين والدكاترة مها العتوم وأسامة الأشقر وجريس خوري وكل من نبيل عمرو وإبراهيم العريس وسماح إدريس .
في برامج مثل هذه غالبا ما يجرى مع المشارك حوار يمتد ساعتين ويقتطف من حديثه فيهما بضع عبارات ، ولذلك غالبا ما لا أعول شخصيا على ما يقال ولا آخذ ما يرد على لسان المتحدثين على أنه الصواب .
في الكلام الذي قيل ثمة ما يحتاج إلى تدقيق ، بخاصة ما ورد عن انتماء درويش للحزب الشيوعي وما ورد حول عبارته الشهيرة " أنقذونا من هذا الحب القاسي " وسبب خروجه من الأرض المحتلة والإصرار على أن الشاعر وهو في الأرض المحتلة دعا إلى حمل البندقية .
انتمى درويش أول ما انتمى إلى حركة الأرض التي منعتها سلطات الحكم العسكري في إسرائيل / فلسطين المحتلة ، فكان على أعضائها أن يصمتوا أو أن يهاجروا أو أن ينضموا إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي / راكاح ، واختار درويش المخرج الثالث .
ما قاله الدكتور أسامة الأشقر عن مناسبة قول درويش " أنقذونا من هذا الحب القاسي " وزمن القول أيضا ليس دقيقا ، فالشاعر قال العبارة وهو في فلسطين المحتلة ، لا وهو خارجها ، وكان يخاطب النقاد العرب الذين تعاطفوا مع شعراء المقاومة الفلسطينية تعاطفا لافتا جعلهم يسوغون كل ما يصدر عنهم ، حتى لو لم يكن يستحق .
أما سبب خروج الشاعر من الأرض المحتلة فما زال غير محسوم وهناك تأويلات عديدة واجتهادات كثيرة ، ويبقى القول إن درويش دعا إلى حمل البندقية ، وهذا ما لا نعثر عليه في أشعاره التي كتبها في الأرض المحتلة ، وهذا اصلا ما جعل الناقد المصري غالي شكري يعد درويش وشعراء الأرض المحتلة شعراء احتجاج لا شعراء مقاومة ، والكتابة تطول .
اليوم تصادف الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الشاعر ، ولسوف تكثر الكتابة والاجتهادات ، وتبقى الموازنة بين الشاعر وفنان الكاريكاتور الشهير ناجي العلي حكاية من حكايات الفلسطينيين التي لا تنتهي .
هل قلت كل شيء ؟
زنقني الوقت فانزنقت وجاءت الكتابة مزنوقة ولهذا لم أتوقف عند رأي وزيرة تعليم إسرائيلية ورأي رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) ، والرزق على الله .
٩ آب ٢٠٢١

٩
في هذا الصباح وأنا أتابع الأحداث التي جرت في نابلس وأسفرت عن استشهاد ثلاثة فدائيين في حارة الفقوسة تذكرت المرحوم الشاعر علي الخليلي وديوانه " الضحك من رجوم الدمامة " ( ١٩٧٧ ) وسيرته الذاتية " بيت النار : المكان الأول ، القصيدة الأولى " ( ١٩٩٨ ) .
في إحدى قصائد الديوان استحضار لأجواء البلدة القديمة في ساعات الصباح :
" دم طازج والأزقة تسعى لأقواتها ... " .
كم من جريح كان يسعى ، هذا الصباح ، في أزقة البلدة القديمة إلى قوته ؟!
رحم الله الشهداء والحكاية يا صديقي علي طويلة .
" دم طازج والأزقة تسعى لأقواتها ... " .
٩ / ٨ / ٢٠٢٢ .

١٠
يافا في عيون روائييها :
عبد القادر سطل " عاشق البيارة "

عادل الأسطة

هل ثمة روائيون يافاويون كتبوا عن مدينتهم من داخلها بعد نكبة ١٩٤٨ ؟
كل من ألم بما حدث سيجيب بالنفي ، فالمدينة التي بلغ عدد سكانها ٧٥ ألفا غدت في عام النكبة فارغة إلا من بضعة آلاف جمعوا في حي واحد هو العجمي / " غيتو يافا " ، وقد صور الحياة في المدينة ما بين العامين ١٩٤٨ و ١٩٦٦ ثلاثة فلسطينيين زاروها وكتبوا عنها ؛ راشد حسين في قصيدته " الحب والغيتو " ، وسميح القاسم في تقريره في جريدة " الاتحاد " في ١٩٦٦ " ريبورتاج من أقبية الحشيش وبار " المسجد " ! المعذبون في يافا " ، وعيسى لوباني في نص نثري في كتاب " أم الخير ... و ... " ١٩٩٤ ، ويختصر عنوان تقرير القاسم وأسطر راشد حسين الآتية الوضع في تلك الأيام :
" يافا - لمن يجهلها - كانت مدينة
مهنتها تصدير برتقال
وذات يوم هدمت .. وحولوا مهنتها .. تصدير لاجئين " .
ولسوء حظنا وحظ المدينة ، أو لحسنه ، أنه حتى ٢٠١٢ تقريبا لم يكتب عن يافا روائي من أبنائها ممن بقي فيها .
كتب عن يافا روائيون عديدون ولكن علاقتهم بها كانت عابرة لم تتجاوز القراءة في الكتب أو السماع ممن عاش فيها أو الزيارة العابرة ، وهو ما رصدته في مقالين في هذه الزاوية في حزيران . وقياسا إلى القدس وحيفا وعكا ، بل والناصرة ، ظل حضور يافا روائيا ، بعد النكبة ، حضورا باهتا ، وحين صارت تحضر في العقدين الأخيرين حضرت صورتها قبل العام ١٩٤٨ ، وهي صورة جميلة مشرقة .
أول روائي من يافا بعد النكبة هو أيمن السكسك ، وقد كتب روايته الأولى بالعبرية ، وعرفت أن قسم اللغة العبرية في جامعة مصرية نقلها إلى العربية ، وللأسف فإنني حتى اللحظة لم أتمكن من الحصول عليها .
وثاني روائي هو عبد القادر سطل الذي أصدر كتابه " يافا : رسائل في ظلال النكبة " ٢٠١٨ ، ثم أصدر روايته الأولى " عاشق البيارة " في ٢٠٢٣ .
عبد القادر هو من مواليد ١٩٦٠ وما زال يقيم في حي العجمي هناك ، وهو ابن بياري حفيد بياري ، واتفق أنه ولد في العام الذي قتل فيه عمه يحيى الذي استبد به الحنين لزيارة أخته اللاجئة في قطاع غزة ، فتسلل إلى القطاع وحين عاد أيضا متسللا أطلق الإسرائيليون النار عليه .
لم يكتب عبد القادر عن يافا بعد النكبة وإنما كتب عنها في ثلاثينيات القرن ٢٠ وأربعينياته حتى أيار ١٩٤٨ ، شهر القتل والتهجير وإفراغ المدينة من سكانها ، وهكذا انتهت الرواية نهاية مأساوية . خسر اليافاوي توفيق الحبيبة والبيارة والوطن وصار لاجئا في لبنان . كأنما تفصل الرواية أسطر محمود درويش في العام ١٩٧٣ :
" هذا هو العرس الفلسطيني لا يصل الحبيب إلى الحبيب إلا شهيدا أو شريد " .
ومع أن الرواية كتبت في ٢٠٢٣ ومع أن كاتبها من مواليد ١٩٦٠ ، إلا أنه لم يقارب المدينة تحت الاحتلال ، ويبدو أنه اكتفى بالكتابة عن هذه الفترة بما كتبه في كتابه الأول الذي صدرت هذا العام طبعته الثانية .
من هو عاشق البيارة ؟ أهو صاحبها أبو توفيق أم المعتني بها أبو أحمد أم توفيق ؟
الأولان " كانا يعشقان البيارة وكل له أسبابه ... ، أما توفيق فكان عشقه للبيارة أضعافا مضاعفة كثيرة . كيف لا وهي التي ستحول الطالب الجامعي ... من شاب رياضي إلى مناضل حول البيارة من مشروع اقتصادي إلى معسكر تدريب له ولأصدقائه .. " .
كان توفيق طالبا في الجامعة الأميركية في بيروت ولكنه قطع دراسته ليعود إلى يافا في فترة اشتداد الغزوة الاستيطانية لعله يقدم إلى وطنه خدمة تحميه من الضياع . في البيارة يحب ابنة البياري أبو أحمد ، فيعشقها كما عشق وطنه وبيارته ويصبح العشق ثلاثي الأبعاد ؛ الوطن والبيارة وعبير التي سيحاول رجال العصابات الصهيونية اغتصابها فتموت قبل أن يتمكنوا من ذلك .
الشخصية الرئيسة هي شخصية توفيق . إنه شاب متعلم ذكي يسخر حياته كلها لخدمة وطنه ، فحين كان في بيروت لم ينفق أيامه في الملاهي ، بل في النشاط السياسي والسفر إلى دول عربية ليتدرب على السلاح من أجل العودة والدفاع عن الوطن ، وهو ما فعله . " لقد اخنار أن يلتزم الصمت ، ويعمل بسرية تامة دون أن يشكل خطرا على أي من أفراد أسرته أو العاملين في البيارة ، بل العكس فذكاؤه جعله يحول من يقطفون الحمضيات نهارا ، فدائيين ليلا ... " ، وعندما أقام علاقة مع الفتاة اليهودية اليمنية شوشانا التي أحبته وطمحت في الزواج منه أقام العلاقه لتخدم أهدافه .
وتوفيق فوق ذلك ذو دم حار ، فهو لم يحتمل رؤية الجندي الإنجليزي يقتل مواطنا فلسطينيا ولذلك أشهر مسدسه المخبأ وقتل الجندي .
عالم البيارة ومدينة يافا قبل النكبة هو محور الرواية التي كتبها الكاتب مدفوعا بعشقه للمكان الذي نشأ فيه ورأى التحولات التي ألمت به ، وكما ذكرت فإن الزمن الروائي ينتهي عند ١٩٤٨ - أي قبل ١٢ عاما من ولادة الكاتب . إن الرواية هذه ، على الرغم من اختلاف موقع كاتبها عن مواقع كل من كتب عن يافا ، تتقاطع مع الروايات السابقة لها في أنها صورت المدينة في زمن ازدهارها ، فكتبت عن معالمها الثقافية وصورت أماكنها وذكرت أسماءها وأتت على أوضاعها الاقتصادية المزدهرة ، وإن اختلفت في جانب فهو التفصيل في الكتابة عن يافا وعالم البيارة ، علما بأننا نقرأ جانبا منه في رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
٩ و ١٠ / ٨ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٣ / ٨ / ٢٠٢٣ )

١١
محمود درويش وأساتذة الجامعات الأردنية :

ما لفت انتباهي في السنوات الأخيرة هو اهتمام أساتذة الجامعات الأردنية من مدرسي الأدب الحديث بأشعار الشاعر محمود درويش .
هذه قائمة بأسمائهم :
- دكتور إبراهيم خليل Ibrahim Khalil
- دكتور خالد الجبر
- دكتور خليل الشيخ
- دكتور شكري عزيز الماضي
- د. إبراهيم السعافين
- دكتور محمد عصفور
- دكتور محمد شاهين
- د.أحمد رحاحلة
- الشاعر راشد عيسى
- دكتور عمر صبحي الربيحات
- دكتور عماد الطراونة
- دكتور علي الشرع
- دكتور محمد عبيدالله
وغيرهم وغيرهم ، والأسماء الوارد ذكرها كتبت مطولا عن أشعاره - أي ليس بحثا أو مقالا .
هذا الاهتمام جعلني أتساءل عن السبب ، بل وجعلني أنظر في طريقة المعالجة - أي المنهج ، وأكثر من ذلك ان كان اللاحق منهم يقرأ نتاج السابق ويفيد منه أو يبين اختلاف منهجه أو ... أو .. .
لمحمود درويش مجموعة قصائد تحت عنوان " خطب الدكتاتور الموزونة " . هل اقترب منها أي من دارسي شعره في الأردن وحللها ؟
صرت شغوفا بمعرفة ذلك .
٩ / ٨ / ٢٠٢٣ .

١٢
غزة ( ٣٠٨ ) :
يحيى السنوار وروايته في أكبر الصحف العالمية

يحيى السنوار الذي شغلتنا روايته في اليومين الأخيرين ، بسبب منشور تهكمت فيه صاحبته على روايته ، وعلق على كلامها الركيك لغويا العشرات ممن لم يقرأوا الرواية ، ما دفعني إلى إدراج منشورها على صفحتي طالبا من قراء صفحتي أن يقرأوا التعليقات ، فلم يكتفوا بالقراءة بل علقوا على منشورها تعليقات استفزتها حد أنها سترفع علي قضية تحت مسمى " جرائم إلكترونية " في الأردن ، يحيى السنوار وروايته التي لم تعجب صاحبة المنشور وشلتها من المعلقين يتصدر وروايته أبرز الصحف والمجلات في العالم .
من يعرف الإنجليزية المبسطة ولديه ساعتان من الوقت للقراءة يمكن أن يعود إلى مجلة ( نيو يوركر ) الصادرة في آب ٢٠٢٤ حيث كتب الصحفي ( David Remnick ) تقريرا مطولا اعتمد فيه على رواية " الشوك والقرنفل " وعلى مقابلات أجريت مع صاحبها منها المقابلة الشهيرة لصحفية إيطالية أجرتها بناء على طلب صحيفة عبرية وعلى لقاءات شخصية مع كتاب وباحثين وصحفيين فلسطينيين وإسرائيليين ، بل ومع أسرى فلسطينيين زارهم في أثناء زيارته القدس ورام الله .
اليوم صباحا أنفقت أكثر من ساعة في تصفح التقرير وأتمنى أن تعكف الكاتبة الفلسطينية المقيمة في الأردن Ghania Malhees على ترجمته وتقديمه للقراء في الأردن والعالم العربي ، فلعلنا نتعلم قليلا من العالم وكيف ينظر إلى روايات روائيين سياسيين .
في صيف العام ١٩٩٢ ترجمت عن الإنجليزية نص محاضرة ألقاها الأستاذ الألماني دكتور ( Stefan Wild ) درس فيها غسان كنفاني وكتب عنه كتابة مفصلة اهتم برواياته وقصصه وشخصيته أيضا ، وقدمه للغرب على أنه نموذج للإنسان الفلسطيني الذي طرد من أرضه وانتمى إلى فصيل الجبهة الشعبية .

٩ / ٨ / ٢٠٢٤
( يوم ٣ من شهر ١١ للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ) .

١٣

غزة 673 :
" سمح بالنشر " و " حادث سير " و " ركام غزة "

منذ بداية طوفان الأقصى لا تعلن إسرائيل عن خسائرها إلا بعد أن توافق هيئة ما / دائره ما / جهة حكومبة ما على ما سينشر .
ما سبق دفع كثيرين منا إلى النظر بعين الريبة لما يعلن عنه من خسائر ، وإلى الاعتقاد بأن إسرائيل لا تعلن عن خسائرها الحقيقية .
صارت عبارة " سمح بالنشر " عبارة تثير السخرية ، ومثلها الإعلان عن مقتل جنود بحادث سير .
أمس قرأت في صفحة مؤمن مقداد المنشور الآتي :
" الجيش الإسرائيلي :
مصرع مقاتل من الجيش بحادث سير مدني في الجنوب " .
ربما يكون المقاتل قتل بحادث سير فعلا ، وربما يكون قتل في قطاع غزة في اشتباك مع المقاومين .
لم أكتف بقراءة الخبر ، فقد استبد بي الفضول لقراءة التعليقات ، ومنها :
" شلون عيني شلون ههه مات بحادث سيارة ولا دبابة بلعت عبوة بقمرة القيادة هههه "
" ربنا ينصر المقاومة "
" يعني مش في حادث أمني "
" قلتلي حادث سير . اه ماشي "
" غسيل قتلى الحروب مثل غسيل الأموال . Money laundry "
" شكلو فطس في جباليا " .
في صفحته يكتب الكاتب يسري الغول عن مدى معاناة أهل قطاع غزة مخاطبا سكان الكرة الأرضية :
" يا سكان هذا الكوكب !
رضينا بالهم ، والهم ما رضي فينا
كمان حطام غزة بدهم نترك . طيب ووين نتشحطط نروح ؟
ينعن / يلعن أخت العالم "
وعندما قرأت المكتوب علقت :
" الله يستر . ربما لن يسمحوا لكم بالخروج إلا بعد تنظيف غزة من ركام المباني .
لا شيء يدوم إلا وجه الدايم "
فيما عقب آخرون مدينين حماس أو لاعنين العالم لا أخته ، أما الحج عطية محمد فعلق :
" البقاء على الركام أشرف من النزوح والتهجير " .
عندما تهدم إسرائيل مبنى لم يحصل صاحبه على ترخيص بناء تهدمه جرافاتها وأحيانا تطلب منه هدمه ، فإن هدمته جرافاتها طالبت بالأجرة .
وعندنا مثل يقول :
" لمين تشكو وغريمك القاصي " .
نحن في ورطة وسفينة ( تايتنك ) في قاع المحيط .
طولوا بالكم ، فربما تتفكك الدولة أيضا ! ربما !

حالة تعبانة يا إخوان !
٩ / ٨ / ٢٠٢٥

١٤
الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه ؟ "
الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود .
" الموت للعرب " ، علما بأن أهل القدس لم يشاركوا في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ والتزموا الصمت منذ طوفان الأقصى حتى اليوم ، وصار بعض أبناء قطاع غزة يعيرونهم ويلومونهم ويسخرون من شعارهم في ٢٠٢١ " من شان الله يا غزة ي الله " .

١٥
غزة 673 / 2
وإذا نزحتم فلأي مواصي تنزحون :

ما عليك ، إن أردت أن تلم بآخر المستجدات في مدينة غزة ، إلا أن تصغي ل محمد عمران الأسطل مراسل إذاعة أجيال Mohamed Omran Astal . وأكتب : مدينة غزة لا قطاع غزة .
قال محمد إن من يقيم في المدينة التي لم تدمر بعد ، ولم تمسح مبانيها بعد ولم تسو بالأرض كبقية مدن القطاع ،إن من يقيم هناك يشعر بأن القيامة ستقوم . لقد تحمل هؤلاء عواقب الحرب من غلاء أسعار وفقدان ضروريات الحياة ، ولكنهم غير متخيلين أن يجدوا أنفسهم في الشوارع ، فمنطقة المواصي لا مساحة فيها لخيام جديدة .

ماذا لو عاش محمود درويش ليشاهد من بعيد ما يجري في غزة أو ليعيش هناك كما عاش في بيروت . ماذا سيكتب ؟
لطالما كتبت عن قصيدته " نزل على بحر " وقد درستها لسنوات وحللتها واستشهدت بأسطر منها ، عدا تضميني أسطرا وقصائد من دواوينه " حصار لمدائح البحر / مديح الظل العالي " و " ورد أقل " و " هي أغنية .. هي أغنية " .
" وإذا رجعتم فلأي منفى ترجعون ؟! "
وجاء وقت تواصل فيه النزوح لا العودة إلى المنافي السابقة .
وإذا نزحتم ؛ فلأي مواصي ورفح تنزحون .
ضاقت ثم ضاقت ثم ضاقت ، ولعلها تفرج ! لعل الله يأتي بفرج من عنده ! لعل !
" فلما استحكمت حلقاتها فرجت "
وليس لنا إلا أن نربي الأمل ، كما كتب محمود درويش في " حالة حصار " في ذروة انتفاضة الأقصى في عام الاجتياح .
٩ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى