الدكتور محمد أزلماط - المثقف في المجال الانتخابي: من الالتزام الحزبي إلى المسؤولية الإنسانية

مقدمة
تقتضي دراسة علاقة المثقف بالمجال الانتخابي تجاوز التصور الاختزالي الذي يحصر المشاركة الانتخابية في فعل التصويت أو الترشح أو التنافس على المواقع التمثيلية، والنظر إليها بوصفها بنية مؤسسية وسياسية تتشكل داخلها علاقات متعددة بين الفرد والتنظيم والحزب والمجتمع والمؤسسة المنتخبة. فالمجال الانتخابي، بهذا المعنى، لا يمثل مجرد لحظة إجرائية في ممارسة الديمقراطية، وإنما يشكل إحدى الآليات التي ينتقل عبرها الفاعل الاجتماعي من مجال التعبير عن المواقف والقناعات إلى مجال التمثيل والمشاركة في إنتاج القرار العمومي. ومن ثم فإن ولوج المثقف إلى هذا المجال يطرح مسألة تتجاوز حقه القانوني في المشاركة، لتتصل بطبيعة التحول الذي يطرأ على موقعه ووظيفته عندما ينتقل من فضاء إنتاج المعرفة والخطاب إلى فضاء الممارسة السياسية المؤسسية.
وتتخذ هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة المركبة لهوية المثقف؛ فهو ليس فاعلًا سياسيًا بالمعنى التنظيمي فقط، ولا منتجًا للخطاب الثقافي بمعزل عن الشروط الاجتماعية التي ينتج داخلها، وإنما يوجد عند تقاطع المعرفة والمجتمع والقيم والممارسة العمومية. ولذلك فإن دخوله المجال الانتخابي لا يمكن أن يفهم بوصفه انتقالًا بسيطًا من موقع إلى آخر، بل باعتباره تحولًا في أنماط الفعل والالتزام والمسؤولية. فإذا كانت الكتابة والإبداع والفكر تتيح للمثقف مساءلة الواقع وإنتاج التصورات المتعلقة به، فإن المشاركة الانتخابية تضعه أمام إمكانية تحويل بعض هذه التصورات إلى مواقف وبرامج وممارسات داخل مؤسسة التمثيل السياسي. وبذلك يصبح المجال الانتخابي فضاءً لاختبار العلاقة بين ما ينتجه المثقف من قيم وأفكار وبين قدرته على ترجمتها إلى فعل عمومي.
غير أن هذا الانتقال يضع المثقف أمام بنية تنظيمية تفرض أشكالًا من الالتزام لا توجد بالدرجة نفسها في المجال الثقافي. فالحزب السياسي، بما هو تنظيم يؤطر المشاركة والتمثيل والمنافسة الانتخابية، يقوم على قدر من الانضباط الجماعي وتوحيد المواقف وتنسيق الفعل السياسي. وهنا تنشأ إشكالية العلاقة بين الالتزام الحزبي والاستقلال الفكري؛ إذ لا يمكن للمشاركة السياسية أن تستقيم دون حد أدنى من الالتزام بالتنظيم وبرنامجه، كما لا يمكن لوظيفة المثقف أن تستمر إذا أدى هذا الالتزام إلى إلغاء قدرته على النقد والمراجعة والاختلاف. ومن ثم لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين الانتماء الحزبي والاستقلال، وإنما بدراسة الكيفية التي يمكن بها بناء علاقة تسمح للمثقف بالمشاركة في الفعل السياسي دون أن يفقد مرجعيته الفكرية.
ويكشف هذا التوتر كذلك أن الانتماء الحزبي لا يمثل بالضرورة حالة ثابتة ونهائية، إذ قد تتغير علاقة المثقف بالحزب تبعًا لتحولات القناعات والبرامج والسياقات السياسية. ولذلك فإن انتقال المثقف من حزب إلى آخر لا ينبغي أن يُقرأ بصورة مسبقة باعتباره تحولًا نفعيًا أو انحرافًا عن الالتزام، كما لا ينبغي تبريره تلقائيًا بوصفه مراجعة فكرية. وإنما يصبح موضوعًا للتحليل عندما نبحث في الآليات التي أنتجت هذا الانتقال، وفي طبيعة العلاقة بين التحول في الموقف والتحول في الانتماء، وفي مدى استمرار المبادئ التي شكلت الأساس الأصلي للمشاركة السياسية. فالمعيار هنا ليس ثبات الموقع التنظيمي، وإنما مدى اتساق التحولات السياسية مع المسار الفكري والقيمي للمثقف.
ومن هذا المنظور، تكتسب المسؤولية الإنسانية موقعًا مركزيًا في تحليل علاقة المثقف بالمجال الانتخابي. فالمشاركة السياسية لا تكتسب دلالتها من مجرد الوصول إلى مؤسسة منتخبة، وإنما من طبيعة الغايات التي توجه هذا الوصول ومن المعايير التي تضبط الممارسة داخله. وإذا كان المثقف يدخل المجال الانتخابي محملًا برصيد معرفي ورمزي، فإن هذا الرصيد يفرض عليه مسؤولية تتجاوز الدفاع عن المصالح التنظيمية المباشرة إلى الانفتاح على قضايا الإنسان وحقوقه وكرامته ومصالحه العامة. ومن هنا تصبح المسؤولية الإنسانية إطارًا لتقييم الالتزام السياسي، لا عنصرًا خارجيًا عنه؛ إذ إن قيمة الالتزام لا تتحدد فقط بمدى الوفاء للحزب، وإنما بقدرته على الانخراط في المجال العمومي بما يحفظ الإنسان بوصفه غاية أساسية للفعل السياسي.
وتبعًا لذلك، فإن استقلال المثقف داخل المجال الانتخابي لا ينبغي تعريفه باعتباره انفصالًا عن التنظيم أو رفضًا للالتزام، وإنما بوصفه قدرة على الاحتفاظ بمرجعية نقدية مستقلة داخل المشاركة نفسها. فالمثقف المستقل ليس بالضرورة هو الذي يقف خارج المجال الانتخابي، بل يمكن أن يكون هو الذي يدخل هذا المجال مع احتفاظه بالقدرة على مساءلة مواقفه ومواقف التنظيم الذي ينتمي إليه، وعلى مراجعة اختياراته، وعلى إعلان الاختلاف عندما تقتضي القناعة الفكرية أو المسؤولية الإنسانية ذلك. وبهذا المعنى يصبح النقد جزءًا من ممارسة الالتزام، ولا يعود الاختلاف نقيضًا للمشاركة السياسية، بل يمكن أن يكون أحد شروط استقلالها.
كما أن هذه العلاقة تفرض إعادة النظر في طبيعة الرأسمال الثقافي الذي يحمله المثقف إلى المجال الانتخابي. فالمكانة التي يكتسبها الشاعر أو الروائي أو المفكر من خلال إنتاجه الثقافي يمكن أن تمنحه حضورًا رمزيًا داخل المجتمع، غير أن توظيف هذا الرصيد في المجال الانتخابي يثير سؤالًا يتعلق بحدود تحويل الثقافة إلى وسيلة للتموقع السياسي. ولذلك ينبغي التمييز بين توظيف المعرفة في خدمة الشأن العام وبين توظيف المكانة الثقافية في خدمة المنافسة الانتخابية؛ ففي الحالة الأولى تتحول الثقافة إلى عنصر من عناصر المسؤولية العمومية، بينما يمكن أن تتحول في الحالة الثانية إلى مجرد رأسمال انتخابي يفقد علاقته بوظيفته النقدية.
وعليه، فإن البحث في المثقف داخل المجال الانتخابي لا ينطلق من حكم معياري مسبق مؤداه أن المشاركة السياسية فضيلة أو أن الابتعاد عنها هو الشكل الأصح للاستقلال، وإنما ينطلق من مساءلة شروط المشاركة وآلياتها ونتائجها على وظيفة المثقف. فالمسألة الأساسية ليست هل يشارك المثقف في الانتخابات أم لا، وإنما كيف يعيد هذا الدخول تشكيل علاقته بالحزب، وبالناخب، وبالمؤسسة، وبالمجتمع، وبمبادئه الفكرية والإنسانية. ومن هنا تتحدد أهمية دراسة المجال الانتخابي باعتباره فضاءً تنتقل داخله القيم من مستوى التصور إلى مستوى الممارسة، وتُختبر فيه قدرة المثقف على الجمع بين الانتماء السياسي والاستقلال الفكري، وبين التمثيل الانتخابي والمسؤولية الإنسانية.
وبذلك يتأسس هذا البحث على فرضية مفادها أن المشاركة الانتخابية لا تنفي الوظيفة الثقافية للمثقف، وإنما تعيد تشكيل شروط ممارستها؛ وأن قيمة هذه المشاركة تتوقف على قدرة المثقف على تحويل الالتزام الحزبي إلى التزام بالشأن العام، وعلى الاحتفاظ داخل التنظيم السياسي بحق النقد والمراجعة والاختلاف، وعلى جعل المسؤولية الإنسانية معيارًا يضبط العلاقة بين الموقع الانتخابي والغاية الاجتماعية للممارسة السياسية. ومن ثم يصبح المجال الانتخابي، في علاقته بالمثقف، مجالًا لاختبار التحول من الالتزام التنظيمي إلى المسؤولية العمومية، ومن مجرد المشاركة في التمثيل إلى مساءلة الغايات الإنسانية التي ينبغي أن يمنحها التمثيل السياسي معناها.
طبيعة المجال الانتخابي بوصفه مجالًا للولوج إلى النظام السياسي
لا ينبغي اختزال المجال الانتخابي في لحظة التصويت أو في المنافسة بين المرشحين، لأن الانتخابات، في معناها السياسي والمؤسسي، تمثل جزءًا من مجال أوسع تتقاطع داخله آليات التنظيم الحزبي، والعمل النقابي، والتعبئة الحقوقية والمدنية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات الدستورية، ووسائط التأثير في القرار العام. ومن ثم فإن المجال الانتخابي لا يظهر باعتباره فضاءً تقنيًا لإنتاج الأصوات فقط، وإنما باعتباره آلية من آليات الولوج إلى النظام السياسي، تسمح للفاعل الاجتماعي والثقافي بأن ينتقل من موقع التعبير عن الرأي والموقف إلى موقع المشاركة في المؤسسات التي تنتج القرار العمومي.
وفي هذا السياق، يحتل الحزب موقعًا مركزيًا في تنظيم هذا الولوج، لأنه يحول المواقف والقناعات الفردية إلى برامج جماعية، ويؤطر المشاركة الانتخابية، ويقدم المرشحين، وينظم العلاقة بين الناخبين والمؤسسات المنتخبة. غير أن المجال السياسي لا يختزل في الأحزاب؛ إذ تتفاعل داخله النقابات والهيئات الحقوقية والجمعيات المدنية والمؤسسات المنتخبة ومختلف أشكال التنظيم والتعبئة الاجتماعية. ولذلك يمكن النظر إلى المجال الانتخابي باعتباره نقطة تقاطع بين المجتمع المدني والمجال السياسي والمؤسسات التمثيلية.
ومن هذه الزاوية، فإن دخول المثقف إلى المجال الانتخابي يمثل انتقالًا نوعيًا في طبيعة الفعل الذي يمارسه. فالشاعر أو الروائي أو الكاتب، عندما يكتفي بالكتابة، يمارس تأثيره أساسًا من خلال إنتاج الخطاب والمعنى والوعي والنقد. أما عندما يدخل المجال الانتخابي، فإنه ينتقل إلى فضاء آخر تحكمه قواعد التمثيل والمنافسة والتنظيم والبرنامج والاختيار الشعبي والمساءلة المؤسساتية. ولذلك لا يكون الانتقال من الكتابة إلى الانتخابات مجرد تغيير في وسيلة التعبير، وإنما انتقالًا من المجال الرمزي إلى مجال المشاركة المؤسسية في القرار العام.
غير أن هذا الانتقال لا يعني بالضرورة تخلي المثقف عن وظيفته الفكرية والإنسانية. فالمشكلة الأساسية تبدأ عندما يتحول الالتزام السياسي إلى تبعية تلغي القدرة على النقد، أو عندما يصبح الانتماء الحزبي أقوى من المبادئ التي دفعت المثقف أصلًا إلى المشاركة. وهنا يظهر التوتر بين المثقف بوصفه منتجًا للمعنى والمثقف بوصفه فاعلًا انتخابيًا.
ويصبح السؤال أكثر دقة عندما نضع المثقف داخل شبكة المؤسسات التي تؤطر المجال السياسي. فالحزب يؤطر المشاركة الانتخابية، والنقابة تدافع عن المصالح المهنية والاجتماعية، والهيئات الحقوقية تراقب وتدافع عن الحقوق والحريات، والمؤسسات المنتخبة تستقبل نتائج المشاركة الشعبية وتحولها إلى قرارات وسياسات عامة. وبذلك لا يتحرك المثقف داخل فضاء منفرد، وإنما داخل شبكة مؤسساتية متعددة المداخل والأدوار.
ويمكن تمثيل هذا المجال تشكليًا على النحو الآتي:
المجتمع → التعبير الثقافي والفكري → التنظيم المدني والحقوقي والنقابي → التأطير الحزبي → المشاركة الانتخابية → التمثيل المؤسساتي → القرار العمومي → المساءلة المجتمعية.
وهذه الحركة ليست خطية بالضرورة؛ فقد يدخل المثقف إلى المجال السياسي من الحزب، أو من النقابة، أو من العمل الحقوقي والمدني، ثم يصل إلى الانتخابات، كما يمكن أن يبدأ من موقع انتخابي ثم يعود إلى المجال الثقافي والحقوقي والنقدي. ولذلك فإن المجال الانتخابي يمثل عقدة داخل شبكة سياسية ومجتمعية أوسع، وليس نقطة منفصلة عنها.
ومن هنا يمكن فهم انتقال المثقف من حزب إلى آخر بصورة أكثر دقة. فالانتقال لا ينبغي أن يُقرأ آليًا بوصفه انتهازية سياسية، كما لا ينبغي تبريره آليًا باعتباره تطورًا فكريًا. وإنما ينبغي تحليل الآلية التي أنتجت الانتقال: هل تغيرت قناعات المثقف؟ هل تغير البرنامج السياسي للحزب؟ هل تعارض الالتزام الحزبي مع المبادئ الإنسانية التي يؤمن بها؟ هل كان الانتقال نتيجة مراجعة فكرية أم نتيجة حسابات انتخابية؟ وهل استطاع، بعد الانتقال، أن يحتفظ باستقلاله النقدي؟
وعند هذه النقطة تتحدد المسؤولية الإنسانية للمثقف. فالانتخابات تمنحه إمكانية الوصول إلى المؤسسة، لكنها لا تعفيه من مسؤوليته تجاه الإنسان. بل يمكن القول إن دخول المجال الانتخابي يضاعف هذه المسؤولية؛ لأن المثقف ينتقل من التعبير عن القيم إلى المشاركة في صياغة القرارات التي تؤثر في حياة الناس وحقوقهم وحرياتهم.
ومن ثم فإن المعيار الحقيقي لا يتمثل في السؤال عما إذا كان المثقف قد دخل الانتخابات أو بقي خارجها، وإنما في كيفية استخدامه لهذا الدخول. فإذا أصبحت المشاركة الانتخابية وسيلة لتحويل القيم الفكرية والإنسانية إلى ممارسة عمومية، أمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا لرسالته. أما إذا تحولت إلى مجرد وسيلة للوصول إلى الموقع أو النفوذ، فإنها تفصل المثقف عن وظيفته النقدية وتحوله من منتج للمعنى إلى تابع لمنطق المنافسة السياسية.
وبذلك يمكن بناء مفهوم المجال الانتخابي في هذا البحث باعتباره:
فضاءً مؤسسيًا واجتماعيًا تتقاطع داخله آليات التمثيل والمنافسة الحزبية والتنظيم النقابي والعمل الحقوقي والمدني والمؤسسات المنتخبة، وتتيح الانتخابات داخله انتقال الفاعل من موقع المشاركة الاجتماعية والثقافية إلى موقع التمثيل السياسي والمساهمة في إنتاج القرار العمومي.
وعلى هذا الأساس، فإن دراسة المثقف في المجال الانتخابي لا تبحث فقط في هل يشارك أم لا يشارك؟ وإنما تبحث في ماذا يحدث للمثقف عندما ينتقل من فضاء إنتاج الخطاب إلى فضاء إنتاج القرار؟ وكيف يعيد هذا الانتقال تشكيل علاقته بالحزب، وبالناخب، وبالمؤسسة، وبالمجتمع، وبحقوق الإنسان، وبضميره الإبداعي؟
وهنا تحديدًا تتشكل الإشكالية التي تجمع الأسئلة السابقة:
المثقف → المشاركة الانتخابية → الالتزام الحزبي → التمثيل السياسي → المسؤولية العمومية → حماية الإنسان.
وبذلك يصبح المجال الانتخابي في تصورنا ليس غاية في ذاته، وإنما آلية للعبور من المجال الثقافي والاجتماعي إلى المجال السياسي المؤسسي، مع بقاء السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يحافظ المثقف، بعد هذا العبور، على استقلال ضميره وعلى مسؤوليته الإنسانية؟
ويمكن للمثقف أن يحافظ على استقلال ضميره ومسؤوليته الإنسانية بعد عبوره إلى المجال الانتخابي، لكن ذلك ليس نتيجة تلقائية للمشاركة، بل هو اختبار حقيقي لها. فالانتقال من المجال الثقافي إلى المجال الانتخابي يغير موقع المثقف ووظيفته وأدواته؛ إذ ينتقل من إنتاج الخطاب ومساءلة الواقع إلى المشاركة في التمثيل واتخاذ القرار العمومي. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق بمجرد دخوله الانتخابات، وإنما بما إذا كان هذا الدخول سيعيد تشكيل منظومته القيمية أم سيظل خاضعًا لها.
فالانتماء الحزبي، في أصله، لا يتناقض مع استقلال المثقف. الحزب إطار للتنظيم والتأطير والمشاركة، وليس بالضرورة إطارًا لإلغاء الشخصية الفكرية. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الالتزام التنظيمي من وسيلة للمشاركة إلى معيار وحيد للحقيقة. عندئذ يصبح المثقف مطالبًا بالدفاع عن موقف الحزب حتى عندما يتعارض مع قناعاته أو مع ما يراه حقًا وعدلًا. وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لاستقلال الضمير: هل يظل المثقف قادرًا على ممارسة النقد من داخل الانتماء، أم يتحول الانتماء إلى قيد على النقد؟
ومن هذه الزاوية، فإن استقلال المثقف لا يعني أن يبقى خارج الأحزاب أو الانتخابات، بل يعني أن يحتفظ بمسافة نقدية داخل المشاركة نفسها. فالمثقف الذي يدخل الانتخابات لا يفقد صفته كمثقف بمجرد ترشحه، وإنما يفقدها عندما يتخلى عن الوظيفة النقدية التي تمنح حضوره السياسي معناه. ولذلك يمكن أن يكون الانخراط الانتخابي امتدادًا للرسالة الثقافية إذا ظل المثقف قادرًا على مساءلة التنظيم الذي ينتمي إليه، ونقد القرارات التي يشارك فيها، والاعتراض عندما تتعارض الممارسة السياسية مع المبادئ التي أعلن الالتزام بها.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الالتزام السياسي والتبعية السياسية. فالالتزام يعني أن يختار المثقف موقفًا سياسيًا ويدافع عنه عن وعي واقتناع، مع احتفاظه بحقه في المراجعة والنقد. أما التبعية فتعني أن يصبح موقفه محددًا مسبقًا بإرادة التنظيم، بحيث لا يعود قادرًا على اتخاذ موقف مستقل. وفي الحالة الأولى تظل السياسة مجالًا للممارسة؛ وفي الثانية تتحول المشاركة إلى آلية لإعادة إنتاج الموقف الحزبي.
ومن ثم فإن انتقال المثقف إلى المجال الانتخابي يضعه أمام ثلاث دوائر من المسؤولية لا ينبغي أن تنفصل:
مسؤوليته تجاه الحزب بوصفه إطارًا للتنظيم السياسي،
ومسؤوليته تجاه الناخبين والمجتمع بوصفهم مصدر التمثيل والمساءلة،
ومسؤوليته تجاه ضميره وقيمه الإنسانية بوصفها المرجعية التي تمنح مشاركته معناها الأخلاقي.
وقد يصبح التعارض بين هذه الدوائر أمرًا حتميًا في بعض اللحظات. فقد يفرض الانضباط الحزبي موقفًا لا ينسجم مع قناعة المثقف، وقد تتعارض مصلحة انتخابية قصيرة المدى مع حق إنساني أو مصلحة اجتماعية أوسع. وهنا لا يمكن حل الإشكال بمجرد الاحتكام إلى الانتماء التنظيمي؛ لأن المثقف الذي جعل من الإنسان موضوعًا لرسالته لا يستطيع أن يجعل الإنسان تابعًا للحساب الانتخابي.
ولهذا يمكن القول إن المسؤولية الإنسانية تصبح المعيار الأعلى الذي يختبر من خلاله المثقف مشروعية التزامه السياسي. فإذا كان القرار السياسي يحمي الكرامة والحرية والعدالة وحقوق الإنسان، فإن المشاركة فيه يمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا للرسالة الثقافية. أما إذا أصبح الوصول إلى الموقع الانتخابي غاية مستقلة عن هذه القيم، فإن المثقف يكون قد انتقل من خدمة المعنى إلى خدمة الموقع.
وهنا تتضح كذلك مسألة انتقال المثقف من حزب إلى حزب التي طرحتها سابقًا. فالانتقال لا يكون في ذاته دليلًا على سقوط أخلاقي، كما لا يكون في ذاته دليلًا على نضج فكري. المعيار هو: ماذا بقي من المبادئ التي حكمت اختياره الأول؟ وما الذي تغير؟ ولماذا تغير؟ وهل استطاع أن يشرح انتقاله باعتباره مراجعة فكرية وسياسية مسؤولة؟
إذا كان الانتقال نتيجة اكتشاف تناقض بين المبادئ التي يؤمن بها والممارسة السياسية التي أصبح الحزب يمارسها، فقد يكون الانتقال تعبيرًا عن استقلال الضمير. أما إذا كان الانتقال يحدث كلما تغيرت موازين القوة أو فرص الفوز أو المواقع المتاحة، فإن الأمر يحتاج إلى قراءة مختلفة، لأن التغير هنا قد يكون في الموقع لا في الفكر.
ومن هنا فإن المثقف الانتخابي يواجه مفارقة دقيقة: فالانتخابات تمنحه فرصة أكبر للتأثير في الواقع، لكنها في الوقت نفسه تعرض استقلاله لمزيد من الاختبارات. فكلما اقترب من مركز القرار، ازدادت قدرته على التأثير، لكن ازدادت أيضًا الضغوط التنظيمية والانتخابية والمصلحية التي يمكن أن تحد من حريته النقدية.
ولهذا فإن الحفاظ على الضمير لا يعني رفض السياسة، وإنما يعني دخول السياسة دون فقدان القدرة على قول «لا». فالمثقف الذي لا يستطيع الاعتراض على حزبه عندما يرى أن موقفه يتعارض مع قناعته الأخلاقية، أو لا يستطيع الدفاع عن حق إنساني عندما يكون الدفاع عنه مكلفًا انتخابيًا، يكون قد فقد الجزء الأكثر أهمية من استقلاله.
ويمكن اختزال العلاقة في صيغة تشكلية:
المثقف → المشاركة الانتخابية → الالتزام الحزبي → التمثيل السياسي → اختبار القيم → النقد والمراجعة → المسؤولية الإنسانية.
وهذه ليست حركة خطية؛ لأن المسؤولية الإنسانية تعود لتعيد تقييم الالتزام السياسي، والالتزام السياسي يعيد اختبار المشاركة الانتخابية، والمشاركة تعيد تشكيل موقع المثقف نفسه.
وعليه، فإن العبور إلى المجال الانتخابي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه خروجًا من الثقافة إلى السياسة، وإنما بوصفه انتقالًا من مجال إنتاج الوعي إلى مجال اختبار هذا الوعي في الممارسة العمومية. فإذا ظل المثقف قادرًا على الاحتفاظ باستقلاله النقدي، وظلت حقوق الإنسان والكرامة والعدالة مرجعية له، فإن مشاركته الانتخابية يمكن أن تكون امتدادًا لمسؤوليته الثقافية. أما إذا أصبح المنصب الانتخابي غاية، والحزب مرجعية مطلقة، والمصلحة الانتخابية معيارًا للحقيقة، فإن العبور يكون قد أنتج تحولًا من المثقف المسؤول إلى السياسي الملتزم بالتنظيم فقط.وهنا يمكن الوصول إلى خلاصة أكثر حسمًا:
لا يقاس استقلال المثقف بكونه خارج المجال الانتخابي أو داخله، وإنما بقدرته على أن يدخل المجال السياسي دون أن يسلم له ضميره؛ وأن يلتزم دون أن يتبع، وأن يمثل دون أن يفقد استقلاله، وأن يمارس السياسة دون أن يتخلى عن الإنسان.
وبهذا المعنى تصبح المسؤولية الإنسانية ليست بديلًا عن الالتزام السياسي، بل هي المعيار الأخلاقي الذي يمنح هذا الالتزام مشروعيته وحدوده.
علاقة المثقف بالمجال الانتخابي
لا تُفهم علاقة المثقف بالمجال الانتخابي باعتبارها مجرد انتقال من موقع ثقافي إلى موقع سياسي، وإنما باعتبارها تحولًا في طبيعة الفعل الذي يمارسه المثقف وفي علاقته بالمجتمع والتمثيل والقرار العمومي. فالمثقف، قبل دخوله المجال الانتخابي، يمارس تأثيره أساسًا عبر إنتاج المعرفة والخطاب والنقد وتشكيل الوعي؛ بينما تتيح له المشاركة الانتخابية الانتقال إلى مجال مؤسسي يصبح فيه طرفًا في عملية التمثيل السياسي، وصياغة البرامج، والتعبير عن المصالح العامة، والمساهمة في صناعة القرار.
ومن هذه الزاوية، لا تمثل الانتخابات نهاية للدور الثقافي، وإنما يمكن أن تكون إحدى آليات تحويل الرأسمال الثقافي إلى فعل عمومي. فالمعرفة التي ينتجها المثقف، والقيم التي يدافع عنها، والتصورات التي يحملها عن المجتمع والعدالة والحرية والإنسان، يمكن أن تنتقل من مجال الخطاب إلى مجال الممارسة عندما يقرر المشاركة في الانتخابات. لكن هذا الانتقال يضعه في الوقت نفسه أمام منظومة جديدة من القواعد والالتزامات والمصالح، وهو ما يجعل العلاقة بين المثقف والمجال الانتخابي علاقة مركبة لا يمكن اختزالها في المشاركة أو عدم المشاركة.
وتنبني هذه العلاقة أولًا على حق المثقف في المشاركة السياسية. فكونه شاعرًا أو روائيًا أو أستاذًا أو مفكرًا لا يجرده من صفته كمواطن، ولا يمنعه من ممارسة حقه في الترشح أو التصويت أو الانتماء الحزبي. بل إن إقصاء المثقف عن المجال السياسي بدعوى أن السياسة تفسد الثقافة قد يؤدي إلى فصل المعرفة عن المجال الذي تتحول فيه القيم إلى سياسات ومؤسسات. غير أن ممارسة هذا الحق تفرض عليه مسؤولية إضافية، لأن المثقف يدخل المجال الانتخابي محملًا برصيد رمزي وفكري يجعل الجمهور ينظر إليه باعتباره صاحب موقف يتجاوز المصلحة الشخصية.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين المثقف الذي يستخدم الانتخابات للوصول إلى المجتمع والمثقف الذي يستخدم الثقافة للوصول إلى الانتخابات. ففي الحالة الأولى تكون المشاركة الانتخابية امتدادًا لمشروع فكري واجتماعي سابق، ويصبح الموقع السياسي وسيلة لتحقيق قيم ومصالح عامة. أما في الحالة الثانية فقد تتحول الثقافة إلى مجرد رأسمال رمزي يوظف في بناء صورة انتخابية، بحيث يصبح الإبداع وسيلة للترقي السياسي بدل أن تكون السياسة امتدادًا للمسؤولية الثقافية.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يدخل المثقف في حزب سياسي. فالحزب يوفر له إطارًا تنظيميًا يسمح بتحويل أفكاره إلى برنامج وممارسة، لكنه يفرض عليه في المقابل قدرًا من الالتزام الجماعي. وهنا تنشأ المسألة الأساسية: كيف يجمع المثقف بين الالتزام الحزبي واستقلاله الفكري؟ فالالتزام ضروري لعمل الحزب، لكن الاستقلال ضروري لوظيفة المثقف. وإذا أصبح الالتزام التنظيمي يلغي إمكانية النقد والمراجعة، فإن المثقف يفقد إحدى أهم خصائصه؛ أما إذا استطاع أن يمارس النقد من داخل الحزب، فإن انتماءه يمكن أن يصبح شكلًا من أشكال المشاركة الواعية لا التبعية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى انتقال المثقف من حزب إلى آخر باعتباره دليلًا آليًا على الانتهازية أو الخيانة السياسية. فقد يكون الانتقال نتيجة تغير في البرامج أو المواقف أو الظروف التاريخية، وقد يكون نتيجة مراجعة فكرية عميقة. ولذلك فإن معيار الحكم ينبغي أن يكون استمرارية المبادئ لا استمرارية الانتماء التنظيمي. فالمثقف الذي يغير حزبه لكنه يحافظ على قيم الحرية والعدالة والكرامة والمسؤولية الإنسانية قد يكون أكثر اتساقًا مع ذاته من مثقف بقي في الحزب نفسه لكنه تخلى عن هذه القيم.
وتظهر هنا الوظيفة الأخلاقية للمثقف داخل المجال الانتخابي. فالمنافسة الانتخابية تقوم بطبيعتها على استقطاب الناخبين وتحقيق الأصوات وبناء التحالفات، بينما تقوم الوظيفة الثقافية على النقد والكشف وإعادة التفكير. وقد يتعارض المنطقان أحيانًا؛ إذ قد تفرض الحسابات الانتخابية خطابًا أكثر تبسيطًا أو مواقف أكثر براغماتية، في حين تقتضي المسؤولية الثقافية الدفاع عن موقف قد لا يحظى بشعبية. وفي هذه المنطقة تحديدًا يُختبر استقلال المثقف.
إن الانتخابات تمنح المثقف إمكانية التأثير، لكنها تضع استقلاله تحت الاختبار. فقبل الانتخابات يستطيع أن يقول ما يعتقد أنه حق دون أن يتحمل مسؤولية القرار المؤسسي المباشر، أما بعد دخوله المجال الانتخابي فإنه يصبح مسؤولًا عن مواقفه ووعوده وقراراته وعن النتائج المترتبة على مشاركته. ولذلك فإن المشاركة لا تزيد فقط من قدرته على التأثير، بل تزيد كذلك من حجم مسؤوليته.
ومن هنا تصبح العلاقة بين المثقف والمجال الانتخابي علاقة تحويل للخطاب إلى ممارسة:
المعرفة → الموقف → الالتزام → المشاركة الانتخابية → التمثيل → القرار → المساءلة.
غير أن هذه الحركة ينبغي ألا تقطع الصلة بين التمثيل السياسي والمسؤولية الإنسانية. فالمثقف لا يدخل الانتخابات لكي يتحول إلى مجرد رقم داخل مؤسسة، وإنما لكي يحمل معه جزءًا من القيم التي أنتجها في مجاله الثقافي. ولذلك فإن الدفاع عن حقوق الإنسان، والكرامة، والعدالة، والحريات، والمصلحة العامة، لا ينبغي أن يتوقف بمجرد الوصول إلى موقع انتخابي.
ويمكن، في هذا السياق، التمييز بين ثلاثة أنماط لعلاقة المثقف بالمجال الانتخابي:
المثقف خارج المجال الانتخابي: يختار أن يمارس مسؤوليته من خلال الكتابة والنقد والدفاع عن الإنسان والمشاركة المدنية والحقوقية، مع الحفاظ على مسافة من التنظيمات الانتخابية.
المثقف المشارك انتخابيًا: يدخل الانتخابات بوصفها وسيلة للمساهمة في القرار العام، لكنه يحافظ على استقلاله الفكري والنقدي.
المثقف الحزبي الانتخابي: يندمج بصورة أعمق في التنظيم السياسي، وهنا يصبح التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الانضباط الحزبي والحرية الفكرية.
ولا يمكن القول إن أحد هذه الأنماط هو الصحيح بصورة مطلقة؛ لأن القيمة تتحدد بمدى قدرة المثقف على الحفاظ على المسؤولية الأخلاقية والإنسانية داخل الموقع الذي اختاره.
ومن منظور أعمق، يمكن اعتبار المجال الانتخابي اختبارًا لتحول المثقف من منتج للمعنى إلى فاعل في إنتاج الواقع. فالكاتب يستطيع أن ينتقد الفقر، والتمييز، والفساد، والتهميش، وانتهاك الحقوق من خلال الرواية أو المقال أو الدراسة؛ أما المثقف المنتخب فيصبح مطالبًا بالمساهمة في صياغة السياسات التي تواجه هذه الظواهر. ولذلك فإن دخوله المجال الانتخابي يضعه أمام سؤال جديد: هل يستطيع أن يحول القيم التي يدافع عنها في كتاباته إلى ممارسات ومواقف وسياسات؟
وهنا تكمن قيمة المشاركة السياسية للمثقف، كما تكمن مخاطرها في الوقت نفسه.
وإذا كان المثقف شاعرًا أو روائيًا، فإن دخوله المجال الانتخابي يضيف إلى صورته الإبداعية صورة أخرى هي صورة المواطن المشارك في الشأن العام. ولا ينبغي أن تلغي إحداهما الأخرى. فالشاعر لا يتوقف عن كونه شاعرًا لأنه أصبح منتخبًا، والروائي لا يفقد حقه في الخيال والنقد لأنه انخرط في السياسة. لكن عليه أن يدرك أن الموقع الانتخابي يفرض عليه مسؤوليات جديدة، وأن كل موقف سياسي يتخذه يمكن أن يؤثر في صورته الإبداعية وفي ثقة الجمهور به.
وبذلك يمكن صياغة العلاقة في صورة لولبية لا خطية:
المثقف → إنتاج الوعي → المشاركة الانتخابية → التمثيل السياسي → اختبار المبادئ → المسؤولية الإنسانية → إعادة تقييم الممارسة → تجدد الوعي.
فالانتخابات لا تنهي وظيفة المثقف، وإنما تعيد اختبارها. والالتزام السياسي لا يلغي استقلاله، إلا إذا تحول إلى تبعية. والمشاركة الانتخابية لا تتعارض مع المسؤولية الإنسانية، إلا إذا أصبحت المصلحة الانتخابية أعلى من الإنسان.
وعليه، فإن علاقة المثقف بالمجال الانتخابي يمكن تعريفها بأنها:
علاقة انتقال من إنتاج الوعي في المجال الثقافي إلى المساهمة في إنتاج القرار داخل المجال السياسي، مع بقاء استقلال الضمير الفكري والمسؤولية الإنسانية شرطين أساسيين حتى لا تتحول المشاركة الانتخابية من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية للتموقع السياسي.
ومن هنا فإن السؤال المركزي لا يصبح: هل ينبغي للمثقف أن يدخل الانتخابات أم لا؟ وإنما يصبح أكثر عمقًا: ماذا يحدث لوظيفة المثقف عندما يدخل المجال الانتخابي، وكيف يستطيع أن يحول التزامه السياسي إلى مسؤولية عمومية دون أن يفقد استقلاله الفكري والإنساني؟
وهذا السؤال هو الذي يجعل المجال الانتخابي موضوعًا صالحًا لدراسة العلاقة بين المثقف، والالتزام السياسي، والتمثيل، والمسؤولية الإنسانية، بدل اختزال المسألة في مجرد موقف مؤيد أو رافض للمشاركة الانتخابية.
الحفاظ على الاستقلال الفكري والإنساني عندما يدخل المثقف إلى المجال الانتخابي
لا يعني دخول المثقف إلى المجال الانتخابي التخلي عن استقلاله الفكري والإنساني، كما لا يعني استقلاله أن يظل بالضرورة خارج المجال السياسي. فالمسألة تتعلق أساسًا بكيفية إدارة العلاقة بين الانتماء السياسي من جهة، والاستقلال الفكري والمسؤولية الإنسانية من جهة أخرى. فالانتخابات تفتح أمام المثقف إمكانية الانتقال من إنتاج الأفكار والمواقف إلى المشاركة في التمثيل وصناعة القرار العمومي، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام منظومة من الالتزامات الحزبية والانتخابية والمؤسساتية التي قد تضغط على حريته في التفكير والتعبير. ومن هنا يصبح الحفاظ على الاستقلال ليس موقفًا سلبيًا من السياسة، وإنما ممارسة واعية داخلها.
ويبدأ هذا الاستقلال من الاحتفاظ بمرجعية فكرية سابقة على الانتماء الحزبي. فالمثقف الذي يدخل حزبًا سياسيًا ينبغي ألا يجعل الحزب مصدرًا لأفكاره، بل أن يدخل إليه حاملًا لمشروعه الفكري والقيمي، بحيث يكون الحزب إطارًا لتنظيم الممارسة وتحويل القناعات إلى برامج، لا إطارًا لإنتاج القناعة ذاتها. وبهذا المعنى يكون الانتماء السياسي اختيارًا واعيًا، لا تنازلًا عن الشخصية الفكرية.
ويترتب على ذلك التمييز بين الالتزام والتبعية. فالالتزام السياسي يعني أن يقبل المثقف قواعد العمل الجماعي، وأن يحترم البرنامج الذي اختاره، وأن يتحمل مسؤولية المواقف التي اتخذها ضمن التنظيم. أما التبعية فتعني أن يتنازل عن حقه في التفكير المستقل، وأن يصبح موقفه السياسي انعكاسًا آليًا لموقف الحزب. ولذلك فإن المثقف يحافظ على استقلاله عندما يستطيع أن يكون ملتزمًا دون أن يكون تابعًا، وأن يكون وفيًا للتنظيم دون أن يكون وفيًا له على حساب قناعاته الأساسية.
وتتجلى هذه الاستقلالية بصورة خاصة في الحق في الاختلاف. فالمثقف لا يختبر استقلاله عندما يتفق مع حزبه، وإنما عندما يجد نفسه أمام موقف لا يستطيع قبوله فكريًا أو أخلاقيًا. فإذا امتلك القدرة على إعلان اختلافه، وتقديم حججه، والمطالبة بمراجعة الموقف، فإنه يحافظ على وظيفته النقدية. أما إذا أصبح الخوف من خسارة الموقع أو التأثير الانتخابي سببًا للصمت، فإن المشاركة السياسية تبدأ في تحويل المثقف من فاعل نقدي إلى تابع تنظيمي.
ويحتاج المثقف كذلك إلى الحفاظ على استقلال لغته. فالمجال الانتخابي يقوم على الخطاب الموجه إلى الناخبين، وعلى الإقناع والتعبئة والمنافسة، ولذلك يمكن أن تدفع الضرورة الانتخابية إلى استعمال خطاب مبسط أو شعاراتي أو عاطفي. غير أن المثقف يستطيع أن يشارك في هذا المجال دون أن يتخلى عن مسؤوليته تجاه الحقيقة، فلا يحول المعرفة إلى دعاية، ولا الثقافة إلى أداة لاستقطاب الأصوات، ولا مكانته الرمزية إلى وسيلة لتضليل الناخبين. إن استقلال اللغة هنا هو جزء من استقلال الضمير.
كما أن الحفاظ على الاستقلال الإنساني يقتضي ألا يتحول الإنسان إلى مجرد ناخب. فالمواطن في المجال الانتخابي ليس رقمًا انتخابيًا، ولا ينبغي للمثقف أن ينظر إليه فقط باعتباره مصدرًا للصوت الذي يحتاج إليه للوصول إلى المؤسسة. إن المسؤولية الإنسانية تبدأ عندما يتجاوز المثقف الحساب الانتخابي الضيق إلى النظر في حاجات الناس وحقوقهم وكرامتهم ومصالحهم بعيدة المدى.
ومن هنا تصبح المسؤولية الإنسانية معيارًا لتقييم الالتزام السياسي. فإذا تعارض موقف حزبي أو انتخابي مع مبدأ أساسي من مبادئ العدالة أو الكرامة أو حقوق الإنسان، فإن المثقف يواجه اختبارًا حقيقيًا: هل يقدم مقتضيات الانضباط السياسي أم مقتضيات ضميره؟ ولا يعني ذلك أن كل اختلاف مع الحزب يقتضي الانسحاب منه، وإنما يعني أن المثقف يجب أن يحتفظ بقدرة حقيقية على المراجعة والاعتراض عندما تصبح المبادئ الأساسية موضع تهديد.
كما أن الاستقلال يتطلب الشفافية في العلاقة مع الناخبين. فالمثقف الذي يترشح للانتخابات يدخل في علاقة جديدة مع الجمهور، ولا يعود خطابه مجرد خطاب ثقافي يحتمل التأويل، بل يصبح جزءًا من عقد تمثيلي يقوم على الوعد والمساءلة. ولذلك فإن مسؤوليته تقتضي ألا يقدم وعودًا يعلم استحالتها، وألا يستخدم شهرته الثقافية لإنتاج صورة انتخابية زائفة، وأن يظل مستعدًا لمحاسبة نفسه على الفارق بين ما قاله قبل الانتخابات وما فعله بعدها.
أما الاستقلال الإنساني، فيقتضي أيضًا أن يحتفظ المثقف بحق العودة إلى موقع النقد بعد الممارسة. فالمنتخب المثقف لا ينبغي أن يتحول بمجرد وصوله إلى المؤسسة إلى شخص محصن ضد النقد. بل إن تجربته السياسية يمكن أن تصبح موضوعًا لإعادة النظر والتقييم، بما يسمح له بأن يكتشف حدود أفكاره السابقة وأن يعيد بناء مواقفه على ضوء التجربة. وهنا يتحول المجال الانتخابي إلى فضاء للتعلم السياسي، لا إلى نهاية لمسار المثقف.
وتكتسب مسألة الانتقال من حزب إلى آخر معناها داخل هذا الإطار. فالمثقف المستقل لا يُقاس بثباته الأبدي على الانتماء التنظيمي، وإنما بقدرته على تفسير تحولاته السياسية انطلاقًا من تحولات فكرية أو قيمية واضحة. فإذا غادر حزبًا لأنه لم يعد يجد فيه مجالًا لممارسة قناعاته، فقد يكون الانتقال تعبيرًا عن الاستقلال. أما إذا أصبح الانتقال تابعًا لتحولات المواقع وفرص الفوز والنفوذ، فإنه قد يكشف عن انتقال من الالتزام بالمبدأ إلى الالتزام بالمصلحة.
ومن ثم، فإن الحفاظ على الاستقلال الفكري والإنساني لا يعني الحياد السياسي بالضرورة، بل يعني امتلاك معيار مستقل للحكم على المواقف السياسية. يستطيع المثقف أن يكون منحازًا إلى العدالة والحرية وحقوق الإنسان، وأن يشارك في حزب أو انتخابات، دون أن يصبح تابعًا له. فالاستقلال لا يعني غياب الموقف، وإنما يعني أن يكون للمثقف موقفه الذي يستطيع أن يراجعه ويبرره ويدافع عنه حتى عندما لا ينسجم مع مقتضيات التنظيم.
ويمكن بناء هذه العلاقة في حركة تشكلية:
الاستقلال الفكري → الاختيار السياسي → المشاركة الانتخابية → الالتزام التنظيمي → الممارسة → الاختلاف والنقد → المسؤولية الإنسانية → إعادة تقييم الموقف.
وبذلك لا يكون المجال الانتخابي نقيضًا للمجال الثقافي، وإنما يصبح فضاءً لاختبار ما ينتجه المجال الثقافي من قيم وأفكار. فالمثقف قبل الانتخابات يتحدث عن الإنسان والعدالة والحرية، أما بعد دخوله المجال الانتخابي فإنه يواجه السؤال العملي: كيف تتحول هذه المفاهيم إلى مواقف وبرامج وقرارات؟ وهنا بالضبط يتحدد الفرق بين ثقافة تُستخدم انتخابيًا وثقافة تدخل الانتخابات لكي تجعل السياسة أكثر إنسانية.
وعليه، فإن الحفاظ على الاستقلال الفكري والإنساني عندما يدخل المثقف إلى المجال الانتخابي يقوم على أن يظل الانتماء السياسي في مرتبة الوسيلة، وأن تبقى القيم الإنسانية في مرتبة الغاية؛ وأن يكون الالتزام الحزبي قابلًا للنقد والمراجعة؛ وأن يظل الاختلاف ممكنًا؛ وأن تبقى علاقة المثقف بالناخب قائمة على الصدق والمساءلة؛ وأن يظل الإنسان، لا الموقع الانتخابي، هو المعيار النهائي للممارسة.
وفي هذا المعنى، لا تكمن قوة المثقف في أن يبتعد عن الانتخابات خوفًا من فقدان استقلاله، ولا في أن يدخلها بحثًا عن النفوذ، وإنما في أن يستطيع العبور إلى المجال الانتخابي دون أن يفقد المرجعية التي جعلت من ثقافته وإبداعه فعلًا ذا قيمة إنسانية في الأصل. فالانتخابات تمنحه موقعًا للتأثير، لكن استقلاله هو الذي يمنح هذا التأثير مشروعيته.
و تتحدد المحافظة على الاستقلال الفكري في مجموعة من الآليات المترابطة، لا في مجرد اتخاذ موقف من المشاركة أو عدمها.
أول هذه الآليات هو الفصل بين الانتماء الحزبي والاقتناع الفكري. فالمثقف يستطيع أن ينتمي إلى حزب وأن يشارك في الانتخابات، من دون أن يجعل الحزب مصدرًا نهائيًا للحقيقة. فالانتماء هنا وسيلة لتنظيم الفعل السياسي وتحويل الأفكار إلى برامج، وليس تفويضًا للمؤسسة الحزبية لكي تحل محل ضمير المثقف. ولذلك يظل من حقه أن يراجع موقف الحزب وأن يعترض على ما يراه متعارضًا مع مبادئه.
وثانيها تحويل المعرفة إلى مسؤولية انتخابية. فالمثقف لا يدخل المجال الانتخابي باعتباره شخصًا يبحث عن موقع، وإنما باعتباره حاملًا لرصيد معرفي وثقافي يفترض أن ينعكس على نوعية الخطاب والبرنامج والمواقف التي يقدمها للناخبين. وهنا تصبح الثقافة مصدرًا لتجويد الممارسة السياسية، لا مجرد وسيلة لاكتساب الشعبية.
وثالثها الحفاظ على حق النقد من الداخل. وهذه ربما هي الآلية الأهم؛ لأن استقلال المثقف لا يُختبر عندما يكون خارج التنظيم، وإنما عندما يصبح جزءًا منه. فإذا استطاع أن ينتقد الحزب الذي ينتمي إليه، وأن يعترض على قرار يتعارض مع قناعته، وأن يعلن موقفه عندما يرى أن المصلحة العامة تتطلب ذلك، فإنه يحافظ على المسافة الضرورية بين الالتزام والتبعية.
ورابعها جعل الإنسان معيارًا للموقف السياسي. فالمثقف لا يستطيع أن يجعل الحساب الانتخابي معيارًا وحيدًا لمواقفه. فقد يكون موقف ما مفيدًا انتخابيًا لكنه ضار بفئة اجتماعية معينة، وقد يكون الدفاع عن حق إنساني أقل شعبية ولكنه أكثر اتساقًا مع المسؤولية الأخلاقية. هنا ينبغي أن تتقدم كرامة الإنسان وحقوقه على مصلحة الموقع الانتخابي.
وخامسها الشفافية في التحول السياسي. فإذا انتقل المثقف من حزب إلى آخر، فإن استقلاله يقتضي أن يشرح أسباب الانتقال وأن يبين ما الذي تغير في قناعاته أو في برنامج الحزب السابق أو الجديد. فالمشكلة ليست في تغيير الانتماء، وإنما في أن يصبح الانتقال بلا مبرر فكري واضح، أو أن يتكرر تبعًا لتغير فرص الوصول إلى الموقع.
وسادسها عدم توظيف الإبداع بوصفه أداة انتخابية محضة. فالشاعر والروائي يمتلكان رأسمالًا رمزيًا خاصًا، وقد يمنحهما حضورهما الثقافي ثقة الجمهور. لكن استعمال هذا الرصيد فقط للوصول إلى الأصوات يمكن أن يحول الإبداع إلى وسيلة انتخابية. أما إذا ظل الإبداع مستقلًا، وأصبحت المشاركة السياسية امتدادًا للمسؤولية الثقافية، فإن العلاقة تكون أكثر توازنًا.
ومن هنا يمكن صياغة الآلية كلها في حركة متكاملة:
المعرفة الثقافية → الموقف السياسي → المشاركة الانتخابية → الالتزام الحزبي → ممارسة النقد → حماية الاستقلال → المسؤولية الإنسانية → المساءلة.
وهذه الحركة لا تسير في خط مستقيم؛ فالمشاركة تعيد اختبار الموقف، والممارسة تكشف حدود الالتزام، والنقد يعيد تشكيل الموقف، والمسؤولية الإنسانية تعيد توجيه المشاركة.
وبذلك لا يكون السؤال: هل يشارك المثقف في الانتخابات؟ وإنما:
كيف يدخل المثقف المجال الانتخابي دون أن يتحول من صاحب رسالة إلى تابع، وكيف يحول التزامه السياسي إلى ممارسة للمسؤولية الإنسانية، مع احتفاظه بحقه في النقد والمراجعة والاختلاف؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يصبح المجال الانتخابي مختبرًا أخلاقيًا للمثقف: فخارج الانتخابات يمكن للمثقف أن يعلن قيمه، أما داخلها فيُختبر مدى قدرته على تحويل هذه القيم إلى موقف وممارسة وقرار.
مساءلة شروط المشاركة وآلياتها ونتائجها على وظيفة المثقف
إن مساءلة علاقة المثقف بالمجال الانتخابي تقتضي الانتقال من سؤال المشاركة في حد ذاتها إلى تحليل الشروط التي تجعل هذه المشاركة ممكنة، والآليات التي تنتظم من خلالها، والنتائج التي تترتب عنها على وظيفة المثقف وموقعه داخل المجال العمومي. فالمشاركة الانتخابية ليست فعلًا معزولًا عن بنية سياسية ومؤسساتية وتنظيمية، وإنما تتشكل داخل شبكة من العلاقات التي تحدد إمكانات الفعل وحدوده، وتعيد توزيع الأدوار بين المثقف والحزب والناخب والمؤسسة. ولذلك فإن دخول المثقف إلى المجال الانتخابي ينبغي أن يُدرس بوصفه سيرورة لإعادة تشكيل موقع الفاعل الثقافي داخل المجال السياسي.
ويبدأ تحليل شروط المشاركة من طبيعة المجال الذي يستقبل المثقف. فالمشاركة الانتخابية تقتضي وجود إطار قانوني ومؤسساتي يحدد شروط الترشح والانتماء والتنظيم والتمثيل، كما تقتضي وجود تنظيمات سياسية ومدنية تسمح بتحويل القناعة الفردية إلى فعل جماعي. ويأتي الحزب في مقدمة هذه التنظيمات، لأنه يمثل إحدى الآليات الأساسية التي تنتقل عبرها المشاركة الفردية إلى المجال المؤسسي. غير أن حضور الحزب لا يلغي تعدد مداخل المشاركة، إذ يمكن أن تتقاطع مع العمل النقابي والمدني والحقوقي والثقافي، بما يجعل المجال الانتخابي جزءًا من بنية أوسع للمشاركة في الشأن العام.
وفي حالة المثقف، تضاف إلى هذه الشروط المؤسسية شروط أخرى تتصل بطبيعة موقعه الرمزي. فالمثقف يدخل المجال الانتخابي حاملًا معه تاريخًا من الكتابة والإنتاج الفكري والإبداعي، ورصيدًا من الثقة أو التأثير لدى فئة من الجمهور. وهذا الرصيد قد يكون عنصر قوة في المشاركة، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى مصدر ضغط؛ لأن الجمهور قد ينتظر من المثقف أن يحافظ على المواقف والقيم التي عرف بها، في حين قد تفرض عليه المنافسة الانتخابية مقتضيات مختلفة. ومن هنا تصبح المشاركة عملية تفاوض بين الرصيد الثقافي ومتطلبات الفعل السياسي.
أما آليات المشاركة فتتمثل في التنظيم الحزبي، والترشح، والحملة الانتخابية، والتواصل مع الناخبين، والبرنامج السياسي، ثم التمثيل داخل المؤسسة المنتخبة. وهذه الآليات لا تعمل بصورة محايدة، لأنها تعيد تشكيل خطاب المثقف وطريقة حضوره وعلاقته بالجمهور. فالمثقف الذي اعتاد إنتاج خطاب معرفي أو أدبي مركب يجد نفسه داخل المجال الانتخابي أمام ضرورة التواصل مع جمهور واسع، والدخول في خطاب سياسي قابل للتداول والتعبئة، والمشاركة في قرارات جماعية. وهنا يمكن أن يحدث تحول في طبيعة الخطاب ذاته، إذ ينتقل من خطاب يهدف إلى إنتاج المعرفة أو مساءلة الواقع إلى خطاب يسعى أيضًا إلى الإقناع واستقطاب الدعم.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة فقدان المثقف لوظيفته الثقافية. فالمسألة تتوقف على كيفية توظيف الرصيد الثقافي داخل الممارسة السياسية. فإذا أصبحت الثقافة مجرد أداة لبناء صورة انتخابية، انكمشت الوظيفة النقدية للمثقف لصالح الوظيفة الدعائية. أما إذا استُثمرت المعرفة في تحليل المشكلات الاجتماعية، وبناء البرامج، وتفسير الخيارات السياسية، والدفاع عن الحقوق، فإن المشاركة يمكن أن توسع وظيفة المثقف بدل أن تلغيها.
وتظهر هنا إشكالية الالتزام الحزبي بوصفها إحدى أهم آليات المشاركة. فالعمل السياسي الجماعي يتطلب قدرًا من الانضباط، لكن هذا الانضباط لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء للاستقلال الفكري. فالمثقف مطالب بأن يوازن بين مقتضيات العمل التنظيمي وحقه في النقد والمراجعة والاختلاف. وكلما استطاع أن يحتفظ بهذه القدرة، أمكن النظر إلى مشاركته باعتبارها فعلًا سياسيًا مستقلًا نسبيًا؛ وكلما تضاءلت هذه القدرة، اقتربت المشاركة من التبعية التنظيمية.
وتتصل بذلك نتائج المشاركة على وظيفة المثقف. فالنتيجة الأولى تتمثل في انتقال المثقف من موقع المراقبة والتحليل إلى موقع الفعل والتأثير. إنه لم يعد يكتفي بتفسير الواقع، بل يصبح شريكًا في بعض القرارات التي تعيد تنظيمه. وهذا الانتقال يضاعف مسؤوليته، لأن الفكرة عندما تدخل المؤسسة تتحول إلى قرار، والقرار يترتب عليه أثر اجتماعي ملموس.
أما النتيجة الثانية فتتمثل في إعادة تشكيل العلاقة مع الجمهور. ففي المجال الثقافي يكون الجمهور قارئًا أو متلقيًا أو محاورًا، بينما يصبح في المجال الانتخابي ناخبًا وشريكًا في منح الشرعية التمثيلية. وهذا التحول يفرض على المثقف درجة أعلى من الوضوح والمساءلة، لأن العلاقة لم تعد قائمة فقط على التأثير الرمزي، وإنما أصبحت قائمة على التمثيل السياسي.
وتتمثل النتيجة الثالثة في احتمال تعرض الاستقلال الفكري لضغوط جديدة. فالمثقف المنتخب قد يجد نفسه أمام التزامات تنظيمية ومواقف جماعية وحسابات انتخابية وتحالفات سياسية، وكلها يمكن أن تحد من قدرته على التعبير عن مواقفه الخاصة. ولذلك فإن الاستقلال لا يصبح قيمة مجردة، بل يتحول إلى ممارسة يومية تتطلب قدرة على التفاوض مع التنظيم دون التخلي عن المبادئ.
أما النتيجة الرابعة فتتصل بإمكان تحول المشاركة إلى إعادة تعريف للمسؤولية الثقافية. فإذا كان المثقف قبل الانتخابات مسؤولًا عن إنتاج المعرفة ونقد الواقع، فإنه بعد دخوله المؤسسة يصبح مسؤولًا أيضًا عن الآثار التي تنتج عن القرارات التي يشارك فيها. وبذلك تتوسع المسؤولية من مسؤولية الخطاب إلى مسؤولية الفعل، ومن مساءلة الآخرين إلى مساءلة الذات.
ومن هنا يمكن القول إن المشاركة الانتخابية قد تنتج مسارين متناقضين. المسار الأول هو تسييس الثقافة بمعنى تحويل الرصيد الثقافي إلى أداة للمنافسة والتموقع، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف الاستقلال النقدي. والمسار الثاني هو تثقيف السياسة بمعنى إدخال المعرفة والنقد والقيم الإنسانية إلى المجال السياسي، وهو ما يمكن أن يمنح مشاركة المثقف قيمة تتجاوز حدود التمثيل الانتخابي.
وهذا التمييز يسمح بإعادة صياغة المسألة في إطار أكثر دقة: ليست المشكلة في أن يصبح المثقف سياسيًا، وإنما في نوع العلاقة التي يقيمها بين الثقافة والسياسة. فإذا أخضعت الثقافة لمنطق المنافسة السياسية فقد المثقف جزءًا من استقلاله؛ وإذا استخدم معرفته لتوسيع أفق الممارسة السياسية وجعلها أكثر ارتباطًا بالمصلحة العامة، أمكن أن تتحول المشاركة إلى امتداد لوظيفته الثقافية.
ومن ثم فإن نتائج المشاركة لا ينبغي أن تُقاس فقط بالموقع الذي يصل إليه المثقف، وإنما بالتحول الذي تحدثه المشاركة في وظيفته وفي منظومته القيمية. هل يصبح أكثر قدرة على التأثير؟ هل يفقد جزءًا من استقلاله؟ هل تتسع مسؤوليته؟ هل يعيد النظر في مواقفه؟ هل يتحول من منتج للخطاب إلى شريك في إنتاج القرار؟ وهل يستطيع، بعد دخوله المؤسسة، أن يحتفظ بالقدرة على نقد المؤسسة نفسها؟
وتتخذ هذه المساءلة في النهاية شكل حركة تشكلية:
شروط المشاركة → آليات الولوج → الالتزام التنظيمي → الممارسة الانتخابية → التمثيل المؤسسي → اختبار الاستقلال → إعادة تشكيل الوظيفة الثقافية → المسؤولية الإنسانية.
وبذلك تصبح دراسة المثقف في المجال الانتخابي دراسةً في تحول الوظيفة الثقافية نفسها عندما تنتقل من فضاء إنتاج المعنى إلى فضاء إنتاج القرار. فالانتخابات لا تغير فقط موقع المثقف، وإنما يمكن أن تعيد تشكيل مفهوم الثقافة لديه، ومفهوم الالتزام، ومفهوم المسؤولية، وحدود علاقته بالحزب والجمهور والمؤسسة.
وعليه، فإن السؤال الحاسم لا يتمثل في معرفة ما إذا كانت المشاركة الانتخابية تزيد المثقف قوة أو تضعفه، وإنما في الكشف عن الشروط والآليات التي تجعلها إما امتدادًا لوظيفته النقدية والإنسانية، وإما سببًا في انحسار هذه الوظيفة أمام منطق التنظيم والمنافسة والموقع. وهذا هو المستوى الذي تصبح فيه المشاركة الانتخابية موضوعًا لتحليل وظيفة المثقف، لا مجرد موضوع للحكم على موقفه السياسي.
خاتمة
تكشف مساءلة علاقة المثقف بالمجال الانتخابي أن المشاركة السياسية لا يمكن اختزالها في مجرد انتقال من المجال الثقافي إلى المجال الحزبي أو المؤسسي، وإنما ينبغي فهمها بوصفها تحولًا في شروط الفعل الثقافي وفي أنماط المسؤولية التي يتحملها المثقف داخل المجال العمومي. فدخول المثقف إلى الانتخابات يضعه أمام بنية جديدة من الالتزامات التنظيمية والتمثيلية والمؤسساتية، ويعيد تشكيل علاقته بالحزب والناخب والمجتمع والقرار، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إلغاء وظيفته الأصلية في إنتاج المعرفة وممارسة النقد.
وقد أظهر التحليل أن الالتزام الحزبي لا يتعارض في ذاته مع الاستقلال الفكري، وإنما تتحدد طبيعة العلاقة بينهما بحسب قدرة المثقف على التمييز بين الانضباط الذي يقتضيه العمل الجماعي والتبعية التي تلغي حرية التفكير. فالمثقف يستطيع أن يكون ملتزمًا بتنظيم سياسي، وفي الوقت نفسه محتفظًا بحقه في المراجعة والاختلاف والنقد، ما دام انتماؤه لا يتحول إلى مرجعية مطلقة تستبدل قناعته الفكرية بالموقف التنظيمي.
كما أن المشاركة الانتخابية تعيد تعريف المسؤولية الثقافية؛ إذ ينتقل المثقف من مسؤولية إنتاج الخطاب ومساءلة الواقع إلى مسؤولية المشاركة في إنتاج بعض القرارات التي تؤثر في الواقع ذاته. ولذلك تصبح المعرفة التي يحملها مطالبة بالتحول إلى ممارسة عمومية، ويصبح الخطاب الذي ينتجه خاضعًا لاختبار أكثر مباشرة يتمثل في قدرته على الإسهام في معالجة قضايا المجتمع والدفاع عن الإنسان وحقوقه وكرامته.
وفي هذا السياق، لا يمثل انتقال المثقف من حزب إلى آخر معيارًا كافيًا للحكم على استقامته أو انحرافه السياسي، لأن المعيار الأعمق يكمن في مدى اتساق التحول السياسي مع التحول الفكري والقيمي. فقد يكون الانتقال تعبيرًا عن مراجعة نقدية للموقف السابق، كما قد يكون تعبيرًا عن التكيف مع المصالح والمواقع؛ ولا يمكن الفصل بين الاحتمالين إلا بتحليل دوافع الانتقال ومساره ونتائجه ومدى استمرار المبادئ المؤسسة لمسار المثقف.
وتتأكد، بناءً على ذلك، مركزية المسؤولية الإنسانية باعتبارها معيارًا يتجاوز الانتماء التنظيمي والمصلحة الانتخابية. فالمثقف حين يدخل المجال الانتخابي لا يصبح مسؤولًا أمام الحزب والناخبين فحسب، وإنما يصبح مسؤولًا كذلك عن الآثار الاجتماعية والإنسانية للمواقف والقرارات التي يشارك في إنتاجها. ومن هنا لا تكون قيمة المشاركة في الوصول إلى المؤسسة، بل في ما إذا كان هذا الوصول يتيح للمثقف أن يجعل السياسة أكثر اتصالًا بالإنسان، وأن يحول الثقافة من رأسمال رمزي إلى معرفة فاعلة في المجال العمومي.
وبذلك تتضح طبيعة التحول الذي يمر به المثقف داخل المجال الانتخابي:
من إنتاج المعنى → إلى المشاركة في إنتاج القرار → إلى اختبار الالتزام → إلى ممارسة النقد → إلى تحمل المسؤولية → إلى إعادة تقييم الموقف.
وهي حركة لا ينبغي فهمها بوصفها انتقالًا خطيًا ينتهي عند الوصول إلى الموقع الانتخابي، وإنما بوصفها سيرورة تشكل لولبية يعيد فيها كل مستوى تشكيل المستوى الآخر. فالمشاركة تعيد تشكيل وعي المثقف، والممارسة تختبر مبادئه، والنقد يعيد بناء علاقته بالتنظيم، والمسؤولية الإنسانية تعيد توجيه الممارسة السياسية، ثم تعود التجربة كلها لتغذي الوعي الثقافي من جديد.
وعليه، فإن استقلال المثقف لا يتحقق بمجرد ابتعاده عن المجال الانتخابي، كما لا يثبت بمجرد دخوله إليه؛ وإنما يتحدد بقدرته على المشاركة دون تبعية، والالتزام دون فقدان الاستقلال، والتمثيل دون اختزال الإنسان في ناخب، والممارسة السياسية دون التخلي عن حق النقد والاختلاف. وفي هذه النقطة تحديدًا تتحدد القيمة الحقيقية للمثقف في المجال الانتخابي: ليس باعتباره مجرد فاعل حزبي أو مرشح انتخابي، وإنما باعتباره فاعلًا معرفيًا وأخلاقيًا يختبر في السياسة مدى قدرة القيم التي يدافع عنها في المجال الثقافي على التحول إلى مسؤولية عمومية.
ومن ثم يمكن استخلاص النتيجة المركزية لهذا المحور في أن المشاركة الانتخابية لا تنهي وظيفة المثقف، وإنما تعيد اختبارها وإعادة تشكيلها؛ فإما أن تتحول إلى امتداد للمشروع الفكري والإنساني، وإما أن تنتهي إلى إخضاع هذا المشروع لمنطق التموقع والتنظيم. وبين هذين الاحتمالين تتحدد المسافة التي يستطيع المثقف أن يحافظ عليها بين الالتزام السياسي واستقلال الضمير، وهي المسافة التي تمنح مشاركته معناها الثقافي والأخلاقي والإنساني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى