يحيى بركات - قضيب_بوجمعة الحلقة الأوللى

الحلقة الأولى
"الرجل بلا قضيب كالبقرة بلا حليب" حقيقة أجمع عليها رجال الدوار، حتى إن بوجمعة سمعها من أفواه رفاقه مرات لا تحصى، فاستقرت في رأسه كما تستقر الحجايات القديمة: لا أحد يعرف من قالها أولا، ولا أحد يجرؤ على السؤال عن صحتها... وهذا الصباح، ها هو يستيقظ متأخرا كعادته، على صياح أمه البتول.. التي قد شارفت السبعين، وفقدت خلال حياتها أشياء كثيرة وربحت أشياء أخرى، حتى لم تعد تعرف أيهما كان أكثر. غربت شمس جسدها الفتان، وامتلأ وجهها بشقوق عميقة، كأن السنون مرت فوقه بأقدام حافية وتركت وراءها مجاري أنهار جف ماؤها.
كانت ترتدي قفطانا أخضر رثا، ممزق الكم الأيسر، يكشف عن زغب إبطها الخفيف. ومن تحت نعلها البالي كانت أظافر قدميها تطل، مصبوغة بالبرتقالي، كأنها تتمسك بشيء من زينة امرأة لم يعد الزمن يترك لها الكثير.... أما عيناها فكانتا تصرخان بالكحل الأسود، وفمها الوردي قد اصفر من كثرة ما مضغ السواك. ومن بين أحضان شالها القرمزي، الذي لا يمت إلى الموضة بصلة، كان يطل شعرها المطلي بالحناء.
اقتربت من فراش ابنها المهترئ، وزحزحته بيد غاضبة وهي تقول:
- الله يخليها قاعدة، الحالة هي الحالة؟ انهض يا ولدي، أقرانك يحملون المعاول وينقبون عن المال...
فتح بوجمعة عينيه بضيق. ونهض متثاقلا، يلعن نفسه والعالم، ثم تذكر فجأة أن اليوم يوم عرسه. توقفت اللعنات في منتصف الطريق، وظهرت على وجهه ابتسامة خبيثة.
غادرت البتول، وبقي بوجمعة وحده يتأمل سقف الغرفة الخشبي. كانت الجدران مطلية بالرمادي، لكن الطلاء لم يستطع إخفاء الطين الكئيب المخلوط بالقش تحته. ظل يتأمل المكان مليا؛ الغرفة الحقيرة التي ستلم شمله الليلة بعروسه، خرج من غرفته مشرق الوجه.
وعلى غير عادته، قبل رأس أبيه وأمه، وتمنى صباحا سعيدا لأهل الخيمة المنغمسين في تحضيرات زفافه... وضع بعض الأعواد في جوف الأرض لتسخين الحمام البلدي، وما هي إلا لحظات حتى انتشر عطر الخشب المحترق في أرجاء المكان.
اقترب بوجمعة من والده العربي، الجالس في قلب الخيمة كما اعتاد دائما. كان رجلا هرما لا يفارقه عود السبسي. يقول إنه ينفث فيه آلام هذا الزمن، مع أن الدهر لم يكن، على ما يبدو، مستعدا لأن يتوقف عن تعذيبه.
شاربه الكثيف يخفي فمه البنفسجي، وعيناه جاحظتان، وأنفه المدبب الطويل يعلن عن رجل حقيقي. يرتدي جلبابا من الصوف في عز الصيف، وفوقه سترة رمادية.
كان العربي لا يذكر الله إلا لماما. خاصة حين تغضبه زوجته البتول، فيهددها بالزوجة الثانية، مرددا بثقة رجل اكتشف لتوه أنه يملك نصا شرعيا يخدم غضبه:
- الشرع أباح لنا الزواج بأربعة.
لم يتزوج العربي والبتول عن حب. حتى في ليلة الدخلة، لم يريا بعضهما جيدا بسبب الظلمة الحالكة. ومع ذلك، حدث ما يحدث بين رجل وامرأة حين تقرر الحياة أن تبدأ من دون أن تستأذن القلب.
وفي الصباح، ارتعب العربي من الشعر النابت فوق شفة البتول العليا... يقولون إنها كانت تخجل من الجلوس معه إلى مائدة الطعام، لكنها لم تخجل من مجامعته. وبعد سنة من الزواج، أنجبا بوجمعة. سمياه بوجمعة تيمنا بجده، ولأنه طبعا ولد يوم الجمعة.
كانت البتول، ترى فيه امتدادا لأبيه؛ فالرجل في ذلك الدوار لا يرث الأرض وحدها، ولا ملامح الوجه. يرث أيضا الفحولة التي حكت البتول لنساء الدوار عنها، بتفاصيل كان يفترض أن تبقى بين السرير والوسادة، متناسية وصية أمها التي كررتها كثيرا عليها: "سر الفراش لا يخرج من الفراش."
لكن البتول كانت تؤمن أن سر الفحولة يجب أن يروى....

ومرت السنوات. ها هي اليوم تستعد لزفاف وحيدها. الرجل الثاني في البيت بعد أبيه. الرجل الذي لم يحمل من الرجولة، سوى قضيبه الطويل الذي يتغنى به في كل مجمع، ويتباهى بما فعله بالحمير والكلاب ودبر بشرى، عروسه الليلة... لكن المجمع يكرر عليه تفاصيل اليوم الذي علق فيه قضيبه بفرج كلبة الحاج المعطي، ولم ينفعه في إخراجه منها إلا زيت الزيتون... كل الأشياء قابلة للنسيان إلا الفضيحة...
لم يتغير بوجمعة حتى في يوم زفافه. ظل يرتدي سروال البذلة الرياضية المتآكلة كقلب أمه، وقميصا باهتا أكل المبيض لونه. كان يفكر في الليلة المقبلة أكثر مما فكر في أي شيء آخر في حياته؛ "الليلة ليلتك يا بوجمعة".
كان يكررها في رأسه.
"أثبت للدوار أنك فحل. ولطخ السروال المطروز دما".

دخل بيت الوضوء ليستحم من دنس لازمه لشهور، كان المكان عبارة عن عش قصبي ضيق، لا يتجاوز طوله مترا وعرضه مترا ونصف، وفي داخله إناء معدني "برمة" تسخنها النار من الخارج. أغلق الباب وراءه. خلع ثيابه بعنف، فتطاير منها غبار مرعب، كأنها كانت مدفونة تحت الأرض وانتُشلت صباح زفافه. ثم نزع تبانه. ومد يده إلى أسفل بطنه. كان يريد أن يطمئن على ثعبانه. لكنه لم يجد شيئا. تجمدت يده. حدق. ثم انحنى أكثر. لم يفهم. رفع رأسه. عاد ينظر. لا شيء. حدق مرة ثالثة، وكأن العين قد تخطئ في المرة الأولى والثانية، لكنها لا يمكن أن تخطئ ثلاث مرات في اليوم نفسه. مد يده مجددا. كان هناك جلد. وشعر. وثقب صغير. لكن الشيء الذي قضى حياته كلها يفاخر به لم يكن هناك. اختفى.
#يتبع

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى